Полный текст (207 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الرجلين وجنتي أحدهما وحسن الجنتين وما بينهما كفر صاحبهما واغترَاره وهما من بني إسرائيل ولهما قصة، وقد أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وكونه إلى توهم البقاء وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره بعد المحاورة الواقعة نمط الآيات بينهما إلى إزالة ما تخيل الفتون بقاءه ورجع ذلك كأنه لم يكن ولم يبق بيده إلا الندم، ولا صح له من جنتيه بعد عظيم تلك البهجة سوى التلاشى والعدم. وهذه حال من ركن إلى ما سوى المالك، وكل شىء إلا وجهه فإنه فان وهالك، "إنما الحياة الدنيا لعب ولهو" "ففروا إلى الله ".
ثم أعقب ذلك بضرب مثل الحياة الدنيا لمن اعتبر واستبصر، وأعقب تلك
الآيات بقصة موسى والخضر ﵉ إلى تمامها وفي كل ذلك من تأديب بنى إسرائيل وتقريعهم وتوبيخ مرتكبهم في توقفهم عن الإيمان وتعنيفهم في توهمهم عند فتواهم لكفار قريش بسؤاله ﵇ عن القصص الثلاث، أن قد حازوا العلم وانفردوا بالوقوف على ما لا يعمله غيرهم، فجاء جواب قريش بما يرغم الجميع ويقطع دابرهم، وفي ذكر قصة موسى والخضر إشارة لهم لو عقلوا وتحريك لمن سبقت له منهم السعادة، وتنبيه لكل موفق في تسليم الإحاطة لمن هو العليم الخبير، وبعد تقريعهم وتوبيخهم بما أشير إليه عاد الكلام إلى بقية سؤالهم
فقال: "ويسألونك عن ذي القرنين " إلى آخر القصة (آية: ٨٣) وليس بسط
هذه القصص من مقصودنا وقد حصل ما أردناه ولم يبق إلا السؤال عن وجه
انفصال جوابهم ووقوعه في السورتين مع أن السؤال واحد وهذا ليس من شرطنا فلننسأه بحول الله إلى موضعه إن قدر به.
стр. 72
سورة مريم
لما قال تعالى: "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)
ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين موسى والخضر ﵉ ، وقصة ذي القرنين، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى سببا فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة
زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا مستفهما
ومتعجبا (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)
فأجابه الله تعالى بأن ذلك عليه هين وأنه يجعل ذلك آية للناس
وأمر هذا أعجب من القصص المتقدمة فكأن قد قيل: أم حسبت يا محمد أن
أصحاب الكهف والرقيمِ كانوا من آياتنا عجبا نحن نخبرك بخبرهم ونخبرك بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية وهو قصة زكريا في ابنه يحيى ﵉، وقصة عيسى ﵇ في كينونته بغير أب ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف
стр. 73
عليها شىء من مسبباتها إلا بحسب سنة الله، وإنما الفعل له سبحانه لا لسبب وإلى هذا أشار قوله تعالى لزكريا ﵇ "وقد خلقتك من قبل
ولم تكن شيئا" (آية: ٩) ثم أتبع سبحانه بشارة زكريا بيحيى بإتيانه الحكم صبيا ثم بذكر مريم وابنها ﵉ وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة.
سورة طه
لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم وما منحه وأعطاه وقصص الأنبياء بعده بما
خصهم به، وأعقب ذلك بقوله تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ" (مريم: ٥٨) وكان ظاهر هذا الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العالية والدرجات المنيفة الجليلة لا سيما وقد أتبع ذلك بقوله (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)
كان هذا مظنة إشفاق وخوف فأتبعه تعالى بملاطفة نبيه (محمد) ﷺ -
стр. 74
ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"
وأيضا فقد ختمت سورة مريم بقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)
بعد قوله: (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)
وقد رأى ﵇ من تأخر قريش عن الإسلام ولردها ما أوجب
إشفاقه وخوفه عليهم ولا شك أنه ﵇ يحزنه تأخر إيمانهم ولذلك قيل له: فلا تحزن عليهم ".
فكأنه، ﵊ ظن أنه يستصعب المقصود من
استجابتهم أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة فبشره سبحانه
بقوله: "ما أنزلنا عليه القرآن لتشقى"
فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم فسيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر "فلا يحزنك قولهم " (آية: يس ٧٦) .
ثم أتبع (سبحانه) ذلك تعريفا وتأنيسا بقوله: "الرحمن على العرش
استوى" (آية: ٥) إلى أول قصص موسى ﵇ فأعلم
سبحانه أن الكل خلقه وملكه وتحت قهره وقبضته لا يشذ شىء عن ملكه، فإذا شاء هداية لم من وفقه لم يصعب أمره، ثم أتبع ذلك بقصة موسى ﵇ وما كان منه في إلقائه صغيرا في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول والله أعلم.
стр. 75
سورة الأنبياء
لما تقدم قوله سبحانه "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ" إلى قوله "فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى" (طه: ٣١ ١ - ١٣٥)
قال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)
أي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق ويسأل عن قليل ذلك كثيره "لتسألن يومئذ عن النعيم " (التكاثر: ٨) والأمر قريب "اقترب للناس حسابهم " وأيضا فإنه تعالى لما قال: "وتنذر به قوما لدا" (مريم: ٩٧) وهم الشديدو الخصومة في الباطل المرتكبوا للجج، ثم قال تعالى (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)
استدعت هذه الجملة بسط حال ابتدأت بتأنيسه ﵇ وتسليته حتى لا يشق عليه لردهم، فتضمنت. سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وتأنيسه بقصة موسى ﵇ وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى ﵇ لدد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله وأهلكه
стр. 76
وأورث عباده أرضهم وديارهم، ثم أتبعت بقصة آدم ﵇ ليرى نبيه
ﷺ سننه في عباده حتى أن آدم ﵇ وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من أبناء جنسه فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه، وكل هذا تأنيس للنبي ﷺ ، فإنه إذا تقرر لديه أنها سنة الله تعالى في عباده هان عليه لدد قريش ومكابدتهم ثم ابتدأت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس فبين اقتراب الحساب
ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجليل الجزاء، ثم أتبع سبحانه ذلك بعظات ودلائل ومواعظ وبسط آيات، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته فأهلك من لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفى الأمم "ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها" (آية: ٦) وفي قوله: "أفهم يؤمنون " (آية: ٦) تعزية لرسول الله ﷺ في أمرقريش ومن قبيل ما الكلام بسبيله.
وقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة إبراهيم ﵇ من المواعظ
والتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى الاعتبار بها ما يعقب لمن اعتبر به التسليم والتفويض لله سبحانه والصبر على الابتلاء وهو من مقصود السورة في قوله تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)
إجمال لما فسره النصف الأخير من هذه السورة من تخليص الرسل ﵈ من قومهم واهلاك من أسرف وأفك ولم يؤمن، وفي ذكر تخليص الرسل وتأييدهم الذى تضمنه النصف الأخير من لدن قوله: "ولقد آتينا إبراهبم رشده (آية: ٥١) إلى آخر السورة" كمال الغرض المتقدم من التأنيس وملاءمة ما تضمنته سورة طه وتفصيل المجمل (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨) .
стр. 77
سورة الحج
لما افتتحت سورة الأنبياء بقوله تعالى: "اقترب للناس حسابهم "
وكان في معرض التهديد، وتكرر في مواضع منها كقوله
تعالى: "وإلينا يرجعون " (آية: ٣٥) "سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ" (الآيات: ٣٧ - @ر ٣) "ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك (آية: ٤٦) "ونضع الوازين القسط ليوم القيامة" (آية: ٤٧) "وهم من الساعة مشفقون " (آية: ٤٩) "كل إلينا راجعون " (آية: ٩٣) "وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ" (آية: ٩٧)
"إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) " (آية: ٩٨) "يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ" (آية: ١٠٤)
إلى ما تخلل هذه الآي من التهديد وتشديد الوعيد حتى لا تكاد تجد أمثال هذه الآي في الوعيد والإنذار بما في الساعة وما بعدها وما بين يديها في نظائر هذه السورة، وقد ختمت من ذلك بمثل ما به ابتدئت، اتصل بذلك ما يناسبه من الإعلام بهول الساعة وعظيم أمرها فقال تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم" إلى قوله تعالى "ولكن عذاب الله شديد"
ثم أتبع هذا ببسط الدلالات على البعث الأخير وإقامة البرهان "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ"
ثم قال: "ذلك بأن الله هو الحق " أي اطرد هذا الحكم العجيب ووضح من تقلبكم من حالة إلى حالة قي الأرحام وبعد خروجكم
إلى الدنيا وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم وتشاهدون الأرض على صفة من الهمود
стр. 78
والموت إلى حين نزول الماء فتحيى وتخرج أنواع النبات وضروب الثمرات تسقى بماء واحد "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى"
كما أحياكم أولا وأخرجكم من العدم إلى الوجود وأحيى الأرض بعد موتها وهمودها كذلك تاقي الساعة من غير ريب ولا شك ويبعثكم لما وعدتم من حسابكم وجزائكم "فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ".
سورة المؤمنين
فُصِّل في افتتاحها ما أجمل في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)
وأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع، ولالتحام الكلامين أورد الأول أمرا والثاني مدحة وتعريفا بما به كمال الحال، وكأنه لما أمر المؤمنين وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله كان مظنة لسؤاله عن تفضيل ما أمر به من العبادة وفعل الخير الذى به
стр. 79
يكمل فلاحه فقيل له: المفلح من التزم كذا وكذا وذكر سبعة أضرب من العبادة وفعل الخير الذي يكمل به فلاحه، فقيل له هي أصول لما وراءها ومستتبعة سائر التكاليف، وقد بسط حكم كل عبادة منها وما يتعلق بها في الكتاب والسنة.
ولما كانت المحافظة على الصلاة منافرة إتيان المأثم جملة: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)
لذلك اختتمت بها هذه العبادات بعد التنبيه على محل الصلاة من هذه العبادات بذكر التنبيه على الخشوع فيها أولا، واتبعت هذه الضروب السبعة بذكر أطوار سبعة يتقلب فيها الإنسان قبل خروجه إلى الدنيا فقال تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" إلى قوله: "ثم أنشأناه خلقا آخر فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ "
وكان قد قيل له إنما كمل خلقك وخروجك إلى الدنيا بعد هذه التقلبات السبعة، وإنما تتخلص من دنياك بالتزام هذه العبادات السبع، وقد وقع عقب هذه الآيات قوله تعالى: "ولقد خلقنا فوقك سبع طرائق " (آية: ١٧) ولعل ذلك مما يقرر هذا الاعتبار، ووارد لمناسبته والله أعلم.
وكان صدر هذه السورة مفسرا لما أجمل في الآيات قبلها فكذا الآيات
بعد مفصلة لمجمل ما تقدم في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ"
стр. 80
وهذا كاف في التحام السورتين والله سبحانه المستعان.
سورة النور
لما قال تعالى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) ... "
ثم قال تعالى "فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) "
استدعى الكلام بيان حكم العادين في ذلك، ولم يبين فيها، فأوضحه في
سورة النور فقال تعالى: "الزانية والزاني ... الآية " (آية: ٢) ،
ثم أتبع ذلك بحكم اللعان والقذف، وانجر مع ذلك الإخبار بقصة الإفك تحذيرا للمؤمنين من زلل الألسنة رجما بالغيب "وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ" (آية: ١٥) ، وأتبع ذلك بوعيد محبى شياع الفاحشة في المؤمنين بقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ... الآيات " (آية: ٢٣) ثم بالتحذير من دخول البيوت إلا بعد الاستئذان المشروع، ثم بالأمر بغض البصر للرجال والنساء، ونهي النساء عن إبداء الزينة إلا لمن سمى الله سبحانه في الآية وتكررت هذه المقاصد في هذه السورة إلى ذكر حكم العورات الثلاث، ودخول بيوت الأقارب وذوي الأرحام، وكل هذا مما يبرىء ذمة المؤمن بالتزام ما أمر الله به من ذلك والوقوف عند ما حده تعالى من أن يكون من العادين المذمومين في قوله تعالى: "فمن ابتغى وراء
ذلك فأولئك هم العادون " وما تخلل الآي المذكورات ونسق عليها
стр. 81
مما ليس من الحكم المذكور فلاستجرار الآي إياه واستدعائه ومظنة استيفاء ذلك وبيان ارتباط التفسير، وليس من شرطنا هنا والله سبحانه يوفقنا لفهم كتابه.
سورة الفرقان
لما تضمنت سورة النور بيان كثير من الأحكام كحكم الزنا ورمي
الزوجات به والقذف والاستئذان والحجاب، وإسعاف الفقير والكتابة وغير ذلك، والكشف عن مغيبات من تغاير حالات تبين بمعرفتها والاطلاع عليها الخبيث من الطيب - كإطلاعه سبحانه نبيه والمؤمنين على ما تقوله أهل الِإفك وبيان حالهم واضمحلال محالهم - ثم في قصة المنافقين في إظهارهم ضد ما
يضمرون، ثم كريم وعده للخلفاء الراشدين "وعد الله الذين آمنوا منكم (وعملوا الصالحات) " (النور: ٣٥) ، ثم ما فضح به تعالى منافقي الخندق "
стр. 82
"قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا" إلى آخر الآية
كان في مجموع هذا فرقانا يعتضد به الإيمان ولا ينكره مقر بالرحمن، يشهد لرسول الله ﷺ بصحة رسالته ويوضح مضمن قوله تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)
من عظيم قدره ﷺ ، وعلي جلالته أتبعه سبحانه بقوله: "تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ"
وهو القرآن الفارق بين الحق والباطل والمطلع على ما أخفاه المنافقون وأبطنوه من المكر والكفر "لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا"، فيحذرهم من مرتكبات المنافقين والتشبه بهم، ثم تناسج الكلام والتحم جليل المقصود من ذلك النظام.
وقد تضمنت هذه السورة من النعي على الكفار والتعريف ببهتهم
وسوء مرتكبهم ما لم يتضمن كثير من نظائرهاكقولهم: "ما لهذا الرسول
يأكل الطعام ... الآيات " (آية: ٧) وقولهم: "لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى
ربنا" (آية: ٢١) وقولهم: "لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة" (آية: ٣٢) ، وقولهم: "وما الرحمن " (آية: ٦٠) إلى ما عضَّد هذه وتخللها، ولهذا ختمت بقواطع الوعيد، وأشد التهديد وهو قوله سبحانه (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧) .
стр. 83
سورة الشعراء
لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين وختمت بما
ذكر في الوعيد كان ذلك مظنة لإشفاقه ﵇ وتأسفه على فوت إيمانهم لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته ﵇ وأنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه: "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)
وقد تكرر هذا المعنى عند إرادته تسليته ﵇ كقوله تعالى: "ولو شاء الله لجمعهم على الهدى" "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَ" "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا" "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ"
стр. 84
ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير "أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ " "وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى".
وقل ما تجد في الكتاب العزيز ورود تسليته ﵇ إلا معقبة بقصة
موسى ﵇ وما كابد من بنى إسرائيل وفرعون، وفي كل قصة منها إحراز ما لم تحرزه الأخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكرر، وإنه ظَنَّ ذلك من لم يمعن النظر، فما من قصة من القصص المتكرر في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر إزالتها لنقص من الفائدة ما لا يحصل من غيرها وسنوضح هذا في التفسير بحول الله تعالى.
ئم أتبع جل وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء (عليهم الصلاة
والسلام) مع أممهم على الطريقة المذكورة وتأنيسا له ﵇ حتى لا يهلك نفسه أسفا على فوت إيمان قومه، ثم أتبع سبحانه ذلك بذكر الكتاب وعظيم النعمة به فقال: "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ"
فيا لها كرامة تقصر الألسنة عن شكرها وتعجز العقول عن تقريرها، ثم أخبر تعالى أنه بلسان عربي مبين، ثم أخبر سبحانه بعلي أمر هذا
الكتاب وشائعِ ذكره على ألسنة الرسل والأنبياء ﵈ فقال: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)
وأخبر أن علم بني إسرائيل من أعظم آية وأوضح برهان وبينة، وأن تأمل ذلك كاف، واعتباره شاف، فقال: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)
стр. 85
كعبد الله بن سلام وأشباهه، ثم وبخ تعالى متوقفي العرب فقال: (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)
ثم أتبع ذلك بما يتعظ به المؤمن الخائف من أن الكتاب مع أنه هدى ونور قد يكون محنة في حق طائفة كما قال تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ)
وقال تعالى: في هذا المعنى: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) ،
ثم عاد الكلام إلى تنزيه الكتاب وإجلاله على أن تتسور الشياطين. على شىء منه أو تصل إليه فقال سبحانه: "وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم "
أي ليسوا أهلين له ولا يقدرون على استراق سمعه بل هم معزولون عن السمع مرجومون بالشهب، ثم وصى تعالى نبيه ﷺ والمراد المؤمنون فقال: "فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) ،
ثم أمره بالإنذار ووصاه بالصبر فقال: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) .
ثم أعلم تعالى بموقع ما توهموه وأهلية ما تخيلوه فقال: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) .
ثم وصفهم، وكل هذا تنزيه لنبيه ﵇ على ما يقولوه، ثم هددهم
وتوعدهم فقال: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) .
стр. 86
سورة النمل
لما أوضح في سورة الشعراء عظيم رحمته بالكتاب وبيان ما تضمنه مما فضح
به الأعداء أو رحم به الأولياء وبراءته من أن تتسور الشياطين عليه، وباهر
آياته الداعية من اهتدى بها إليه، فتميز بعظيم آياته كونه فرقانا قاطعا ونورا ساطعا، أتبع ذلك سبحانه ذلك مدحة وثناء، وذكر من شملته رحمته به تخصيصا واعتناء فقال: "تلك آيات القرآن " أي الحاصل عنها مجموع تلك الأنوار آيات القرآن (وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين "
ثم وصفهم ليحصل للتابع قسطه من بركة التبع وليقوى رجاؤه في النجاة مما أشار إليه، وسيعلم الذين ظلموا من عظيم ذلك المطلع، ثم أتبع ذلك بالتنبيه على صفة الأهلين لما تقدم من التقول والافتراء تنزيها لعباده المتقين وأوليائه المخلصين عن دنس الشكوك والافتراء فقال: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) .
أي يتحيرون فلا يفرقون بين النور
стр. 87
والإظلام لارتياب الخواطر والأفهام، ثم أتبع ذلك بتسليته ﵇
بالقصص الواقعة بعد تنشيطا له وتعريفاً بعلو منصبه، وإطلاعا له على
عجيب صنعه تعالى فيمن تقدم، ثم ختمت السورة بذكر أهل القيامة
وبعض ما بين يديها والإشارة إلى الجزاء ونجاة المؤمنين، وتهديد من تنكب عن سبيله ﵇.
سووة القصص
لما تضمن قوله سبحانه: "إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ" إلى آخر السورة من التخويف والترهيب
والإنذار والتهديد ما انجر معه الإشعار بأنه ﵇ سيملك مكة ويفتحها
تعالى عليه، ويذل عتاة قريش ومتمرديهم، ويعز أتباع رسوله ﵇ ومن استضعفته قريش من المؤمنين، أتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من نظير ما
стр. 88
أشار إليه في قصة بني إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون واستيلائه عليهم وفتكه بهم إلى أن أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم.
ولهذا أشار تعالى في كلا القصتين بقوله في الأولى: "سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا"
وبقوله في الثانية: "وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ".
ثم قص ابتداء أمر فرعون واستعصامه بقتل ذكور الأولاد، ثم لم يغن
ذلك عنه من قدر الله شيئا، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار، ودليل أنه سبحانه أنه المنفرد بملكه يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء لا ينازعه نازع ولا يمنعه عما يشاء مانع "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ"، وقد أفصح قوله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ"
بما أشار إليه مجملا ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص ونحن.
نزيده بيانا بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول: إن قوله تعالى
معلما لنبيه ﷺ وآمراً "إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا"
إلى قوله: "وقل الحمد لله سيريكم آياته "
لا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد وشديد الوعيد. ثم في قوله: "رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ".
стр. 89
أشار أنه ﵇ سيفتحها ويملكها لأنها بلدة ربه وملكه وهو عبده
ورسوله، وقد اختصه برسالته وله كل شىء، فالعباد والبلاد ملكه، ففي هذا من الإشارة مثل ما في قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ "
وقوله: "وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ".
أي ليسمعوه فيتذكر من سبقت له السعادة ويلحظ سنة الله في العباد والبلاد، ويسمع ما جرى لمن عاند وعتا، وكذب واستكبر، كيف وقصه الله وأخذه ولم يغن عنه حذره، وأورث مستضعف عباده أرضه ودياره، ومكن لهم في الأرض، وأعز رسله وأتباعهم، "نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون "
أي يصدقون ويعتبرون ويستدلون فيستوضحون وقوله: "سيريكم آياته"
يشير إلى ما حل بهم يوم بدر، وبعد ذلك إلى يوم فتح مكة، وإذعان من لم
يكن يظن انقياده، وإهلاك من ظن تمرده وعناده وانقياد العرب بجملتها بعد
فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجا، وعزة أقوام وذلة آخرين بحاكم " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " (الحجرات: ١٣)
إلى فتح الله على الصحابة (رضوان الله عليهم) ما وعدهم به نبيهم ﷺ ، فكان كما وعد.
فلما تضمنت (هذه الآي ما أشير إليه أعقب بما هو في قوة أن لو قيل
ليس عتوكم بأعظم من عتو فرعون وآله، ولا حال مستضعفى المؤمنين بمكة ممن
стр. 90
قصدتم فتنته في دينه، بدون حال بني إسرائيل حين كان فرعون يمتحنهم
بذبح أبنائهم، فهلا تأملتم عاقبة الفريقين وسلكتهم أنهج الطريقين "أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم" إلى قوله: "فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " (غافر: ٨٢) ، فلو تأملتم ذلك لعلمتم أن العاقبة للمتقين فقال سبحانه بعد افتتاح السورة "إن فرعون علا في الأرض " (آية: ٤) ، ثم ذكر من خبره ما فيه عبرة، وذكر سبحانه آياته الباهرة في أمر موسى ﵇ وحفظه ورعايته وأخذ أم عدوه إياه "عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا" (آية: ٩) فلم يذبح الأبناء خيفة من مولود يهتك ملكه حتى إذا كان ذلك المولود تولى بنفسه تربيته وحفظه وخدمته ليعلم لمن التدبير والإمضاء، كيف يقود سابق الحكم والقضاء فهلا سألت قريش وسمعت وفكرت واعتبرت "أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى: " (طه: ١٣٣) .
ثم أتبع سبحانه ذلك بخروج موسى ﵇ من أرضه "فخرج منها
خائفا يترقب " (آية: ٢١) وما ناله ﵇ في ذلك الخروج من عظيم
السعادة، وفي ذلك شبهة لرسول الله ﷺ على خروجه من مكة وتعزية له، وإعلام بأنه تعالى سيعيده إلى بلده ويفتحه عليه، وبهذا المستشعر من هنا صرح آخر السورة في قوله تعالى: "إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد"
وهذا كاف فيما قصد.
стр. 91
سورة العنكبوت
افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بنى إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح
أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة، ثم ذكر تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم، وانجر مع ذلك بما هو منه، لكن انفصل عن عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراقه حال الطفولة وابتداء الرضاع، وصبرها على أليم ذلك المذاق) حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه، ثم ذكر ابتلاء موسى ﵇ بأمر القبطي وخروجه خائفا يترقب، وحسن عاقبته وعظيم رحمته، وكل هذا ابتلاء أعقب خيرا، وختم برحمة، ثم بضرب آخر من الابتلاء، أعقب محنة وأورث شرا وسوء فتنة، وهو ابتلاء قارون بماله وافتتانه به "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ" فحصل
стр. 92
من هذا أن الابتلاء في غالب الأمر سنة، وجرت منه سبحانه في عباده ليميز
الخبيث من الطيب، وهو المنزه عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به، إذ قد علم كون ذلك منهم قبل كونه، إذ هو موجده وخالقه كان خيرا أو شرا، فكيف يغيب عنه أو يفتقر تعالى إلى ما به يتعرف أحوال العباد، أو يتوقف علمه على سبب "ألا يعلم من خلق " (الملك: ١٤) ولكن هى سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى يشهدوا على أنفسهم وتقوم الحجة عليهم باعترافهم ولا افتقار به تعالى إلى شىء من ذلك.
فلما تضمنت سورة القصص هذا الابتلاء في الخير والشر، وبه وقع افتتاحها
واختتامها هذا، وقد انجر بحكم الإشارة أولا خروج نبينا ﷺ من بلده ومنشئه ليأخذه ﵇ بأوفر حظ مما ابتلى به الرسل والأنبياء من مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعلي درجاتهم ﵈، ثم بشارته ﷺ آخرا بالعودة
والظفر " إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ " (القصص: ٨٥) ، فأعقب سبحانه هذا بقوله معلما للعباد ومنبها أنها سنته فيهم فقال: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)
أي أحسبوا أن يقع الاكتفاء بمجرد استجابتهم وظاهر إنابتهم ولما يقع امتحانهم بالشدائد والمشقات وضروب الاختبارات: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ)
فإذا وقع الابتلاء فمن فريق يتلقون ذلك تلقى العليم، إن ذلك من عند الله ابتلاء واختبارا يكون تسخيرا لهم وتخليصا، ومن فريق
يقابلون ذلك بمرضاة الشيطان والمسارعة إلى الكفر والخذلان "ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ".
