العلم الرابع: النسخ
قال ﵀: وأما النسخ فهو يتعلق بالأحكام؛ لأنها محل النسخ؛ إذ لا تنسخ الأخبار، ولا بد من معرفة ما وقع في القرآن من الناسخ والمنسوخ والمحكم وهو ما لم ينسخ، وقد صنف الناس في ناسخ القرآن ومنسوخه تصانيف كثيرة، وأحسنها تأليف القاضي أبي بكر بن العربي، وقد ذكرنا في هذه المقدمات باباً في قواعد النسخ، وذكر ما تقرر في القرآن من المنسوخ وذكرنا سائره في مواضعه (١).
قوله: (وقد ذكرنا في هذه المقدمات باباً في قواعد النسخ) هذه المقدمات هي في الباب السابع، أما قوله: (في مواضعه) فيقصد مواضعه من الآيات.
ثم أشار المؤلف إلى الفائدة التي تدل على أن علم الناسخ والمنسوخ هو جزء من أحكام القرآن، وأحكام القرآن ـ المنصوص عليها ـ جزء من التفسير.
قوله: (وأما النسخ فهو يتعلق بالأحكام؛ لأنها محل النسخ إذ لا تنسخ الأخبار).
الأحكام هي محل النسخ؛ والأخبار لا تنسخ، وهي قاعدة مطردة
стр. 107
في علم الناسخ والمنسوخ بلا إشكال، لكن إذا رجعنا إلى بعض التفاسير نجد عن ابن عباس ﵁ (ت٦٨هـ) أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]: هذه منسوخة نسخها قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، فابن عباس أدخل على الخبر النسخ، ونحن نعلم أن هذه الجملة خبر وليست بحكم، والمؤلف قال: إن الأخبار لا تنسخ، فإما أن يكون كلام ابن عباس خطأ، وإما أن يكون تقرير العلماء الذي أُجمِع عليه ـ وهو أن الأخبار لا تنسخ ـ خطأ، وإما أن نقول إن هناك اختلافاً في مفهوم النسخ، وهذا هو الصواب؛ إذ إن فيما يدخل تحت مصطلح النسخ اختلاف بين السلف ومن جاء بعدهم، وإذا أخذنا الأمر بهذا التفصيل، فإن العبارتين صحيحتان؛ نظراً لاختلاف الاعتبار في المراد بالنسخ.
ومن هنا أقول: يجب على طالب العلم أن يعتني بالمصطلحات، وأن يعرف مصطلح كل قوم، وتطور هذه المصطلحات، واختلافها عند العلماء، وإلا وقع طالب العلم في الخلل؛ كما وقع في ذلك بعض المتأخرين في إنكاره النسخ في عبارة ابن عباس.
ويمكن القول بأن النسخ على نوعين:
١ - نسخ كلي: وهذا الذي يدخل في الأحكام، ولا يجري على الأخبار إطلاقاً، وهو مراد المتأخرين.
٢ - نسخ جزئي: وهذا يدخل في الأحكام والأخبار، وهو ما يستخدمه السلف، فهم يستخدمون الكلي والجزئي لكن المتأخرين يستخدمون الكلي فقط، ولما كانوا يستخدمون النسخ الكلي الذي لا يقع إلا في الأحكام قالوا: إن الأخبار لا يقع فيها نسخ، أما السلف فكانوا
стр. 108
يوسعون الدائرة في النسخ الكلي والجزئي، فأي رفع من معنى الآية يعتبرونه نسخاً، ويدخل في ذلك تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل والاستثناء، ومن ثَمَّ فإنه ليس هناك خلاف بين كلام ابن عباس وكلام غيره في هذا الباب.
وفي الناسخ والمنسوخ تصانيف كثيرة جداً، ومن أنفسها:
١ - ما ذكره المؤلف: كتاب «الناسخ والمنسوخ» لأبي بكر بن العربي (ت٥٤٣هـ).
٢ - قبله: كتاب «الناسخ والمنسوخ» لابي عبيد القاسم بن سلام (ت٢٢٤هـ).
٣ - كتاب «الناسخ والمنسوخ» لمكي بن أبي طالب (ت٤٣٧هـ).
٤ - كتاب «الناسخ والمنسوخ» لابن الجوزي (ت٥٩٧هـ).
هذه من أنفس الكتب عند المتقدمين، أما الدراسات المعاصرة ففيها كتب كثيرة، ومن أنفسها:
١ - كتاب «النسخ في القرآن» لمصطفى زيد.
٢ - كتاب الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد الأمين في «الآيات المنسوخة في القرآن».
стр. 109
العلم الخامس: الحديث
قال المصنف ﵀: وأما الحديث فيحتاج المفسر إلى روايته وحفظه لوجهين: الأول: أن كثيراً من الآيات في القرآن نزلت في قومٍ مخصوصين، ونزلت بأسباب قضايا وقعت في زمن النبي ﷺ ، من الغزوات والنوازل والسؤالات، ولا بد من معرفة ذلك لِيُعْلَم فيمن نزلت الآية، وفيما نزلت، ومتى نزلت؟ فإن الناسخ يُبْنَى على معرفة تاريخ النزول لأن المتأخر ناسخ للمتقدم، والوجه الآخر: أنه ورد عن النبي ﷺ كثيرٌ من تفسير القرآن، فيجب معرفته لأن قوله ﵇ مقدم على أقوال الناس (١).
الشرح
هذا العلم الخامس من العلوم التي ذكرها المؤلف، وهو (الحديث)، وقد ذكر قسمين من علم الحديث:
القسم الأول: يمكن أن يطلق عليه ما له حكم الرفع؛ لأنه قال: (إن كثيراً من الآيات في القرآن نزلت في قومٍ مخصوصين، ونزلت بأسباب قضايا وقعت في زمن النبي ﷺ إلى آخر كلامه، وهذا إنما يتعلّق بالحوادث التي نزلت في عهده ﷺ وليست من كلامه ﷺ ، فإذا ورد مثلاً أن الصحابي قال: نزلت هذه الآية في فلان، فالأصل أن هذا له حكم الرفع.
القسم الثاني الذي ذكره: ما يرد عن النبي ﷺ من تفسير القرآن مباشرةً، وهو التفسير النبوي، أما قول المؤلف: (إنه ورد عن النبي ﷺ
стр. 110
كثيرٌ من تفسير القرآن) فإن كان يقصد التفسير النبوي المباشر، ففيه نظر؛ لأن ما رُوِيَ عن النبي ﷺ لم يكن كثيراً، وذلك مثل قوله ﷺ لما قرأ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قال: «ألا إن القوة الرمي» (١)، وفي قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال ﷺ : «إن المغضوب عليهم: اليهود، والضالين: النصارى» (٢).
وهذه التفسيرات النبوية المباشرة قليلة.
وإن كان مراد المؤلف أوسع من هذا المفهوم، وهو أنه قد يرد في السنة ما يشرح القرآن، وما يرد في السنة على مراتب من أعلاها: أن يكون الحديث النبوي مفسراً للآية بحيث لا يكاد يختلف اثنان أن هذا الحديث يفسر هذه الآية، مثل قوله : ﴿وَجِيىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] بعض المفسرين يذكر الحديث المذكور عن النبي ﷺ : «أنه يجاء بجهنم لها سبعون ألف زمام، لكل زمام سبعون ألف ملكٍ يجرونها» (٣)، فهذه التفاصيل في مجيء جهنم إنما علمت من جهته ﷺ .
