تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]؛ أي: صَعِدَ، معنى قولِ ابن عباسٍ: أي صَعِدَ أمرُه إلى السماء (١)» (٢).
ولمْ يَرُدَّ هذه الأقوالَ المخالفةَ لمذهبِ السَّلفِ في الاستواءِ، فلو حُكِمَ عليه من خلال هذين المثالين بأنه يخالفُ مذهب السَّلف في الصِّفاتِ، لكانَ في ذلكَ قصورٌ في البحثِ، وتَجَنٍّ على الأزهريِّ (ت:٣٧٠)، ولكانَ مفترياً على هذا العالمِ الذي ذَكَرَ قاعدتَهُ في ذلك في مواطنَ من كتابه، مثلَ قولِه: «قال (٣): واللهُ هو النَّفَّاحَ المنعم على عباده (٤).
قلتُ: لم أسمعِ النَّفَّاحَ في صفاتِ اللهِ التي جاءتْ في القرآنِ، ثُمَّ في سنَّةِ المصطفى ﵇، ولا يجوزُ عندَ أهلِ العلمِ أنْ يُوصَفَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ بصفةٍ لمْ يُنزِلْها في كتابِه، ولمْ يُبيِّنْها على لسانِ نبيِّه ﵇» (٥).
وليست عقيدةُ العالمِ تُؤخذُ من كلامه في الأسماءِ والصفاتِ فقطُ، فيُحكمُ عليه من خلالها، بلِ العقيدةُ أعمُّ من ذلكَ؛ كمسائل القدرِ والإيمانِ
стр. 422
والإمامة والغيبياتِ وغيرها، فمن رامَ الحُكمَ على عالمٍ في مُعْتَقَدِه من خلالِ مثالٍ أو مثالين، وقعَ في الزَّللِ، وهذا بحثٌ يحتاجُ إلى تفصيلٍ ليسَ هذا محلُّه، واللهُ الموفقُ.
أمَّا ما وردَ عنه في إثبات معتقدِ السَّلفِ، فمنه:
١ - قالَ: «والسَّميعُ من صفاتِ اللهِ وأسمائِه. وهو الَّذي وسِعَ سمعُهُ كُلَّ شيءٍ؛ كما قالَ النبيُّ ﷺ (١).
قالَ اللهُ ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، وقالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف: ٨٠].
قلتُ: والعَجَبُ من قومٍ فسَّرُوا السَّميعَ بمعنى المُسمِعِ، فراراً منْ وصفِ اللهِ بأنَّ له سمعاً.
وقدْ ذكرَ اللهُ الفعلَ في غيرِ موضعٍ من كتابِه، فهو سميعٌ: ذو سَمْع، بلا تكييفٍ ولا تشبيهٍ بالسَّميعِ من خلقِهِ، ولا سمعُهُ كسمعِ خلقِهِ. ونحنُ نَصِفُهُ بما وصفَ به نفسَهُ بلا تحديدٍ ولا تكييفٍ.
ولستُ أُنكِرُ في كلامِ العربِ أنْ يكونَ السَّميعُ سامعاً، ويكونَ مُسمِعاً، وقد قالَ عمرو بن مَعْدِي كَرِبَ (٢):
أَمِنْ رَيَحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
стр. 423
وهو في البيتِ بمعنى: المُسْمِعِ، وهو شاذٌّ، والظَّاهرُ الأكثرُ منْ كلامِ العربِ أنْ يكونَ السَّميعُ بمعنى السَّامعِ؛ مثلَ: عليمٍ وعالمٍ، وقديرٍ وقادرٍ» (١).
في هذا المثالِ أثبتَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) اسمَ السَّميعِ والصِّفةَ التي يتضمَّنُها هذا الاسم، وهي السَّمعُ، وهذا هو الحقُّ الموافقُ لما كانَ عليه السَّلفُ، ثمَّ ردَّ على من أنكرَ صفة السَّمعِ.
٢ - وقالَ: «وأمَّا قولُ اللهِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقالَ (٢) أبو إسحاق (٣): قيلَ: إنَّ كُلَّ ما خلقَ اللهُ يُسبِّحُ بحمدِه، وإنَّ صريرَ السَّقفِ وصريرَ البابِ منَ التَّسبيحِ، فيكونُ ـ على هذا ـ الخطابُ للمشركينَ وحدهم في ﴿وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
وجائزٌ أن يكونَ تسبيحُ هذه الأشياءُ بما اللهُ به أَعْلَمُ لا يُفْقَهُ منه إلاَّ ما عُلِّمنا.
قال: وقال قومٌ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: ما من شيءٍ إلاَّ وفيه دليلُ أنَّ اللهَ ـ جلَّ وعزَّ ـ خالِقُهُ، وأنَّ خالقَهُ حكيمٌ مُبرَّأٌ منَ الأسْوَاءِ، ولكِنَّكم أيها الكفارُ لا تفقهونَ أثرَ الصَّنعةِ في هذه المخلوقاتِ.
قالَ أبو إسحاق: وليس هذا بشيءٍ؛ لأنَّ الَّذينَ خوطِبوا بهذا كانوا مُقرِّين بأنَّ اللهَ خالِقُهم، وخالقُ السماءِ والأرضِ ومنْ فيهنَّ، فكيفَ يجهلونَ الخِلْقَةَ، وهم عارفونَ بها؟! (٤).
стр. 424
قلتُ (١): ومِمَّا يدلُّكَ على أنَّ تسبيحَ هذه المخلوقاتِ تسبيحٌ تُعُبِّدَتْ به، قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ للجبالِ: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، ومعنى: أوِّبي؛ أي: سبِّحي مع داودَ النَّهارَ كُلَّهُ إلى اللَّيلِ. ولا يجوزُ أن يكونَ معنى أمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ للجبالِ بالتأويبِ إلاَّ تَعَبُّداً لها.
وكذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨]، فسجودُ المخلوقاتِ عبادةٌ منها لخالقِها لا نَفْقَهُها عنها، كما لا نفقهُ تسبيحَها.
وكذلكَ قولُه: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقد علم اللهُ هبوطَها منْ خشيتِهِ، ولمْ يُعرِّفنا ذلكَ، فنحنُ نؤمنُ بما أعْلَمَنا، ولا نَدَّعِيَ بما لمْ نُكَلَّفْ بأفْهَامِنَا من عِلْمِ فِعْلِهَا كيفيَّةً نَحُدُّها» (٢).
في هذا المثالِ أثبتَ الأزهريُّ (ت:٣٧٠) عبوديَّةَ هذه المخلوقاتِ، وأنه يقعُ منها فِعْلٌ على الحقيقةِ، وهذا هو الحقُّ الموافقُ لمذهبِ السَّلفِ الصالحِ، وهو ما تَدُلُّ عليه ظاهرُ النُّصوصِ التي لا يجوزُ أن يُتَعَدَّى ظاهرها إلى غيرِه إلاَّ بحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها، وما سوى الظَّاهرِ من التَّأويلِ باطلٌ، والله أعلم.