стр. 93
ثم أتبع سبحانه هذا بذكر حال بعض الناس ممن يدعي الإيمان، فإذا
أصابه أدنى أذى من الكفار صرفه ذلك عن إيمانه، وكان عنده مقاوما
لعذاب الله الصارف لمن عرفه عن الكفر والمخالفة فقال تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ"
فكيف حال هؤلاء في تلقي ما هو أعظم من الفتنة وأشد في المحنة.
ثم أتبع سبحانه ذلك بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء ﵈
وطول مكابدتهم من قومهم، فذكر نوحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا، وخص هؤلاء ﵈ بالذكر لأنهم من أعظم الرسل مكابدة وأشدهم ابتلاء، أما نوح ﵇، فلبث في قومه كما أخبر الله سبحانه ألف سنة إلا خمسين عاما، وما آمن معه إلا قليل، وأما إبراهيم ﵇ فرمي بالمنجنيق في النار فكانت عليه بردا وسلاما، وقد نطق الكتاب العزيز بخصوص المذكورين (صلى الله عليهما وسلم وعلى الرسل والأنبياء أجمعين) بضروب من الابتلاءات خصلوا على ثوابها وفازوا من عظيم الرتبة النبوية العليا بأسنى نصابها، ثم ذكر تعالى أخذ المكذبين من أممهم فقال: "فكلا أخذنا بذنبه " (آية: ٤٠)
ثم وصى نبيه ﵇ وأوضح حجته وتتابع اتساق الكلام إلى آخر السورة.
стр. 94
سورة الروم
لما عنَّف سبحانه أهل مكة ونعى عليهم قبح صنيعهم في، التغافل عن
الاعتبار بحالهم وكونهم مع قلة عددهم قد منع الله بلدهم عن قاصد نهبه، وكف أيدي العتاة والمتمردين عنهم مع تعاور أيدي المنتهبين من حولهم، وتكرُّر ذلك واطراده صونا منه لحرمه وبيته فقال تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ"
أي أولم يكفهم هذا في الاعتبار ويتبينوا أن ذلك ليس عن قوة منهم ولا حسن دفاع، وإنما هو بصون الله إياهم بمجاورة بيته
وملازمة أمنه مع أنهم أقل العرب، أفلا يرون هذه النعمة ويقابلونها بالشكر
والاستجابة قبل أن يحل بهم نقمه ويسلبهم نعمه، فلما قدم تذكارهم بهذا
أعقبه بذكر طائفة هم أكثر منهم وأشد قوة وأوسع بلادا وقد أيد غيرهم ولم
يغن عنهم انتشارهم وكثرتهم فقال: "الم غلبت الروم في أدنى الأرض ... الآيات "
فذكر تعالى (غلبة) غيرهم لهم، وأنهم ستكون لهم كرة ثم يغلبون، وما ذلك إلا بنصر الله من شاء من عبيده ينصر من يشاء فلو كشف عن أبصار
من كان بمكة من الكفار لرأوا أن اعتصام بلادهم وسلامة ذرياتهم وأولادهم مما
стр. 95
يتكرر على من حولهم من الانتهاب والقتل وسبي الذراري والحرم، إنما هو بمنع الله تعالى وكريم صونه لمن جاور حرمه وبيته، وإلا فالروم أكثر عددا وأطول مددا ومع ذلك تتكرر عليهم الفتكات والغارات وتتوالى عليهم الغلبات أفلا يشكر أهل مكة من أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. وأيضا فإنه سبحانه لما قال: "وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ"
أتبع ذلك سبحانه بذكر تقلب حالها وتبين اضمحلالها ومحالها، وأنها لا تصفو ولا تتم وإنما حالها أبدا التقلب وعدم الثبات، فأخبر بأمر هذه الطائفة التي هى من أكثر أهل الأرض وأمكنهم وهم الروم، وأنهم لا يزالون مرة عليهم وأخرى لهم، فأشبهت حالهم هذه حال اللهو واللعب فوجب اعتبار العاقل بذلك وطلبته الحصول على تنعم دار لا يتقلب حالها، ولا يتوقع انقلابها وزوالها، "وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ"
ومما يقوي هذا المأخذ قوله تعالى: "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا"
أي لو علموا باطنها لتحققوا أنها لهو ولعب ولعرفوا أمر الآخرة "من
عرف نفسه عرف ربه "
ومما يشهد لكل من القصدين ويعضد كلا الأمرين قوله سبحانه: "أولم يسيروا في الأرض ... الآيات " (آية: ٩ وما بعدها) أى لو فعلوا
هذا وتأملوا لشاهدوا من تقلب أحوال الأمم وتغير الأزمنة والقرون ما بين لهم
عدم بقائها على أحد، فتحققوا لهوها ولعبها، وعلموا أن حالهم ستؤول إلى حال من ارتكب في العناد والتكذيب وسوء التبار والهلاك.
стр. 96
سورة لقمان
لما تكرر الآمر بالاعتبار والحض عليه والتنبيه بعجائب المخلوقات في سورة
الروم كقوله: "أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق " (آية: ٨) وقوله "أولم يسيروا في الأرض " (آية: ٩) وقوله: "الله يبدأ الخلق ثم يعيده " (آية: ١١) وقوله: "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " إلى قوله "كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون " ١١ لآيات: ١٩ - ٢٨) وهى عشر آيات تحملت من جليل الاعتبار والتنبيه ما لا تبقى معه شبهة ولا توقف لمن وفق إلى ما بعد هذا من آيات التنبيه وبسط الدلائل، وذكر ما فطر عليه العباد وضرب الأمثال الموضحة سواء السبيل لمن عقل معانيها وتدبر حكمها إلى قوله: "ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل " (آية: ٣٨)
وهي إشارة إلى ما أودع الله كتابه المبين من مختلف الأمثال وسني العظات، وما تحملت هذه السورة من ذلك، أتبع سبحانه ذلك بقوله الحق "الم تلك آيات الكتاب الحكيم "
أي دلائله وبراهينه لمن وفق وسبقت له الحسنى وهم المحسنون الذين
ذكرهم بعد، ووصف الكتاب بالحكيم يشهد لما مهدناه، ثم أشار سبحانه إلى من حرم منفعته والاعتبار به واستبدل الضلالة بالهدى، وتنكب عن سنن فطرة الله التى فطر الناس عليها فقال: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ...
الآيات " (آية: ٦ وما بعدها) ، ثم أتبع ذلك بما يبكت كل معاند ويقطع بكل
جاحد، فذكر خلق السماوات بغير عمد مرئية مشاهدة لا يمكن في أمرها امتراء،
стр. 97
ْثم ذكر خلق الأرض وما أودع فيها ثم قال سبحانه "هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ"
ثم أتبع ذلك بذكر من هداه سبيل الفطرة فلم تزِغ به الشبه ولا تنكب سواء السبيل فقال: "ولقد آتينا لقمان الحكمة ... الآية "
ليبين لنا سنن من أتبع فطرة الله التى تقدم ذكرها فِى سورة الروم ثم
تناسق الكلام وتناسج.
سورة السجدة
لما انطوت سورة الروم على ما قد أشير إليه من التنبيه بعجائب ما أودعه
سبحانه في عالم السماوات والأرض على ذكر الفطرة ثم أتبعت بسورة
стр. 98
لقمان تعريفا بأن مجموع تلك الشواهد من آيات الكتاب وشواهده ودلائله، وأنه قد هدى به من شاء إلى سبيل الفطرة، وان لم يمتحنه بما امتحن به كثيرا ممن ذُكر فلم يغن عنه، ودُعىَ فلم يجب، وتكررت الإنذارات فلم يُصْغِ لها، إن كل ذلك من الهدى والضلال واقع بمشيئته وسابق إرادته، وأتبع سبحانه ذلك بما ينبه المعتبر على صحته فقال: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)
فأعلم سبحانه أن الخلاص والسعادة في الاستسلام له ولما يقع من أحكامه، وعزَّى نبيه، وصبَّره بقوله: "ومن كفر فلا يحزنك كفره "
ثم ذكر تعالى لَجْأ الكل قهرا ورجوعا بحكم اضطرارهم - لوضوح الأمر - إلى الله تعالى فقال: "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ"
ثم وعظ تعالى الكل بقوله: "ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة"
أى أن ذلك لا يشق عليه تعالى ولايصعب، والقليل والكثير سواء، ثم نبه بما يبين ذلك من إيلاج الليل في النهار وجريان الفلك بنعمته "ذلك بأن الله هو الحق "
ثم أكد ما تقدم من رجوعهم في الشدائد إليه فقال: "وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ"
فلما خلصهم سبحانه ونجاهم عادوا إلى سيء أحوالهم هذا، وقد عاينوا رفقة بهم، وأخذهم عند الشدائد بأيديهم، وقد اعترفوا بأنه خلق السماوات وسخر الشمس والأرض والقمر وذلك شاهد من حالهم
بجريانهم على ما قدر لهم ووقوفهم عند حدود السوابق
(وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)
ثم عطف سبحانه على الجميع فدعاهم إلى تقواه وحذرهم يوم المعاد وشدته وحذرهم من الاغترار وأعلمهم
стр. 99
أنه المنفرد بعلم الساعة وإنزال الغيث وعلم ما في الأرحام وما يقع من المكتسبات وحيث يموت كل المخلوقات.
ولما كانت سورة لقمان بما بين من مضمنها محتوية من التنبيه
والتحريك على ما ذكر، ومعلمة بانفراده سبحانه بخلق الكل وملكهم أتبعها تعالى بما يحكم بتسجيل صحة الكتاب وأنه من عنده وأن ما انطوى عليه من الدلائل والبراهين يرفع كل ريب ويزيل كل شك فقال: "الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ"
أى أيقع منهم هذا بعد وضوحه وجلاء شواهده، ثم أتبع ذلك بقوله ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع "
وهو تمام لقوله: "ومن يسلم وجهه إلى الله " ولقوله: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله " ولقوله: "وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين "
ولقوله: "ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون "
بما ذكرتم، ألا ترون أمر لقمان وهدايته بمجرد دليل فطرته فمالكم بعد التذكير وتقريع الزواجر وترادف الدلائل وتعاقب الآيات
متوقفون عن السلوك إلى ربكم وقد أقررتم بأنه خالقكم ولجأتم إليه عند
احتياجكم.
ثم أعلم نبيه ﷺ برجوع من عاند وإجابته حين لا ينفعه رجوع ولا يغنى عنه إجابة فقال: "وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ"
ثم أعلم سبحانه أن الواقع منهم إنما هو بإرادته وسابق من حكمه
ليأخذ الموفق الموقن نفسه بالتسليم فقال: "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا"
стр. 100
كما فعلنا بلقان ومن أردنا توفيقه، ثم ذكر انقسامهم بحسب السوابق
فقال: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)
ثم ذكر مصير الفريقين ومآل الحزبين، ثم أتبع ذلك بسوء حال من ذُكِّر فأعرض فقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا)
وتعلق الكلام إلى آخر السورة.
سورة الأحزاب
افتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه ونهيه عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين،
واتباعه ما يوحى الله إليه تنزيها لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم
ذكره في سورة السجدة، وأمرا له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه "والله يقول الحق وهو يهدي السبيل "
ولما تحصل من السورتين قبل (ما يَعقب العاِلمَ من الخوف أشده لغيبة العلم بالخواتم، وما جرى في السورتين من الإشارة إلى السوابق "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا" كان ذلك مظنة
стр. 101
لتيئيس نبي الله ﷺ وصالحي أتباعه، فلهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة
المضمنة من التأنيس والبشارة ما يجرى على المعهود من لطفه تعالى وسعة
رحمته، فافتتح سبحانه السورة بخطاب نبيه بالتقوى وإعلامه بما قد أعطاه قبل من سلوك سبيل النجاة، وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله
وإيضاح دليله، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر ورد عقب تخويف وإنذار بيان كان ﵇ قد نَزه الله قدره عن أن يكون منه خلاف التقوى وعصمه من كل ما ينافر نزاهة حاله وعَلي منصبه ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص إلا مدحٌ من محمود صفاتهم ومنه: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ..... الآية "
فذكره باسم الرسالة، ومهما كان الأمر أو النهى عدل في الغالب إلى الأعم ومنه "يا أيها النبي اتق الله " "يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال " "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء" "يا أيها النبي لِم تحرم ما أحل الله لك "
"يا أيها النبيء إذا جاءك المؤمنات "،
وقد بين في غير هذا، وإن ما ورد على خلاف هذا القانون فلسبب خاص استدعى العدول عن الطرد كقوله: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ"، فوجه هذا أن قوله سبحانه: "وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ"، موقعه شديد فعدل بذكره ﵇ باسم الرسالة لضرب من التلطف فهو من باب "عفا الله عنك لم أذنت لهم "
وفيه بعض غموض.