فإذا ورد في الحديث ما يكون موافقاً لمعنى الآية، وقام المفسِر بحمل الحديث على الآية، فإن هذا ـ بلا شك ـ من عمل المفسر.
وفي بعض الأحيان قد يكون التوافق الشديد بين معنى الآية وبين معنى الحديث واضحاً وضوحاً تاماً، فإذا أدخلنا هذا النوع فلا شك أنه سيكون كثيراً.
وقد قال المؤلف في وجوه الترجيح: (الثاني: حديث النبي ﷺ
стр. 111
فإذا أراد ﵇ تفسير شيءٍ من القرآن عولنا عليه، لا سيما إن ورد في الحديث الصحيح)، فإذا وقع خلاف بين المفسرين، وكان عندنا تفسير نبوي مباشر، فلا شك أنه إذا ثبت عن النبي ﷺ فإنه يقدم على قول غيره بلا ريب، وهذا بإجماع، لكن إن وقع تفسير النبي ﷺ في حديث من أحاديثه دون أن يكون هناك نصٌّ أنها تفسير للآية فقد يقع الخلاف، ومن خالف لا يكون مخالفاً للتفسير النبوي، ولكي يتضح الأمر نقول: إذا ورد في تفسير آية حديثٌ عن النبي ﷺ يوافق معناه معنى الآية، ولم يفسر به المفسر فترك المفسر له واختياره لقول آخر لا يعد من باب ترك التفسير النبوي؛ لأن المسألة رجعت إلى الاجتهاد.
مثال ذلك: قوله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] معلوم أن في الآية قولين:
القول الأول: أن المراد بالساق هنا هي ساق الرب ، ويدل على ذلك حديث رواه البخاري وغيره: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة فيبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً» (١)، فهذا الحديث في جميع رواياته لم يشر النبي ﷺ إلى أنه يفسِّر الآية.
القول الثاني: أن المراد بالساق: ما تكشفه القيامة من أهوالها وكربها، وهذا قول ابن عباس وبعض تلاميذه.
فصار عندنا تفسيرٌ نحا منحى لغوياً وهو تفسير ابن عباس، وتفسير آخر أخذ بحديث ثبت عن النبي ﷺ ، ولكن لا يعد ابن عباس ومن تبعه مخالفين للتفسير النبوي؛ لأن النبي ﷺ هنا لم يفسر هذه الآية، وإنما تشابه ما ذكر ﷺ مع شيءٍ مما في الآية، وليس كل الآية؛ لأننا لو
وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْباً، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ، قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِى إِخْوَانِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا.
فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ. وَيُحَرِّمُ اللهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيَاتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ بَقِيَتْ شَفَاعَتِي. فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَاماً قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ إِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلاَ خَيْرٍ قَدَّمُوهُ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ»، وظاهر من هذا الحديث أن الذين يُكشف لهم ساق الرحمن هم المؤمنون ومن كان يسجد لله رياء وسمعة، أما غيرهم من الكفار ففي النار، وسياق الآية في الكفار، والسورة مكية تخاطبهم، ومن كان يسجد رياءً وسمعة «النفاق» لم يظهر إلا في المدينة؛ لذا لم يتطابق الحديث مع الآية وإنما فيه تشابه في بعض أجزائهما.
стр. 114
والمقصود من هذا أنه حينما يأتي تفسير عن السلف بهذا أو بذاك فلا يكون هناك نكير، فمن ذهب إلى اعتماد الحديث فله رأيه ومصدره، ومن ذهب إلى اعتماد المدلول اللغوي فله رأيه ومصدره، لكن لو ثبت أن كلام النبي ﷺ هذا يفسر القرآن، لقلنا: إن الرسول ﷺ حدد المدلول اللغوي المناسب والمراد لقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾.
تنبيه:
لو سلمنا جدلاً أن الآية ليست من آيات الصفات كما يقوله المخالفون ويستدلون بتفسير ابن عباس لها على عدم إثبات الساق له، فنقول: ثبوت ساق الرب ليس في هذه الآية فقط بل هو ثابت بغيرها، والحديث صريح جداً: «يكشف ربنا عن ساقه»، وهذا لا تدخله مجازات، وبهذا يتحرر أن تفسير ابن عباس ليس خلاف منهج أهل السنة والجماعة؛ لأنه لم ينكر ثبوت صفة الساق فيُحتجَّ بتفسيره هنا، وثبوت الساق عنده من خلال الحديث النبوي بلا ريب.
لكن المخالف يُنكِرُ صفة الساق ويؤولها سواء في الحديث أو في الآية، وهذا الفرق بين المذهبين، فابن عباس ﵁ ومن ذهب مذهبه لا ينكرون ساق الرب؛ لأنها ثابتة ثبوتاً واضحاً صريحاً في أحاديث النبي ﷺ .
وأخيراً، فالحديث النبوي ـ بشقيه سواء أكان تفسيراً نبوياً مباشراً أم كان حديث النبي ﷺ من غير التفسير ـ من المصادر التي يحتاجها المفسر.
стр. 115
العلم السادس: القصص
قال ﵀: وأما القصص فهي من جملة العلوم التي تضمنها القرآن، فلا بد من تفسيره إلا أن الضروري منه ما يتوقف التفسير عليه، وما سوى ذلك زيادة مستغنًى عنها، وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح حتى إنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصير بمنصب الأنبياء ﵈، أو حكاية ما يجب تنزيههم عنه، وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القصص ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه بالحديث الصحيح (١).
الشرح
قوله: (وأما القصص فهو من جملة العلوم التي تضمنها القرآن) لا شكَّ أن القصص من العلوم التي تضمنها القرآن، وهي من موضوعاته، وبعضها مما لا يشاركه فيها غيره من المصادر، وبعضها قد يكون مذكوراً في مصادر سابقة، لكن القرآن يتميز عليها بكونه صدق وحقٌّ، لم يدخله تحريف ولا تبديل.
ثم قال: (إلا أن الضروري منه ما يتوقف التفسير عليه، وما سوى ذلك زيادة مستغنى عنها) فالضروري من القصص ما يتوقف التفسير عليه وما عداه فهو زائد في الغالب، وهو ما يؤخذ من غير المصادر الإسلامية خصوصاً إذا كان من مرويات بني إسرائيل، لكن ليس كل ما هو زائد
стр. 116
على القصص القرآني يكون مستغنى عنه؛ لأن هناك قصصٌ نبوية شارحة لبعض القصص القرآني وفيها فوائد لم تذكر في القرآن، مثل قصة موسى مع الخضر، فالله قصَّ القصة في سورة الكهف، والرسول ﷺ لما قصها أضاف إضافات ليست موجودة في الآيات، فلا يقال: إنه مما يستغنى عنه ما دام فيه فائدة.
ثم عاب المؤلف على بعض المفسرين حكاية القصص غير الصحيح فقال: (وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح، حتى إنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصير بمنصب الأنبياء ﵈، أو حكاية ما يجب تنزيههم عنه).
في هذا الموضوع أمور تحتاج إلى تجلية، فأقول:
إن نقل أصحاب كتب التفسير لهذه المرويات لا يخرج عن حالتين:
الأولى: أن يكون هؤلاء المفسِّرون قد نقلوا مباشرة من أهل الكتاب، وهذا نادر جدّاً.
الثانية: أن يكون أمثال الطبري (ت٣١٠هـ) والثعلبي (ت٤٢٧هـ) نقلة للتفسير، ويكون من جملة ما نقلوه ما رووه عن السلف من هذه الأخبار.
