قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] أخبر «بأن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت» (١)، فإخباره ﷺ عن حياة الشهداء لا يمكن أن يدرك بالعقل إطلاقاً، لذا لا يمكن الزيادة على هذا البيان النبوي.
ويبقى المشكل في الأمر فيما لو فسر ﷺ بعض الآيات، وهي تحتمل أكثر من المعنى الذي ذكره، فهل يجوز الزيادة على تفسير النبي ﷺ ، إذا كانت الآية تحتمله، مثال ذلك ما ورد من التفسير النبوي لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: «هم اليهود» ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال: «هم النصارى» (٢)، فقد وردت تعبيرات من العلماء مخالفة لعبارة النبي ﷺ ؛ كما يقول: المغضوب عليهم: من ضلَّ في العلم، والضالين: من ضلَّ في العمل، كما قال بعضهم: «من ضل من علمائنا فهو من المغضوب عليهم، ومن ضل من عبادنا فهو من الضالين»، وهذه العبارات كلها في النهاية لا تخرج عن أن تكون أمثلة للمغضوب عليهم والضالين، لكن المقصودين بالآية أولاً هم اليهود والنصارى، فإذا جاء مفسر وقال: ليس المراد اليهود والنصارى نقول: أخطأت؛ لأن النبي ﷺ فسر الآية بذلك، لكن إذا قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود ويدخل معهم كل ما شابههم في هذا العمل نقول: نعم؛ لأنه داخل في باب القياس.
مثال آخر: تفسيره ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، قال: «ألا إن القوة الرمي» (٣)، ولا يصح أن يقال: إن تفسير النبي ﷺ هنا تخصيص ولا يجوز أن نُعِدَّ إلا الرمي، بل كأنه أراد التنبيه على أقوى القوة وأعلى القوة وهي الرمي، لكن لا يعني ذلك أن
стр. 177
غيره من أنواع القوة غير مراد، لذا فإن ما ورد عن بعض السلف من تفسيرات أخرى كقول بعضهم: القوة: ذكور الخيل؛ لأنها هي التي كانت يقاتل بها، فإن هذا يدخل في معنى الآية؛ لأنه من القوة، وهو لا يناقض قول النبي ﷺ .
مثال آخر: لما فسر ﷺ «الغاسق» بالقمر قال لعائشة ﵂: «استعيذي من شرِّ هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» (١)، والمراد به القمر إذا دخل في الليل، وبعض المفسرين قال: الغاسق: الليل إذا دخل؛ لأن الليل والقمر بينهما تلازم، فالقمر لا يخرج إلا بالليل، وإذا جاء الليل خرج القمر، فالتعبير بالليل لا يخالف التعبير بالقمر لكن عبارة النبي ﷺ لا شك أنها أولى.
القاعدة الثالثة: أن يكون القول قول الجمهور وأكثر المفسرين.
لا شك أن كونه قول الجمهور فإن النفس إليه أسكن واتِّباعُه أولى، وقد سبق ذكر أمثلة لذلك.
القاعدة الرابعة: أن يكون قول من يُقتدى بهم من الصحابة كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن عباس لقول الرسول ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل» (٢).
هذا الحديث جعل بعض العلماء يعتمد قول ابن عباس إذا كان في الآية خلافٌ كالواحدي (ت٤٦٨هـ) في (الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)، قال: «وهذا كتاب أنا فيه نازل إلى درجة أهل زماننا؛ تعجيلاً لمنفعتهم، وتحصيلاً للمثوبة في إفادتهم ما تمنوه طويلاً، فلم يغن عنهم أحد فتيلاً، وتارك ما سوى قول واحد معتمد لابن عباس ﵀، أو من هو في
стр. 178
درجته ...» (١).
وكذلك ابن الوزير (ت٨٤٠هـ) (٢) في كتابه «إيثار الحق على الخلق» في فصل عقده بعنوان: «فصل في الارشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير»، قال: «وأكثرهم تفسيراً حبرُ الأمة وبحرُها عبد الله بن عباس ﵄، وقد جُمِع عنه تفسير كاملٌ، ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في مثل ذلك المعول.
ومتى صحَّ الإسناد إليه كان تفسيره من أصحِّ التفاسير مقدماً على كثير من الأئمة الجماهير، وذلك لوجوه:
أولها: أن رسول الله ﷺ دعا له بالفقه في الدين وتعليم التأويل؛ أي: التفسير؛ كما تقدم تقريره في الكلام على المتشابه. وصح ذلك واشتهر عن رسول الله، وله طرق في مجمع الزوائد.
وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه أنه مما أخرجه البخاري ومسلم بكماله، وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة: «اللهم علمه الكتاب والحكمة»، وفي رواية: «اللهم فقهه في الدين»، وفي رواية الترمذي: أنه رأى جبريل ﵇ مرتين، ودعا له النبي ﷺ بالحكمة مرتين، وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في مواضعها، ولولا خوف الإطالة لذكرتها.
وثانيها: أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموماً، وفي التفسير خصوصاً، وسمَّوه البحر والحبر، وشاع ذلك فيهم من غير نكير، وظهرت إجابة الدعوة النبوية فيه، وقصة عمر معه ﵃ مشهورة في سبب تقديمه وتفضيله على من هو أكبر منه من الصحابة وامتحانه في ذلك.
وثالثها: كونه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، وستأتي الإشارة
стр. 179
إلى مناقبهم الغزيرة في آخر المختصر، فيكون المعظِّم له، والموفي له حقه في ذلك قد قام بحق الثقلين وعمل بالوصية النبوية فيهما.
ورابعها: أنه ثبت عنه إنه كان لا يستحلُّ التأويل بالرأي، روي عنه أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»، وفي رواية: «بغير علم» رواه أبو داود في العلم، والنسائي في «فضائل القرآن» والترمذي في «التفسير»، وقال: حديث حسن وشرطه فيما قال فيه: حديث حسن أن يأتي من غير طريق.
وخامسها: أن الطرق إليه محفوظة متصلة غير منقطعة، فصح منها تفسير نافع ممتع، ولذلك خصصته بالذكر، وإن كان غيره أكبر منه وأقدم وأعلم وأفضل؛ مثل: علي بن أبي طالب ﵇ من جنسه وأهله وغيره من أكابر الصحابة ﵃، لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر اليه ﵃ أجمعين» (١).
وما ذكره من تقديم ابن عباس، فإنه صحيح بالجملة، ووجود ابن عباس في قول من أقوال التفسير، مع استشعار الدعاء النبوي له، يورث قرينة الصحة، لكنها ليست مطلقة، بل إن هذا يوجد في القول الذي يذهب إليه الأربعة: أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي، فوجودهم في قول يُعَدُّ قرينة، وليس أصلاً وقاعدة وحجة مطلقة.
ولا يكاد يوجد قول قال به أحد هؤلاء الأربعة خاصة، ويكون مخالفاً لمعنى الآية، أو يكون فيه ضعف شديد بحيث لا يقبل إطلاقاً، لكن قد يكون غيره أرجح منه، ويكون قول أحدهم محتملاً،، ومن تبع قولهم المحتمل على أنه قول من يقتدى به، فَفِعْلُه صحيح ومعتبر.
وأرى أن من الضروري التنبيه على كيفية التعامل مع كلام السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأقول: عندنا قاعدة كلية وهي أن قول السلف معتبر، وأنه لا يجوز خلافه.
стр. 180
فإن قال قائل: كيف تقبل قول السلف وأنت ترى فيه اختلافاً أو أقوالاً ضعيفة؟
فالجواب: إن تقعيد هذه القاعدة لا يعني قبول كل ما جاء عن السلف على إطلاقه، والأمر فيه تفصيل:
الأول: إذا كان في تفسير الآية إجماع، فهذا حجة بلا ريب.
الثاني: إذا وقع اتفاق السلف على قول، ووقع خلاف بعضهم، فيكون قول الجمهور «الاتفاقُ» (١) هو المقدَّم على قول غيرهم.
الثالث: إذا وقع الخلاف بينهم، فإن ما وقع من اختلافهم عليه، فهو إجماع من هذه الجهة، أي: إنه إجماع منهم على هذه الأقوال، وأن الآية لا يخرج معناها عندهم عمَّا قالوه.
وهذا النظر دقيق، قد يغيب عمَّن لم يتأمله، وفي هذه الحال لا يجوز إحداث قول يبطل أقوالهم جميعها، وبهذا يظهر مقام القاعدة الأصولية التي ذكرها الأصوليون في أنه لا يجوز إحداث قول ثالث فيما إذا اختلفوا على قولين (٢).
стр. 181
ويكون التعامل مع هذا الاختلاف بأن يُعمل بالمرجحات، فيرجِّح المفسر المتأخر أحد الأقوال بناءً على القواعد العلمية المعتبرة عند أهل العلم.
وبهذا التفصيل يُعرف الفرق بين التنظير العام، وهو القول بأن تفسير السلف حجة، والتفصيل في المسألة على هذا النحو، فهناك فرق بين تقعيد القاعدة الكلية وبين التطبيقات.