стр. 102
وأيضا فإنه لما قيل له: "بلغ " طابق هذا ذكره بالرسالة، فإن المبلغ رسول
والرسول مبلغ ولا يلزم النبى أن يبلغ إلا أن يرسل، وأما قوله تعالى: "يا أيها
الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" (المائدة: ٤١) فأمره وإن كان نهيا أوضح من الأول لأنه تسلية له ﵇ وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه، فماَله راجع إلى ما يرد مدحا مجردا عن الطلب وعلى ما أشير إليه يخرج ما ورد من هذا.
ولما افتتحت هذه السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامه ﵇ من
هذا الأمر بعلى حاله ومزية قدره، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع:
منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه أمهات للمؤمنين فنزههن عن أن
يكون حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن وتخصيصا وإجلالا لنبيه ﷺ .
ومنها قوله تعالى: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب.... الآية"
فنزههم لم عن تطرق سوء أو دخول ارتياب على مصون معتقداتهم وجليل إيمانهم
(قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)
والآية بعد كذلك وهى قوله تعالى: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا".
ومنها "يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ"
فنزههن تعالى وبين شرفهن على من عداهن.
ومنها تنزيه أهل البيت وتكرمتهم "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"..... الآية".
стр. 103
ومنها الأمر بالحجاب "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ"
فنزه المؤمنات عن حالة الجاهلية من التبرج وعدم الحجاب وصانهن عن التبذل والامتهان.
ومنها قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى"
فوصاهم جل وتعالى ونزههم بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن استحق اللعن
والغضب في سوء أدبهم وعظيم مرتكبهم إلى ما تضمنت السورة من هذا القبيل، ثم أتبع سبحانه ما تقدم بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)
ثم قال تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)
وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا" إلى قوله "أَجْرًا كَرِيمًا "
وقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.... الآية"
وقوله تعالى: "إن المسلمين والمسلمات" إلى قوله "أجرا عظيما"
وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً يصلح
الآية إلى قوله عظيما" (آية: ٧٠)
وقوله: "ويتوب الله على المؤمنين والمومنات وكان الله غفورا رحيماً" (آية: ٧٣)
وقوله سبحانه مثنيا على المؤمنين بوفائهم وصدقهم "وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ - إلى قوله:
- وما بدلوا تبديلا" (الآيتان: ٢٢ - ٢٣)
وقوله سبحانه تعظيما لحرمة نبيه ﷺ والمؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) .
وفي هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ما يكسر
سورة الخوف الحاصل في سورتي لقمان والسجدة ويسكن روعهم تأنيسا لا رفعا،
стр. 104
ومن هذا القبيل أيضا ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم وتحسين
خلاصهم كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)
وقوله تعالى: "وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ" إلى قوله: "وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا" (الآيات: ٢٥ - ٢٧) وختم السورة بذكر التوبة والمغفرة أوضح شاهد لما تمهد منْ
دليل قصدها وبيانها على ما وضح والحمد لله، ولما كان حاصلها رحمة ولطفا ونعمة لا يقدر عظيم قدرها وينقطع العالم دون الوفاء بشكرها أعقب بما ينبغى من الحمد (يعنى أول سبأ) .
سورة سبأ
افتتحت بالحمد لله سبحانه لما أعقب بها ما انطوت عليه سورة
الأحزاب من عظيم الآلاء وجليل النعماء حسبما بيَّن آنفا فكان مظنة الحمد
على ما مَنح عباده المؤمنين وأعطاهم فقال تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"
стр. 105
ملكا واختراعا وقد أشار هذا إلى إرغام من توقف منقطعا عن فهم تصرفه سبحانه في عباده بما تقدم وتقريعهم بحسب ما شاء، فكأن قد قيل إذا كانوا له - مِلكا وعبيدا أفلا يتوقف في فعله بهم ما فعل من
تيسير للحسنى أو لغير ذلك مما شاءه بهم على فهم علته أو استطلاع سببه
بل يفعل بهم ما شاء وأراد من غير حجر ولا منع وهو الحكيم الخبير وجه
الحكمة في ذلك التي خفيت عنكم، وأشار قوله: "وله الحمد في الآخرة"
إلى أنه سيطلع عباده المؤمنين من موجبات حمده ما يمنحهم أو يضاعف لهم
من الجزاء وعظيم الثواب في الآخرة على ما لم تبلغه عقولهم في الدنيا ولا وفت به أفكارهم "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ".
ثم أتبع سبحانه ما تقدم من حمده على ما هو أهله ببسط شواهد حكمته
وعلمه فقال تعالى: "يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها (إلى قوله) (وهو الرحيم الغفور) "،
فبرحمته وغفرانه أنال عباده المؤمنين ما خصهم به وأعطاهم، فله الحمد الذى هو أهله، ثم أتبع هذا بذكر إمهاله من كذب كفر مع عظيم اجترائهم لتبين سعة رحمته ومغفرته فقال تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ (إلى قوله) : "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ" (الآيات: ٣ - ٩) أى إن في إمهاله سبحانه لهؤلاء بعد عتوهم واستهزائهم في قولهم: "لا تأتينا الساعة" وقوله: "هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ" (آية: ٧)
وإغضائهم عن الاعتبار بما بين أيديهم من السماء والأرض وأمنهم أخذهم من أي الجهات، ففي إمهالهم وإدرار أرزاقهم مع عظيم مرتكبهم آيات لمن أناب واعتبر، ثم بسط
стр. 106
لعباده المؤمنين من ذكر آلائه ونعمه وتصريفه في مخلوقاته ما يوضح استيلاء قهره وملكه، ويشير إلى عظيم ملكه، كما أعلم في قوله سبحانه: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"
فقال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)
ثم قال (ولسليمان الريح" إلى قوله "اعملوا آل داود شكرا"، ثم أتبع
ذلك بذكر حال من لم يشكر فذكر قصة سبأ إلى آخرها، ثم وبخ (تعالى) من
عبد غيره معه بعد وضوح الأمر وبيانه فقال: "قل ادعوا الذين زعمتم من
دون الله " (آية: ٢٢) إلى وصفه حالهَم الأخروي ومراجعة متكبريهم
ضعفاءَهم، وضعفاءهم متكبريهم "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب "، ثم
التحمت الاآي جارية على ما تقدم من لدن افتتاح السورة إلى ختمها.