وإذا كان الأمر كذلك فلا تثريب عليهم في نقلهم، وإن كان سيلحق اللوم بأحد، فإنه سيلحق من نقلوا عنه من السلف، كعمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس.
ومستند هؤلاء الصحابة ومن جاء بعدهم في حكاية ما ورد عن بني إسرائيل من قصص هو الإباحة النبوية، وذلك في قوله ﷺ : «وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (١).
стр. 117
إن الذي رفع الحرج هو النبي ﷺ بعد أن نَهَى فترةً عن التحديث عنهم ـ فلماذا يأتي بعض الباحثين اليوم بتضييق ما رُفع عنَّا فيه الحرج، فهل يريد أن يستدرك على هذا الحديث أم ماذا؟!
والمنهج الذي نتعامل به مع الإسرائيليات كما هو وارد في الأخبار ما يأتي:
١ - جواز التحديث عنهم كما أجازه ﷺ .
٢ - التحديث عنهم بدون تصديق ولا تكذيب كما قال ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» (١)، وهذا يعني أن الإسرائيليات مجرد أخبار لا تصدق ولا تكذب.
٣ - نضيف إلى هذا طريقة عمل السلف مع هذه المرويات، فهم لم يقبلوها مطلقاً ولم يردوها مطلقاً، وإنما كانوا إذا قبلوا شيئاً قبلوه بحجة، كما عند عليٍّ ﵁ عندما جاءه يهودي فسأله علي: أين النار؟ قال: في البحر، قال علي: ما أُراه إلا صادقاً ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] بالتخفيف (٢).
إن عليّاً ﵁ لما صدَّق خبر اليهودي لم يصدقه تصديقاً مطلقاً مجرداً، وإنما كان عنده حجة يرجع إليها.
ويبدو أن التشدد الواقع اليوم على مرويات بني إسرائيل لا يخلو من سببين:
الأول: ما تراه من افترائهم على أنبياء الله، وإلصاق التهم بهم.
الثاني: ما نراه من تسلط دولة يهود، وعيثها في الأرض فساداً، مما أحدث ردة فعل تجاه كل ما هو من بني إسرائيل.
стр. 118
وهذا له وجه، لكن الله أمرنا بالعدل، فقال: ﴿... وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وليس من العدل أن نقول: إن كل ما عندهم هو خطأ، وأنه لا تجوز روايته، بل عندهم خطأ كثير، وعندهم صواب، ولا ندع صوابهم لأجل كثرة خطئهم.
وهذا المنهج المتشدد في كثير من الدراسات المعاصرة ليس هو المنهج الصحيح؛ لأن الأصل عندنا أن نأخذ عن النبي ﷺ ، فهو الذي أباح لنا، وهو الذي أرشدنا إلى عدم التصديق وعدم التكذيب، ولا نصدق ولا نكذب إلا بالبرهان مثلما فعل السلف، فمعاوية ﵁ (ت٦٠هـ) يقول عن كعب الأحبار: «وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب» (١)، وليس يقصد أنه يكذب، وإنما يقصد أن نبلوا ما في أخبارهم من كذب فنميز ما فيها.
والسلف لم يكن عندهم قصور في تصور هذه المسألة، وأنهم كانوا يُدخلون ما هبَّ ودبَّ من دون تعقُّل، هذا ليس بصحيح إطلاقاً. كما أننا لن نكون ـ وهذا مما يلزم أن يعلمه طلاب العلم ـ أحسن حالاً في العلم من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولن نكون أحسن حالاً منهم في تفسير القرآن وتنزيه الأنبياء أبداً، فهم الأعلم والأسلم والأحكم والأفهم في هذه الأمور، فإذا تقرر هذا حسُن بنا أن نرجع إلى علمهم وأن نعرف كيف علموه وكيف تعلموه وكيف تعاملوا معه.
أما أن نقعِّد قواعد ثم نحكِّم أقوال السلف بها فلا؛ فقواعدنا يقع فيها الخلل من جهة كونها لا تستوعب مصطلح السلف بحذافيره، لذا سيؤدي تحكيمها على أقوال السلف إلى الاعتراض عليهم أو ردِّ أقوالهم كما في قضية الناسخ والمنسوخ التي سبق التفصيل فيها.
стр. 119
ومما يصلح ذكره هنا ما يتعلق بمنصب النبوة وما الذي يجوز على الأنبياء؟
فأقول: الشرع هو الذي يحدد ما يجوز وما لا يجوز، والعقل تبع للشرع في هذا، بمعنى ألا يعترض على ما يثبت بالشرع في حق الأنبياء، لكن هذا الموضوع دخله التحكم العقلي، وصارت تُردُّ ظواهر بعض النصوص بدعوى مخالفتها للعصمة (أي: العصمة التي يفترضها المفسِّر، وليست العصمة التي هي بمقتضى الشرع)، كما وقع من أقوال مخالفة لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيناً *لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١، ٢].
كما صارت تُردُّ بعض ما يصح وقوعه من القصص الواردة في حقِّ بعض الأنبياء بدعوى مخالفتها للعصمة، دون النظر فيما قد يصحُّ من القصة من جهة الاحتمال، لا من جهة ثبوت الحادثة، كما ورد في قصة سليمان ﵇ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤]، فالجسد ـ كما ورد عن مفسري السلف ـ هو الشيطان الذي تسلط على ملك سليمان ﵇، وهذا القدر من القصة له ما يشهد له من جهة وقوعه كوناً، فأيوب ﵇ يقول: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] فقد مسَّه الشيطان وتسلط عليه، والرسول ﷺ سُحر، والسِّحرُ من الشيطان، وهذا فيه تسلط، لكنه تسلطٌ في أمور مادية دنيوية، وليس تسليطاً على الجانب النبوي.
وبهذا فإن مبدأ تسلُّط الشيطان على الأنبياء واقع وموجود، ويجوز أن نذكر هذا القدر من هذه الرواية من باب الاحتمال، وليس من باب الثبوت، ولا يخالف هذا عصمة سليمان ﵇، وما عدا ذلك مما في القصة من التفاصيل فإنه لا يمكن إثباتها إلا بحجة من الشارع، وبهذا نفرق بين إثبات أصل القصة وإثبات تفاصيلها؛ كمُدَّةِ هذا التسلُّط
стр. 120
ومقداره، فهذا لا يمكن أن يُثبت من الرواية الإسرائيلية الموجودة إطلاقاً، لذا يدخل فيما لا يصدق ولا يكذب.
أما إذا كان مما يُتفَق عليه أنه يخالف ما عُرف من حال الأنبياء كما يذكر في الرواية هذه أن الشيطان تسلَّط على نساء سليمان بنكاحهنَّ فهذا مما يُعلم بطلانه؛ لمخالفته لحال الأنبياء، وهذا مما وقع الإجماع على إنكاره.
ونحن نحتاج إلى التعامل مع القصص بطريقة علمية لا عاطفية، على حدِّ قوله تعالى: ﴿... وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وبعض الإسرائيليات ورد عن جماعة من الصحابة؛ كعمر (ت٢٣هـ)، وابن مسعود (ت٣٢هـ)، وابن عباس (ت٦٨هـ)، وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
ومما ورد عن عمر ذكره لقوة موسى ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، قال ابن كثير: «قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص: ٢٤] قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن ميمون الأوْدي، عن عمر بن الخطاب ﵁، أن موسى ﵇، لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوباً واحداً حتى رويت الغنم. إسناد صحيح» (١).
стр. 121
وهذا الوارد عن عمر لا ننكره؛ لأن فيه غرابة ولا نستبعد أنه كان فيه قوة عشرة رجال.