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قال: «وقولُ اللهِ جَلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، حدَّثني المنذريُّ (٣)، عن أبي بكرٍ الخطَّابيِّ (٤)، عن هُدْبَة (٥)،
стр. 425
عن حمَّاد (١)، عن ثابت (٢)، عن أنس (٣)، قال: قرأ رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾، قال: وَضَعَ إبهامه على قريبٍ من طَرَفِ أُنْمُلَةِ خِنْصَرِهِ، فساخَ الجبلُ (٤).
قالَ حمَّادُ: قلتُ لثابت: تقولُ هذا؟
فقالَ: يقوله رسولُ اللهِ، ويقولُهُ أنسٌ، وأنا أكْتُمُه!
وقالَ الزَّجَّاجُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾: أي ظهر وبان (٥).
وهو قولُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ» (٦).
في هذا المثالِ يظهرُ أخذُ الأزهريِّ (ت:٣٧٠) بظاهرِ النَّصِّ، وتفسيرُه على المعروفِ والمشهورِ من معانيه في اللُّغةِ، دونَ البعدِ به إلى تأويلاتٍ تعتمدُ على شواذِّ اللُّغةِ وقَلِيلِهَا، بسببِ شُبْهَةٍ تَرِدُ على عقلِ فلانٍ أو عَلاَّنٍ.
стр. 426
٤ - وقال: «وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، قالَ الزَّجَّاجُ: هو كما قالَ جَلَّ وعَزَّ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] (١).
قلت: والإضلالُ في كلامِ العربِ ضدُّ الهدايةِ والإرشادِ، يقالُ: أضْلَلْتُ فلاناً عن الطَّريقِ، وإياه أرادَ لَبِيدُ (٢):
مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخَيرِ اهْتَدى ... نَاعِمَ البَالِ وَمَنْ شَاء أضَلْ
وقالَ لَبِيدُ هذا في جاهليتِه، فوافقَ قولُه التَّنْزيلَ، يُضِلُّ من يشاءُ» (٣).
وما ذكر هنا هو الحقُّ، لأنَّ اللهَ سبحانه قد ذكرَ أنه يهدي ويُضِلُّ، ولا يجوزُ أن يُعْتَبَطَ في هذا شذوذٌ من التَّأويلات والتَّحريفاتِ التي أخرجتها عقولٌ مؤوِّلةٌ مأفونةٌ.
وهذه الأمثلة، وغيرها مما لم أنقلْه، تبيِّنُ صِحَّةَ معتقدِ الأزهريِّ (ت:٣٧٠)، وأنه كان على منهجِ السَّلفِ، لذا لم تظهرْ عنده تلك الانحرافاتُ التي تعتمدُ على سَعَةِ اللُّغةِ لإثباتِ صحَّتها، والله الموفق.
стр. 427
المصدرُ الخامس
كتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ
وفيه:
أولاً: كتب غريب الحديث.
ثانياً: كتب الاحتجاج للقراءات.
ثالثاً: كتب شروح دواوين الشعر.
رابعاً: كتب الأدب.
стр. 428
المصدرُ الخامس
كتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ
العلومُ الإسلاميَّةُ علومٌ مترابطةٌ في البحثِ، ولا يمكنُ البحثُ في علمٍ منها دونَ الاستفادةِ منْ غيرِهِ من العلومِ التي تَخدِمُهُ؛ فالفَقِيهُ ـ مثلاً ـ يحتاجُ معَ الإلْمَامِ بالقضايا الفقهيَّةِ إلى علمِ السُّنَّةِ وإلى معرفةِ تفسيرِ القرآنِ، ومعرفةِ اللُّغةِ العربيَّةِ.
وكذا منْ يكتبُ في علمِ الوقفِ والابتداءِ في القرآنِ، يحتاجُ إلى معرفةِ علمِ التَّفسيرِ وعلمِ النَّحْوِ، وهكذا.
ولَمَّا كانَ الأمرُ كذلك، فإنَّك سَتَجِدُ بعضَ الكتبِ، وإنْ كانتْ في الظاهرِ لا تَمُتُّ إلى علمِ اللُّغةِ العربيَّةِ بصلةٍ واضحةٍ، ستجدُها تتعرَّضُ لمسائلَ في علمِ اللُّغةِ.
ولما كانَ البحثُ هنا منصبًّا على البحثِ اللُّغويِّ القرآنيِّ، فإني سأذكرُ مثالاً لهذا الأمرِ، وهو كتابُ «السيرةِ النَّبويَّةِ» لابن هشام (١) (ت:٢١٨)، وقد لاحظتُ فيه اهتمامَ مؤلِّفِه بتفسيرِ ألفاظِ الآياتِ التي يُورِدُها، وبذِكْرِ الشواهدِ
стр. 429
الشِّعريَّةِ لها، وقدْ أحصيتُ له أكثرَ منْ مائةِ مفردةٍ قرآنيَّةٍ قامَ ببيانِ معناها واستشهدَ لكثيرٍ منها بأشعارِ العربِ.
وقدِ استفادَ ابنُ هشامٍ (ت:٢١٨) من شيوخِه البصريِّين في اللُّغة، وحدث عنهم في كتابه؛ كيونسَ النَّحويِّ (ت:١٨٢) (١)، وأبي زيدٍ الأنصاريِّ (ت:٢١٥) (٢)، وكانَ منْ أكثرِهم وروداً عنده: أبو عبيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثنَّى (ت:٢١٠) (٣)، ويظهرُ أنَّ إفادتَهُ منه فيما يتعلَّقُ بتفسيرِ ألفاظِ القرآنِ كانتْ منْ كتابِ (مجازِ القرآنِ). ومنْ أمثلةِ هذه الاستفادةِ:
قولُه: «العَرِمُ: السَّدُّ، واحدتُه عَرِمَةٌ، فيما حدَّثني أبو عبيدةَ. قال الأعشى (٤):
وَفِي ذَاكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ... وَمَارِبُ عَفَى عَلَيهَا العَرِمْ
رُخَامُ بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيَرٌ ... إذا جَاءَ مَوَّارُهُ لَمْ يَرِمْ
فَأَرْوَى الزُّورعَ وَأعْنَابَهَا ... عَلَى سَعَةٍ مَاؤُهُمْ إذْ قُسِمْ
فَصَارُوا أَيَادِيَ مَا يَقْدِرُو ... نَ مِنْهُ على شُرْبِ طِفْلٍ فُطِمْ
وهذه الأبياتُ في قصيدةٍ له.
