← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13892

شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

مساعد الطيار

Полный текст (290 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الباب الخامس أسباب الخلاف بين المفسرين ووجوه الترجيح يقول المصنف ﵀: الباب الخامس في أسباب الخلاف بين المفسرين والوجوه التي يرجح بها بين أقوالهم، فأما أسباب الخلاف فهي اثنا عشر: الأول: اختلاف القراءات. الثاني: اختلاف وجوه الإعراب وإن اتفقت القراءة. الثالث: اختلاف اللغويين في معنى الكلمة. الرابع: اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر. الخامس: احتمال العموم والخصوص. السادس: احتمال الإطلاق أو التقييد. السابع: احتمال الحقيقة أو المجاز. الثامن: احتمال الإضمار أو الاستقلال. التاسع: احتمال الكلمة زائدة أو غير زائدة. العاشر: احتمال كون الكلام على الترتيب أو على التقديم والتأخير. الحادي عشر: احتمال أن يكون الحكم منسوخاً أو محكماً. الثاني عشر: اختلاف الرواية في التفسير عن النبي ﷺ ، وعن السلف ﵃. وأما وجوه الترجيح وهي اثنا عشر: الأول: تفسير بعض القرآن ببعض، فإذا دل موضع من القرآن على

стр. 142

المراد بموضع آخر حملناه عليه، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال. الثاني: حديث النبي ﷺ ، فإذا ورد عنه ﵇ تفسير شيء من القرآن عوَّلنا عليه لا سيما إن ورد في الحديث الصحيح. الثالث: أن يكون القول قول الجمهور، وأكثر المفسرين، فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه. الرابع: أن يكون القول قول من يُقْتَدَى به من الصحابة، كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن عباس لقول رسول الله ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل» (١). الخامس: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب أو التصريف أو الاشتقاق. السادس: أن يُشعر بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله أو ما بعده. السابع: أن يكون ذلك المعنى المتبادر إلى الذهن، فإن ذلك دليلٌ على ظهوره ورجحانه. الثامن: تقديم الحقيقة على المجاز، فإن الحقيقة أولى أن يحمل عليها اللفظ عند الأصوليين، وقد يترجح المجاز إذا كثر استعماله حتى يكون أغلب استعمالاً من الحقيقة، ويسمى مجازاً راجحاً والحقيقة مرجوحة، وقد اختلف العلماء أيهما يقدم؟ فمذهب أبي حنيفة تقديم الحقيقة لأنه الأصل، ومذهب أبي يوسف تقديم المجاز الراجح لرجحانه، وقد يكون المجاز أفصح وأبرع فيكون أرجح. التاسع: تقديم العموم على الخصوص، فإن العموم أولى؛ لأنه الأصل، إلا أن يدل دليل على التخصيص.

стр. 143

العاشر: تقديم الإطلاق على التقييد، إلا أن يدل دليل على التقييد. الحادي عشر: تقديم الاستقلال على الإضمار، إلا أن يدل دليل على الإضمار. الثاني عشر: حمل الكلام على ترتيبه، إلا أن يدل دليل على التقديم والتأخير (١). عقد المؤلف ﵀ هذا الباب للحديث عن أسباب الاختلاف، والكلام عن وجوه الترجيح. ولو تأملنا أسباب الاختلاف التي وردت في وجوه الترجيح، فهي كما يلي: الإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز، والإضمار والاستقلال، وحمل الكلام على ترتيبه، والعموم والخصوص، واختلاف الرواية يقابله في وجوه الترجيح أن يكون قول الجمهور وقول من يقتدى به، وكذا اختلاف اللغويين في معنى الكلمة واشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر يقابله في وجوه الترجيح، النوع الخامس، وهو الأدلة على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب والتصريف والاشتقاق. والفرق بين الأسباب والوجوه واضح، فبالنظر إلى السبب في الاختلاف تقول: ما سبب الاختلاف؟ فيكون الجواب: الحقيقة والمجاز. ثم تقول: ما المقدَّم؛ الحقيقة أو المجاز؟ والجواب: الأصل تقديم الحقيقة على المجاز.

стр. 144

وقد نبهت على ارتباط بعض أسباب الاختلاف بوجوه الترجيح؛ لأن المؤلف ﵀ قرن بينهما في هذه المقدمة، وقد يشكل على القارئ كون هذا يُعدُّ مرة سبباً، ومرة وجهاً من وجوه الترجيح. السبب الأول من أسباب الاختلاف: اختلاف القراءات: ليس كل الاختلاف في القراءات داخلاً في التفسير، وليس الاختلاف في القراءات من أسباب اختلاف المفسرين إلا إذا كان الاختلاف في معنى قراءة واحدة، وهذا سيرجع إلى أسباب الاختلاف الأخرى وليس إلى كونها قراءة يخالفها قراءة أخرى. أما الاختلاف في نحو قوله : ﴿ارْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] فيدخل في التفسير وليس في اختلاف المفسرين، يقول ابن جزي: «من قرأه بكسر العين فهي من الرَّعْيِ ـ يعني: يرتعِ ـ أي: من رعى الإبل أو من رعي بعضهم لبعض وحراسته، ومن قرأه بالإسكان فهو من الرتع وهو الإقامة في الخصب والتنعم، والياء على هذا أصلية، ووزن الفعل (يفعل) ووزنه على الأول (نفتعل)، ومن قرأ ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء فالضمير ليوسف، ومن قرأ بالنون فالضمير للمتكلمين، وهم إخوة يوسف» (١). وهذا الاختلاف في القراءات ـ كما ترى ـ لم يؤثر على اختلاف المفسرين، فالذين قرأوا «يرتعِ» لم يختلفوا في معناها، والذين قرأوا «يرتعْ» لم يختلفوا أيضاً في معناها، فالمفسرون لم يختلفوا، إنما هؤلاء فسروا قراءة، وهؤلاء فسروا قراءة أخرى؛ ولذا فإن إدخال اختلاف القراءات في أسباب الاختلاف غير دقيق (٢).

стр. 145

مثال آخر: في قوله : ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] بعضهم قال: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضاد: بمتهم. وفسر آخرون هذه القراءة (بالضاد): بضعيف، ومنه قولهم: «حبل ضنين» أي: حبل ضعيف. والاختلاف في معنى «ضنين» هل هو متهم أو ضعيف جاءت في قراءة واحدة، فاختلاف المفسرين ليس بسبب اختلاف القراءة بل بسبب فهم معنى اللفظ في هذه القراءة. فأي اختلاف مبني على القراءات ليس داخلاً في الاختلاف في التفسير، وإذا وقع الاختلاف في معنى القراءة، فهذا يدخل في واحد من أسباب اختلاف المُفسرين الأخرى. السبب الثاني: اختلاف وجوه الإعراب وإن اتفقت القراءات: ربط المؤلف الإعراب بالقراءات؛ لأن الاختلاف في القراءة قد يكون له أثر في اختلاف الإعراب. والأصل أن الاختلاف في الإعراب مبني على الاختلاف في المعنى، لكنا هنا ننطلق من الإعراب فنجعله سبباً في الاختلاف في المعنى؛ لأننا ننطلق في فهم الكلام العربي من خلال قواعد النحو. وإن كان الأصل أنك تفهم المعنى ثم تعرب؛ ولذا قالوا: (الإعراب فرع المعنى)، ومن ثَمَّ فإن اختلاف وجوه الإعراب لا يكون من أسباب اختلاف المفسرين إنما نتيجة لاختلافهم في فهم المعنى. فإن قال قائل: إننا في الواقع نأخذ المعنى من الإعراب، فنحن نعرب، ثم نقول المعنى على هذا الإعراب كذا. نقول: إنَّ واقع الدراسة عندنا الآن أننا ننطلق من الإعراب إلى المعنى، لكن الصحيح أن الاختلاف في الإعراب نتيجة عن الاختلاف في المعنى، وليس سبباً من أسباب الاختلاف. ومثال ذلك: في قوله : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ *سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤، ٥].

стр. 146

يقول ابن جزي: «﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ متعلقٌ بما قبله، فالمعنى أن الملائكة ينزلون ليلة القدر من أجل كل أمر يقضيه الله في ذلك العام» (١)، فهو ﵀ رَكَّبَ المعنى على الإعراب، لكن الذي فسر أولاً من السلف ـ قبل أن يأتي علم الإعراب ـ انطلق من المعنى، فجاء المتأخر وحمل المعنى على الإعراب. ثم قال: «وقيل: إن المجرور يتعلق بما بعده، والمعنى أنها سلامٌ من كل أمر؛ أي: سلامٌ من الآفات، قال مجاهد: لا يصيب أحدٌ فيها داء»، وقول مجاهد هذا بيان معنى وليس إعراباً، والمعرب يبني الإعراب على كلام مجاهد فيقول: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿سَلاَمٌ﴾، ثم قال بعد ذلك: «والأظهر أن الكلام تم عند قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، ثم ابتدأ قوله: ﴿سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، ثم اختُلف في معنى ﴿سَلاَمٌ﴾ فقيل: إنه من السلامة، وقيل: إنه من التحية؛ لأن الملائكة يسلمون على المؤمنين القائمين فيها، وكذلك اختلف في إعرابه فقيل: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ مبتدأ وخبر، وهذا يصح؛ سواء جعلناه متصلاً مع ما قبله أو منقطعاً، وقيل: ﴿سَلاَمٌ﴾ خبر مبتدأ مضمر تقديره: أمرها سلام، أو القول فيها ﴿سَلاَمٌ﴾، وهي مبتدأ وخبر ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: دائمةً حتى طلوع الفجر». ومن هذا المثال يظهر لك أن الاختلاف في الإعراب مبني على الاختلاف في المعنى ونتيجة له، وليس من أسباب اختلاف المفسرين. السبب الثالث: اختلاف اللغويين في معنى الكلمة: هناك تداخل بين هذا السبب والسبب الرابع الذي يليه، وهو «اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر»؛ لأن اللغويين إن اختلفوا في معنى كلمة فلا يخلو الحال من الأمور الآتية:

стр. 147

الأول: أن ينكر أحدهم معنى يثبته الآخر. وهذا الاعتراض ـ إن ثبت ـ فإنه قد يكون هو مراد المؤلف في السبب الثالث. الثاني: أن يكون المعنيان صحيحين في اللغة، ويكون الاختلاف بين اللغويين في المراد بالمعنى في هذه الآية، فإن كان كذلك، فإنه هذا يدخل في السبب الرابع. ومن أمثلة ما وقع فيه اعتراض على صحة نقل المعنى عن العرب ما ورد في تفسير القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥] «... أي: عدلاً، عن قتادة. يعني: ما عبد من دون الله . الزجاج (١) والمبرد: الجزء ها هنا البنات، عجَّب المؤمنين من جهلهم إذ أقروا بأن خالق السموات والأرض هو الله، ثم جعلوا له شريكاً أو ولداً، ولم يعلموا أن من قدر على خلق السموات والارض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو يستأنس به؛ لأن هذا من صفات النقص. قال الماوردي (٢): والجزء عند أهل العربية البنات، يقال: قد أَجزأت المرأة إذا ولدت البنات، قال الشاعر (٣): إن أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يوماً فلا عَجَبُ ... قد تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أحْياناً

стр. 148

الزمخشري (١): ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث متحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتاً، وبيتاً: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب زَوِّجْتُهَا مِنْ بَنَاتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةً (٢) وإنما قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ متصل بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفن به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءاً فوصفوه بصفات المخلوقين. ومعنى ﴿مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ أن قالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءاً له وبعضاً، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءاً له. وقرئ «جزؤٌ» بضمتين» (٣). ومن أمثلة ما هو صحيح في اللغة، لكن يقع الاختلاف في كونه هو المراد بالسياق ما ورد من اعتراض الطبري (ت٣١٠هـ) على أبي عبيدة (ت٢١٠هـ) في تفسير لفظة: ﴿يُعْصِرُونَ﴾، قال الطبري ﵀ في قوله: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يُعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]: «وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب ـ يقصد أبا عبيدة معمر بن مثنى ـ يوجه معنى قوله:

стр. 149

﴿وَفِيهِ يُعْصِرُونَ﴾ إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من (العَصَر) و (العُصْرَة) التي بمعنى المنجاة من قول أبي زبيد الطائي (١): صَادِياً يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ أي: المقهور، ومن قول لبيد (٢): فَبَاتَ وَأَسْرَى الْقَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ ... وَمَا كَانَ وقافاً بِغَيْرِ مُعَصَّرِ قال: وذلك تأويلٌ يكفي من الشهادة على خطئِهِ خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (٣). فالخلاف في معنى: ﴿وَفِيهِ يُعْصِرُونَ﴾ وقول الجمهور: يعصرون العنب حتى يكون خمراً فهي من (العَصْر)، وقول أبي عبيدة أنه من النجاة فهي من (العُصْرة). وابن جرير ﵀ لم يخالف أبا عبيدة في مدلول لفظة: ﴿يُعْصِرُونَ﴾ وأنها تأتي بمعنى (العُصْرة) التي هي المنجاة، بل خالفه في أن هذا المعنى ليس مراداً في هذا السياق. السبب الرابع: اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر: الاشتراك في اللفظ: أن يكون للفظ أكثر من معنى في لغة العرب؛ كلفظ (عسعس) الذي يأتي بمعنى: أقبل، ومعنى أدبر، إذ العرب استخدمت هذا اللفظ في هذين المعنيين المتضادين، فهما معنيان متضادان مشتركان في لفظ واحد. ومن أمثلة ما له أكثر من معنى محتملٍ ما ورد في تفسير قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هل المراد بالقرء الحيض أو المراد به الطهر؟

стр. 150

وكلا المعنيين وارد من جهة اللغة ومحتمل في السياق، وإن كان ترجيح أحدهما في هذا السياق إبعاد للآخر. وقد يذكرون أكثر من معنى وتحتملها الآية كما في قوله : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] قيل: معتق من الجبابرة، وقيل: قديم، والقديم والمعتق من الجبابرة معنيان مشتركان في هذه اللفظة، والآية تحتمل هذا وتحتمل هذا، فالاختلاف هنا بسبب اشتراك اللفظ بين معنيين. وقد يكون الاختلاف بسبب الاشتراك في الصيغة دون أصل الاشتقاق كما في قوله : ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، ذكر ابن جزي في معنى ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ قولين: «ذاهب يزول»، وقيل: «شديد»، ومن قال: «ذاهب» فإن أصل اللفظة والاشتقاق يختلف عنده عمَّن قال: شديد، فمن قال: ذاهب جعل الفعل منها «مَرَّ يَمُرُّ» فهو مستمر، ومن قال: (شديد) أخذه من «أَمَرَّ يُمِرُّ» فهو مستمرٌّ؛ كما يقال: «حبل مرير»، فهذا فيه اشتراك في الصيغة (مستمرٌّ)، وليس في أصل الاشتقاق (مرَّ، وأمرَّ)، ولذا فتفسير هذه الصيغة مشترك بين معنيين. والاشتراك يكون أحياناً في أصل الاشتقاق؛ مثل: القرء، وأحياناً يكون الاشتراك في الصيغة، وليس في الأصل كما في ﴿الْعَتِيقِ﴾ في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فمن جعله المعتق من الجبابرة جعله من الفعل الرباعي «أَعْتَقَ ـ يُعْتِقُ»، ومن جعله بمعنى القديم جعله من الفعل الثلاثي «عَتُقَ»، فهو قديم. ارتباط النوع الخامس من وجوه الترجيح بهذين السببين: ننتقل الآن للحديث عن النوع الخامس من وجوه الترجيح وهو: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب والتصريف والاشتقاق؛ لأنا ربطناه بالسبب الثالث والرابع وهو اختلاف اللغويين واشتراك اللفظة في معنيين فأكثر، فالتعامل مع الاختلاف فيهما لا يخلو من أحوال:

стр. 151

١ - إذا كانت اللفظة التي فسر بها القرآن ليست من لغة العرب، فلا شك أنها تُردّ كما في تفسير «استوى» في قوله: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] بمعنى استولى، نقول: «استولى» هذه ليست من لغة العرب فهي مردودة. ٢ - إذا كانت اللفظة صحيحة من جهة لغة العرب وفيها اشتراك فإننا نفعل كما فعل الطبري في المثال السابق (١)، فإن كان السياق يدل على صحة هذا المعنى قبلناه، وإن لم يدل عليه رددناه، حتى لو كان المعنى في ذاته من جهة اللغة صحيحاً. إذا احتمل السياق المعنيين فنحن أمام أمرين: إما أن نُعمِل جميع المعاني على سبيل الأخذ بجميع الأقوال، وإما أن نرجح أحدها لحاجتنا للترجيح في مثل القرء؛ لأنه اختلاف تضاد، وإمَّا أن نرجِّح أحدهما بتقديم الأولى في السياق، ويكون الثاني صحيحاً، وليس مردوداً لكنه أقلُّ قوة من الأول. وإن أمكن الجمع بين هذه الأقوال وهي مشتركةً فإعمالها أولى من إهمالها. مثال هذا ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] فيجوز أن يقال: إنه الموقد والمملوء والمحبوس، وكل واحد منها بالنظر إلى وقتٍ أو مرحلة من مراحل هذا البحر، فجاز إعمال جميع هذه الأقوال، وهي من باب المشترك اللغوي. السبب الخامس: احتمال العموم والخصوص: ويقابله من وجوه الترجيح الوجه التاسع: «تقديم العمومي على الخصوصي فإن العمومي أولى؛ لأنه الأصل، إلا أن يدلَّ دليل على التخصيص».