والمقصود أن ننتبه إلى أن ضابط العصمة والكلام الذي ذكره المؤلف يحتاج إلى ضبط؛ ولتعلم أنَّ الأصل في معرفة ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز فيما يتعلق بالأنبياء إنما يؤخذ من الشرع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى منهجه في نقل الإسرائيليات، فقال: (وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القصص ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه بالحديث الصحيح).
وقوله: (ما يتوقف التفسير عليه) يفيد في تحديد ماهية التفسير، وأن بعض المعلومات التي تُذكر في كتب التفسير ليس لها أثر في التفسير، وهذه المعلومات إما أن تكون فضلة، وإما أن تكون من علوم القرآن.
وأما اقتصاره على ما ورد من الحديث الصحيح، فهو منهج حسن، لكن ليس بملزم لغيره ممن أخذ بالتصريح النبوي في تجويزه الرواية عن بني إسرائيل في قوله ﷺ : «وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» رواه البخاري.
стр. 122
العلم السابع: التصوف
قال ﵀: وأما التصوف فله تعلق بالقرآن لما ورد في القرآن من المعارف الإلهية ورياضة النفوس وتنوير القلوب وتطهيرها باكتساب الأخلاق الحميدة واجتناب الأخلاق الذميمة، وقد تكلمت المتصوفة في تفسير القرآن، فمنهم من أحسن وأجاد، ووصل بنور بصيرته إلى دقائق المعاني، ووقف على حقيقة المراد، ومنهم من توغل في الباطنية وحمل القرآن على ما لا تقتضيه اللغة العربية، وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي كلامهم في التفسير في كتابٍ سمَّاه «الحقائق»، وقال بعض العلماء: بل هي البواطل، وإذا أنصفنا قلنا: فيه حقائق وبواطل.
وقد ذكرنا هذا الكتاب في ما يستحسن من الإشارات الصوفية دون ما يعترض أو يقدح فيه، وتكلمنا أيضاً على اثني عشر مقاماً من مقامات التصوف في مواضعها من القرآن، فتكلمنا على الشكر في أم القرآن، لما بين الحمد والشكر من الاشتراك في المعنى، وتكلمنا على التقوى في قوله تعالى في البقرة: ﴿هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وعلى الذكر في قوله فيها: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وعلى الصبر في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، وعلى التوحيد في قوله فيها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وعلى المحبة في قوله فيها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وعلى التوكل في قوله في آل عمران: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وعلى المراقبة في قوله في النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وعلى الخوف والرجاء في قوله في (الأعراف): ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وعلى التوبة في قوله في
стр. 123
(النور): ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١]، وعلى الإخلاص في قوله في (لم يكن): ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (١).
هذا الكلام يتعلق بالتصوف، وقد سبق أن نبهتُ إلى أنه ليس من علوم القرآن، بل هو نتاج وثمرة للعلم.
وقد علل المؤلف سبب تعلقه بالقرآن، فقال: (لما ورد في القرآن من المعارف الإلهية، ورياضة النفوس وتنوير القلوب)، وإننا لو أخذنا حجة المؤلف وأجريناها على علوم أخرى غير علم التصوف وغير العلوم التي ذكرها، سنجد أن غيرها يمكن أن يدخل معها، لكن كأن المؤلف يريد أن ينبه على التصوف؛ لإرادة تزكية النفوس بالقرآن، والتزكية من أهم ثمرات القرآن.
وتزكية النفوس بالقرآن في معزلٍ عن علوم القرآن، وفي معزلٍ عن التفسير أصلاً؛ لأنها تدخل في باب الآثار والنتائج.
ثم قال بعد ذلك: (وقد تكلمت المتصوفة في تفسير القرآن فمنهم من أحسن وأجاد ووصل بنور بصيرته إلى دقائق المعاني، ووقف على حقيقة المراد، ومنهم من توغل في الباطنية، وحمل القرآن على ما لا تقتضيه اللغة العربية).
يلاحظ أن المتصوفة صاروا فرقة خاصة، وما داموا كذلك؛ فإن لهم مراجعهم ومصادرهم ومصطلحاتهم الخاصة، وهذه مشكلة في حد ذاتها؛ فحينما تتكلم هذه الفرقة عن القرآن لن تتكلم بمثل ما يتكلم فيه أهل التفسير، وإنما ستتكلم بطريقتها الخاصة، وقد يوافق ما يذكرونه
стр. 124
الحق ويكونون وصلوا إلى دقائق معانٍ ووقفوا على حقيقة المراد، مثلما وقف ووصل إليه غيرهم، فهذا ليس خاصاً بهم بسبب سلوكهم التصوف بل غيرهم وصل إلى هذه المعاني ولم يسلك هذا الطريق الذي سلكوه.
أما من توغل في الباطنية فمشكلته أعظم؛ لأنه يستخدم الرموز في تفسير كلام الله مثل التفسير المنسوب لابن عربي الحاتمي (ت٦٣٨هـ)، وكذا تفسير البحر المديد، لابن عجيبة التطواني (ت١٢٢٤هـ)، وتفسير الألوسي (ت١٢٧٠هـ) الذي يذكر التفسير على أسلوب العلماء والمفسرين، ثمَّ يذكر تفسير من يسميهم (أهل الحقائق)، ويذكر من كلامهم ما هو موغل في الباطنية.
أما ما ذكره سهل بن عبد الله التستري (ت٢٨٣هـ) في تعليقه على بعض الآيات، وأبو عبد الرحمن السلمي (ت٤١٢هـ) في كتابه «حقائق التفسير»، والقشيري (ت٤٦٥هـ) في (لطائف الإشارات)، فإنه لا يخلو من الأحوال الآتية:
١ - أن يكون ما قالوه أو أثروه من قبيل التفسير.
٢ - أن يكون من قبيل الاستنباط.
٣ - أن يكون من قبيل توارد المعاني، ومقايسة معنى القرآن بمعنى آخر، وهذه قضية تكثر عند المتصوفة، حيث نجدهم يحرصون على أن يقيسوا ما ورد من المعنى القرآني بحالٍ أخرى لا علاقة لها بالآية إطلاقاً، وهذه الأحوال الثلاثة لا تخلو ـ أيضاً ـ من ثلاثة أحوال:
أـ أن يكون الكلام حقاً مراداً بالقرآن أو دل عليه القرآن من جهة الاستنباط.
ب ـ أن يكون الكلام حقاً، لكن ليس هو المراد بالجملة المفسَّرة من القرآن، أو لا تدل عليه، وهذا يُقبل على أنه كلام مستقلٌ لا علاقة له
стр. 125
بالآية، وإذا كان من باب المقايسة فإنه يُقبل إذا صحَّت المقايسة، ويكون كسابقه، وليس لأنه متعلق بالتفسير.
ج ـ أن يكون الكلام باطلاً، وهذا لا يُقبل؛ لأن القرآن لا يفسر بالباطل، ولا يدل على الباطل.