وقالَ أُمَيَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ ... (٥):
مِنْ سَبَأَ الحَاضِرِينَ مَارِبَ إذْ ... يَبْنُونَ مِنْ دُونِهِ سَيْلَهُ العَرِمَا
стр. 430
وهذا البيتُ في قصيدةٍ له، وتُروى للنابغةِ الجَعْدِيِّ» (١).
ومنْ أمثلةِ تفسيرِه لمفرداتِ ألفاظِ القرآنِ: «قالَ ابنُ هشام: حَصَبُ جَهَنَّمَ: كُلُّ ما أُوقِدَتْ به. قال أبو ذُؤَيب الْهُذَلِي، واسمه: خُويلِدُ بنُ خالد (٢):
فَأَطْفِئْ، وَلاَ تُوقِدْ، وَلاَ تَكُ مِحْضَأً ... لِنَارِ العُدَاةِ أَنْ تَطِيرَ شَكَاتُهَا
وهذا البيتُ في أبياتٍ له ...» (٣).
ولا شكَّ أنَّ وجودَ هذه التفسيراتِ اللُّغويةِ كانتَ أثراً من آثارِ دراستِه اللُّغويةِ التي كانتْ بارزةً في كتابِهِ.
وقد ظهرَ لي أنَّ بعضَ الكُتبِ التي كُتبت في علومٍ أخرى لها علاقةٌ بالبحثِ اللُّغويِّ من قريبٍ أو بعيدٍ، ومنْ ثَمَّ فإنها قدْ تتطرَّقُ للتَّفسيرِ اللُّغويِّ، وبعد الاطلاعِ عليها ظهرَ لي أنَّ ما تطرَّقَ للتَّفسيرِ اللُّغويِّ منها هي:
١ - كتب غريب الحديث.
٢ - كتب الاحتجاج للقراءات.
٣ - كتب شروح دواوين الشعر.
٤ - كتب الأدب.
وسأذكر أمثلة من كتبِ هذه العلومِ.
стр. 431
أولاً كتب غريب الحديث
كتبَ العلماءُ في غريبِ الحديثِ كما كتبوا في غريبِ القرآنِ، وممن كتب فيه: النَّضرُ بن شُميل (ت:٢٠٣)، وقُطْرُبُ (ت:٢٠٦)، والفرَّاءُ (ت:٢٠٧)، وأبو عبيدةَ (ت:٢١٠)، وغيرهم من علماء اللُّغةِ (١).
وقدْ طُبِعَ في هذا العلمِ، كتابُ أبي عبيد القاسم بن سلام (ت:٢٢٤)، وكتاب ابن قتيبة (ت:٢٧٦)، وكتاب إبراهيم الحربي (ت:٢٨٥) (٢)، وكتاب الخَطَّابيِّ (ت:٣٨٨)، وغيرها (٣).
وقد كان البحثُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ فيها، كما هو في معاجمِ كتبِ اللُّغةِ، أي: أنها تبحثُ في دلالةِ الكلمةِ، والاستشهادِ لها بكلامِ العربِ من شعرٍ أو نثرٍ، إنْ وُجِدَ (٤).
стр. 432
كما تُورِدُ هذه الكتبُ القراءاتِ القرآنيةَ: شاذَّها ومتواترَها، وتوجِّه كلَّ قراءةٍ مع نسبها إلى من قرأ بها (١)، ومن ذلك:
في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، قال الحربي (ت:٢٨٥): «أخبرني أبو عمر (٢)، عن الكسائيِّ: قرأ ابن عباس: حَضَبُ (٣)، وقرأ عليُّ: حَطَبُ (٤)، والقراءُ حَصَبُ، ويقال: حَصَبُ جهنَّمَ وحَضَبُ.
والحَضَبُ والحَصَبُ: ما حُصِبت به النارُ.
وأخبرنا سلمةُ (٥) عن الفراء (٦): الحَضَبُ: كلُّ ما هَيَّجْتَ به النَّارَ، وأوقدتَّها به، فهو حَضَبٌ» (٧).
وكانَ النَّقلُ عن اللُّغويِّين ظاهراً في هذه الكتبِ، كما نقلُوا عن السَّلفِ تفسيراتهم، وكان أكثرَهم اهتماماً بنقلِ تفسيرِ السَّلفِ وإسنادِها إليهم إبراهيمُ
стр. 433
الحربيُّ (ت:٢٨٥)، بل كانت نقولُه عنهم أكثرَ من نقولِه عن اللُّغويِّين (١)، وهذا مما يتميَّزُ به عن غيره من كتب غريب الحديث (٢).
وسأذكرُ أمثلةً للتَّفسيرِ اللُّغويِّ من كتابِ غريبِ الحديثِ، لأبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سلامٍ (ت:٢٢٤)، وكتابِ غريبِ الحديثِ، لأبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ الحربيِّ (ت:٢٨٥)
١ - قالَ أبو عُبَيد (ت:٢٢٤): «... فالقواعدُ: هي أصولُها المعترِضَةُ في آفاقِ السَّماءِ.
وأحسِبُها مُشبَّهةً بقواعدِ البيتِ، وهي حيطَانُهُ، الواحدةُ مِنْهَا: قاعدةٌ. قالَ اللهُ : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧].
وأما البواسِقُ: ففروعُها المستطيلَةُ إلى وسطِ السَّماءِ، وإلى الأفقِ الآخرِ.
وكذلكَ كُلُّ طويلٍ، فهو باسقٌ، قال اللهُ ﵎: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]» (٣).
стр. 434
٢ - وقالَ: «قولُه: ما تجانَفْنا فيه لإثمٍ، يقول: ما مِلْنَا إليه، ولا تَعَمَّدْناه ونحن نعلمُه، وكلَّ مائلٍ فهو مُتَجَانفٌ، وجَنِفٌ. ومنه قولُه : ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢].
قالَ: ميلاً.
قالَ أبو عبيدٍ: حدثناه هُشَيمٌ (١)، عن عبدِ المَلِكِ (٢)، عن عَطَاء (٣).
وقالَ لَبِيدُ (٤):
إنِّي امْرُؤٌ مَنَعَتْ أَرُومَةُ عَامِرٍ ... ضَيمِي، وَقَدْ جَنَفَتْ عَلَيَّ خُصُومُ» (٥)
٣ - وقال أبو إسحاق الحربيُّ (ت:٢٨٥): «قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] هو الموزُ، وهو لا شوكَ له.
والطَّلحُ غيرُ منضودٍ، وإنما ذلكَ الموزُ، نُضِدَ بعضُه على بعضٍ.
حَدَّثَنَا عُبيدُ اللهِ (٦)، عنْ يَزِيدَ بنِ زُرَيعٍ، عن التَّيمِيِّ (٧)، عنْ أبي سعيدٍ
стр. 435
الرُّقَاشِيِّ (١)، سألتُ ابن عبَّاسٍ عن الطَّلْحِ، فقالَ: هو الموزُ (٢).