سورة فاطر
لما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك السماوات والأرض ومستحق
الحمد في الدنيا والآخرة، أوضحت هذه السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه وأنه الأهل للحمد والمستحق، إذ الكل خلقه وملكه، ولأن السورة الأولى تجردت لتعريف العباد بأن الكل ملكه وخلقه دارت آيها على تعريف عظيم ملكه،
стр. 107
فقد أعطي داود وسليمان ﵉ ما هو كالنقطة في البحار
الزاخرة فلان الحديد وانقادت الرياح والوحوش والطير والجن والإنس مذللة
خاضعة (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)
تعالى ربنا عن الظهير والشريك والند، وتقدس ملكه عن أن تحصي العقول أو تحيط به الأفهام، فتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه، وتجردت هذه الأخرى للتعريف بالاختراع والخلق، وشهد لهذا استمرار آي سورة فاطر على هذا الغرض من التعريف وتنبيهها على الابتداءات كقوله تعالى: "جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة.... الآية " وقوله: "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ... هل من خالق غير الله يرزقكم " (آية: ٢) وقوله: "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا.... الآية " (آية: ٨) وقوله: "الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ... الآية " "والله خلقكم من تراب "
"يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ" (آية: ١٣) ، "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا"
"هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ" (آية: ٣٩) "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا".
فهذه عدة آيات معرفة بابتداء الخلق والاختراع أو مشيرة، ولم يقع من ذلك
في سورة سبأ آية واحدة، ثم إن سورة سبأ جرت آيها على نهج تعريف الملك والتصرف والاستبداد بذلك والإبداء به، وتأمل افتتاحها وقصة داود وسليمان وقوله سبحانه: "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ... الآيات "
يتضح لك ما ذكرناه وما انجر في السورتين مما ظاهره الخروج
стр. 108
عن هذين الغرضين فملتحم ومستدعى بحكم الانجرار بحسب استدعاء
مقاصد الآي، رزقنا الله الفهم عنه بمنه.
سورة يس
لما أوضحت سورة سبأ وسورة فاطر من عظيم ملكه تعالى وتوحده بذلك
وانفراده بالملك والخلق والاختراع ما تنقطع العقول دون تصور أدناه، ولا تحيط من ذلك إلا بما شاءه، وأشارت من البراهين والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت الأفكار قد خمدت عن إدراكها واستولت عليها الغفلة، فكأن قد خمدت عن معهود حراكها، ذكر سبحانه بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره لبيان تلك الآيات واصطفاه بإيضاح تلك البينات فقال تعالى: "يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم "
ثم قال: "لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ"
فأشار
стр. 109
سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار ويبعثه التيقظ بالتذكار، ثم ذكر علة من عمي بعد تحريكه، وإن كان مسببا عن الطبع وشر السابقة "لقد حق القول على أكثرهم.... الآيات "، ثم أشار بعد إلى بعض من عمي عن
عظيم تلك البراهين لأول وهلة قد يهتز عن تحريكه لسابق سعادته فقال
تعالى: "إنا نحن نحيي الموتى " (آية: ١٢) فكذا نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم
"أومن كان ميتا فأحيناه " (الأنعام: ١٢٢) ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل
الكذبين مع بيان الأمر فقال: "واضرب لهم مثلا أصحاب القرية.... الآيات "
(آية: ١٣ وما بعدها) ، وأتبع ذلك سبحانه بما أودع في الوجود من الدلائل
الواضحة والبراهين فقال: "أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ.... الآية " ثم قال: "وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا" إلى قوله "أَفَلَا يَشْكُرُونَ" (آية: ٣٣)
ثم قال: "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار (إلى - قوله) : وكل في فلك
يسبحون " (الآيات: ٣٧ - ٤٠) ثم قال: "وآية لهم أنَّا حملنا ذريتهم (إلى قوله) إلى حين " (الآيات: ٤١ - ٤٤) ثم ذكروا إعراضهم مع عظيم هذه البراهين وتكذيبهم وسوء حالهم عند بعثتهم وندمهم وتوبيخهم وشهادة أعضائهم بأعمالهم ثم تناسجت الآي جارية على ما يلائم ما تقدم إلى آخر السورة.
سورة الصافات
لما تضمنت سورة يس من جليل التنبيه وعظيم الإرشاد ما يهتدي الموفق
باعتبار بعضه ويشتغل المعتبر به في تحصيل مطلوبه وفرضه، ويشهد بأن الملك
стр. 110
بجملته لواحد وإن رغم أنف المعاند والجاحد، أتبعها تعالى بالقسم على
وحدانيته فقال تعالى: "وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)
(إلى قوله) وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) " (الآيات: ١ - ٥)
ثم عاد الكلام إلى التنبيه لعجيب مصنوعاته فقال تعالى: "إنا زينا السماء بزينة الكواكب" إلى قوله "شهاب ثاقب " (الآيات: ٧ - ١٥) ، ثم أتبع بذكر عناد من جحد مع بيان الأمر ووضوحه وضعف ما خلقوا منه (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)
ثم ذكر استبعادهم العودة الأخروية وعظيم حيرتهم وندمهم إذا شاهدوا ما به كذبوا، والتحمت الآي إلى ذكر الرسل مع أممهم وجريهم في العناد والتوقف والتكذيب على سنن متقارب وأخذ كل بذنبه وتخليص رسل الله وحزبه وإبقاء جميل ذكرهم باصطفائه وقربه، ثم عاد الكلام إلى تعنيف المشركين وبيان إفك المعاندين إلى ختم السورة.
سورة ص
لما ذكر تعالى حال الأمم السالفة مغ أنبيائهم في العتو والتكذيب وأن ذلك
أعقبهم الأخذ الوبيل والويل كان هذا مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم، وأنهم قد سبقوا إلى ذلك الارتكاب فحل بالمعاند سوء
следующие страницы →