وإليك أمثلة على كون الكلام حقاً مراداً بالقرآن أو يدل عليه القرآن، وهي منقولة من تفسير سهل بن عبد الله التستري (ت٢٨٣هـ):
المثال الأول: في قوله : ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] قال سهل: (أي: أضداداً)، فتفسير الأنداد بالأضداد صحيح فهو من التفسير الصحيح، ثم قال بعد ذلك: «فأكبر الأضداد: النفس الأمارة بالسوء المتطلعة إلى حضورها ومناها بغير هدًى من الله» (١)، فقوله هذا غير مقبول إذا كان يريد أن الأنداد لا تفسر إلا بالنفس الأمارة بالسوء، أما إن كان يريد أن هذا المقطع من الآية يشير إلى أن النفس الأمارة بالسوء هي أحد معاني الأضداد وهي أكبر الأنداد كما يراه، فنحن نقبل هذا الكلام على سبيل أن النفس الأمارة بالسوء مثال من الأمثلة التي تدخل في معنى الأنداد في قوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ على أنه عام، ولا شك أن النفس الأمارة بالسوء فيها شيء من هذا المعنى الذي ذكرته الآية، وأنها تكون نداً لله؛ لأنه لو اتبع نفسه جعلها مُشَرِّعَة له، وكذا لو اتبع هواه كما قال الله في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣].
المثال الثاني: في قوله تعالى: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥] قال: «ولم يرد الله معاني الأكل في الحقيقة، وإنما أراد معاني مساكنة الهمة مع شيء هو غيره؛ أي: لا يهتم بشيء هو غيره، فآدم صلوات الله عليه لم يعتصم من الهمة والفعل في الجنة، فلحقه ما
стр. 126
لحقه من أجل ذلك»، ثم قال: «فأهل الجنة معصومون فيها من التدبير» (١) إلى آخر كلامه الذي هو مرتبط بعبارات الصوفية، ولكن هذا الكلام غير صحيح بل هو باطل في ذاته، فلا يمكن أن يدل عليه القرآن إطلاقاً.
فقوله: (لم يرد الله معاني الأكل في الحقيقة) هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، وهذا المعنى الباطل لا يمكن أن يكون مراداً بالقرآن.
المثال الثالث: في قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] قال: «أهل القرآن، يعني العباد الذين اصطفى، أهل القرآن يلحقهم من الله السلام في العاجل في قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ﴾، وسلامٌ في الآجل وهو قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]» (٢).
هذا الكلام يصح على أن نأخذه من باب التمثيل، وسبق أن ذكرنا من القواعد أن تفسير العام قد يكون بالأمثلة، فإن كان من باب التمثيل فهو صحيح، وإن كان من باب التخصيص، فالتخصيص يحتاج إلى دليل.
هذه الأمثلة التي أخذناها من تفسير (سهل التستري) هي أمثلة على التفسير الصحيح، والإشارة الصحيحة، والتفسير الباطل، ونأخذ مثالاً على المقايسة التي ذكرناها: وهو أن يكون من قبيل توارد المعاني، قال سهل في قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر: ٢] قال: (أي: يخربون قلوبهم ويبطلون أعمالهم باتباعهم البدع)، فالآية لم تنزل في أهل البدع أصلاً، وإنما نزلت في سياق اليهود، والمعنى الذي ذكرته الآية
стр. 127
يشبه المعنى الذي ذكره سهل كأنه يريد أن يذكر معنى يشبه المعنى المذكور في الآية، فهو مقبول من باب توارد المعاني وليس من توارد التفسير، ولو قال: هذا هو التفسير نقول: خطأ؛ لأن السياق لا يدل على ذلك.
وباب الاستشهاد والاستدلال أوسع من باب التفسير.
فمن يقرأ كلام الصوفية ـ خصوصاً في هذا النوع، وهو توارد المعاني ـ في كتاب التستري (ت٢٨٣هـ)، أو أبي عبد الرحمن السلمي (ت٤١٢هـ) أو القشيري (ت٤٦٥هـ)، فلا يردُّه ابتداءً، بل ينظر فيه ليعرف ما يمكن أن يقبل منه، وما لا يُقبل منه.
وكتاب سهل بن عبد الله التستري (ت٢٨٣هـ) من كلامه هو، وكذا لطائف الإشارات للقشيري (ت٤٦٥هـ)، أما حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي (ت٤٦٥هـ)، فهو منقول، وبعضه فيه كذب، ليس من أبي عبد الرحمن، وإنما من طرف من روى عنه أبو عبد الرحمن، وبعضه نقلٌ صحيحٌ عن بعض المتصوفة؛ سواء أكان كلامهم خطأً محضاً أم صحيحاً.
هذا باختصار ما يتعلق بتفاسير الصوفية، أما تفاسير الصوفية الباطنية أو الفلسفية؛ فالأصل فيها البطلان.
أما قوله ﵀: (وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يستحسن من الإشارات الصوفية دون ما يعترض أو يقدح فيه)، فلعل المؤلف يقصد كتابه هذا الذي بين أيدينا، فقد ذكر في كلامه من إشارات الصوفية ما يرى هو أنه يدخل فيما يستحسن دون ما يُقْدَحُ فيه أو يُعْتَرض عليه، ثم بعد ذلك ذكر اثني عشر مقاماً من مقامات التصوف، وهذه المقامات ليست خاصة بالتصوف كما يلاحظ، بل تسميتها بالتصوف أو حصرها بأن هذه من مقاماته تخصيص لأمرٍ لا دليل عليه.
стр. 128
وهذه المقامات لا تخلو أن تكون مما عليه عامة المسلمين، أو لا.
فإن كان مما عليه عامة المسلمين فلا معنى لتسميتها بهذا الاسم «التصوف».
وإن كانت مما يختص بفرقة بعينها يطلق عليها المتصوفة، وهي تخالف الشريعة، فإنها تردُّ ولا تُقبل، والحال هنا أن ما ذكره باسم مقامات التصوف هو مما وافق الشريعة، وليس خاصاً بالتصوف، بل هو من دين الإسلام.
فهذه المقامات التي ذكرها المؤلف ليس فيها إشكال من جهة الذكر، لكن كوننا نخص هذه المقامات بالمتصوفة فقط، فماذا بقي لغيرهم؟
لذا نقول: إن هذه المقامات لجميع المسلمين، وكذا غيرها من المقامات التي لم يذكرها المؤلف، ولا أدري لماذا خصَّ المؤلف هذه المقامات بالذكر دون غيرها.
стр. 129
العلم الثامن: أصول الدين
قال ﵀: وأما أصول الدين فيتعلق بالقرآن من طرفين أحدهما ما ورد في القرآن من إثبات العقائد، وإقامة البراهين عليها والرد على أصناف الكفار، والآخر أن الطوائف المختلفة من المسلمين تعلقوا بالقرآن، وكل طائفة منهم تحتج إلى مذهبها بالقرآن، وترد على من خالفها، وتزعم أنه خالف القرآن ولا شك أن منهم المحق والمبطل، فمعرفة تفسير القرآن أن توصل في ذلك إلى التحقيق مع التسديد والتأييد من الله والتوفيق (١).
ذكر في أصول الدين مسألتين:
الأولى: ما ورد في القرآن من إثبات العقائد وإقامة البراهين عليها وسبق الحديث عنها حين تكلم عن موضوعات القرآن.
الثانية: أن طوائف من المسلمين تعلقوا بالقرآن، وكل طائفة منها تحتج لمذهبها بالقرآن؛ ولذا فأصول الدين والعقيدة لها أثر في التفسير، ولا بد من ضبط العقيدة لينضبط تفسير الآيات المتعلقة بالعقيدة؛ لأن فهم الآيات المرتبطة بالعقائد تفسيرٌ، ومن الأمثلة المشهورة في ذلك الاختلاف في تفسير قوله : ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فمن يقول بأن معنى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: «تنتظر
стр. 130
ثواب ربها» فهذا فسَّر الآية على وجهٍ باطل، ومن قال: «تنظر إلى ربها» فقد فسَّر على وجه آخر، وهو الوجه الصحيح في معنى الآية.