وهو قولُ عليٍّ، وأبي سعيدٍ
(٣)، وأبي هريرةَ، ومجاهدٍ، وعكرمةَ، والحسنِ، وقسامةَ، وقتادةَ (٤).
أخبرنا سلمة عن الفرَّاءِ: ﴿وَطَلْحٍ﴾، قال: زعم المفسِّرونَ أنه الموزُ (٥).
أخبرنا الأثرمُ (٦) عن أبي عبيدةَ: زعمَ المفسِّرونَ أنه الموزُ (٧).
قال إبراهيم (٨): والذينَ قالوا: هو الموزُ، هو غيرُ معنى الحديثِ؛
ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات
الاحتجاجُ للقراءةِ (١): تخريجُ ما جاءَ في القرآنِ، وبيانُ وجهِه في كلامِ العربِ، وقدْ يكونُ بيانَ طريقةِ أداءٍ، أو تصريفِ كلمةٍ، أو إعرابٍ، أو بيانَ معنىً.
والذي يخصُّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ من علمِ الاحتجاجِ للقراءةِ، ما يتعلَّقُ ببَيان المعنى، ويقعُ ذلكَ ـ في الغالب ـ حينما يَرِدُ في الآيةِ قراءتانِ مختلفتانِ في النُّطقِ، ويكونُ لِكُلِّ واحدةٍ منهما معنىً يخالفُ معنى القراءة الأخرى (٢).
ولقد كان الاحتجاجُ للقراءةِ قديماً، وهو منثورٌ في كتبِ التَّفسيرِ ومعاني القرآنِ وغريبِه وغيرِها، ثمَّ ألَّفَ جمعٌ من العلماء فيه استقلالاً؛ منهم: أبو منصور الأزهريُّ (ت:٣٧٠)، وابن خالويه (ت:٣٧٠)، وأبو عليٍّ الفارسي (ت:٣٧٧)، وابن جني (ت:٣٩٢)، وغيرهم.
وسأذكرُ أمثلةً من اختلافِ القراءاتِ التي يختلفُ بها المعنى، ومنْ ذلكَ:
стр. 438
١ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]، حيثُ قرئت بالضَّادِ وبالظَّاءِ، قال ابنُ خَالَوَيه (ت:٣٧٠): «قرأ ابنُ كَثِيرٍ وأبو عمرو والكسائي: «بِظَنِينٍ» بالظَّاءِ؛ أي: بِمُتَّهَمٍ، يقالُ: بئرٌ ظنينٌ: إذا كانَ لا يوثقُ بها.
وقرأ الباقون: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضَّادِ؛ أي: ببخيل؛ أي: ليسَ بخيل (١) بالوحي بما أنزلَ اللهُ منَ القرآنِ فلا يكتُمُهُ أحداً، تقولُ العربُ: ضَنَنْتُ بالشيءِ أَضِنُّ به: إذا بَخِلْتُ به، وينشد (٢):
مَهْلاً أَعَاذِلُ قَدْ جَرَّبْتَ مِنْ خُلُقِي ... إنِّي أَجُودُ لأَقْوَامٍ وَإنْ ضَنُّوا» (٣)
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، قالَ أبو منصورٍ الأزهريُّ (ت:٣٧٠): «من قرأ: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي، فالمعنى: نجعلُها بعدَ بِلاَهَا وهُمُودها ناشزةً تَنْشُزُ بعضُها إلى بعضٍ؛ أي: ترتفعُ، مأخوذةٌ منْ نَشَزَ، والنَّشْزُ: وهو ما ارتفعَ من الأرضِ (٤).
ومنْ قرأ: «نُنْشِرُهَا» بالراء، فمعناه: نُحْيِيهَا، يقال: أنْشَرَ اللهُ الموتى؛ أي: أحياهم فَنَشَرُوا؛ أي: حَيَوا.
стр. 439
ومن قرأ: «نَنْشُرُهَا»، فهو مأخوذٌ منَ النَّشْرِ بعد الطَّيِّ ...» (١).
وقد يقعُ في كتب توجيه القراءاتِ تفسيرٌ لبعضِ الألفاظِ القرآنيَّةِ وإن لم يكنْ فيه خلافٌ في القراءةِ، وإنما يكونُ ذلكَ على سبيل الاستطراد، ومثل ذلك ما ورد عند ابن خَالَوَيه (ت:٣٧٠) من تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]، قال: «أَثَرْنَ بالوادي غباراً» (٢).
وليس في هذا الحرفِ خلافٌ بينَ القُرَّاءِ، وإنما ذُكِرَ هذا التَّفسيرُ استطراداً.
والمقصودُ أنَّ كتبَ الاحتجاجِ للقراءاتِ تُدرِجُ شيئاً من التَّفسيراتِ اللُّغويةِ التي تتناسبُ مع طبيعةِ بحثِها، والله أعلم.
стр. 440
ثالثاً شروح دواوين الشعر
تعتبرُ شروحُ دواوينِ الشِّعْرِ أحدَ المصادرِ اللُّغويَّةِ في بيانِ معاني الألفاظِ؛ لأنَّ الشَّارحَ يَعْمَدُ إلى ألفاظِ شِعْرِ الشَّاعرِ ويبين معانيها، ولو جُمِعَتْ شروحُ هذه الألفاظِ لكوَّنَتْ معجماً يُرادفُ المعاجمَ الموجودةَ (١).
وقدْ قُمْتُ بقراءةِ عِدَّةِ شروحٍ من شروحِ الأشعارِ (٢)، فظهرَ لي منْ خلالِ هذا التتبُّعِ أنَّ طريقتَهم لا تخرجُ ـ في الغالب ـ عنْ طريقةِ أصحابِ المعاجمِ، كما أنَّ الألفاظَ القرآنيَّةَ المشروحةَ قليلةٌ؛ لأنها ليستِ الأصلَ في الشَّرحِ، بل تَرِدُ استطراداً عندَ ذِكْرِ لفظِ الشَّاعرِ المشروحِ، وسأذكر أمثلةً من بعضِها؛ لاتفاقِ منهجِها ـ في الغالب ـ؛ ومنْ أمثلةِ ذلكَ:
١ - في قولِ ذي الرُّمَّةِ (ت:١١٧) (٣):
стр. 441
هَلْ تَعْرِفُ الْمَنْزِلَ بِالْوَحِيدِ ... ثَغْراً عَفَاهُ أَبِدَ الأَبِيدِ
قال شارحُ الديوانِ: أحمدُ بنُ نصرٍ الباهليُّ (ت:٢٣١) (١): «الوحيد: مكانٌ.
والأبد: الدَّهر، قال: دَهْرُ الدُّهورِ.
عَفَاهُ: دَرَسَهُ.