ومما يُبنى على هذه القاعدة أن ما قالوه في معاني الآية ـ ولو اختلفوا ـ لا يمكن أن يخرج عنه التفسير الصحيح من وجه من الوجوه؛ أي: أن الصواب من معنى الآية فيما قالوه، ولا يمكن أن يكون هناك آية قد جهلوا ـ كلهم ـ معناها، أو فهموا ـ كلهم ـ معناها على وجه الخطأ، ثم تبين لمن بعدهم وجه الصواب فيها.
ومن تدبَّر هذا المعنى عرف سبب القول بهذه القاعدة: «تفسير السلف حجة».
ولهذا أقول: يجب أن نربي أنفسنا على احترام قول العلماء، وبخاصة سلف الأمة من أصحاب القرون المفضلة «الصحابة والتابعون وأتباعهم»، فهذا هو الأصل في العلم (١)، لكن لا يعني ذلك أن نجعل لها قدسية وأنها معصومة من الخطأ، فحين يتبين لك خطأ محض واضح بلا ريب في قول واحد منهم، فبينه بالأسلوب العلمي المؤدب الذي فيه
стр. 182
احترام للسابقين، وليس بأسلوب التهكم كما يفعله بعضهم، أو بإقصاء أقوالهم وعدم ذكرها إذا لم يكن يفهم مقصود هذه الأقوال، فأقوال السلف من حيث الجملة حجة معتبرة، ولا يجوز مناقضتها ولا إبطالها، وحينما نأتي إلى التفصيلات سنجد أن عندهم أقوالاً ضعيفة فهذه تردُّ بالأدلة العلمية، وإن وجدنا عندهم اختلافاً؛ فإذا لم يمكن القول بها جميعاً على سبيل اختلاف التنوع، فإنه يمكن أن نرجح بين أقوالهم بالقواعد العلمية المعتبرة.
ومعرفة هذا الأسلوب من التعامل مع أقوال السلف مهم لطالب العلم الذي يريد أن يدرس التفسير؛ لأنه سيواجه أقوالاً قد يضعِّفها، لكن تضعيفه لها بسبب نقص في العلم عنده، وليس لأن القول في ذاته ضعيف، بل لأنه لم يفهم مراده فخطَّأه، وقد يفهم مراده على غير ما أراده فيخطِّئ ما فهمه هو ظنّاً منه أن هذا هو معنى القول، والواقع أن الخطأ في فهمه، وليس في القول الذي قال به واحد من علماء السلف.
ومن الأمثلة التطبيقية على التعامل مع قول السلف:
ورد عن قتادة (ت١١٧هـ) أنه قال: «إن الله خلق النجوم لثلاثة فوائد: الأولى: نجوم، والثانية: زينة، والثالثة: علامات ﴿وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] يعني: علامات للاهتداء، قال: فمن زعم غير ذلك فقد كفر» (١).
عند مناقشة هذا القول يجب أن ننتبه لسببِهِ وموجبهِ، فبعض الأقوال يتبين لنا من خلال النظر في السياق أو المعرفة التاريخية التي تحتفُّ بالقول: أن لهذا القول سبباً جعل هذا المفسر يذكره، فَحَصْرُ قتادة (ت١١٧هـ) فائدةَ خَلْقِ النجوم في هذه الحِكَمِ الثلاث فيه ردٌّ على من يزعم
стр. 183
أن للنجوم تأثيراً ذاتياً، وهم عَبَدَةُ النجوم، وهذا ظاهر من عبارته.
فإن قال قائل: هل يلزم من ذكر الله في كتابه هذه الفوائد الثلاث ألا يكون لها فوائد غيرها؟
الجواب: لا يلزم، وأما نَفْيُ قتادة (ت١١٧هـ) لغير هذه الحِكم الثلاث فهذا غير صحيح؛ لأن الله لم ينف غيرها من الحكم إنما ذكر هذه الحكم الثلاث، فقول قتادة (ت١١٧هـ) مقبول، لكن تقييده هذا ليس بصحيح، ونحن حين نخطئ هذه الجزئية عنده نعترف له بأنه ذو منزلة في العلم، وأنه كما قيل: لم يمر على الأمة أحفظَ من قتادة.
والاستدراك على قتادة لا يعني تضعيفه بذاته، وعدم اعتبار أقواله، بل الأمر متعلق بالنقاش العلمي في هذا الموضع فقط.
ومما يلحظ في تعامل بعض المعاصرين مع أقوال السلف هو إقصاء بعض أقوالهم وعدم ذكرها، ومن ذلك قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥، ١٦] الخنس: إما أن تكون الكواكب والنجوم، وهو قول ابن عباس (ت٦٨هـ)، وإما أن تكون بقر الوحش والظِّبا (جمع ظبية)، وهو قول ابن مسعود (ت٣٢هـ)، وإذا نظرنا إلى سياق الآية وجدناه يحتمل هذا ويحتمل هذا، كما قال سفيان بن عيينة: «ليس في تفسير القرآن اختلاف إذا صح القول في ذلك، وقال: أيكون شيء أظهر خلافاً في الظاهر من الخنس. قال ابن مسعود: هي بقر الوحش وقال علي: هي النجوم. قال سفيان: وكلاهما واحد؛ لأن النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل، والوحشية إذا رأت إنسياً خنست في الغيضان وغيرها، وإذا لم تر إنسياً ظهرت. وقال سفيان: فكلٌّ خنس» (١) يعني: النجوم والكواكب وبقر الوحش والظبا، فليس هناك مانع أن
стр. 184
نقول: إن المقسم به هذا وهذا معاً؛ لأن الوصف يحتملهما، ولو قدَّمت القول بالكواكب والنجوم لأجل أن السياق في آيات كونية: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]، فتتناسب مع هذا القول، فإنه ترجيح له وجهه، لكن لا يعني أن القول الآخر باطل.
ورأيت بعض المعاصرين يقتصر على قول من قال: هي النجوم، وبعضهم يفسر الآية ولا يذكر أقوال السلف ألبتة، وكأنه لا قول لهم في الآية، وبعضهم يُبطِل أن يراد بالآية بقر الوحش والظبا.
والأسلوب الصحيح أن تذكر أقوالهم، فإن احتملتها الآية قيل بها جميعاً، وإن ترجَّح عندك أحدها ذكرته، ثم ذكرت موجب الترجيح، مع ملاحظة أن تقديمَ القول لا يَلزمُ منه إبطال القول الآخر ما دام من قبيل اختلاف التنوع، بل هو من قبيل تقديم القول الأَولى عندك.
القاعدة الخامسة: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب أو التصريف أو الاشتقاق.
يلاحظ أن هذه الجهة العربية قد تدل على صحة القول من جهة حمل القرآن على المعنى العربي، لكن لا يلزم أن تدل على ترجيحه، فالقُرْءُ ـ مثلاً ـ يطلق في كلام العرب على الحيض والطهر، فدل كلام العرب على صحة القول من هذه الجهة، لكننا نحتاج إلى مرجِّح آخر لنعرف المراد منه في الآية.
فدلالة كلام العرب على صحة القول لا تكفي إلا أن يكون هناك قول صحيح وقول باطل من جهة اللغة، كما قيل في لفظ الاستواء بأنه بمعنى الاستيلاء، وبه فُسِّر استواء الرحمن في مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وهذا المعنى لم يثبت في اللغة.
ومثل هذا القول الباطل يصحُّ القول بأنه لا يدل عليه كلام العرب.
ومن حيث العموم فإنه لا بد من معرفة كلام العرب والنظر في
стр. 185
لغتهم لمعرفة المشهور من المعاني والشاذ منها أو القليل؛ لأن حمل كلام الله على المشهور أولى من حمله على الشاذِّ أو القليل.
ومن ذلك قوله : ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ [النبأ: ٢٤] قيل البرد: هو النوم، وقيل البرد: الهواء البارد، والأشهر في إطلاق اللفظ عند العرب هو الهواء البارد، وإطلاقه على النوم قليل، ولما تعارض المعنى الأشهر والأقل فإننا نقدم الأشهر، من باب تقديم الأولى، وإن كان المعنى الثاني له وجهٌ صحيح والآية تحتمله.
القاعدة السابعة: أن يكون ذلك المعنى المتبادر إلى الذهن، فإن ذلك دليلٌ على ظهوره ورجحانه.
المتبادر إلى الذهن قضية نسبية، يصعب الحكم بها؛ لأن ما يتبادر إلى ذهني قد لا يكون متبادراً إلى ذهنك، لكن لو وقع الاتفاق على المتبادر للذهن، أو قال به الجمهور قبلناه.
مثال على الاختلاف في المتبادر للذهن قوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، فالمراد بالرجم قيل: السب، وقيل: الرجم بالحجارة، والمتبادر للذهن ـ بسبب كثرة الاستعمال ـ الرمي بالحجارة.
هذه القواعد التي تحتاج إلى بيان، أما بقية القواعد كتقديم الحقيقة على المجاز، والإطلاق على التقييد، والاستقلال على الإضمار، والعموم على الخصوص، وحمل الكلام على ترتيبه فقد سبق الحديث عنها بالأمثلة عند ذكر أسباب اختلاف المفسرين، وهناك أسباب وقواعد كثيرة غير هذه يمكن أن تؤخذ من مظانها التي ذكرتها.
стр. 186
الباب السادس
طبقات المفسرين
قال المصنف ﵀: الباب السادس في ذكر المفسرين، اعلم أن السلف الصالح انقسموا على فرقتين: فمنهم من فسر القرآن وتكلم في معانيه وهم الأكثرون، منهم من توقف عن الكلام فيه احتياطاً، لما ورد من التشديد في ذلك، وقد قالت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يفسر من القرآن إلا آيات تعد علّمه إياهن جبريل، وقال ﷺ : «من قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ». وتأول المفسرون حديث عائشة ﵁ بأنها في مغيبات القرآن التي لا تعلم إلا بتوقيف من الله تعالى، وتأولوا الحديث الآخر بأنه فيمن تكلم في القرآن بغير علم ولا أدوات، لا فيمن تكلم فيما تقتضيه أدوات العلوم ونظر في أقوال العلماء المتقدمين، فإن هذا لم يقل في القرآن برأيه.
واعلم أن المفسرين على طبقات:
فالطبقة الأولى: الصحابة ﵃، وأكثرهم كلاماً في التفسير: ابن عباس، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يثني على تفسير ابن عباس ويقول: كأنما ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيق، وقال ابن عباس: ما عندي من تفسير القرآن فهو عن علي بن أبي طالب.
ويتلوهما عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما جاء من التفسير عن الصحابة فهو حسن.
والطبقة الثانية: التابعون، وأحسنهم كلاماً في التفسير، الحسن بن
стр. 187
أبي الحسن البصري وسعيد بن جبير، ومجاهد مولى ابن عباس، وعلقمة صاحب عبد الله بن مسعود، ويتلوهم عكرمة، وقتادة، والسدي، والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح، وأبو العالية.
ثم حمل تفسير القرآن عدول كل خلف، وألف الناس فيه: كالمفضل، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وعلي بن أبي طلحة، وغيرهم.
ثم إن محمد بن جرير الطبري جمع أقوال المفسرين، وأحسن النظر فيها.
وممن صنف في التفسير أيضاً أبو بكر النقاش، والثعلبي، والماوردي إلا أن كلامهم يحتاج إلى تنقيح، وقد استدرك الناس على بعضهم.
وصنف أبو محمد بن قتيبة في غريب القرآن ومشكله وكثير من علومه.
وصنف في معاني القرآن جماعة من النحويين كأبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي جعفر النحاس.
وأما أهل المغرب والأندلس فصنف القاضي منذر بن سعيد البلوطي كتاباً في غريب القرآن وتفسيره.
ثم صنف المقرئ أبو محمد مكي بن أبي طالب كتاب «الهداية في تفسير القرآن»، وكتاباً في غريب القرآن، وكتاباً في ناسخ القرآن ومنسوخه، وكتاباً في إعراب القرآن إلى غير ذلك من تآليفه، فإنها نحو ثمانين تأليفاً، أكثرها في علوم القرآن من القراءات والتفسير وغير ذلك.
وأما أبو عمرو الداني فتآليفه تنيف على مائة وعشرين إلا أن أكثرها في القراءات ولم يؤلف في التفسير إلا قليلاً.
وأما أبو العباس المهدي فمتقن التآليف، حسن الترتيب، جامع لفنون علوم القرآن.
стр. 188
ثم جاء القاضيان أبو بكر بن العربي، وأبو محمد عبد الحق بن عطية فأبدع كل واحدٍ وأجمل، واحتفل وأكمل، فأما ابن العربي فصنف كتاب «أنوار الفجر» في غاية الاحتفال والجمع لعلوم القرآن، فلما تلف تلافاه بكتاب «قانون التأويل» إلا أنه اخترمته المنية قبل تخليصه وتلخيصه، وألف في سائر علوم القرآن تآليف مفيدة.
وأما ابن عطية فكتابه في التفسير أحسن التآليف وأعدلها، فإنه اطلع على تآليف من كان قبله فهذبها ولخصها، وهو مع ذلك حسن العبارة، مسدد النظر، محافظ على السنة.
ثم ختم علم القرآن بالأندلس وسائر المغرب بشيخنا الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، ولقد قطع عمره في خدمة القرآن، وآتاه الله بسطة في علمه، وقوة في فهمه، وله فيه تحقيق، ونظر دقيق.
ومما بأيدينا من تآليف أهل المشرق تفسير أبي القاسم الزمخشري، وأبي الفضل الغزنوي، وأبي الفضل بن الخطيب.
فأما الزمخشري، فمسدد النظر، بارع في الإعراب، متقن في علم البيان، إلا أنه ملأ كتابه من مذهب المعتزلة ونصرهم، وحمل آيات القرآن على طريقتهم، فتكدر صفوه، وتَمَرَّرَ حُلْوُه، فخذ منه ما صفا، ودع ما كدر.
وأما الغزنوي، فكتابه مختصر جامع، وفيه من التصوف نكت بديعة.
وأما ابن الخطيب، فتضمن كتابه ما في كتاب الزمخشري، وزاد عليه إشباع الكلام في قواعد علم الكلام، ونَمَّقَهُ بترتيب المسائل، وتدقيق النظر في بعض المواضع، وهو على الجملة كتاب كبير الجرم، وربما احتاج إلى تنخيل وتلخيص، والله ينفع الجميع بخدمة كتابه، ويجزيهم أفضل ثوابه (١).
стр. 189
هذا الباب في ذكر طبقات المفسرين:
الطبقة الأولى: السلف الصالح (١).
قال المؤلف: (واعلم أن السلف الصالح انقسموا إلى فرقتين) وعند استقرائنا للتفاسير التي وردت بالأسانيد سنجد أنها لم تخرج عن الطبقات الآتية:
١ - طبقة الصحابة.
٢ - طبقة التابعين.
٣ - طبقة أتباع التابعين.
وبعد جيل أتباع التابعين اعتمد أهل السنة على النقل من مأثورهم عن هذه الطبقات الثلاث، ولم يظهر من تصدى للتفسير وعُرف به، وأغلب من كتب ـ في هذه الفترة ـ أو شارك في التفسير كان ناقلاً، حتى ظهر ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) بمنهج المفسر الناقد والمرجح بين الأقاويل.
وممن كتب في هذه الفترة تفسيراً روائياً: آدم بن أبي إياس (ت٢٢٠هـ)، وأحمد بن حنبل (ت٢٤٠هـ)، وكذلك عبد بن حميد (ت٢٤٩هـ).
ويرد هاهنا سؤال مهم، وهو: ألا يوجد تميُّز بين هذه الطبقات الثلاث؟
والجواب: إن الأصل في هذا تقديم قول الصحابي، وأخص ما يقع فيه تقديم قول الصحابي ما كان مرتبطاً بالنزول، وبأحوال من نزل
стр. 190
فيهم الخطاب، فهم الذين عاصروا التنزيل، وشاهدوا تنَزُّلاته، وعرفوا الأحوال المحيطة به، والأحوال المرتبطة بمن نزل فيهم القرآن الكريم.
وقد نبَّه إلى هذه الحيثية جماعة من أهل العلم، منهم الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث»، فقد ذكر في النوع الخامس «معرفة الموقوفات» هذه المسألة، فقال: «حدثناه أحمد بن كامل القاضي، ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا محمد بن جعفر الفيدي، ثنا ابن فضيل عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة ﵁ في قول الله : ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] قال: «تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحماً على عظم إلا وضعت على العراقيب».
قال: وأشباه هذا من الموقوفات تُعدُّ في تفسير الصحابة، فأما ما نقول في تفسير الصحابي مسند (١)، فإنما نقوله في غير هذا النوع، فإنه كما أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: «كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قُبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]» قال الحاكم: هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها، وليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند، ومما يلزم طالب الحديث معرفته نوع من الموقوفات، وهي مرسلة قبل الوصول إلى الصحابة» (٢).
стр. 191
وأما ما يقوله الصحابي برأيه، فإن مصادرهم الكبرى في تفسيراتهم الاجتهادية هي: «القرآن والسنة واللغة»، وهذه المصادر يشترك معهم فيها كل من جاء بعدهم، وفي تقديم قول الصحابي في هذه الحال تفصيل ـ بعد القول بأن الأصل تقديم قوله مطلقاً ـ يظهر من تطبيقات علماء التفسير المحرِّرين؛ كابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ)، وابن عطية الأندلسي (ت٥٤٢هـ)، وابن كثير الدمشقي (ت٧٧٤هـ)، فإنهم قد يقدمون قول غيرهم عليهم في حال كون التفسير من باب الاجتهاد لاعتبارات علمية.
ومما يحسن أن يلاحظ في هذه الطبقات جهة تاريخية دقيقة، وهي أن هذه الطبقات الثلاث متداخلة، وإن كانت طبقة الصحابة معروفة متميزة، إلا أنا نجد في طبقة التابعين وتابعي التابعين تداخلاً بين كبار التابعين وصغارهم من جهة، وبين صغار التابعين وكبار أتباع التابعين من جهة أخرى، لكن يمكن الاستفادة من تحديد نهاية فترة أتباع التابعين بما حدَّها ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ) في كتابه «تقريب التهذيب» فقد ذكر عبد الرزاق (ت٢١١هـ) نموذجاً على صغار أتباع التابعين، وإن كان لا يلزم أن من توفي في زمنه أن يكون لقي التابعين، وهذا يُعرف من كتب الجرح والتعديل التي تحرص على ذكر شيوخ المترجم له وذكر تلاميذه.
ومن باب الفائدة: فإن بعض التابعين كانوا يتكلمون في التفسير أثناء وجود الصحابة، فتلاميذ ابن عباس (ت٦٨هـ) الآفاقيون؛ كسعيد بن جبير (ت٩٤هـ)، وأبي الشعثاء جابر بن زيد (ت٩٣هـ)، كانوا يفسرون القرآن في بلدانهم، وكذا كانوا بعد وفاة شيخهم ابن عباس (ت٦٨هـ)، إذ لا زال صغار الصحابة متوافرون؛ كعبد الله بن عمر (ت٧٣هـ)، وأنس بن مالك (ت٩٣هـ)، وقد ظهر هؤلاء التابعون واشتهروا بالتفسير، بل فاقت شهرتهم من كان في عهدهم من الصحابة.
стр. 192
قال المؤلف: (واعلم أن السلف الصالح انقسموا إلى فرقتين: فمنهم من فسر القرآن وتكلم في معانيه وهم الأكثرون، ومنهم من توقف عن الكلام فيه احتياطاً، لما ورد من التشديد في ذلك).
أما المفسرون للقرآن من الصحابة والتابعين فكثير، وهم أكثر ممن نُقل عنهم التحرُّج في التفسير، وفي طبقة الصحابة لا يكاد يوجد من توقَّف عن القول في كتاب الله بالكلية، فالتحرج التام لم يكن مشهوراً في جيل الصحابة بل ظهر في جيل التابعين، خصوصاً أهل المدينة وأهل الكوفة.
وبعض التابعين الذين نُقل عنهم التحرُّج من القول في التفسير، أو التشديد فيه، نجد أن لهم فيه أقوالاً، مما يعني أنهم أرادوا القول بالرأي المذموم الذي يكون عن غير علم، أما إذا كان المفسر آثراً لقول، وعارفاً به، فإنه يخرج من دائرة التحرُّج، وتراه يفسر القرآن، ومثال ذلك سعيد بن المسيب (ت٩٤هـ)، فإنه رُوي عنه التشدُّد في التفسير، ومن ذلك ما رواه الطبري (ت٣١٠هـ) في مقدمة تفسيره عن تلاميذه، فقد روى بسنده عن يحيى بن سعيد، قال: «سمعت رجلاً يسأل سعيد بن المسيب عن آيةٍ من القرآن، فقال: لا أقول في القرآن شيئاً» (١).
وفي رواية أخرى عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: «أنه كان إذا سُئل عن تفسير آية من القرآن، قال: أنا لا أقول في القرآن شيئاً» (٢).
وروى بسنده ـ أيضاً ـ عن حماد بن زيد، قال: «حدثنا عُبيد الله بن عمر، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليُغلظون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيَّب، ونافع» (٣).
стр. 193
وقد بيَّن تلميذه (يحيى بن سعيد) الراوي عنه في الرواية الأولى هذا التحرُّز، فقد أورد الطبري بسنده عنه، عن ابن المسيَّب: «أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن» (١)، فدلَّ هذا على أنه كان يفسر القرآن، لكنه لا يفسر إلا ما علِمه فقط.
تنبيه:
لم يرد عن النبي ﷺ أنه نهى عن تفسير القرآن، بل الوارد عنه الدعاء لابن عمه (ابن عباس) بالتفقيه في الدين، وتعليم التأويل.
قال المؤلف: (فقد قالت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يفسر من القرآن إلا آيات تُعد علَّمه إياهنَّ جبريل، وقال ﷺ : «من قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ». وتأول المفسرون حديث عائشة ﵁ بأنها في مغيبات القرآن التي لا تعلم إلا بتوقيف من الله تعالى، وتأولوا الحديث الآخر بأنه فيمن تكلم في القرآن بغير علم ولا أدوات، لا فيمن تكلم فيما تقتضيه أدوات العلوم ونظر في أقوال العلماء المتقدمين، فإن هذا لم يقل في القرآن برأيه).
أما الأحاديث التي ذكرها المؤلف في سبب التوقف فهي أحاديث ضعيفة جداً، وليس فيها ما يحتج به من جهة الإسناد، فالحديث الأول: لا يحتج به مطلقاً.
قال الطبري ـ بعد تخريجه لمعنى هذا الأثر (٢) الوارد عن عائشة ـ:
стр. 194
«هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلَّة التي في إسناده، التي لا يجوز معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممن علم صحيحَ سَند الآثار وفاسدَها في الدين. لأنّ راويه ممن لا يُعْرف في أهل الآثار، وهو: جعفر بن محمد الزبيري» (١).
والحديث الثاني: «من قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ» (٢)، قال فيه الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَزْمٍ».
стр. 195
وهذا الأثر له معنى صحيح، وهو أن يقول في القرآن بلا علم فيصيب المعنى الصحيح لكنه أخطأ طريق الوصول إليه، فهو يأثم من هذه الجهة؛ لأنه سيقول قولاً على الله بغير علم، ولهذا قال: (وتأول الحديث الآخر بأنه في من تكلم في القرآن بغير علم ولا أدوات، لكن من تكلم فيما تقتضيه أدوات العلم ...)، ومثل هذا تخريج الطبري (ت٣١٠هـ) لمعنى هذا الأثر، فقد قال: «يعني ﷺ أنه أخطأ في فعله، بقيله فيه برأيه، وإن وافق قِيلُه ذلك عينَ الصَّواب عند الله؛ لأن قِيله فيه برأيه، ليس بِقِيلِ عالمٍ أنَّ الذي قال فيه من قول حقٌّ وصوابٌ، فهو قائل على الله ما لا يعلم، آثم بفعله ما قد نهى عنه وحُظِر عليه» (١).
وابن جزي ـ رحمه الله تعالى ـ كأنه يشير إلى أن الرأي نوعان: رأي مذموم وهو غير مقبول، ورأي محمود وهو مقبول.
والرأي المذموم سببه أحد أمرين:
١ - الجهل الذي أشار له الحديث، فإن كان جاهلاً وفسر القرآن، فإنه يأثم حتى لو أصاب؛ لأنه من القول على الله بغير علم، وهو محرم كما في قوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إلى أن قال في آخر الآية: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ويشمل هذا القول عليه في الأحكام وتفسير كلامه، فالتفسير بجهل يدخل في القول على الله بلا علم.
فإن قال قائل: عندما أقرأ القرآن قد تظهر لي معانٍ، فهل يدخل هذا في القول على الله بغير علم؟
نقول: ما دام مجرد تفكير لا يأثم فيه، لكن يلزمه ألا ينشر هذا الفهم حتى يرجع إلى أهل العلم، أما إذا تصدى لنشر هذا الفهم دون أن يكون عالماً، فإنه يأثم.
стр. 196
ومن أمثلة وقوع الفهم وسؤال أهل العلم فيه: ما وقع من الصحابة ﵃ لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، فإنهم فهِمُوا أن المراد عموم الظلم، وقالوا: «وأينا لم يظلم نفسه» (١)، ولم يسكتوا على فهمهم هذا أو ينشروه، بل راجعوا النبي ﷺ ، واستفهموا منه.
وهذا المسلك ليس فيه تحجير على العقول كما قد يظنُّ بعض الناس، بل نقول: إن لكل علمٍ أصولاً، ومن لا يعلم أصول العلم فإنه لا يُقبل منه، وإذا كان لا يعرف الأصول، وكان قد فهم فهماً، فإنه لا ينشره حتى يسأل أهل العلم.
٢ - الهوى، ولا يقع ـ عادة ـ إلا من عالم: إما لأجل نصرة مذهبٍ، وإما لنصرة شيخ.
والعالم قد يكون عنده نقص في العلم في جهة معينة، فيقع منه الخطأ، وهذا ليس عيباً في العالم، إذ لا يلزم أن يحيط العالم بكل العلم حتى لا يُظنَّ منه الخطأ.
فائدة:
بعض الناس قد يقول بقولٍ ولا يستطيع التراجع عنه، فتجده يدافع عنه دفاعاً مستميتاً مع علمه اليقيني أن قوله خطأ، لكونه لم يؤدب نفسه على أنه إذا أخطأ قال: أخطأت، كما فعل مالك (ت١٧٩هـ) ﵀ لما ردَّ على السائل وقال: «لا أدري»، فالهوى يدخل في القول على الله بغير علم؛ لأنه مخالف للحق.
стр. 197
أما الرأي المحمود فهذا يكون عن علم، ولهذا قال المؤلف: (لا فيمن تكلم بما تقتضيه أدوات العلوم ونظر في أقوال العلماء المتقدمين فإن هذا لم يقل في القرآن برأيه)، فلا بد من العلم، ولا بد من معرفة الأدوات التي يستطيع أن يصل بها إلى فهم القرآن، فإذا كان عنده هذه الأدوات وأخطأ صار من المجتهدين الذين أخطؤوا، لكن قد يدخل عليه الهوى فيجعله من أهل القول على الله بغير علم.
قوله: (واعلم أن المفسرين على طبقات:
فالطبقة الأولى: الصحابة ﵃، وأكثرهم كلاماً في التفسير ابن عباس، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يثني على تفسير ابن عباس ويقول: كأنما ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيق. وقال ابن عباس: ما عندي من تفسير القرآن فهو عن علي بن أبي طالب).
ذكر في الطبقة الأولى الصحابة، وذكر أشهرهم على الإطلاق، وهو ابن عم الرسول ﷺ ابن عباس ﵁، وذكر ثناءَ ابنِ عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، والثناء عليه لم يكن من ابن عمه فقط، بل كان جملة من الصحابة يظهرون الثناء على تفسير ابن عباس ﵁.
وقد أوتي ابن عباس في هذا العلم ما لم يُؤت غيره من الصحابة، وذلك أثر من آثار بركة دعاء النبي ﷺ في قوله: «اللهم فقِّهه في الدين، وعَلِّمه الكتاب»، وفي رواية: «وعَلِّمه التأويل» (١).
أما قول ابن عباس: «ما عندي من تفسير القرآن فهو عن علي بن أبي طالب»، فهذا ـ إن صح ـ من كمال تواضع ابن عباس؛ لأنه
стр. 198
ينسب العلم إلى شيخه علي ﵁، ومما يلحظ أن علياً ﵁ توفي سنة أربعين، وابن عباس ﵁ توفي سنة ثماني وستين؛ أي: بقي ابن عباس ﵁ ثماني وعشرين سنة بعد عليٍّ ﵁، ولا شك أنه حصَّل في هذه السنين كثيراً من العلوم، لكن لا يمنع أن يكون استفاد من علي ﵁ استفادة كبيرة لا سيما أن ابن عباس ﵁ كان حريصاً على أخذ العلم عن كبار الصحابة، وعلي ﵁ كان أطول الخلفاء الأربعة عُمُراً، وأكثرُهم تفرغاً، فتلقى ابن عباس منه شيئاً كثيراً، ولا شك أن علياً ﵁ كان يقدم ابن عباس ويحبه؛ لذا ولاَّه على البصرة لما آلت الخلافة إليه.
أما عِلْمُ علي ﵁ بالقرآن فهذا لا خلاف فيه، وقد وقف على المنبر ـ لما كان في الكوفة ـ وقال: «لا يسألني أحد عن آية من كتاب الله إلا أخبرته»، فقام ابن الكواء ـ وهو من الخوارج ـ وسأله عن الذاريات ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١]، وغيرها.
وفي رواية عن أبي الطفيل قال علي ﵁: «لا تسألني عن كتابٍ ناطقٍ ولا عن سنةٍ ماضية إلا حدثتكم، فسأله ابن الكواء عن الذاريات فقال: هي الرياح».
والرواية الأخرى عن أبي الطفيل قال: شهدت علي يخطب وهو يقول: «سلوني، ووالله لا تسألوني عن شيءٍ إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية وإلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهلٍ أم في جبل» (١). فعِلمُ علي ﵁ لا يُخْتَلف فيه، فهو عالم بالقرآن، لكن الرواية عنه أقلُّ من الرواية عن ابن عباس، فأكثر المروي عن ابن عباس، ثم عن ابن مسعود، ثم عن علي بن أبي طالب.
стр. 199
قوله: (ويتلوهما عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما جاء من التفسير عن الصحابة فهو حسن).
إن كان المراد بالفقه في التفسير، فتمييز ذلك صعب، وإن كان من باب عدد المروي، فقد سبق أن المروي عن ابن مسعود أكثر من المروي عن علي.
أما زيد بن ثابت (ت٤٥هـ) فالروايه عنه في التفسير قليلة جدّاً، وقد اختص بعلمي «القراءة والفرائض»، وقد يكون الصحابي عالماً في جانب من العلوم الشرعية ويجعله بعض المتأخرين عالماً في علوم أخرى لم تشتهر الرواية عنه فيها، ونحن لا نثبت ولا ننفي، لكنا لا نجد روايات كثيرة لزيد بن ثابت، ولا لعبد الله بن عمر (ت٧٣هـ)، ولا لعبد الله بن عمرو، فالمنقولات في التفسير عن هؤلاء الثلاثة قليلة جداً.
ولا خلاف في كون هؤلاء الثلاثة من علماء الصحابة، لكن لم يشتهر عنهم أنهم تصدوا للتفسير، وهذا لا ينفي عنهم العلم وإنما ينفي عنهم مسألة التصدي للتفسير.
قوله: (وكل ما جاء من التفسير عن الصحابة، فهو حسن).
وذلك لاحتمال أن يكون الصحابي سمع التفسير من النبي ﷺ ، وإن لم يكن سمع التفسير عن النبي ﷺ فقد شاهد التنزيل وأحواله، وعرف النبي ﷺ وسنته وأحواله، وعرف أحوال من نزل فيهم الخطاب، وهو صاحب اللغة التي نزل بها القرآن، وهذه المقومات تجعل فهمه وإدراكه للمقاصد والمعاني أكثر من فهم غيره.
وهذه مسألة عقلية لا يصحُّ الجدل فيها، إذ لو تصورنا ـ مثلاً ـ أن كتاب «الشعر» لأرسطو قد شرحه أحد تلاميذه، وبيَّن مقاصد شيخه في هذا الكتاب، ثم جاء متأخر من المعاصرين وقال: أخطأ تلميذ أرسطو
стр. 200
في فهم كلام أرسطو، فالذي يُقبل ـ عقلاً ـ قول التلميذ؛ لأنه أوثق بشيخه وأعرف بمقاصده وأعرف بأساليبه، كذلك القرآن لما كان نازلاً بلغة الصحابة وعندهم من مشاهدات الأحوال ما ليس عند غيرهم فقولهم لا شك أنه أصوب مِنْ قولِ مَنْ جاء بعدهم.
قوله: (والطبقة الثانية: التابعون، وأحسنهم كلاماً في التفسير الحسن بن أبي الحسن البصري، وسعيد بن جبير، ومجاهد مولى ابن عباس، وعلقمة صاحب عبد الله بن مسعود، ويتلوهم عكرمة، وقتادة، والسدي، والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح، وأبو العالية).
لما ذكر الطبقة الأولى «الصحابة» أتبعها بالطبقة الثانية «التابعين»، والمشهور أن المقدم في التفسير مجاهد (ت١٠٤هـ)، بيد أن المؤلف قدَّم الحسن بن الحسن البصري (ت١١٠هـ)، لذا قال عنه سفيان الثوري (ت١٦١هـ): «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» (١)، ثم سعيد بن جبير (ت٩٥هـ)، وإن كان قد انشغل ببعض القضايا التي نتج عنها قتله، فلم يُسْتَفَدْ منه كثيراً بخلاف مجاهد الذي كان متفرغاً للتعليم أكثر منهم، أما علقمة (ت٦٢هـ) صاحب ابن مسعود (ت٣٢هـ) فالتفسير المروي عنه قليل، وبعض تفسيره مأخوذ من تفسير شيخه، ويظهر أن سبب ذلك راجع إلى أسلوب التعليم أو التلقي عند أصحاب ابن مسعود، فكان ﵁ يشدد على أصحابه فيقول لهم: «اتبعوا ولا تبتدعوا»، ولهذا قلَّ المفسرون من أصحاب ابن مسعود، وغلب عليهم نقل تفسيره، بخلاف أصحاب ابن عباس، فإنهم كثيرون، كما أنهم يقولون بأقوال تخالف قول شيخهم، وهي من باب اختلاف التنوع، لكنها لا تناقض قوله.
قوله: (يتلوهم عكرمة، وقتادة، والسدي، والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح، وأبو العالية).
стр. 201
هؤلاء من التابعين، ويقع السؤال السابق في مراده بهذا الترتيب، هل هو من جهة جودة التفسير أم من جهة أخرى، والأقرب أنه يريد جودة التفسير، والمفاضلة في جودة التفسير صعبة، ولا حاجة لنا بها.
قوله: (ثم حمل تفسير القرآن عدول كل خلف، وألف الناس فيه كالمفضل، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وعلي بن أبي طلحة، وغيرهم).
يلاحظ في كلام المؤلف أمور:
الأول: أن المؤلف ﵀ لم يرتب العلماء حسب وَفَياتهم، بل قدَّم وأخَّر.
الثاني: أنه أدخل أتباع التابعين ومن جاء بعدهم، ولم يذكر المشهورين منهم كابن جريج (ت١٥٠هـ)، ومقاتل بن حيان (ت١٥٠هـ)، ومقاتل بن سليمان (ت١٥٠هـ)، وابن زيد (ت١٨٢هـ)، والتفسير الوارد عن هؤلاء كثيرٌ جداً.
وقد ذكر المفضل، ولم ينسبه، ولعله يقصد المفضل بن سلمة (ت٢٩٠هـ) وله كتاب «ضياء القلوب في معاني القرآن»، وعبد الرزاق الصنعاني (ت٢١١هـ) وتفسيره مطبوع، وعبد بن حميد (ت٢٤٩هـ) وطبعت قطعة صغيرة من تفسيره، والبخاري (ت٢٥٦هـ)، وعلي بن أبي طلحة (ت١٤٣هـ).
ومما يلحظ على عبد الرزاق وعبد بن حميد وعلي بن أبي طلحة أنهم رووا التفسير فهم نقلة له، وهذه هي الصفة الغالبة على الجيل الذي جاء بعد أتباع التابعين، حتى ظهر المفسر الناقد في الطبقة التي تليهم.
وأما البخاري، فإن تفسيره مفقود، وتجد في صحيحه أنه كان صاحب اختيار وانتقاء في التفسير؛ لأن تراجم أبوابه تدلُّ على ذلك.
ويمكن أن نختصر القول في هذه الطبقات من حيث الرواية والدراية إلى الآتي:
стр. 202
١ - جيل الصحابة كان جيل رواية عن النبي ﷺ أو عن بعضهم البعض، وإن كان ظهور الدراية فيهم أكثر.
٢ - جيل التابعين كان جيل رواية ودراية، وكانت الدراية فيه كثيرة.
٣ - جيل أتباع التابعين كان جيل دراية، وإن كانت الرواية فيه كثيرة جدّاً.
٤ - ما بعد جيل أتباع التابعين كان جيل رواية، ولم يظهر فيه مفسر صاحب اختيار، حتى ظهر ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ)، وكان بداية عهد جديد للتفسير، وبه برز المفسر الناقد والمرجح بين الأقوال.
قوله: (ثم إن محمد بن جرير الطبري جمع أقوال المفسرين، وأحسن النظر فيها).
كان منهج الطبري (ت٣١٠هـ) يقوم على جمع الروايات، ثم الترجيح بينها إن كان المقام يحتاج إلى ترجيح، وكتابه أفضل كتب التفسير في المادة التطبيقية على فهم المعنى، والترجيح بين الأقاويل المختلفة في التفسير؛ لأن جُلَّ الكتاب مبني على التفسير، ولا يكثر من المسائل العلمية التي تكون ملتصقة بالآية والمشكلات وغيرها.
قوله: (وممن صنف في التفسير أشياء أبو بكر النقاش والثعلبي والماوردي، إلا أن كلامهم يحتاج إلى تنقيح، وقد استدرك الناس على بعضهم).
محمد بن الحسن أبو بكر النقاش (ت٣٥١هـ) كان عالماً بالقراءات والتفسير، وكان أول أمره يتعاطَى نقش السقوف والحيطان فسُمي النقاش، أما كتابه فاسمه: «شفاء الصدور في تفسير القرآن»، وهو مختصر من كتابه «مختصر التفسير» (١)، قال النقاش في تفسير قوله تعالى:
стр. 203
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ... : «واختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية، وفيمن نزلت؛ ذكرنا في هذا المختصر جملاً من ذلك، أودعنا الطرق واختلاف الروايات كتابنا الموسوم بمختصر التفسير؛ لأنا وسمنا هذا بكتاب شفاء الصدور، واختصرناه من ذلك» (١).
وألّف كتاباً آخر وهو: «الإشارة في غريب القرآن» وكتاب «الموضح في معاني القرآن»، وله كتاب في القراءات أيضاً.
وهذا الكتاب فيه فوائد، ومن لطائف هذا الكتاب مقدمته، ومن عجيب ما ذكره فيه فصل سمَّاه: «شواذ التفسير»، وذكر بعض التفاسير
стр. 204
التي يرى أنها ضعيفة جداً مثل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ [الجن: ١٨] المساجد المراد بها أعضاء السجود، وهو قول مروي عن عكرمة (ت١٠٤)، وقد ذكر أمثلة غيره.
ثم ذكر بعده أبو إسحاق الثعلبي أحمد بن محمد بن إبراهيم (ت٤٢٧هـ)، وله مقدمة في تفسيره مفيدة جداً، وذكر فيها طرق التفسير التي رواها عن أشياخه، واستفاد من بعض كتب التفاسير المعاصرة له وكتب كتابه، ومن لطائف مقدمته أنه صنف الذين كتبوا في التفسير؛ نذكرها من باب الفائدة، يقول: «فألفيت المصنفين في هذا الباب فرقاً على طرق، فرقة منهم أهل البدع والأهواء ـ ثم قال ـ وفرقة ألَّفوا وقد أحسنوا غير أنهم خلطوا أباطيل المبتدعة بأقوال السلف الصالحين، وفرقة اقتصروا على الرواية والنقل دون الدراية والنقد، وقسم خرم الإسناد الذي هو الركن والعماد، وقسم حازوا قصب السبق لكنهم طولوا الكتب بالمُعادات وكثرة الطرق والروايات، وقسمٌ جنوا التفسير دون الأحكام وبيان الحلال والحرام والمشكلات» (١).
لما ذكر هؤلاء ذكر أنه يريد الاستفادة من جميع هذه المناهج، وأنه سيذكر في كتابه أربعة وعشرين فناً.
أما الماوردي علي بن محمد بن حبيب (ت٤٥٠هـ) فقد جمع بين أقاويل السلف والخلف، وحذف الإسناد وأشار فقط إلى صاحب القول، وأدخل فيها أقاويل المعتزلة في كتابه، ولم ينتقد في كتابه إلا قليلاً؛ ولهذا طُعِنَ عليه بسبب نقله لأقوال المعتزلة وعدم استدراكه عليهم حتى قيل إنه من المعتزلة، وهذا القول فيه نظر؛ لأنه لم يكن يتبنى مذهبهم تبنياً صريحاً، ولأنه وضع الكتاب مختصراً بأسلوب ذكرِ القولِ، ومن قال به، دون الاعتراض على التفسيرات التي ذكرها، فهذا لم يكن من منهجه.
стр. 205
وقد أضاف إلى نقولاته ما ظهر له من المحتملات في التفسير، فإذا قال: «يحتمل» فهذا من قوله، ولهذا قال عنه: «وذاكراً ما سنح به الخاطر من معنى يحتمل، عبرت عنه بأنه محتمل» (١).
وقوله: (إلا أن كلامهم يحتاج إلى تنقيح) يريد كتاب النقاش والثعلبي والماوردي، لما في تفاسيرهم من الملاحظات التي تحتاج إلى استدراكات، خصوصاً ما أدخله الماوردي من أقوال المعتزلة.
قوله: (وقد استدرك الناس بعضهم على بعض) يدل على أن الاعتراض بين المفسرين، والاستدراك على المتقدمين له تاريخ طويل، وهو موضوع بحاجة إلى بحث يُنظر فيه إلى أنواع الاستدراكات، وأسبابها، وأقسامها، إذ قد يكون الاستدراك على المنهج العام للمفسرين، كما وقع من استدراك الثعلبي على كتب التفسير قبله (٢)، وقد يكون على تفسير مفسر لآية، وقد يكون غير ذلك. وتجلية تاريخ الاستدراك مفيد في معرفة أصول التفسير عند هؤلاء المفسرين.
وقوله: (وصنف أبو محمد بن قتيبة في غريب القرآن ومشكله وكثيرٌ من علومه).
صنّف ابن قتيبة كتابين في علوم القرآن، وهما من العلوم المشتركة مع علوم العربية: تفسير غريب القرآن، وتأويل مشكل القرآن، وهما كتابان متممان لبعضهما كما أشار إلى ذلك ابن قتيبة (٣).
أما أن يكون لابن قتيبة كتب أخرى في علوم القرآن فإن هذا فيه
стр. 206
نظر؛ لأنه لا يُعرف لابن قتيبة (ت٢٧٦هـ) مشاركة في التفسير أو في علوم القرآن إلا في هذين الكتابين، وهناك كتاب فيه بعض الأسئلة التي وردت له عن التفسير.
قوله: (وصنف في معاني القرآن جماعة من النحويين كأبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي جعفر النحاس).
ما ذكره المؤلف من مؤلفات النحويين إنما هو مثال، ولم يكن من شرط المؤلف استقراء المؤلفات، وهؤلاء النحويون الذين ذكرهم قد سُبقوا إلى الكتابة في معاني القرآن، فقد كتب قبلهم جماعة؛ كقطرب (ت٢٠٦هـ)، والفراء (ت٢٠٧هـ)، والأخفش (ت٢١٥هـ)، وغيرهم.
وأبو إسحاق الزجاج (ت٣١١هـ) كتابه معروف وهو «معاني القرآن وإعرابه» مطبوع في خمسة مجلدات ويحتاج إلى إعادة تحقيق؛ لأن التحقيق الموجود فيه أخطاء.
أما أبو علي الفارسي (ت٣٧٧هـ) فله في معاني القرآن كتاب «الإغفال» لما أغفله الزجاج في معانيه، فشيخه الزجاج كتب معاني القرآن وإعرابه وأبو علي الفارسي تعقبه وأغلب التعقبات نحوية.
أما أبو جعفر النحاس (ت٣٣٨هـ) فله كتب في علوم القرآن وهي كتاب «معاني القرآن»، وكتاب «إعراب القرآن»، وكتاب «الناسخ والمنسوخ»، وكتاب «القطع والائتناف»، وكتبه نفيسة جداً، ومما يلحظُ أنه استفاد في جميع كتبه من تفسير الطبري في ترجيحاته ومروياته.
قوله: (وأما أهل المغرب والأندلس فصنف القاضي منذر بن سعيد البلوطي كتاباً في غريب القرآن وتفسيره).
بعد أن ذكر أهل المشرق ذكر أهل المغرب والأندلس، وابتدأ بذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي (ت٣٥٥هـ)، وذكر له كتاب «غريب القرآن وتفسيره» وقد اجتهدت في البحث عن هذا الكتاب في الطبقات والتراجم
стр. 207
فلم أجد له ذِكْراً، وقد ذكروا له كتاباً في «الناسخ والمنسوخ»، وكتاباً آخر في أحكام القرآن يسمى «الإنباه على استنباط الأحكام من كتاب الله»، واستقرأت من خلال الحاسوب بعض المنقول عن منذر بن سعيد عند ابن عطية (ت٥٤٢هـ) ومن جاء بعده، وكانت النقول المنسوبة إليه قليلة.
ومما ذكره عنه ابن عطية واستدركه عليه؛ قوله في الجنة هل هي مخلوقة أو لا؟ ونسبه إلى المعتزلة. وقد أكَّد أبو حيان الأندلسي (ت٧٤٥هـ) هذه النسبة، فهو ظاهري في الفروع، ومعتزلي في العقائد كما تذكر كتب الطبقات.
قوله: (ثم صنف المقرئ أبو محمد مكي بن أبي طالب كتاب «الهداية في تفسير القرآن»، وكتاباً في غريب القرآن، وكتاباً في ناسخ القرآن ومنسوخه، وكتاباً في إعراب القرآن إلى غير ذلك من تآليفه، فإنها نحو ثمانين تأليفاً أكثرها في علوم القرآن، والقراءات، والتفسير، وغير ذلك).
أبو محمد مكي بن أبي طالب (ت٤٣٧هـ) المشهور بالتصنيف في علوم القرآن، أغلب علمه وكتبه في علوم القرآن والكتب التي ذكرها كتاب «الهداية في تفسير القرآن» محقق في رسائل جامعية، وقد طُبِع مؤخَّراً، وكتاب «غريب القرآن» مطبوع، وكتاب «الناسخ والمنسوخ» مطبوع، وكتاب «إعراب القرآن» مطبوع، وله كتاب «المشكل في غريب القرآن» والبعض يسميه تفسير غريب القرآن، وكتابه الذي يعنينا هو التفسير واسمه: «الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه وجمل من فنون علومه»، وقد نبهت ـ سابقاً ـ أن بعض المؤلفين لهم طريقة في تصنيف علوم القرآن، وهي إدخال علوم القرآن في كتب التفسير، وهذا الكتاب منها.
стр. 208
قوله: (وأما أبو عمرو الداني فتآليفه تنيف على مائة وعشرين إلا أن أكثرها في القراءات ولم يؤلف في التفسير إلا قليلاً).
ألّف أبو عمرو الداني (ت٤٤٤هـ) أغلب كتبه في علم القراءات، وهو إمام في القراءات والرسم والضبط، أما التفسير فلا أذكر أن له تفسيراً، لكن كتبه لا تخلو من التعرض للتفسير وبيان معانيه.
قوله: (وأما أبو العباس المهدي فمتقن التآليف، حسن الترتيب، جامع لفنون علوم القرآن).
أبو العباس المهدي أو المهدوي (ت٤٤٠هـ) ممن اختص بعلم القرآن، وله كتابه هذا «التحصيل»، وهذا الكتاب كما قال: «جامع لفنون علوم القرآن»، وقد رتبه على خمسة علوم: على التفسير والإعراب والأحكام والنسخ، والتفسير والقراءات والإعراب (١)، وطريقته صعبة كما قال ابن عطية (٢)؛ لأنه يذكر مقطعاً من الآيات، ثم يفسرها، ثم يعربها، ثم ينتقل إلى الأحكام والناسخ والمنسوخ، ثم ينتقل إلى القراءات وتوجيهها ويذكرها، ثم إذا انتهى منها تكلم عما فيها من فرش الحروف مما يتعلق بالقراءات، أو ما يتعلق ببعض القضايا المتعلقة بالرسم، وهذه الطريقة صعَّبت الاستفادة من الكتاب، وهي من طرائق التأليف التي دمجت بين علوم القرآن والتفسير.
قوله: (ثم جاء القاضيان أبو بكر بن العربي، وأبو محمد عبد الحق بن عطية، فأبدع كل واحدٍ وأجمل، واحتفل وأكمل، فأما ابن العربي فصنف كتاب «أنوار الفجر» في غاية الاحتفال، والجمع لعلوم
стр. 209
القرآن، فلما تلف تلافاه بكتاب «قانون التأويل» إلا أنه اخترمته المنية قبل تخليصه وتلخيصه، وألف في سائر علوم القرآن تآليف مفيدة).
كتاب ابن العربي (ت٥٤٣هـ) «أنوار الفجر» يذكر المؤلف أنه تلف، ويبدو أنه اعتمد على قول ابن العربي ﵀: «وقد كنا أملينا في كتاب «أنوار الفجر» ثمانين ألف ورقة؛ تفرقت بين أيدي الناس، وحصل عند كل طائفة منها فنٌّ، وندبتهم أن يجمعوا منها ولو عشرين ألفاً ...».
وفي بعض الروايات تذكر أنه باقٍ، فقد ورد عن يوسف المغربي الحزَّام الذي كان يحزم كتب السلطان أبي عنان المريني أنه رآه في ثمانين مجلداً لم ينقص منه شيء (١).
وهذا يعني أنه قد نفذت نسخة فريدة لم يطلع عليها ابن العربي (ت٥٤٣هـ) آنذاك، والكتاب ـ فيما يبدو ـ ليس موجوداً الآن، ولعله إن كان موجوداً أن يمنَّ الله على أحد المحققين بملاقاته.
أما كتابه «قانون التأويل»، فقد كتب ابن العربي تحت هذا العنوان كتابين:
الأول: «واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل في فوائد التنزيل»، وهذا الكتاب قد وقع اختلاف في تسميته، ويظهر أن ابن جزي قد اختصر عنوانه، وهو مقصوده بالكتاب الحافل الذي ألَّفه ابن العربي بعد كتاب أنوار الفجر، وقد استظهر الدكتور محمد السليماني أن يكون ابن العربي قد ألف هذا الكتاب في آخر عمره (٢)، لكنه لم يتمَّه كما أشار إلى ذلك ابن جزي.
стр. 210
الثاني: «قانون التأويل»، وهو في مجلد، وفيه حشد لمسائل متنوعة في علوم شتى، وفيها مسائل متعلقة بعلوم القرآن، وقد نص على قانون التأويل في كتابه هذا (١).
والمقصود أن هذا الكتاب المطبوع ليس هو الذي أراده ابن جزي بقوله: «ثم تلافاه بكتاب قانون التأويل، وإنما المراد به الكتاب الأول الذي ذكرته قبله باسم: «واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل في فوائد التنزيل».
قوله: (وأما ابن عطية، فكتابه في التفسير أحسن التآليف وأعدلها، فإنه اطلع على تآليف من كان قبله فهذبها ولخَّصها، وهو مع ذلك حسن العبارة، مسدد النظر، محافظ على السنة).
تفسير ابن عطية (ت٥٤٢هـ) كما سمَّاه مؤلفه: «المحرر الوجيز»، وقد قال ابن عطية ـ في مقدمة تفسيره ـ: «وقصدت فيه أن يكون جامعاً وجيزاً محرراً» (٢).
أما قوله: (محافظ على السنة)؛ إن كان في الأحكام فنعم، وإن كان يقصد أنه في الاعتقاد على مذهب السلف من الصحابة والتابعين، فلا؛ لأن المعروف عنه ـ رحمه الله تعالى ـ أنه على مذهب الأشعري (ت٣٢٤هـ)، وهو مذهب كلامي حادث، وهذا ظاهر من الآيات التي تعرض لها بما يتعلق بالاعتقاد.
والعجب من ابن حجر الهيتمي (ت٩٧٤هـ) وابن عرفة المالكي (ت٨٠٣هـ) ـ وهما أشعريان ـ أنهما اشتدَّا في النقد على ابن عطية (ت٥٤٢هـ)، ونسباه إلى الاعتزال، فقد جاء في «الفتاوى الحديثية»: «سئل ابن حجر هل في تفسير ابن عطية اعتزال؟ قال: نعم فيه شيء كثير حتى
стр. 211
قال الإمام المحقق ابن عرفة المالكي: يخشى على المبتدئ منه أكثر مما يخاف على الزمخشري، فالزمخشري لما علمت الناسُ منه أنه مبتدع تخوَّفوا منه، واشتهر أمره بين الناس أن فيه من الاعتزال المخالف للصواب، وأكثر من تبديعه وتضلليه وتقبيحه وتجهيله، وابن عطية سني، لكن لا يزال يُدخِل من كلام بعض المعتزلة ما هو من اعتزاله في التفسير، ثم يقره وينبه عليه ويُعتقد أنه من أهل السنة، وأن ما ذكره من مذهبهم الجاري على أصولهم، وليس الأمر كذلك، فكان ضرر تفسير ابن عطية أشد وأعظم على الناس من ضرر الكشاف» (١).
ولا شك أن كلام ابن حجر الهيتمي وابن عرفة في ابن عطية فيه نظر وليس على إطلاقه، وإن كان ابن عطية قد ذكر بعض كلام المعتزلة ولم ينتقده، لكنه في الحقيقة قليل، أما الأصول التي سار عليها فهي على أصول ابن فورك (ت٤٠٦هـ)، والجويني (ت٤٧٨هـ)، وهو قد قرأ كتبهما كما ذكره هو في فهرست شيوخه، وإذا جاء إلى الآيات المرتبطة بالاعتقاد سواء في الصفات أو في القدر أو في القرآن أو غيرها سار على مذهب هؤلاء وهم من المتكلمين الأشاعرة.
و «تفسير ابن عطية» من أنفس كتب التفسير، وفيه عناية بتوجيه أقوال المفسرين، وله في ذلك ما لم يُسبق ـ فيما أعلم ـ إليه، ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]، قال: «و: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة معناه: تعجبون، وقال عكرمة: تلامون. وقال الحسن معناه: تندمون، وقال ابن زيد: تتفجعون، (وهذا كله تفسير لا يخص اللفظة، والذي يخص اللفظ، هو: تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي المسرة والجدل) (٢)، ورجل فكه
стр. 212
إذا كان منبسط النفس غير مكترث بالشيء، وتفكَّه من أخوات تحرَّج وتحوَّب».
قوله: (ثم ختم علم القرآن بالأندلس وسائر المغرب بشيخنا الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، ولقد قطع عمره في خدمة القرآن، وآتاه الله بسطة في علمه، وقوة في فهمه، وله فيه تحقيق، ونظر دقيق).
أبو جعفر بن الزبير (ت٧٠٨هـ) اشتهر بما ذكره المؤلف من دقة فهمه في القرآن، وظهر من خلال كتابين له، وهما مطبوعان: الكتاب الأول «ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل»، والكتاب الثاني هو «البرهان في تناسب سور القرآن).
قوله: (ومما بأيدينا من تآليف أهل المشرق تفسير أبي القاسم الزمخشري، وأبي الفضل الغزنوي، وأبي الفضل بن الخطيب.
أما الزمخشري: فمسدد النظر، بارع في الإعراب، متقن في علم البيان؛ إلا أنه ملأ كتابه من مذهب المعتزلة ونَصَرهم، وحمل آيات القرآن على طريقتهم، فتكدَّر صفوُه، وتمرَّرَ حلوُه، فَخُذْ منه ما صَفا، ودَعْ ما كَدَرَ).
ذكر في الزمخشري (ت٥٨٣هـ) ثلاث قضايا:
١ - أنه بارع في الإعراب، وإن كان بعض النحويين المتأخرين يستدركون عليه كثيراً في قضايا النحو، ويعيبون تقصيره في بعض مسائله، كما يفعل ذلك أبو حيان الأندلسي (ت٧٤٥هـ) في تفسيره «البحر المحيط».
٢ - أنه متقن في علم البيان، وهذا مما أطبق عليه العلماء، وهو مما يُسَلَّم فيه للزمخشري، وقد استفاد منه من جاء بعده.
٣ - أنه ملأ تفسيره بكلام المعتزلة؛ وقد قصد إلى ذلك، وربما أخفاه بطريقة ذكية في التعبير حتى قال فيه البلقيني (ت٨٠٥هـ):
стр. 213
«استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش» (١) ولأجل هذا صار يُنظر إلى كلامه بريبة، ويُظنُّ أنه أرد ببعض عباراته نصرة مذهبه الاعتزالي، وذلك مثل ما وقع في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قال: «فقد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد» (٢)، وفي عبارته هذه ما يشعر بأن دخول الجنة هو الفوز المطلق، وبأنه ليس وراء دخول الجنة فوز آخر، وباطن هذه العبارة إنكار رؤية الباري التي هي أعظم الفوز.
وهذا التفسير قد كثرت الدراسات عليه قديماً، وقد اعتنى به العلماء، وقرؤوه مع طلابهم، وأكثر من اعتنى به علماء الماتريدية والأشاعرة، وهم يتعقبونه في مسائل الاعتقاد، وهناك من اعتنى به من جهة البلاغة، وفي ذلك حواشي نفيسة كحاشية القزويني، وحاشية الطيبي.
والزمخشري له كشَّافان: «الكشَّاف القديم» ولكنه غير موجود و «الكشاف الجديد» وهو مطبوع، وكتبَه وهو مجاور في بيت الله كما قال: «في مقدار مدّة خلافة أبي بكر» (٣)، أي: في سنتين وستة أشهر تقريباً.
قوله: (أما الغزنوي، فكتابه مختصر، وفيه من التصوف نكت بديعة).
وقع في بعض نسخ المخطوطة «القونوي»، والصواب الغزنوي، وقد ذكر نقولاً عنه في تفسيره، ونصَّ على ذلك في مواضع منها تفسير
стр. 214
قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، قال: «... وقال الغزنوي: هي للتأسف والتأوه ..» (١)، ومنها في تفسير قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: ١١] ... الآيات، قال: «... وخالفهما أيضاً الغزنوي في الجواب فقال: إن جواب قوله إن كان على الهدى محذوف ...» (٢).
قوله: (وأما ابن الخطيب فتضمن كتابه ما في كتاب الزمخشري، وزاد عليه إشباع الكلام في قواعد في الكلام، ونمقه بترتيب المسائل، وتدقيق النظر في بعض المواضع، وهو على الجملة كتاب كبير الجرم ربما احتاج إلى تنخيل وتلخيص، والله ينفع الجميع بخدمة كتابه، ويجزيهم أفضل ثوابه).
ابن الخطيب هو الرازي المعروف محمد بن عمر (ت٦٠٤هـ)، وكنيته أبو عبد الله أشهر من كنيته بأبي الفضل، وقد صنف كتابه: «التفسير الكبير»، وسماه أيضاً: «مفاتيح الغيب»، وقد انتقد بعض العلماء هذه التسمية.
والرازي ـ كما ذكر المؤلف ـ استفاد من الزمخشري، لذا تجد الفائدة في كتاب الزمخشري في سطر، ثم ترى الرازي يشققها إلى مسائل، وكان هذا هو منهج الرازي في كتابه، وهو ممن اعتنى بالتقسيم.
وقد انتقده آخرون بأن فيه كل شيء إلا التفسير، وهذا النقد فيه مبالغة، وإنما فيه التفسير وفيه كثير مما ليس من التفسير، وقد أشار إلى هذا أبو حيان الأندلسي (ت٧٤٥هـ)، فقال: «فإنه جمع في كتابه في التفسير أشياء كثيرة طويلة لا حاجة لها في علم التفسير» (٣).
стр. 215
وقد أدخل في تفسيره مسائل كثيرة من العلوم ليست من التفسير إطلاقاً، فتجد فيه الفلسفة والمنطق والتنجيم والكلام عن السحر.
والتفسير بحاجة إلى تلخيص، كما أشار ابن جزي؛ لاستخراج النكات العلمية المرتبطة بالآيات والتفسير، فالكتاب مليء بالفوائد كعلم المناسبات، وحل بعض المشكلات التفسيرية.
وهناك خلاف طويل هل الرازي أتمه أو لم يتمه؟ وكتب في ذلك الشيخ يحيى المعلمي رحمه الله تعالى وغيره، لكن يكاد يُتفق أنه لم يكمل تفسيره، وهناك خلاف هل أكمله أحد تلاميذه أو غيرهم؟