ولا بد من ضبط الاعتقاد لينضبط التفسير، والآيات المرتبطة بالاعتقاد كثيرة؛ ولهذا قد يقع الخلل عند بعض المفسرين من جهة الاعتقاد كما في إثبات الرؤية في الآية السابقة، ولما كانت العقائد لها تأثير جعل بعض العلماء من شروط المفسر صحة الاعتقاد، لذا لا بدَّ لطالب علم التفسير من معرفة الحق، ومعرفة الباطل، وكيفية الرد على الباطل، وإذا اختلت واحدة منها فسيكون فيه قصور.
ومما يلحظ أن بعض المعاصرين ـ ممن دَرَسَ مناهج العلماء في التفاسير ـ قد حصر مسائل الاعتقاد في باب الصفات الخبرية فقط، وتراه يحكم على عقيدة المؤلف من خلال باب الصفات، وهذا فيه خلل؛ لأن المؤلف قد يقع في بعض الأخطاء في باب دون غيره من الأبواب، فالبغوي (ت٥١٦هـ) مثلاً عند قوله : ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قال: «والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله، وقيل: ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق، فهي على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة (فعل)».
وقال في تفسير ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]: «إرادة الانتقام» (١)، وفي «شرح السنة» قال: «وقوله: إِنَّمَا أَنْتِ رحمتي، سمَّى الْجَنَّة رحمة؛ لأن بِهَا تظهر رحمة الله تَعَالَى عَلَى خلقه، كَمَا قَالَ: أرحم بك من أشاء، وإلا فرحمة الله تَعَالَى من صفاته التي لَمْ يزل بِهَا موصوفاً لَيْسَ لِلَّهِ صفة حادثة، وَلا اسم حادث، فَهُوَ قديم بجميع أسمائه وصفاته ﷻ ، وتقدست أسماؤه» (٢)، وقال في تفسير: ﴿بَلْ يَدَاهُ
стр. 131
مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]: «ويد الله صفة من صفاته كالسمع والبصر والوجه وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال النبي ﷺ : [«كلتا يديه يمين»] والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم.
وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: أَمِرُّوها كما جاء بلا كيف» (١).
ولذا لا يُعَدُّ البغوي مخالفاً للمنهج العام، والاستدراك عليه في مثال أو في مثالين لا يخرجه من دائرة السنة والجماعة.
ونسْبةُ العلماء إلى بعض الفرق تحتاج إلى علم وعدلٍ وإنصاف، فلا يستعجل الباحث في مثل هذه الأمور.
وإذ لم يستطع الباحث أن يستقرئ كتاب التفسير، وكذلك كتب العالم الأخرى ـ إن وُجِدت ـ فإنه يستعمل عبارة: (وافق الفرقة الفلانية في كذا)، ولا ينسبه إلى فرقة من الفرق إلا بعد الاستقراء التام، فابن جزي ـ مثلاً ـ ذكر الصفات السبع التي يقول بها الأشاعرة، فإن لم يكن عندي في عقيدته استقراء، فإني أقول: وافق الأشاعرة في إثبات الصفات السبع.
стр. 132
العلم التاسع: أصول الفقه
قال ﵀: وأما أصول الفقه، فإنها من أدوات تفسير القرآن، على أن كثيراً من المفسرين لم يشتغلوا بها، وإنها لنعم العون على فهم المعاني وترجيح الأقوال، وما أحوج المفسر إلى معرفة النص والظاهر، والمجمل والمبين، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودليل الخطاب، وشروط النسخ، ووجوه التعارض، وأسباب الخلاف، وغير ذلك من علم الأصول (١).
الشرح
قوله: (أصول الفقه من أدوات تفسير القرآن على أن كثيراً من المفسرين لم يشتغلوا بها، وإنها لنعم العون على فهم المعاني وترجيح الأقوال).
علم أصول الفقه من العلوم التي قد يكون لها أثر في فهم المعاني؛ لذا أحتاج منه القدر الذي تتبين به المعاني.
وقد أستفيد منها في الترجيح بين الأقوال أثناء الاختلاف الواقع بين المفسرين.
أما الاستنباط فإنه يقوم على تعلم أصول الفقه على التفصيل؛ لذا فأنا أحتاجه في الاستنباط، وأحتاج منها قدراً أقل للتفسير.
стр. 133
والمفسرون قد يعملون بضوابط أصول الفقه دون أن ينصوا على ذلك، ومثاله: ما يتعلق بقضية العام والخاص، فالمفسرون المتقدمون خاصة يتعاملون معها تعاملاً تطبيقيّاً، وقد يبرز عند بعض المفسرين المتأخرين الذين لم يكن لهم عناية بأصول الفقه.
ولا شكَّ أن من يتعلم أصول الفقه فإن قدرته وملكته في بيان المعاني والاستنباطات ستكون أقوى وأجدر ممن ليس عنده شيء من هذه الأداة، فمعرفة العام والخاص، والمطلق والمقيد، وفحوى الخطاب مما يحتاجه المفسر، ومثال ذلك حمل العموم في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] على الخصوص، بمعنى: الملائكة يستغفرون للمؤمنين، بدلالة قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] فجعلت الآية الثانية ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مخصصة لعموم الآية الأولى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾.
стр. 134
العلم العاشر: اللغة
قال ﵀: وأما اللغة فلا بد للمفسر من حفظ ما ورد في القرآن منها، وهي غريب القرآن وهي من فنون التفسير. وقد صنف الناس في غريب القرآن تصانيف كثيرة، وقد ذكرنا بعد هذه المقدمة مقدمةً في اللغاتِ الكثيرة الدوران في القرآن، لئلا نحتاج أن نذكرها حيث وقعت فيطول الكتاب بكثرة تكرارها (١).
هذا العلم العاشر، وهو علم اللغة، وخصَّ المؤلف علم اللغة ببيان المفردة؛ لأنه قال: (فلا بد للمفسر من حفظ ما ورد في القرآن منها وهي غريب القرآن وهي من فنون التفسير).
وغريب القرآن من فنون التفسير إجماعاً، فإذا لم يُفهم معنى الكلمة لم يُفهم معنى الآية، وعلم المفردات هو العلم الوحيد الذي يستخدم في جميع الآيات، فما من آية إلا وفيها حاجة إلى معرفة معنى الكلمة، أما العلوم الأخرى فنحتاجها في آيات دون آيات، فأسباب النزول تأتي في بعض الآيات دون بعض، وقصص الآي في بعض الآيات دون بعض.
وقد صنف الناس في غريب القرآن تصانيف كثيرة كما ذكر المؤلف، وهذا يدل على حاجة الناس إلى كتب غريب القرآن، وكل مؤلف يرى أن الناس بحاجة إلى طريقة جديدة في التصنيف أو إضافة
стр. 135
معلومات، وكل عالم يكتب غريب القرآن يُدخل ما يرى أن قارئ القرآن بحاجة إلى معرفته، لذا يتفاوتون في عدد المفردات التي يقع عليها تفسيرهم.
وكتب غريب القرآن صنفت على قسمين:
١ - على الترتيب الألف بائي، مثلما فعله المؤلف في مقدمته الثانية، وهذا كثير جداً، ومن أنفَسها كتاب «مفردات القرآن» للراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٠٠)، وكتاب تفسير غريب القرآن لأبي بكر الرازي (ت: بعد ٦٦٦)، وقد مشى فيه على نظام التقفية، وهو ترتيب الكلمة حسب آخرها، ثم ترتيبها بعد ذلك حسب أولها، فلفظة: «بقر» في باب الراء، يأتي قبلها لفظة: «بصر» لأن الصاد قبل القاف.