وعَفَا ـ في غيرِ هذا الموضعِ ـ: زَادَ، قَالَ تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]؛ أي: كَثُرُوا» (٢).
٢ - وقال في قولِ ذي الرُّمَّةِ (ت:١١٧):
وَلَبَّسَ بَينَ أَقْوَامٍ، فَكُلٌ ... أَعَدَّ لَهُ السِّفَارَةَ الْمِحَالاَ
قال: «اللَّبسُ: الاختلاطُ.
والسِّفارة: الصُّلحُ بين القومِ، يقالُ: سَفَرَ يَسْفُرُ سِفَارَةً. ويروى: الشَّغَازِبَ؛ أي: الكيدَ والخصومةَ.
والمِحَالُ: الجدالُ، قالَ اللهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣]، وأصلُهُ: المُكَاظَّةُ والأخذُ بالنَّفْسِ» (٣).
٣ - وفي بيت الحُطَيئَةِ:
أَبْلِغْ سَرَاةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ... جَهْدَ الرِّسَالَةِ لاَ أَلْتاً وَلاَ كَذِباً
стр. 442
قال ابنُ السِّكِّيتِ (ت:٢٤٦): «مُغَلْغَلَةً: رسالةً تَتَغَلْغَلُ إليهم حتى تَصِلَ؛ أي: تَخَلَّلُ.
والأَلْتُ: النُّقصانُ، يقالُ: أَلَتَهُ يَالِتُهُ أَلْتاً، وَلاَتَهُ لَيتاً، وأَلاتَهُ، يُلِيتُهُ إِلاَتَةً. قال الله تعالى: ﴿لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]؛ أي: يَنْقُصُكُم، وقال في موضع آخر: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ [الطور: ٢١]» (١).
٤ - وقالَ عندَ قولِ الحُطَيئَةِ:
لهم سُورَةٌ في المجدِ لَوْ تُرْتَدَى بها ... بَرَاطِيلُ جَوَّابٍ، نَبَتْ، ومَنَاقِرُه
قال: «وقوله: لو يُرتدَى بها براطيلُ؛ أرادَ: لو يُرتدَى ببراطيل جوَّابٍ نَبَتْ البراطيلُ والمناقرُ.
والبراطيلُ: جمع بِرْطِيل، وهو المِعْولُ، والبِرْطِيلُ أيضاً: حَجَرٌ طويلٌ قَدْرَ الذِّراع.
والمنقار: الذي يُنْقَرُ به الحجرُ.
والجوَّاب: الذي يجوبُ الرَّكَايَا؛ أي: يحفرُها ويخرقُها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]؛ أي: خَرَقُوا» (٢).
٥ - قالت الخنساءُ:
إنَّ أخِي لَيسَ بِتَرْعِيَّةٍ ... نِكْسٍ هَوَاءِ القَلْبِ ذِي مَاشِيهْ
قال ثعلب (ت:٢٩١) في شرحه: «وقوله (٣): هواء القلب؛ أي لا فؤادَ
стр. 443
له، قلبُه خالٍ، قال اللهُ : ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]؛ أي: خاليةٌ، لا تعي شيئاً» (١).
وعلى هذا الأسلوبِ سارتْ أكثرُ الأمثلةِ التي أوردَها شُرَّاحُ الدواوينِ الشعريَّةِ، وهي أقربُ إلى أسلوب كتبِ معاجمِ اللُّغةِ وكتبِ غريبِ القرآنِ.
стр. 444
رابعاً كُتُبُ الأدَبِ
تشتملُ كتبُ الأدبِ على عِدَّةِ مصنفاتٍ؛ ككتبِ الأمالي، وكتب مجالسِ العلماءِ، وغيرِها، وقد قمت بقراءةِ بعضٍ منها؛ ككتابِ البيانِ والتبيينِ، لأبي عُثْمَانَ عَمْرِو بنِ بَحْرٍ الجَاحِظِ (ت:٢٥٥)، والكَامِلِ في الأدبِ، لمحمد بن يزيد المُبَرِّدِ (ت:٢٨٥)، ومجالسِ ثعلب (ت:٢٩١)، والزاهر في معاني كلمات الناس، لابن الأنباري (ت:٣٢٨)، وأمالي أبي عليٍّ القالِّي (ت:٣٥٦)، وغيرِها (١). وسأذكرُ أمثلةً للتفسيرِ اللُّغويِّ منْ بعضِ هذه الكتبِ:
١ - قال عمرو بن بحرٍ الجاحظ (ت:٢٥٥): «وأنشدَ للحارثِ بن حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيِّ (٢):
لاَ أَعْرِفَنَّكَ إنْ أَرْسَلْتَ قَافِيَةً ... تُلْقِي المَعَاذِيرَ إنْ لَمْ تَنْفَعِ العِذَرُ
إنَّ السَّعِيدَ لَهُ فِي غَيرِهِ عِظَةٌ ... وَفِي التَّجَارُبِ تَحْكِيمٌ وَمُعْتَبَرُ
ومعنى المعاذيرِ هنا غيرُ معنى قول اللهِ ﵎ في القرآنِ: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤، ١٥]، والمعاذيرُ هنا: السُّتورُ» (٣).
стр. 445
٢ - وقال المُبَرِّدُ (ت:٢٨٥): «والودْقُ: المَطَرُ، يقالُ: وَدَقَتِ السماءُ يا فتى وَدْقاً، قالَ : ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ [النور: ٤٣، الروم: ٤٨] ...» (١).
٣ - وقال: «... فإذا قلت: اِنْجَابَ، فمعناهُ: اِنْشَقَ، يقال: المِجْوَبُ، للحديدةِ التي يُثْقَبُ بها العسيبُ.
ويقال: جُبْتُ البلادَ؛ أي: دخلتُها وطوفتُها. وفي القرآنِ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]؛ أي: شَقُّوهُ» (٢).
٤ - وقال أبو العباسِ ثعلبُ (ت:٢٩١): «وفي قوله تعالى: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢]، قال: أخلاط» (٣).
٥ - وقال في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]: «النَّسْيُ: خِرَقُ الحَيضِ التي يُرْمَى بها؛ أي: وكنتُ هذا فيُرمى بِي» (٤).
٦ - وقال ابن الأنباري (ت:٣٢٨): «ومن الحسيبِ قول اللهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]، قال أبو بكر: فيه أربعةُ أقوالٍ، يقال: عالماً، ويقال: مقتدراً، ويقالُ: كافياً، ويقالُ: محاسباً.
قال أبو بكر: سمعتُ أبا العباس أحمد بن يحيى (٥) يقولُ في قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]:
стр. 446
يجوزُ في (مَنْ) الرَّفع والنَّصبُ (١).