стр. 152

ومن أمثلة هذا السبب: في تفسير سورة الكوثر عند المؤلف، يقول: «والكوثر (بثاء) مبالغة من الكثرة، وفي تفسيره سبعة أقوال: الأول: حوض النبي ﷺ . الثاني: أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله في الدنيا والآخرة، وقاله ابن عباس (ت٦٨هـ) وتبعه سعيد بن جبير (ت٩٥هـ)، فإن قيل: إن النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله فالمعنى أنه على العموم. الثالث: أن الكوثر القرآن. الرابع: أنه كثرة الأصحاب والأتباع. الخامس: أنه التوحيد. السادس: أنه الشفاعة. السابع: أنه نورٌ وضعه الله في قلبه» (١). ثم قال: «ولا شك أن الله أعطاه هذه الأشياء كلها، ولكن الصحيح أن المراد بالكوثر الحوض؛ لأنه ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟ هو نهر أعطانيه الله وهو الحوض آنيته عدد نجوم السماء»» (٢). وأشهر الأقوال القول الأول والثاني أن المراد بالكوثر: النهر، أو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، والمؤلف هنا لا يرى أن في الأقوال عموماً وخصوصاً؛ ولذا لم يتعامل مع الأقوال بتقديم العام على الخاص، بل يرى أن حديث النبي ﷺ هو المفسِّر، ومن وجوه الترجيح عنده أن يكون حديث النبي ﷺ ، فقول النبي ﷺ يقطع أن النهر الذي

стр. 153

أعطاه الله إياه يدخل في المراد بالكوثر في هذه الآية، ولو نظر المؤلف إلى تفسير الكوثر من باب العموم المخصوص؛ فإن من فسر الكوثر بالنهر فإنه يكون من باب التمثيل عنده، وليس من باب التخصيص. والمؤلف أشار إلى العموم بقوله: «ولا شك أن الله أعطاه هذه الأشياء كلها»، وإن كان رجَّح بوجه آخر من وجوه الترجيح وهو الوجه الثاني من وجوه الترجيح «الترجيح بالسنة». مثال آخر: في قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] يقول ابن جزي (١): «عمومٌ يراد به الخصوص؛ لأن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض، فهي كقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]»، فالمؤلف يذهب إلى أن هذه الآية خصصت الآية السابقة وهي قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾، ولم يُعمل وجه الترجيح المتعلق به، وهو تقديم العام على الخاص، بل هو يرجِّح الخاص على العام بدليل الآية، فأعمل قاعدة أخرى من وجوه الترجيح وهي تفسير بعض القرآن ببعض، فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال. السبب السادس: احتمال الإطلاق أو التقييد: ويقابله في وجوه الترجيح الوجه العاشر: «تقديم الإطلاق على التقييد إلا أن يدل دليل على التقييد». ومن أشهر الأمثلة في ذلك قضية الرقبة في قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وفي آية المجادلة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، ففي آية المجادلة:

стр. 154

﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إطلاق، وفي آية النساء ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ تقييد، وكثير من العلماء حمل هذا المطلق على المقيد لكن نقول: إن الأصل هو الإطلاق وعدم التقييد، إلا إذا دل الدليل كما في هذا المثال، ثم إن حمل المطلق على المقيد في هذا المثال هو راجع أيضاً إلى الوجه الأول من وجوه الترجيح الذي هو تفسير بعض القرآن ببعض. السبب السابع: احتمال الحقيقة والمجاز: الكلام عن الحقيقة والمجاز طويل، وسيأتي شي مما تعلق به عند كلام المؤلف عنه في وجوه الترجيح. والمراد هنا أن من أسباب الاختلاف بين المفسرين أن يحتمل الكلام حمله على الحقيقة، ويحتمل حمله على المجاز، فيذهب كل فريق إلى أحد الاحتمالين. ومن المعلوم أن الكلام إذا دار بين الحقيقة والمجاز، فإن الأصل إعمال الحقيقة وتقديمها على المجاز. مثاله: عند المؤلف في قوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] (أي: إذا رأتهم جهنم، وهذه الرؤية تحتمل أن تكون حقيقة أو مجازاً بمعنى صارت منهم بقدر ما يُرى على البعد) فالمؤلف ذكر هذا الكلام وأنه يحتمل فيه أن يكون حقيقة وأن يكون مجازاً، ولا شكَّ أن الحقيقة أظهر. مثال آخر: في قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] قال: «الفعل مسند إلى جهنم، وقيل: إلى خزنتها من الملائكة، والأول أظهر، واختلف هل تتكلم جهنم حقيقةً أو مجازاً بلسان الحال؟ والأظهر أنه حقيقة، وذلك على الله يسير». لو أردنا أن ننظر في المثال الأول والمثال الثاني، فالمؤلف في الأول كأنه توقف هل تحمل على الحقيقة أو على المجاز؟ وفي الثاني

стр. 155

حملها على الحقيقة، ونقول: من باب أولى أيضاً أن يحمل المثال الثاني على الحقيقة؛ لأن أحوال الآخرة غير أحوال الدنيا، وكما قال المؤلف: «وذلك على الله يسير»، فإذن نثبت كل هذه الأفعال لجهنم على الحقيقة. ومن الأمثلة كذلك في قول الله: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] يقول: «الضمير يعود على الكتاب المكنون، ويحتمل أن يعود على القرآن المذكور قبله، إلا أن هذا ضعيفٌ لوجهين: أحدهما: أن مسَّ الكتاب حقيقة ومس القرآن مجاز، والحقيقة أولى من المجاز»، المؤلف ذهب إلى أن المراد بالقرآن كلام الله، والكلام لا يمس، فقال: «ومس القرآن مجاز، والحقيقة أولى من المجاز» (١)، وإذا كان المراد الكتاب الذي هو المصحف فهذا يستقيم في هذا المعنى ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ يعني يمس المصحف، فالمؤلف ﵀ ذكر سبب الاختلاف وأعمل قاعدة الترجيح المتعلقة به فسبب الاختلاف هو احتمال الحقيقة والمجاز، ووجه الترجيح الذي أعمله هو تقديم الحقيقة على المجاز. السبب الثامن: احتمال الإضمار والاستقلال: يقابله في وجوه الترجيح: تقديم الاستقلال على الإضمار. والمراد بالإضمار أن يكون في الكلام شيء أضمره المتكلم ولم يذكره، ويوجد في السياق ما يدل على هذا الإضمار، وتُرك ثقةً بالسامع، وهذا الأسلوب موجود بلغة العرب. أما الاستقلال فمعناه: أن الكلام لا يحتاج أن يكون فيه إضمار، بل هو مفهوم على ظاهر ألفاظه، وليس هناك كلام قد أخفي أو أضمر.

стр. 156

من الأمثلة على ذلك: في قوله : ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] قال المؤلف: «يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون «الله» مبتدأ و «شهيد» خبره، والآخر أن يكون تمام الجواب عند قوله: ﴿أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ بمعنى أن الله أكبر شهادة، يعني يقول: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ ثم يبتدئ على تقدير: «هو شهيد بيني وبينكم»، ثم قال بعد ذلك: «والأول: أرجح لعدم الإضمار»، فالمؤلف يرى عدم الحاجة إلى هذا الإضمار ما دام الكلام مفهوماً بدونه، فهو أرجح، ثم قال: «والثاني أرجح لمطابقته للسؤال؛ لأن السؤال بمنزلة من يقول: من أكبر الناس؟ فيقال في الجواب: فلان، وتقديره فلان أكبر» (١) إلى آخر كلامه. مثال آخر: في قوله : ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ٢] يقول: «﴿ذِكْرُ﴾ تقديره: «هذا ذكر عَبْدَهُ زَكَرِيَّا» وصفه بالعبودية تشريفاً له وإعلاماً له بتخصيصه وتقريبه، ونصب «عبده» على أنه مفعول لـ «رحمة»، فإنها مصدر أضيف إلى الفاعل، ونصب المفعول، وقيل: هو مفعول بفعل مضمر تقديره: «رَحِمَ عبدَه»، وعلى هذا يُوقَف على ما قبله، وهذا ضعيف، وفيه تكلف الإضمار من غير حاجةٍ إليه» (٢). السبب التاسع: احتمال الكلمة زائدة: هذا السبب لا يقابله شيء من وجوه الترجيح لكن لو أردنا أن نضع له وجهَ ترجيحٍ كما صنع المؤلف فيمكن أن نقول: إذا وقع الاختلاف بين الزيادة وعدمها، فالأصل عدم الزيادة؛ أي: أن القول بعدم الزيادة مقدم على القول بالزيادة.

стр. 157

وعلينا هنا أن نحرِّر مصطلح الزيادة، فنقول: كلام العلماء في الزائد في القرآن على قسمين: الأول: دعوى زيادة الكلمة أو الحرف بحيث يتأتَّى المعنى الدقيق للجملة بدونه، وهذا وقع فيه أبو عبيدة (ت٢١٠هـ) رحمه الله تعالى في بعض أمثلة له؛ كما في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] يقول: «إذ» زائدة (١)، والمعنى: وقال ربك، والحقيقة أن «إذ» هنا لها معنى، والقول بزيادتها يذهب المعنى الذي فيها. والتحرير أن هذا النوع من دعوى الزيادة ليس موجوداً في كلام الله ، فلا يمكن أن يوجد حرف أو كلمة زائدة في المعنى بحيث لو حُذفت لالتأم المعنى التئاماً تاماً، وصار كما لو جيء بها؛ أي: أن وجود الحرف أو الكلمة وحذفهما سواء في أداء المعنى. النوع الثاني: وهو الذي يقع في كلام بعض العلماء، وهو المراد بقول كثير منهم بالزيادة في القرآن، ومرادهم وجود الزيادة من جهة المعنى الكلي دون المعنى التفصيلي، وهو الذي يطلق عليه الزيادة في الإعراب، وهذا النوع موجود في كلام العرب وموجود في كلام الله، فيقال: زائدة من جهة الإعراب أما من جهة المعنى فلها غرض. ومن أمثلة ذلك: ما ورد في قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، فالمُعرِبُ يقول: ﴿مِنْ﴾ زائدة إعراباً، ثم ينبه على فائدتها من جهة المعنى الثاني فيقول: «وفائدتها التأكيد». فجملة «هل خالق غير الله» مساوية لقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ في المعنى الكلي الذي تؤديه هذه وهذه، أما في المعنى التفصيلي فقولك: «هل خالق غير الله» ليست مثل ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ جاءت لزيادة التأكيد.

стр. 158

وقد نبه بعض العلماء المعاصرين على أن من باب الأدب مع كلام الله ألا نسمّي هذه بالزوائد، بل نسميها (صلة) يعني صلة كلام، وهي قضية لفظية ليست أكثر ولا أقل؛ لأن (صلة) أيضاً فيها شيء من المعنى الزائد، كأنها ليست أصلاً، لكن لا شك أن التعبير بغير الزيادة فيه أدب مع كلام الله ، وهذا يشكر عليه من يعترض على مصطلح الزيادة، لكن الذي أريد أن ننتبه له أنه إذا ورد عن العلماء المتقدمين مثل هذه العبارات ومراده هذا النوع الثاني ـ فإنه لا يُثرَّب عليهم لأنه معنى صحيح، ولا يفهم من كلامهم أن مرادهم أن هذه الكلمة لو سقطت من الجملة لكانت الجملة تؤدي تمام المعنى مثل ما لو كانت موجودة، هذا لا يقول به أحد من العلماء المتقدمين، ولو قال به أحد فإنه لا شك مردود. من الأمثلة على ذلك عند المؤلف في قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] قال: «يحتمل أيضاً أن يكون خطاباً للملائكة أو للمؤمنين، والمعنى ﴿فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ أي: على الأعناق حيث المفصل بين الرأس والعنق؛ لأنه مذبحٌ، والضرب فيها يطير الرأس. وقيل: المراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق. وقيل: المراد الأعناق و ﴿فَوْقَ﴾ زائدة» (١). وهذا القول الأخير هو أضعف الأقوال؛ لأن ﴿فَوْقِ﴾ لها مدلول، فإذا أسقطنا مدلول ﴿فَوْقَ﴾ صار «فاضربوا الأعناق» مثل: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾، ولا شك أن عدم القول بالزيادة أولى من القول بالزيادة فيترجح أحد القولين الأولين ليثبت معنى الفوقية للعنق؛ إما أن يراد به الرأس، وإما فوق العنق الذي هو المقتل؛ لأنه يسقط الرأس كله.

стр. 159

مثال آخر: في قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٠] قال: «تحتمل (ما) وجوهاً: الأول: أن تكون زائدة. والثاني: أن تكون مصدرية ومحلها الرفع في الابتداء تقديره: وقع من قبل تفريطكم بيوسف. والثالث: تكون موصولة محلها الرفع أيضاً» (١). قال: «والأول أظهر»، وهو القول بالزيادة. ولا يعني هذا أن المؤلف يرى أن في القرآن زائداً من جهة المعنى، بل هو زائد من جهة الإعراب فقط، أما المعنى فلا. مثال آخر أيضاً: في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] يقول: «﴿مِنْ﴾ الأولى: للبيان، والثانية: للتبعيض، ويجوز أن يكونا للتبعيض معاً، قاله الزمخشري» ثم قال: «والأظهر أن الأولى للبيان والثانية زائدة، والمعنى: هل أنتم دافعون أو متحملون عنا شيئاً من عذاب الله» (٢). فجعل ﴿مِنْ﴾ الثانية زائدة من جهة الإعراب، لكن لا شك أنها ليست زائدة من جهة المعنى؛ لأن قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أكدت العموم. مثال: في قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] قال: «لا» في هذا الموضع وأمثالها زائدة، وكأنها زيدت لتأكيد القسم أو لاستفتاح الكلام نحو: ألا. فالمؤلف جعل لها معنى، وهو التأكيد، ثم قال بعد ذلك: «وقيل: هي نافية لكلام الكفار كأنه يقول: لا صحة لما يقول الكفار، وهذا ضعيف، والأول أحسن؛ لأن زيادة «لا» كثيرة معروفة في كلام العرب» (٣).

стр. 160

اعتمد المؤلف في الترجيح على الوجه الخامس، وهو: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب أو التصريف أو الاشتقاق. السبب العاشر: احتمال حمل الكلام على الترتيب وعلى التقديم والتأخير: ويقابله في وجوه الترجيح الوجه الثاني عشر: «حمل الكلام على ترتيبه، إلاَّ أن يدل الدليل على التقديم والتأخير». وعِلْم المقدم والمؤخر على نوعين: ١ - نوع يرتبط بعلم البلاغة. ٢ - ونوع يرتبط بالمعنى والتفسير. والكلام الذي يناقشه المؤلف في سبب الاختلاف وما يقابله من وجوه الترجيح هو مرتبط بالمعنى والتفسير وليس بالبلاغة. أما مثال ما يتعلق بالبلاغة عند المؤلف ففي قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] يقول: «وفي كلامه تقديم وتأخير؛ لأن قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ مؤخرٌ في المعنى عن ذكر غصبها؛ لأن خوف الغصب سببٌ في أنه عابها، وإنما قُدِّمَ للعناية به» (١)، فهذا التقديم ليس له أثر في المعنى بل هو مرتبط ببلاغة الكلام فقُدِّم المؤخر للعناية به. أما النوع الثاني: فهو المتعلق بالتفسير، ومن أمثلته من كلام المؤلف في قوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] «فقوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة للمؤمن، وقيل: كان من بني إسرائيل» فقوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ على هذا يتعلق بقوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ ـ يعني: يكتم إيمانه من آل فرعون ـ ثم قال: «والأول أرجح؛

стр. 161

لأنه لا يحتاج فيه إلى تقديمٍ وتأخير، ولقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] لأن هذا كلامُ قريبٍ شفيق؛ ولأن بني إسرائيل حينئذ كانوا أذلاء بحيث لا يتكلم أحد منهم بمثل هذا الكلام» (١)، فالمؤلف يرجِّح أن يكون المؤمن من آل فرعون وليس من بني إسرائيل؛ لأن الأصل أن يكون الكلام على ترتيبه، ولا يقال بالتقديم والتأخير إلا إذا لم يفهم إلا بالتقديم والتأخير. مثال: في قوله : ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤، ٥] لما قال: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ المرعى إذا خرج يكون لونه غالباً أخضر، ثم قال: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾ هذه الحالة بعد الخضرة و «أحوى» يعني: مائلاً إلى السواد من شدة القدم، يعني: أصابته الشمس حتى صار العود الأصفر مائلاً إلى السواد، فالعيدان الدقيقة إذا اجتمعت في المرعى بجوار بعضٍ تراها مائلة إلى السواد. بعض المفسرين جعل «أحوى» صفة للمرعى، فيكون فيه تقديم وتأخير إذ قال: «والذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء» وقال: «إن من شدة خضرته يكون مائلاً إلى السواد كما قال الله : ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] في خضرة في الجنة، فيكون من شدة الخضرة إذا رآها الرائي من بعيد يرى أنها مائلة إلى السواد». وعلى هذا التفسير يكون فيه تقديم وتأخير. وما دام الكلام يفهم على ترتيبه فهماً سليماً، فالقول به أولى من القول بالتقديم والتأخير. السبب الحادي عشر: احتمال أن يكون الحكم منسوخاً أو محكماً: المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المقدمة يذكر بعض المعلومات

стр. 162

مرة بعد مرة كما في قضية النسخ، فقد ذكر جزءاً منها قبل ذلك، وقد سبق أن قررنا (١) أن النسخ على نوعين: ١ - نسخ جزئي. ٢ - نسخ كلي. والنسخ الجزئي يقع في الأحكام والأخبار، وهو مراد السلف عندما يطلقون النسخ، أما المتأخرون فيطلقون عليه تخصيص العام أو تقييد المطلق، أو تبيين المجمل، أو الاستثناء، أما النسخ الكلي فلا يقع إلا في الأحكام فقط، واتفق على ذلك السلف والمتأخرون. من الأمثلة على النسخ الجزئي عند المؤلف في قوله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] يقول هنا: «السعي هنا بمعنى العمل، وظاهرها أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، وهي حجة لمالك في قوله: «لا يصوم أحد عن وليه إذا مات وعليه صيام»، واتفق العلماء على أن الأعمال المالية ـ كالصدقة والعتق ـ يجوز أن يفعلها الإنسان عن غيره، ويصل نفعها إلى من فُعِلت عنه، واختلفوا في الأعمال البدنية كالصلاة والصيام، وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] قال: والصحيح أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ» (٢). قوله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ خبر، والخبر ـ بناءً على قواعد المتأخرين ـ لا يدخله النسخ، وقد عبَّر عن ذلك المؤلف فقال: «لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ»، ومن عبّر بالنسخ من السلف عبّر عنه بمصطلحه الذي يشمل النسخ الكلي والجزئي، ومراده هنا النسخ الجزئي، وهو من باب تخصيص العام، كما هو قول المتأخرين.

стр. 163

تنبيه: على رأي بعض العلماء أن الولد من كسب الإنسان، وأنه يدخل في سعيه فليس فيها شيء من ذلك. مثال آخر: من النسخ الكلي الذي يقع عند السلف وعند المتأخرين في قوله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] يقول: «اختلف هل هي منسوخة أو محكمة؟ فالذين قالوا: إنها منسوخة قالوا: معناها الميراث بالحِلْف الذي كان في الجاهلية، وقيل: بالمؤاخاة التي آخى الرسول ﷺ بين أصحابه ثم نسخها: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فصار الميراث للأقارب، والذين قالوا إنها محكمة اختلفوا فقال ابن عباس: هي في المؤازرة والنصرة بالحلف لا في الميراث به، وقال أبو حنيفة: هي في الميراث ...». فهذا هو النسخ الكلي عند السلف وعند المتأخرين؛ لأنها داخلة في الأحكام. تمييز عبارة النسخ عند المتقدمين: فإن قال قائل: إذا وردت عبارة السلف في آية من الآيات وهي حُكم وحملوها على النسخ فهل يكون من النسخ الجزئي أو النسخ الكلي؟ نقول: لا نستعجل في حمل عبارات السلف في الأحكام الواردة في دائرة النسخ على النسخ الكلي؛ لأن النسخ في الأحكام قليلٌ جداً، وكل الخلاف الدائر في الناسخ والمنسوخ إذا استطعنا أن نُخَرِّجَهُ على الأبواب التي ذكرها المتأخرون (تخصيص العام، وتقييد المطلق، والاستثناء وتبيين المجمل)، فهذا أولى. وبعضهم يرى أن النسخ الكلي لم يقع إلا في ست آيات فقط، وبعضهم يرى أنه لم يقع الاتفاق على النسخ إلا في آية واحدة وهي آية

стр. 164

المجادلة التي فيها ذكر مناجاة النبي ﷺ (١)، وأن البقية محمولة إما على التقييد، وإما على التخصيص، أو الاستثناء. السبب الثاني عشر: اختلاف الرواة في التفسير عن النبي ﷺ وعن السلف: هذا السبب ذكره المؤلف وليس له أي مثال، ولذا سنذكر عدداً من الاحتمالات والقواعد الواردة على هذا السبب وهي: ١ - أن التفسير النبوي لم يقع فيه اختلاف إطلاقاً، فلم يأت عن صحابي أنه يقول: إن النبي ﷺ فسَّر بكذا، ويأتي آخر ويقول إنه فسَّره بخلاف ذلك. ٢ - أنه لم يقع اختلاف بين التفسير النبوي وكلامه ﷺ في غير التفسير؛ لأن هذا يدل على التناقض والرسول ﷺ منزه عن مثل هذا، فلا يمكن أن يفسر آية بمعنى، ثم يذكر في سنته معنى يناقض هذا المعنى. ٣ - أن يقع اجتهاد من المفسر في تفسير الآية بسنة أو بكلام النبي ﷺ ، وهذا الاختلاف ليس بسبب السنة وإنما بسبب اجتهاد المفسر، فعندما يأتي مفسر ويحمل الآية على كلام الرسول ﷺ ، ويأتي مفسر آخر ويحمل الآية على كلام آخر للرسول ﷺ ، فالخلاف الذي وقع ليس في كلام النبي ﷺ ، وإنما في حمل كلام النبي ﷺ على معنى الآية. ٤ - أن يقع اختلاف في التفسير النبوي، والتفسير المروي عن بعض السلف؛ أي: أن يكون النبي ﷺ فسر بمعنى، ثم يأتي عن مفسر معنى غيره، وهذا وقع كما في الأقوال في تفسير الكوثر، فمنهم من

стр. 165

قال: إن الكوثر هو نهر في الجنة، ومنهم من قال: إنه الخير، فقد وقع خلاف بين تفسير النبي ﷺ وبين تفسير المفسر. ٥ - أن يقع اختلاف بين المتأخرين فيحمل بعضهم الآية على حديث نبوي وبعضهم يحملها على تفسير بعض الصحابة والتابعين. ومن ذلك ما ورد في فتنة سليمان، فبعض المتأخرين قال: إن فتنة سليمان هي فيما رواه البخاري بسنده عن «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ ـ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ـ كُلُّهُنَّ يَاتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قل إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ الله. فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَاناً أَجْمَعُونَ» (١). فحمل الآية على الحديث. وحمل آخرون معنى الآية على الرواية الواردة عن بعض مفسِّري السلف: عن ابن عباس وغيره؛ قال: هو صخر الجنيّ تمثَّل على كرسيه جسداً (٢) ـ فحملوها على بعض الروايات الإسرائيلية كما هو مشهور. ٦ - أن يقع الاختلاف في التفسير المروي عن السلف، وهذا كثير. ومثال ذلك: ما رواه الطبري بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه قال: «بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجل يسأل عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ

стр. 166

ضَبْحًا﴾ فقال: سألتَ عنها أحداً قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي؛ فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لَبدر، وما كان معنا إلا فَرَسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحاً! إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى مزدلفة إلى منى؛ قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ﵁». وبعد، فهذه الوجوه والاحتمالات الواردة على عبارته، لكن الأول والثاني غير واقعين إطلاقاً، أما الثالث والرابع والخامس والسادس فهي واردة في التفسير. وسبب الاختلاف بين المفسرين في هذا المقام هو الاختلاف في المصدر، فمنهم من كان مصدره التفسير النبوي المباشر، ومنهم من اعتمد على حديث نبوي لم يكن وارداً في تفسير الآية مباشرة، ومنهم من اعتمد على اللغة، إلى غير ذلك مما قد يظهر للباحث. ومن أمثلة اختلاف المفسرين بسبب اختلاف المصدر ما ورد في تفسير قوله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، فقد ورد عن ابن عباس (ت٦٨هـ) وتلاميذه: «تكشف القيامة عن كرب وهول» (١)، ومصدرهم فيه هو اللغة، وفسَّر آخرون الآية اعتماداً على الحديث النبوي الوارد في قوله ﷺ : «يكشف ربنا عن ساقه». ويمكن أن نقول: إن سبب الاختلاف بالنسبة لنا هو اختلاف الرواية عن السلف. فإن قال قائل: هل ابن عباس يعرف حديث النبي ﷺ ؟

стр. 167

نقول: عندنا احتمالان: الأول: أنه لم يبلغه هذا الحديث، فحمله على ما يعرف من لغة العرب. الثاني: أنه يعرف هذا الحديث، وعلى هذا احتمالان: ١ - أنه ينكر ثبوت الساق للرب، وهذا الافتراض لم يثبت عن ابن عباس مطلقاً. ٢ - أنه يرى أن هذه الآية ليست من آيات الصفات لكنه يثبت الساق بدليل آخر وهو الحديث النبوي الذي يظهر فيه بكل وضوح ثبوتها بقوله: «يكشف ربنا عن ساقه»، ومن ثمَّ، فكلام ابن عباس ليس فيه تأويل ولا مجاز، ولو حملناها على أن الحديث يفسرها فهذه طريقة في الترجيح، ولو حملناها على قول ابن عباس وتلاميذه، دون إنكار ثبوت الساق في الحديث النبوي، فهذه طريقة أخرى محتملة. إن اعتماد بعض المؤولين وأصحاب المجاز على كلام ابن عباس وغيره، فهذا مردود لأن ابن عباس لم ينكر الساق مثلهم. هذه أسباب الاختلاف وشرحها كما وردت عند المؤلف، ومن أراد الفائدة والاطلاع على مزيد من الأسباب فلينظر في كتاب الأستاذ الدكتور سعود الفنيسان وهو «اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره»، وكتاب الأستاذ الدكتور محمد الشايع واسمه: «أسباب اختلاف المفسرين».

стр. 168

وجوه الترجيح سمَّى المؤلف هذا النوع من العلم بـ «وجوه الترجيح» (١)، وسبق أن أشار إلى تسميات أخرى، وهي «القواعد العلمية»، وسمَّاها أيضاً «موجبات الترجيح»، حيث قال في أول هذه المقدمة: (وهذا الذي «ارتكبت» من الترجيح والتصحيح مبني على القواعد العلمية، أو ما تقتضي اللغة العربية، وسنذكر بعد هذا باباً في موجبات الترجيح بين الأقوال). ويمكن أن نضيف لها مصطلحاً رابعاً، وهو «قرائن الترجيح». ولا شك أن أقوى هذه المصطلحات في التعبير هو «قواعد الترجيح»، وهذه القواعد مصدرها الاستقراء، بحيث يستقرئ الباحث مجموع الأمثلة، ثم يستنبط منها قاعدة، واستنباط هذه القواعد عقليٌّ. ومن ثَمَّ، فإنه قد يقع في القواعد تنازع في الأمثلة فيكون المثال صالحاً لإعمال أكثر من قاعدة، ومثاله عندنا قاعدة «عود الضمير إلى أقرب مذكور»، وقاعدة «ترتيب الضمائر أولى من تفكيكها»، أي: إن عود الضمائر إلى مذكور واحد أولى من تفكيكها، ومثال ذلك: في قوله : ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح: ٩] اتفق المفسرون على أن الضمير في

стр. 169

﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ يعود إلى الله ، واختلفوا في الضمير في ﴿وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ هل يعود إلى لفظ الجلالة أو يعود إلى الرسول ﷺ ؟ على قولين: ١ - إن أعملت قاعدة «عود الضمير إلى أقرب مذكور» فإنه يكون عائداً إلى الرسول ﷺ ، أي: لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعزِّروا رسوله، وتوقروا رسوله، وتسبِّحوا الله. فإذا أعملتَ هذه القاعدة صار في الجملة تفكيك للضمائر. ٢ - وإن أعملت قاعدة «ترتيب الضمائر أولى من تفكيكها»، فإن معنى الجملة سيكون: لتؤمنوا بالله وتؤمنوا برسوله، وتعزروا الله وتوقروا الله وتسبحوا الله، وعلى هذا تكون الضمائر كلها تعود إلى مذكور واحد. وهاهنا تأتي المنازعة العقلية أيهما يقدم ترتيب الضمائر وعودها إلى مذكور واحد، أو تفكيك الضمائر؟ ولا شك أن الترتيب مقدم على التفكيك، لكن لو ذهب أحد إلى المذهب الآخر فله وجه. ومن الأمثلة على تنازع الضمير بين هاتين القاعدتين قوله: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٦، ٧] ﴿وَإِنَّهُ﴾ إذا أعدناه لأقرب مذكور؛ فإنه يعود للرب، فهو شهيد على العبد، ولو أعملنا قاعدة ترتيب الضمائر في عودها على أول مذكور؛ فإنها تكون للعبد، أي: وإن الإنسان على ذلك لشهيد؛ يشهد على نفسه بكنوده. وقد تأتي أكثر من قاعدة مرجحة للمعنى، كأن تكون قاعدة السياق وقول الجمهور؛ لأن قول الجمهور يعتبر قرينة، فإذا أعملنا قاعدة السياق ووافقت قول الجمهور فإن هذا القول يتأكد رجحانه. وقد يكون التنازع قوياً حين تتنازع قاعدتان، فيختلف الوجه التفسيري بناء على اختلافهما، كتنازع قاعدة تقديم القول الموافق للسياق مع قاعدة تقديم قول الجمهور.

стр. 170

من أمثلة ذلك: قوله : ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] اختلف في الشاهد هل هو موسى ﵇ أو عبد الله بن سلام ﵁ (ت٤٣هـ)، فذهب مسروق (ت٦٣هـ) وتبعه الشعبي (ت١٠٣هـ) إلى أن الشاهد موسى ﵇، وذهب سعد بن أبي وقاص (ت٥٤هـ)، وعبد الله بن سلام نفسه وابنه يوسف وابن عباس (ت٦٨هـ)، وبعض تلاميذ ابن عباس؛ ذهبوا إلى أن الشاهد هو عبد الله بن سلام. فلو أعملت قاعدة تقديم قول الجمهور، فإنك ستقول: الشاهد هو عبد الله بن سلام. ولو أعملت قاعدة القول الموافق للسياق، فإنك ستقول: الشاهد موسى، ويؤيده أن الآية في سورة الأحقاف المكية، وسياق الآيات مخاصمة ومحاجة مع كفار مكة، وإيمان عبد الله بن سلام لم يكن عند نزول الآية. فهذا تنازع قوي بين القواعد، ولهذا تأرجح الطبري رحمه الله تعالى في ترجيحه، وأشار إلى القاعدتين معاً، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش، واحتجاجاً عليهم لنبيه ﷺ ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدّم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك عنى به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به. فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو

стр. 171

الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمداً مكتوب في التوراة أنه نبيّ تجده اليهود مكتوباً عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبيّ» (١). تفصيل وجوه الترجيح عند المؤلف: القاعدة الأولى: تفسير بعض القرآن ببعض، فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال. هذه القاعدة أو الوجه من وجوه الترجيح ليس وجهاً مطلقاً؛ لأن العمدة في الترجيح بالقرآن الاجتهاد من المفسر، أما ما يخرج عن هذا مما لا يمكن أن يقع فيه خلاف في أنه من باب تفسير القرآن بالقرآن فمثل تفسير الطارق بأنه النجم الثاقب في قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١ - ٣]. ومثله قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ *ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ *يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] ثم إن المفسر لما اجتهد وربط الآية بالآية اعتمد مصدراً معيناً، إما أنه اعتمد على مشابهة لفظية، وإما أنه اعتمد على معنى لغوي، وإما أنه اعتمد على فهم المعنى العام. ومثال هذا ما جاء في قوله : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] لو رجعنا إلى أقوال المفسرين فإننا سنجد قولين: القول الأول: قُرنت الأصناف بالأصناف، الكفار مع الكفار، والمنافقون مع المنافقين، والمؤمنون مع المؤمنين، ويصنَّف أيضاً الكفار فعبدة النجوم مع بعض، وهكذا.

стр. 172

وممن فسرها بهذا عمر بن خطاب ﵁، ونظَّرها بقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً *فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ *وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ *وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠]، وكذلك بقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]؛ أي: أصنافهم، وليس المراد زوجاتهم؛ لأنه قد تكون زوجة الكافر مؤمنة، وقد تكون زوجة المؤمن كافرة. والمقصود من هذا أن عمر ﵁ لما فسَّر هذه الآية بهذا المعنى اعتمد على اللغة؛ لأنه فسر التزويج بمعنى القَرْن، أي: قَرْن الأصناف، فـ «زوجت» بمعنى قُرِنَت الأصنافُ بالأصنافِ. القول الثاني: أن الأرواح ردت إلى الأجساد ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي: قرنت الأرواح بالأجساد، ثم يبعث الإنسان كما هو معلوم في كيفية البعث التي أخبر الله ورسوله ﷺ عنها، فالقول الثاني لم يعتمد على آية، ومع ذلك نقول: كلا القولين صحيح، فالآية تحتمل هذا وتحتمل هذا، لكن عند الترجيح نرجِّح القول الأول؛ لأمور: ١ - أن القرآن دلَّ على هذا المعنى الأول. ٢ - أنه قول الجمهور. ٣ - من قرائن الترجيح أنه فَهْمُ عمر بن الخطاب الذي أشار إليه المؤلف (إذا كان قول من يؤتم به أو يقتدى به فإنه يكون قولاً معتبراً). مثال آخر: في قوله : ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] السبيل: قيل: طريق خروجه من بطن أمه، وهذا قول الجمهور. والقول الآخر: أن المراد بالسبيل طريق الخير والشر، واستدل صاحب هذا القول بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وإذا أعملت قاعدة تفسير القرآن بالقرآن يعدُّ قرينة، فإنا نرجح القول

стр. 173

الثاني؛ لأن المراد هديناه سبيل الخير والشر، لكن المرجَّح والمقدَّم هنا هو القول الأول؛ لأنه قول الجمهور، ولأن السياق يدل عليه، فالله يتكلم عن تكوين الإنسان وأطوار خلقه فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ *ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ *ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ١٩ - ٢١] وليس الكلام عما يتعلق بقضية الخير والشر. المقصود من هذا: أن القول بأن القول الذي يشهد له قرآن يُقدَّم على غيره ليس لازماً أو على إطلاقه، بل يُعدُّ قرينة في الترجيح حينما يفسِّرُ مفسرٌ آيةً بآية، لكن القول الثاني هو الأقوى والأصوب لموافقته للسياق، ولكونه قول الجمهور، ولو كان حمل الآية على الآية ملزماً، فماذا نعمل حينما نجد بعض المبتدعة يفسرون آية بآية؟ هل نقبل تفسيرهم؟! لا شكَّ أننا لا نقبله، ولو كان من قبيل تفسير القرآن بالقرآن؛ لأنهم لم يحملوا آية على آية إلا على قواعدهم البدعية، ولو لم تكن هذه القواعد البدعية لما حملوا آية على آية، ومثال ذلك: يفسِّر بعض المعتزلة قوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] بأنها تنتظر ثواب ربها، وينفون رؤية الباري، ويستشهدون لذلك بقوله تعالى: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ولولا قولهم بعدم رؤية الباري لما حملوا هذه الآية على تلك. القاعدة الثانية: إذا كان المفسر اعتمد على كلام النبي ﷺ . مثال ذلك: قوله : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] بعض المفسرين المتأخرين حملوا هذه الآية على حديث سليمان أنه قال: «والله لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأةٍ، تلد كل امرأةٍ منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله

стр. 174

فنسي فطاف بهن، فلم تأت امرأة منهن بولد إلا واحدة بشق غلام» (١)، فقالوا: إن هذا هو الجسد الذي أخبر الله عنه، والرسول ﷺ لم يربط هذا الحديث بالآية، وإنما أخبر بخبرٍ عن سليمان ﵇، فحَمْلُ الحديثِ على الآية ليس من فعل الرسول ﷺ ، وإنما من عمل المجتهد. ومفسرون آخرون حملوا الآية على ما ورد في بعض الإسرائيليات أنه وقع تسلُّط من الشيطان على سليمان ﵇. الأصل ألا نوجب تفسير الآية بالحديث إلا إذا ثبت أن النبي ﷺ أراد أن هذا المعنى مفسر لهذه الآية، وهذا النوع نطلق عليه «التفسير النبوي المباشر»؛ لأن النبي ﷺ نصَّ على الآية، وأراد تفسيرها. أما إذا ورد الحديث مطلقاً من غير آية، فإن الاطمئنان إلى حمل الآية على الحديث أحرى، لكنه ليس ملزماً، فليس كل استفادةٍ من كلام النبي ﷺ في تفسير الآيات يلزم أن يكون صحيحاً، وإذا كان حمل المعنى على الآية صحيحاً فإنه لا يلزم أن يكون حجة؛ لأنه من عمل المجتهد، ونحن نقبله لأمور أخرى منها: أن يكون وارداً عن بعض من يُقتدَى به؛ كتفسير ابن عباس لـ ﴿اللَّمَمَ﴾ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، قال: «ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق ...» (٢)، فجعل هذا الحديث مفسراً لـ ﴿اللَّمَمَ﴾ أي: الصغائر التي تكفرها الصلوات. تنبيه: هناك مجالان لا يمكن الزيادة فيهما على ما ورد من التفسير النبوي

стр. 175

«بيان أحكام القرآن أو مغيباته»، فهذان لا يمكن لأحد ألبتة أن يزيد عليهما؛ لأن الزيادة في مثل هذا تعتبر تنقيصاً في حقِّ النبي ﷺ . وادِّعاءُ أن بيانه ﷺ كان ناقصاً مستحيلٌ؛ لأنه أوتي جوامع الكلم، وكان بيانه في غاية التمام والوضوح. مثال: تفسيره لحكم من أحكام القرآن، وما ورد في تفسيره لاعتزال النساء في المحيض، لما سأله الصحابة عن ذلك؛ لأن اليهود كانوا أهل كتاب، وكانوا يفعلون ذلك فيعتزلونهن في المحيض، ولا يؤاكلوهن ولا يشاربوهنَّ، ولا ينامون معهن. فالصحابة ﵃ خصوصاً الأنصار ـ كانوا يقتدون ببعض أفعال اليهود، فسألوا الرسول ﷺ عن هذا هل هو من دين الله؟ فأنزل الله قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهذا فيه عموم، ولو بقِيَ النصُّ على عمومه لفُهِمَ أن النساء تُعتَزَل في المحيض اعتزالاً تاماً: عن الأكل والشرب والنوم وغيره، لكن النبي ﷺ قال في تفسير الاعتزال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (١)، فدل على أن العموم الوارد في هذه الآية ليس مراداً منه جميع الاعتزال، وإنما المراد الاعتزال في النكاح فقط، وهذا فيه مخالفة لليهود. ولا يجوز لأحد أن يأتي بقول يخالف قول الرسول ﷺ ويزيد عليه بدعوى احتمال معنى الاعتزال لأنواع أخرى غير النكاح، فالرسول ﷺ خصَّ هذا العموم بالنكاح فقط، ولا يحتمل ـ بعد بيانه ـ دخول أي نوع من الاعتزال غير ما ذكر. ومثال القضايا الغيبية التي لا يمكن إدراكها إلا بخبر المعصوم، وما لم يدرك من خبره ﷺ لا يمكن أن يقال به، ما وقع من سؤال الصحابة لرسول الله ﷺ عن حياة الشهداء لما نزلت الآية في ذلك، وهي

стр. 176

قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] أخبر «بأن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت» (١)، فإخباره ﷺ عن حياة الشهداء لا يمكن أن يدرك بالعقل إطلاقاً، لذا لا يمكن الزيادة على هذا البيان النبوي. ويبقى المشكل في الأمر فيما لو فسر ﷺ بعض الآيات، وهي تحتمل أكثر من المعنى الذي ذكره، فهل يجوز الزيادة على تفسير النبي ﷺ ، إذا كانت الآية تحتمله، مثال ذلك ما ورد من التفسير النبوي لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: «هم اليهود» ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال: «هم النصارى» (٢)، فقد وردت تعبيرات من العلماء مخالفة لعبارة النبي ﷺ ؛ كما يقول: المغضوب عليهم: من ضلَّ في العلم، والضالين: من ضلَّ في العمل، كما قال بعضهم: «من ضل من علمائنا فهو من المغضوب عليهم، ومن ضل من عبادنا فهو من الضالين»، وهذه العبارات كلها في النهاية لا تخرج عن أن تكون أمثلة للمغضوب عليهم والضالين، لكن المقصودين بالآية أولاً هم اليهود والنصارى، فإذا جاء مفسر وقال: ليس المراد اليهود والنصارى نقول: أخطأت؛ لأن النبي ﷺ فسر الآية بذلك، لكن إذا قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود ويدخل معهم كل ما شابههم في هذا العمل نقول: نعم؛ لأنه داخل في باب القياس. مثال آخر: تفسيره ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، قال: «ألا إن القوة الرمي» (٣)، ولا يصح أن يقال: إن تفسير النبي ﷺ هنا تخصيص ولا يجوز أن نُعِدَّ إلا الرمي، بل كأنه أراد التنبيه على أقوى القوة وأعلى القوة وهي الرمي، لكن لا يعني ذلك أن

стр. 177

غيره من أنواع القوة غير مراد، لذا فإن ما ورد عن بعض السلف من تفسيرات أخرى كقول بعضهم: القوة: ذكور الخيل؛ لأنها هي التي كانت يقاتل بها، فإن هذا يدخل في معنى الآية؛ لأنه من القوة، وهو لا يناقض قول النبي ﷺ . مثال آخر: لما فسر ﷺ «الغاسق» بالقمر قال لعائشة ﵂: «استعيذي من شرِّ هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» (١)، والمراد به القمر إذا دخل في الليل، وبعض المفسرين قال: الغاسق: الليل إذا دخل؛ لأن الليل والقمر بينهما تلازم، فالقمر لا يخرج إلا بالليل، وإذا جاء الليل خرج القمر، فالتعبير بالليل لا يخالف التعبير بالقمر لكن عبارة النبي ﷺ لا شك أنها أولى. القاعدة الثالثة: أن يكون القول قول الجمهور وأكثر المفسرين. لا شك أن كونه قول الجمهور فإن النفس إليه أسكن واتِّباعُه أولى، وقد سبق ذكر أمثلة لذلك. القاعدة الرابعة: أن يكون قول من يُقتدى بهم من الصحابة كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن عباس لقول الرسول ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل» (٢). هذا الحديث جعل بعض العلماء يعتمد قول ابن عباس إذا كان في الآية خلافٌ كالواحدي (ت٤٦٨هـ) في (الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)، قال: «وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا؛ تعجيلاً لمنفعتهم، وتحصيلاً للمثوبة في إفادتهم ما تمنوه طويلاً، فلم يغن عنهم أحد فتيلاً، وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عباس ﵀، أو من هو في

стр. 178

درجته ...» (١). وكذلك ابن الوزير (ت٨٤٠هـ) (٢) في كتابه «إيثار الحق على الخلق» في فصل عقده بعنوان: «فصل في الارشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير»، قال: «وأكثرهم تفسيراً حبرُ الأمة وبحرُها عبد الله بن عباس ﵄، وقد جُمِع عنه تفسير كاملٌ، ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في مثل ذلك المعول. ومتى صحَّ الإسناد إليه كان تفسيره من أصحِّ التفاسير مقدماً على كثير من الأئمة الجماهير، وذلك لوجوه: أولها: أن رسول الله ﷺ دعا له بالفقه في الدين وتعليم التأويل؛ أي: التفسير؛ كما تقدم تقريره في الكلام على المتشابه. وصح ذلك واشتهر عن رسول الله، وله طرق في مجمع الزوائد. وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه أنه مما أخرجه البخاري ومسلم بكماله، وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة: «اللهم علمه الكتاب والحكمة»، وفي رواية: «اللهم فقهه في الدين»، وفي رواية الترمذي: أنه رأى جبريل ﵇ مرتين، ودعا له النبي ﷺ بالحكمة مرتين، وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في مواضعها، ولولا خوف الإطالة لذكرتها. وثانيها: أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموماً، وفي التفسير خصوصاً، وسمَّوه البحر والحبر، وشاع ذلك فيهم من غير نكير، وظهرت إجابة الدعوة النبوية فيه، وقصة عمر معه ﵃ مشهورة في سبب تقديمه وتفضيله على من هو أكبر منه من الصحابة وامتحانه في ذلك. وثالثها: كونه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، وستأتي الإشارة

стр. 179

إلى مناقبهم الغزيرة في آخر المختصر، فيكون المعظِّم له، والموفي له حقه في ذلك قد قام بحق الثقلين وعمل بالوصية النبوية فيهما. ورابعها: أنه ثبت عنه إنه كان لا يستحلُّ التأويل بالرأي، روي عنه أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»، وفي رواية: «بغير علم» رواه أبو داود في العلم، والنسائي في «فضائل القرآن» والترمذي في «التفسير»، وقال: حديث حسن وشرطه فيما قال فيه: حديث حسن أن يأتي من غير طريق. وخامسها: أن الطرق إليه محفوظة متصلة غير منقطعة، فصح منها تفسير نافع ممتع، ولذلك خصصته بالذكر، وإن كان غيره أكبر منه وأقدم وأعلم وأفضل؛ مثل: علي بن أبي طالب ﵇ من جنسه وأهله وغيره من أكابر الصحابة ﵃، لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر اليه ﵃ أجمعين» (١). وما ذكره من تقديم ابن عباس، فإنه صحيح بالجملة، ووجود ابن عباس في قول من أقوال التفسير، مع استشعار الدعاء النبوي له، يورث قرينة الصحة، لكنها ليست مطلقة، بل إن هذا يوجد في القول الذي يذهب إليه الأربعة: أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي، فوجودهم في قول يُعَدُّ قرينة، وليس أصلاً وقاعدة وحجة مطلقة. ولا يكاد يوجد قول قال به أحد هؤلاء الأربعة خاصة، ويكون مخالفاً لمعنى الآية، أو يكون فيه ضعف شديد بحيث لا يقبل إطلاقاً، لكن قد يكون غيره أرجح منه، ويكون قول أحدهم محتملاً،، ومن تبع قولهم المحتمل على أنه قول من يقتدى به، فَفِعْلُه صحيح ومعتبر. وأرى أن من الضروري التنبيه على كيفية التعامل مع كلام السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأقول: عندنا قاعدة كلية وهي أن قول السلف معتبر، وأنه لا يجوز خلافه.

стр. 180

فإن قال قائل: كيف تقبل قول السلف وأنت ترى فيه اختلافاً أو أقوالاً ضعيفة؟ فالجواب: إن تقعيد هذه القاعدة لا يعني قبول كل ما جاء عن السلف على إطلاقه، والأمر فيه تفصيل: الأول: إذا كان في تفسير الآية إجماع، فهذا حجة بلا ريب. الثاني: إذا وقع اتفاق السلف على قول، ووقع خلاف بعضهم، فيكون قول الجمهور «الاتفاقُ» (١) هو المقدَّم على قول غيرهم. الثالث: إذا وقع الخلاف بينهم، فإن ما وقع من اختلافهم عليه، فهو إجماع من هذه الجهة، أي: إنه إجماع منهم على هذه الأقوال، وأن الآية لا يخرج معناها عندهم عمَّا قالوه. وهذا النظر دقيق، قد يغيب عمَّن لم يتأمله، وفي هذه الحال لا يجوز إحداث قول يبطل أقوالهم جميعها، وبهذا يظهر مقام القاعدة الأصولية التي ذكرها الأصوليون في أنه لا يجوز إحداث قول ثالث فيما إذا اختلفوا على قولين (٢).
следующие страницы →