وليس كل واحد يستطيع أن يصل إلى بعض الألفاظ، ويعرف أين مكانها من خلال الترتيب الألف بائي، وترتيب أبي بكر الرازي على نظام التقفية.
مثلاً: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣] نجد أن أصل لفظة: «مستطر» من مادة: «سطر»، لكن ليس كل واحد يتقن معرفة أصل اللفظة، فقد يشتبه عليه تقارب بعض الألفاظ فيظنها من أصل واحد؛ مثل لفظة: «مستطيراً» في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، فقد يظنَّ القارئ أنها من مادة: «سَطَرَ»، وهي من مادة (طَيَرَ).
ومثلها لفظ: «مسيطر»: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] على قراءة السين: «بمسيطر» فيجدها في مادة: «سيطر»، وليست من مادة الكلمتين السابقتين، وهذا مما قد يشكل على بعض القراء.
٢ - على ترتيب السور، يعني الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران وهكذا.
وكل نوع من هذه التصنيفات له فوائده الخاصة، فترتيب السور
стр. 136
أسهل في الرجوع لأي قارئ للقرآن؛ لأنه إذا عرف الكلمة ومكانها من كل سورة، فإنه يسهل عليه الرجوع إليها في الكتاب.
كما أن الترتيب على السور يعطي الحافظ فرصة معرفة معاني القرآن في السورة التي يقرأ فيها.
أما على الترتيب الألف بائي الذي يرجع إلى أصل الاشتقاق فإنه يفيد في ربط الصيغ والتصاريف التي تكون من مادة واحدة؛ ككلمة «وسق» وكلمة «اتسق»، فهما من مادة واحدة، وهي مادة: «وسق» بمعنى: جمع.
وفي هذا الترتيب لطائف لا تخفى على من يراجع مفردات القرآن التي سارت على هذا النحو من الترتيب، إذ يحرص بعض المؤلفين على بيان وجوه استعمال اللفظة في القرآن، كما هو الحال في كتاب الراغب الأصفهاني.
стр. 137
العلم الحادي عشر: النحو
قال ﵀: وأما النحو فلا بد للمفسر من معرفته، فإن القرآن نزل بلسان العرب، فيحتاج إلى معرفة علم اللسان، والنحو ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: عوامل الإعراب وهي أحكام الكلام المركب.
والآخر: التصريف وهي أحكام الكلمات قَبْل تركيبها.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب من إعراب القرآن ما يحتاج إليه من الْمُشْكِلِ والمختلف، أو ما يفيد فهم المعنى، أو ما يختلف المعنى باختلافه، وإن ما تعرض إلى سوى ذلك من الإعراب السهل الذي لا يحتاج إليه إلا المبتدئ، فإن ذلك يكون بغير كبير فائدةٍ (١).
المفسر لا يطلب منه أن يكون متقناً لفن النحو بجميع تفاصيله، وإنما يكون عنده أصول المسائل من هذا العلم، أما التفاصيل والتشقيقات فهذه ليست بلازمة، ومحلها كتب النحو.
والأصل أن الإعراب فرع المعنى؛ أي: أن الإعراب يُبنى على فهم المعنى.
وهذا يعني أن المنطلق هو المعنى، وليس الإعراب، فنحن لا
стр. 138
نعرب لنفهم المعنى، وإنما نفهم المعنى ثمَّ نُعرب، هذا هو الأصل، لكن الآن صار النحو قواعد يُتوصَّل بها إلى فهم المعنى، وهذا لا يعني أن القاعدة (الإعراب فرع المعنى) التي ذكرت خطأ، وإنما تغيَّر الأمر بسبب اختلاف الزمان، إذ بعد تقعيد النحو صرنا ننطلق من قواعده لمعرفة المعنى.
والذي يدلُّ على أن المعنى هو الأصل أن تفسير السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم قد خلا من الإعراب، لكن لا يعني هذا أنهم لا يُعربون، بل كان الإعراب سجيَّة القوم، ولما قام علم النحو صار يُطلب به فهم المعاني، وهذا هو معنى قول المؤلف: (أو ما يفيد فهم المعنى)، وهذا الذي سار عليه المفسرون المعربون جيلاً بعد جيل، وإن لم تكن لهم عناية مستمرة بأثر الإعراب في المعنى.
стр. 139
العلم الثاني عشر: علم البيان
قال ﵀: وأما علم البيان، فهو علم شريف تظهر به فصاحة القرآن، وقد ذكرنا منه في هذا الكتاب فوائد فائقة، ونكتاً مستحسنة رائقة، وجعلنا في المقدمات باباً في أدوات البيان ليفهم به ما يرد منها مفرقاً في مواضعه من القرآن (١).
قول المؤلف: (علم البيان) يريد به «علم البلاغة»، وهذا العلم من العلوم التي حصل لها تطوُّر في المسمَّى حتى استقرَّت تسميته على «علم البلاغة» بأقسامه الثلاثة «البديع والبيان والمعاني»
وقد تكلم عنه المؤلف في (الباب العاشر)، وفَصَّل فيه، كما أشار إليه عند الحديث عن قصص القرآن؛ حيث قال في فوائد تكرار القصص: «الثاني: أنه ذكرت أخبار الأنبياء في مواضع على طريقة البيان، وفي مواضع على طريقة الإيجاز لتظهر فصاحة القرآن في الطريقتين».
أشار المؤلف بقوله: (فهو علم شريف تظهر به فصاحة القرآن) إلى أنَّ الهدف منه يظهر في أمرٍ آخر غير التفسير، وهو «إعجاز القرآن»، فهذا العلم أصلٌ في باب الإعجاز، فمن أراد أن يبين إعجاز القرآن فيلزمه أن يكون متقناً للبلاغة.
стр. 140
وكونه علمٌ مرتبط ببيان إعجاز القرآن من جهة النظم العربي لا يعني أننا لا نحتاجه مطلقاً في فهم المعنى، لكن المراد أن ما نحتاجه منه قليلٌ، ولهذا يمكن القول: إنه ليس من علوم التفسير، وإنما تلزم معرفة تفاصيله من أراد أن يتكلم عن إعجاز القرآن، أو أراد أن يبين فصاحة القرآن.
ومن الأمثلة التي يتأثر بها المعنى في حمل الجملة على وجه من الأساليب البلاغية ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، فهل هذا من باب التغليب والمراد: ربُّ المشرق ورب المغرب؟
أو هو على الحقيقة اللفظية، وأراد بـ ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾: مشرق الشمس في الشتاء، ومشرق الشمس في الصيف، ومغربها في الصيف والشتاء.
والوجه الأول من الباب البلاغي، وقد يكون قوله فيه ناتجاً عن فهم أسلوب العرب في الخطاب، وإن لم يكن عنده في ذهنه الترتيب البلاغي لهذه القضايا.
وهذا الموضوع مجال بحث جيد، وهو «أبواب البلاغة» أو «مسائل البلاغة» التي لها أثر في بيان المعنى.
стр. 141
الباب الخامس
أسباب الخلاف بين المفسرين ووجوه الترجيح
يقول المصنف ﵀: الباب الخامس في أسباب الخلاف بين المفسرين والوجوه التي يرجح بها بين أقوالهم، فأما أسباب الخلاف فهي اثنا عشر:
الأول: اختلاف القراءات.
الثاني: اختلاف وجوه الإعراب وإن اتفقت القراءة.
الثالث: اختلاف اللغويين في معنى الكلمة.
الرابع: اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر.