فالرَّفعُ على النَّسَقِ على اللهِ (٢). والنَّصبُ على معنى: يكفيكَ اللهُ، ويكفي من اتَّبعكَ من المؤمنينَ» (٣).
وهذا الأسلوبُ الذي ذكرته في التفسيرِ اللُّغويِّ كثيرٌ في كتبِ الأدبِ، ولكنه على تفاوتٍ بينها في القِلَّةِ والكثرةِ، واللهُ الموفقُ.
стр. 447
الباب الثالث
آثار التفسير اللغوي وقواعده
وفيه ثلاثة فصولٍ:
الفصل الأول: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ.
الفصل الثاني: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في انحرافِ المفسرينَ.
الفصل الثالث: قواعدُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ.
стр. 448
الفصل الأول
أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ
وفيه:
أولاً: الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ.
ثانياً: الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ.
ثالثاً: الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهرِ في اللَّفظِ.
رابعاً: الاختلافُ بسببِ أصلِ اللَّفظِ واشتقاقِهِ.
خامساً: الاختلافُ بسببِ النظرِ إلى المعنى القريبِ المتبادرِ للذهنِ والمعنى البعيدِ لِلَّفظِ.
стр. 449
تمهيد
لمَّا كان التَّفسيرُ اللُّغويُّ من أكبر المصادر التفسيريَّة، فإنَّه سيكونُ له أثرٌ كبيرٌ في التَّفسيرِ، ولا شَكَّ.
وقد تأمَّلتُ الألفاظَ القرآنيَّةَ، فوجدتُ أنَّ الألفاظَ على قسمين:
القسمُ الأولُ: اللَّفظُ الذي لا يحتملُ إلاَّ معنًى واحداً، وهو إمَّا ألاَّ يخفى على أحدٍ من العربِ؛ كالأرضِ، والسَّماءِ، والضَّحِكِ، والْحَثِّ، والأساسِ، والنَّبأ، وغيرِها من الألفاظِ العامَّةِ التي لا يجهَلُهَا العربِيُّ.
وإمَّا أنْ يكونَ فيه غرابةٌ على بعضِ النَّاسِ، ولكنَّه ـ كذلك ـ لا يحتملُ إلاَّ معنًى واحداً؛ كالتَّبَابِ، والأحْقَافِ، والشَّانِئ، وغيرِها.
القسمُ الثاني: اللَّفظُ الذي يحتملُ أكثرَ من معنًى في وَضْعِ اللُّغةِ؛ كالقُرْءِ، وعَسْعَسَ، والعَتِيقِ، والحَرْدِ، والمَمْنُونِ، وغيرِها.
وهذا القسمُ هو الذي تَبْرُزُ فيه آثارُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ: لأنَّ اللَّفظَ الذي لا يحتملُ إلاَّ معنًى واحداً لا يمكنُ أنْ يُتَصَوَّرَ فيه وقوعُ الخلافِ.
وقدْ صار هذا الاحتمالُ اللُّغويُّ ذا جانبين في أثرِه في التَّفسيرِ:
أمَّا أوَّلُهما، فيمكنُ أنْ يُوصَفَ بأنَّه سلبيٌّ؛ لأنَّ فيه استعمالاً لهذا الاحتمالِ في الانحرافِ بالتَّفسيرِ إلى غيرِ المعنى المرادِ والصَّحيحِ، وسببُ ذلك ـ في الغالبِ ـ: أنَّ المرءَ يعتقدُ، ثمَّ يبحثُ في الاستدلالِ لهذا المعتقَدِ، فيجدُ في مجازِ اللُّغةِ وقليلِها وشاذِّها ما يكونُ دليلاً له، فيتمسَّكُ به، ويتركُ القولَ الذي هو أقربُ منه ظاهراً وحقيقةً.
стр. 450
وأمَّا الثاني، فيمكنُ أنْ يُوصَفَ بأنَّه الجانبُ الإيجابيُّ، وهو هذه الاحتمالاتُ اللُّغويَّةُ التي أثْرَتْ التَّفسيرَ بسببِ اختلافِ فُهُومِ المفسِّرينَ فيها.
وهذه الاحتمالاتُ قدْ تكونُ الآيةُ قابلةً لها بلا تضادٍّ، وقد لا تكونُ كذلك، ولكُلٍّ حُكْمُهُ من حيثُ القبولُ والرَّدُّ، وسيأتي شيءٌ منْ هذا إنْ شاءَ اللهُ.
وسأجعلُ هذين الجانبينِ في فصلينِ، ثمَّ أُتبِعُهُمَا بفصلٍ فيه شيءٌ من قواعدِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ التي ظهرتْ من خلالِ هذا البحثِ. وسيكونُ تقسيمُ هذه الفصولِ كالآتي:
الفصل الأول: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ.
الفصل الثاني: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في انحرافِ المفسرينَ.
الفصل الثالث: قواعدُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ.
стр. 451
الفصل الأول
أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ
نشأ الخلافُ في التَّفسيرِ نتيجةً للاجتهادِ فيه، وقد يكونُ الخلافُ بسببِ الاختلافِ في اعتمادِ المصدرِ، فهذا يفسِّرُ معتمداً على حديثٍ نبويٍّ، وذاك يفسِّر معتمداً على اللُّغةِ. كما قدْ يحدثُ الخلافُ في الاعتمادِ على المصدرِ الواحدِ، وأكثرُ ما يقعُ ذلك في مصدرِ اللُّغةِ، وذلك راجعٌ إلى الاحتمالِ اللُّغويِّ الذي يَرِدُ على النَّصِّ القرآنِيِّ.
وسأبيِّنُ هنا الخلافَ الذي نشأ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ بسببِ اختلافِ دلالةِ اللَّفظِ في اللُّغةِ. وقدْ ظهرَ لي من خلالِ الاستقراءِ ما يأتي:
أولاً: الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ.
ثانياً: الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ.
ثالثاً: الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهرِ في اللَّفظِ.
رابعاً: الاختلافُ بسببِ أصلِ اللَّفظِ واشتقاقِهِ.
خامساً: الاختلافُ بسببِ النظرِ إلى المعنى القريبِ المتبادرِ للذهنِ والمعنى البعيدِ لِلَّفظِ.
وهناكَ اختلافٌ بسببِ الاختلافِ في القراءةِ، ولم أَرَهُ يدخلُ في هذا البابِ، وإن كانَ يعتمدُ على الدلالةِ اللُّغويَّةِ؛ لأنَّ هذا الاختلافَ واقعٌ في لفظينِ: لكلِّ لَفْظٍ منهما معنى يغايرُ المعنى الآخرَ، بخلافِ ما أنا بصددِهِ هنا، إذ للَّفْظِ الواحدِ أكثرُ من معنًى.
стр. 452
ومنْ أمثلةِ الاختلافِ بسببِ القراءةِ:
قولُه تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] حيثُ وَرَدَ في لفظِ «تبلوا» قراءتانِ: تتلوا بالتاء، وتبلوا بالباء.
قال الأزهري (ت:٣٧٠): «فمنْ قرأ: تبلوا، فمعناه: تَخْبُرُ؛ أي: تَعْلَمُ كلُّ نفسٍ ما قدَّمت. ومنْ قرأ: تتلوا بتاءين، فهو منَ التِّلاوةِ؛ أي: تَقْرَأُ كلُّ نفسٍ، ودليل ذلك قولُه: ﴿اقْرَا كِتَابَكَ﴾ [الإسراء: ١٤].
وقالَ بعضُ المفسرينَ ـ في قوله: تتلوا ـ: تَتْبَعُ كلُّ نفسٍ ما أسلفتْ؛ أي: قدمتْ منْ خَيرٍ أو شَرٍّ» (١).
إنَّ القراءتينِ في هذا المثالِ مختلفتانِ في النُّطْقِ، وتبعَهُ اختلافُ تفسيرِهما، ولذا صارتْ كُلُّ قراءةٍ كأنَّها آية مستقلَّةٌ عن أختها. وهي بهذا خارجةٌ عن المقصودِ في هذا البحثِ (٢).
أمَّا ما وردَ من اختلافِهِم في مدلولِ: تَتْلُوا، بأنه: تَتْبَعُ أو تَقْرَأُ، فهو داخلٌ في هذا البحثِ؛ لأنه اختلافٌ في دلالةِ لفظٍ واحدٍ في صورةٍ واحدةٍ.
وسأشرحُ هذه الأسبابَ، وأذكرُ لكلِّ سببٍ ما يوضِّحه منَ الأمثلةِ.
стр. 453
أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ
ألفاظُ العربِ تردُ على ثلاثةِ أقسامٍ:
الأوَّلُ: اختلافُ اللَّفظينِ لاخْتِلافِ المعنيينِ، وهذا هو الأعمُّ الأغلبُ في ألفاظِ العربِ؛ كقولك: الرَّجُلُ والمَرْأَةُ، واليَومُ واللَّيلَةُ، اختلفَ اللَّفظانِ لاختلافِ المعنيينِ.
الثاني: اختلافُ اللَّفظينِ والمعنى واحدٌ؛ مثلُ: عَيرٍ وحِمَارٍ، وأتَى وجَاءَ، وفي هذا توسُّعٌ في الكلامِ وزيادةٌ في التصرُّفِ بالألفاظِ.
الثالث: أنْ يَتَّفِقَ اللَّفظُ ويختلفَ المعنى، فيكونُ اللَّفظُ الواحدُ على معنيينِ فصاعداً (١).
وهذا القسم أُطلِقَ عليه مصطلح: المشتَرَك اللَّفظي (٢).
стр. 454
وأمثلةُ المشتَرَكِ اللُّغويِّ الذي وقع خلافٌ في تفسيرِه في القرآنِ كثيرةٌ، ومنها ـ على سبيل المثال ـ:
١ - اختلفَ المفسِّرونَ في تفسيرِ لفظِ «النَّجْمِ» من قولِه تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] على قولينِ:
القول الأوَّلُ: النَّجمُ: ما نَبَتَ على وجهِ الأرضِ مما ليسَ له ساقٌ.
وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (١)، وابن جبيرٍ (ت:٩٤) (٢)، والسُّدِّيِّ (ت:١٢٨) (٣)، والكَلْبِيِّ (ت:١٤٦) (٤)، وسُفْيان الثَّورِيُّ (ت:١٦١) (٥).
وأمَّا اللُّغويُّونَ، فقد حكى عنهم الأزهريُّ (ت:٣٧٠) قولَهم، فقال: «وأمَّا قولُه جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، فإنَّ أهلَ اللُّغةِ وأكثرَ أهلِ التَّفسيرِ قالوا: النَّجْمُ: كلُّ ما نَبَتَ على وجهِ الأرضِ مما ليسَ له ساقٌ» (٦).
ومِمَّنْ نصَّ من اللُّغويِّينَ على تفسيرِ النَّجمِ بأنه ما لا ساق له من النبات: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٧)، وأبو عُبَيدَةَ (ت:٢١٠) (٨)، وابن قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٩)،
стр. 455
والمُبَرِّدُ (ت:٢٨٥) (١)، وكُرَاعُ (ت:٣١٠) (٢)، والجَوهَرِيُّ (ت:٣٩٨) (٣)، وغيرُهم.
القولُ الثاني: النَّجْمُ: نَجْمُ السَّماءِ.
وبه قال: مُجَاهِدٌ (ت:١٠٤) (٤)، والحَسَنُ البَصْرِيُّ (ت:١١٠) (٥)، وقَتَادَةُ (ت:١١٧) (٦).
ولم أجدْ من اللُّغويينَ منْ قالَ به، سوى حكايةِ بعضهم له.
قال الزَّجَّاجُ (ت:٣١١): «وقد قيل: إنَّ النجم ـ أيضاً ـ: يراد به النُّجُومُ. وهذا جائز أن يكون؛ لأن الله قد أعلمنا أن النَّجْمَ يسجدُ، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ [الحج: ١٨].
ويجوزُ أن يكونَ النَّجْمُ ههنا، يعني به: ما نبتَ على وجهِ الأرضِ، وما طَلَعَ من نجومِ السماءِ، يقالُ لِكُلِّ ما طَلَعَ: قد نَجَمَ» (٧).
وهذا المثالُ يوضِّحُ أنَّ الخلافَ الذي وقعَ، إنما كانَ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في دَلالةِ لفظِ النَّجْمِ، حيثُ يطلقُ النَّجمُ في لغةِ العربِ ويراد به ما نَجَمَ من الأرضِ، ويطلقُ ويرادُ به نَجْم السَّمَاءِ.
стр. 456
وإذا تأمَّلتَ هذين الوجهينِ التَّفسيريَّن، وجدتَ أنَّ لكلِّ وجهٍ منهما حَظًّا من النَّظَرِ: من حيثُ صحةُ الإطلاقِ في اللُّغةِ أوَّلاً، ثمَّ بصحة حملِهما في سياقِ الآيةِ، فالآيةُ تقبلُ هذه وتقبلُ ذاك على جهةِ التَّفسيرينِ، وهما من باب اختلافِ التَّنوُّعِ الذي تحتملُه الآيةُ بلا تضادٍّ.
قالَ الطَّاهِرُ بنُ عَاشُورَ (ت:١٣٩٣): «وجُعِلَ لَفْظُ النَّجْمِ واسطةَ الانتقالِ لصلاحيتِه؛ لأنَّه يُرادُ منه: نُجُومُ السَّماءِ، وما يسمى نجماً من نباتِ الأرضِ» (١).
ومن ثَمَّ، فتفسيره بأنه ما لا ساق له يناسبُ ما بعده في الآيةِ ـ أي: الشَّجَر ـ لهذا قالَ أصحابُ هذا القولِ: النَّجْمُ: الذي ليسَ له ساقٌ، والشَّجَرُ: الذي له سَاقٌ (٢).
وتفسيره بنجمِ السماءِ يناسبُ ما قبله من الآياتِ الكونيَّةِ العلويَّةِ، وهو قولُه تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥].
٢ - اختلفَ المفسِّرونَ في تفسيرِ لفظِ «الرَّيحَانِ» من قوله تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢] على أقوالٍ، منها:
القول الأول: الرَّيحانُ: الرِّزْقُ.
وبه قال من السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٣)، ومُجَاهِدُ (ت:١٠٤) (٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٥).
стр. 457
وقال به من اللُّغويين: الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (١)، وأبو عُبَيدَةَ (ت:٢١٠) (٢)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:٢٧٦) (٣).
القولُ الثاني: الرَّيحَانُ: نَبْتُ الرَّيحَانِ الَّذي يُشَمُّ.
وقالَ به من السَّلف: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٤)، والضَّحَّاكُ (ت:١٠٥) (٥)، والحَسَنُ البَصْرِيُّ (ت:١١٠) (٦)، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ زَيدٍ (ت:١٨٢) (٧).
وقد حكاه بعضُ اللُّغويِّينَ (٨)، ولم أجد منهم من نصَّ على ذلكَ المعنى، والمقصودُ أنَّ هذا الاختلافَ وَقَعَ بسببِ احتمالِ هذا اللَّفظِ لِلْمَعْنَيَينِ على سبيلِ الاشتراكِ اللُّغويِّ.
٣ - اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «تتلوا» من قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] على قولينِ:
القول الأولُ: تتلوا: تقرأ.
وقال به من السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٩)، ومُجَاهِدٌ (ت:١٠٤) (١٠)،
стр. 458
وعَطَاءُ بُنُ أبي رَبَاحٍ (ت:١١٤) (١)، وقَتَادَةُ (ت:١١٧) (٢).
ومن اللُّغويين: أبو عبيدة (ت:٢١٠) (٣)، وابن قتيبة (ت:٢٧٦) (٤).
القول الثاني: تتلوا: تتبع.
وبه قال من السَّلف: ابن عبَّاس (ت:٦٨) (٥)، وأبو رَزِين الأسديُّ (ت:٨٥) (٦).
وقد بيَّنَ أبو جعفر الطبري (ت:٣١٠) هذا الاشتراك في هذا اللفظ، فقال: «ولِقَولِ القائلِ: هو يتلو كذا. في كلامِ العربِ معنيانِ:
أحدُهما: الاتِّبَاعُ؛ كما يقالُ: تَلَوتَ فلاناً؛ إذا مشيتَ خلفَه وتَبِعْتَ أثرَهُ، كما قالَ جَلَّ ثناؤه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] (٧)؛ يعني بذلك: تتبع.
والآخرُ: القراءةُ والدِّراسةُ؛ كما تقولُ: فلانٌ يتلوا القرآنَ؛ بمعنى: أنه يقرؤه ويدرسُه؛ كما قال حَسَّانُ بُنُ ثَابِتٍ:
نَبِيٌ يَرَى ما لا يَرَى النَّاسُ حَولَهُ ... ويَتلُو كتابَ اللهِ في كلِّ مَشهَدِ
ولم يخبرْنا الله جلَّ ثناؤه ـ بأي معنى التِّلاوةِ كانت تلاوةُ الشَّياطينِ الذين تَلَوا ما تَلَوه من السِّحْرِ على عهدِ سُلَيمَانَ ـ بخبرٍ يقطعُ العذرَ.
стр. 459
وقدْ يجوزُ أنْ تكونَ الشياطينُ تَلَتْ ذلك دراسةً وروايةً وعملاً، فتكونَ كانتْ متَّبِعَتَهُ بالعملِ، ودارسَتَهُ بالروايةِ. فاتَّبعَ اليهودُ منهاجَها في ذلك، وعَمِلَتْ به، وروته» (١).
٤ - واختلفوا في لفظِ «التَّأوِيلِ» منْ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] على قولينِ:
القولُ الأولُ: تَاوِيلُهُ: حَقِيقتُه التي يصيرُ إليها.
ويَدخلُ في ذلك المتشابهُ الذي لا يعلمُهُ إلاَّ اللهُ، وقال بهذا التَّفسيرِ أكثرُ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومن جاء بعدهم من العلماءِ.
والمرادُ بالمتشابهُ هنا: كلَّ ما لم يدركه البشرُ مما ذكرَ في القرآنِ، وهو ما يتعلَّقُ بالغيبيَّاتِ: حقائِقها وكيفيَّاتِها، ووقتَ وقوعِها، دونَ المعنى الذي يمكنُهم علمُه.
ومِمَّنْ قالَ به منَ السَّلفِ: عَائِشَةُ بنت الصِّديقِ (ت:٥٨) (٢)، وعُرْوَةُ بُنُ الزُّبَيرِ (ت:٩٤)، وعُمَرُ بُنُ عَبْدِ العَزِيزِ (ت:١٠١)، ومَالِكُ بُنُ أَنَسٍ (ت:١٧٩) (٣)، وغيرُهم.
وقال به من اللُّغويِّين: عليُّ بن حمزة الكِسَائِيُّ (ت:١٨٣) (٤)، وأبو زكريَّا الفَرَّاءُ (ت:٢٠٧) (٥)، والأخْفشُ (ت:٢١٥) (٦)، وأبو عُبَيدٍ القاسم بن سلام
стр. 460
(ت:٢٢٤) (١)، وأبو حَاتِم السجستانيُّ (ت:٢٥٥) (٢)، وأبو إسحاق الزَّجَّاجُ (ت:٣١١) (٣)، وأبو بكر بن الأنباريِّ (ت:٣٢٨) (٤)، وغيرُهم (٥).
القولُ الثاني: تأويله: تفسيره، ومعرفةُ معناه.
وقال به من السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:٦٨) (٦)، ومجاهد (ت:١٠٤) (٧)، والرَّبيعُ بن أنس البكريُّ (ت:١٣٩) (٨).
ومن اللُّغويِّين: ابنُ قتيبة (ت:٢٧٦) (٩)، وعليُّ بنُ سليمانَ الأخفشُ (ت:٣١٥) (١٠)، وغيرهم. وقد اختارَ ابن جريرٍ الطبري هذا القولَ (ت:٣١٠) (١١).
وسببُ الاختلافِ في هذا احتمالُ لفظِ التَّأويلِ في لغةِ العربِ لهذين المعنيينِ، بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ فيه (١٢)، واللهُ أعلمُ.