الخامس: احتمال العموم والخصوص.
السادس: احتمال الإطلاق أو التقييد.
السابع: احتمال الحقيقة أو المجاز.
الثامن: احتمال الإضمار أو الاستقلال.
التاسع: احتمال الكلمة زائدة أو غير زائدة.
العاشر: احتمال كون الكلام على الترتيب أو على التقديم والتأخير.
الحادي عشر: احتمال أن يكون الحكم منسوخاً أو محكماً.
الثاني عشر: اختلاف الرواية في التفسير عن النبي ﷺ ، وعن السلف ﵃.
وأما وجوه الترجيح وهي اثنا عشر:
الأول: تفسير بعض القرآن ببعض، فإذا دل موضع من القرآن على
стр. 142
المراد بموضع آخر حملناه عليه، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال.
الثاني: حديث النبي ﷺ ، فإذا ورد عنه ﵇ تفسير شيء من القرآن عوَّلنا عليه لا سيما إن ورد في الحديث الصحيح.
الثالث: أن يكون القول قول الجمهور، وأكثر المفسرين، فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه.
الرابع: أن يكون القول قول من يُقْتَدَى به من الصحابة، كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن عباس لقول رسول الله ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل» (١).
الخامس: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب أو التصريف أو الاشتقاق.
السادس: أن يُشعر بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله أو ما بعده.
السابع: أن يكون ذلك المعنى المتبادر إلى الذهن، فإن ذلك دليلٌ على ظهوره ورجحانه.
الثامن: تقديم الحقيقة على المجاز، فإن الحقيقة أولى أن يحمل عليها اللفظ عند الأصوليين، وقد يترجح المجاز إذا كثر استعماله حتى يكون أغلب استعمالاً من الحقيقة، ويسمى مجازاً راجحاً والحقيقة مرجوحة، وقد اختلف العلماء أيهما يقدم؟ فمذهب أبي حنيفة تقديم الحقيقة لأنه الأصل، ومذهب أبي يوسف تقديم المجاز الراجح لرجحانه، وقد يكون المجاز أفصح وأبرع فيكون أرجح.
التاسع: تقديم العموم على الخصوص، فإن العموم أولى؛ لأنه الأصل، إلا أن يدل دليل على التخصيص.
стр. 143
العاشر: تقديم الإطلاق على التقييد، إلا أن يدل دليل على التقييد.
الحادي عشر: تقديم الاستقلال على الإضمار، إلا أن يدل دليل على الإضمار.
الثاني عشر: حمل الكلام على ترتيبه، إلا أن يدل دليل على التقديم والتأخير (١).
عقد المؤلف ﵀ هذا الباب للحديث عن أسباب الاختلاف، والكلام عن وجوه الترجيح.
ولو تأملنا أسباب الاختلاف التي وردت في وجوه الترجيح، فهي كما يلي:
الإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز، والإضمار والاستقلال، وحمل الكلام على ترتيبه، والعموم والخصوص، واختلاف الرواية يقابله في وجوه الترجيح أن يكون قول الجمهور وقول من يقتدى به، وكذا اختلاف اللغويين في معنى الكلمة واشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر يقابله في وجوه الترجيح، النوع الخامس، وهو الأدلة على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب والتصريف والاشتقاق.
والفرق بين الأسباب والوجوه واضح، فبالنظر إلى السبب في الاختلاف تقول: ما سبب الاختلاف؟
فيكون الجواب: الحقيقة والمجاز.
ثم تقول: ما المقدَّم؛ الحقيقة أو المجاز؟
والجواب: الأصل تقديم الحقيقة على المجاز.
стр. 144
وقد نبهت على ارتباط بعض أسباب الاختلاف بوجوه الترجيح؛ لأن المؤلف ﵀ قرن بينهما في هذه المقدمة، وقد يشكل على القارئ كون هذا يُعدُّ مرة سبباً، ومرة وجهاً من وجوه الترجيح.
السبب الأول من أسباب الاختلاف: اختلاف القراءات:
ليس كل الاختلاف في القراءات داخلاً في التفسير، وليس الاختلاف في القراءات من أسباب اختلاف المفسرين إلا إذا كان الاختلاف في معنى قراءة واحدة، وهذا سيرجع إلى أسباب الاختلاف الأخرى وليس إلى كونها قراءة يخالفها قراءة أخرى.
أما الاختلاف في نحو قوله : ﴿ارْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] فيدخل في التفسير وليس في اختلاف المفسرين، يقول ابن جزي: «من قرأه بكسر العين فهي من الرَّعْيِ ـ يعني: يرتعِ ـ أي: من رعى الإبل أو من رعي بعضهم لبعض وحراسته، ومن قرأه بالإسكان فهو من الرتع وهو الإقامة في الخصب والتنعم، والياء على هذا أصلية، ووزن الفعل (يفعل) ووزنه على الأول (نفتعل)، ومن قرأ ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء فالضمير ليوسف، ومن قرأ بالنون فالضمير للمتكلمين، وهم إخوة يوسف» (١).
وهذا الاختلاف في القراءات ـ كما ترى ـ لم يؤثر على اختلاف المفسرين، فالذين قرأوا «يرتعِ» لم يختلفوا في معناها، والذين قرأوا «يرتعْ» لم يختلفوا أيضاً في معناها، فالمفسرون لم يختلفوا، إنما هؤلاء فسروا قراءة، وهؤلاء فسروا قراءة أخرى؛ ولذا فإن إدخال اختلاف القراءات في أسباب الاختلاف غير دقيق (٢).
стр. 145
مثال آخر: في قوله : ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] بعضهم قال: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضاد: بمتهم.
وفسر آخرون هذه القراءة (بالضاد): بضعيف، ومنه قولهم: «حبل ضنين» أي: حبل ضعيف.
والاختلاف في معنى «ضنين» هل هو متهم أو ضعيف جاءت في قراءة واحدة، فاختلاف المفسرين ليس بسبب اختلاف القراءة بل بسبب فهم معنى اللفظ في هذه القراءة.
فأي اختلاف مبني على القراءات ليس داخلاً في الاختلاف في التفسير، وإذا وقع الاختلاف في معنى القراءة، فهذا يدخل في واحد من أسباب اختلاف المُفسرين الأخرى.
السبب الثاني: اختلاف وجوه الإعراب وإن اتفقت القراءات:
ربط المؤلف الإعراب بالقراءات؛ لأن الاختلاف في القراءة قد يكون له أثر في اختلاف الإعراب.
والأصل أن الاختلاف في الإعراب مبني على الاختلاف في المعنى، لكنا هنا ننطلق من الإعراب فنجعله سبباً في الاختلاف في المعنى؛ لأننا ننطلق في فهم الكلام العربي من خلال قواعد النحو.
وإن كان الأصل أنك تفهم المعنى ثم تعرب؛ ولذا قالوا: (الإعراب فرع المعنى)، ومن ثَمَّ فإن اختلاف وجوه الإعراب لا يكون من أسباب اختلاف المفسرين إنما نتيجة لاختلافهم في فهم المعنى.
فإن قال قائل: إننا في الواقع نأخذ المعنى من الإعراب، فنحن نعرب، ثم نقول المعنى على هذا الإعراب كذا.
نقول: إنَّ واقع الدراسة عندنا الآن أننا ننطلق من الإعراب إلى المعنى، لكن الصحيح أن الاختلاف في الإعراب نتيجة عن الاختلاف في المعنى، وليس سبباً من أسباب الاختلاف.
ومثال ذلك: في قوله : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ *سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤، ٥].