قامت الدولة الإسلامية، وصار الأمر والنهي فيها للرسول ﷺ ، ولئن كانت بعض الأحكام قد فُرضت بمكة ـ كالزكاة ـ فإن كثيراً من تفاصيلها إنما كان في المدينة.
٣ - كل سورة ورد في أولها أحرف تهجٍ فهي مكية، سوى البقرة وآل عمران والرعد، وفي سورة الرعد خلاف.
٤ - كل سورة ورد فيها لفظ (كلا)، فهي مكية، ولم يرد هذا اللفظ إلا في النصف الثاني من سور القرآن، قال عبد العزيز الديريني (ت٦٩٤هـ) (١):
وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن
ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى (٢)
٥ - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية؛ لأن النفاق لم يظهر إلا في المدينة.
٦ - كل سورة فيها سجدة فهي مكية.
٧ - كل سورة نزل فيها جدال لأهل الكتاب وذكر لأحوالهم ومخازيهم فهي مدنية.
стр. 107
المبحث الثالث
فوائد معرفة المكي والمدني
إن علماً اعتنى به الصحابي العالم بالقرآن عبد الله بن مسعود ﵁ (ت٣٢هـ) لجدير بأن يكون من العلوم المهمة، وهو كذلك عند العلماء، وهذه الفوائد التي ذكروها مبنية على الزمان؛ إذ المكي متقدم على المدني قطعاً، وقد أشار الشاطبي (ت٧٩٠هـ) إلى منْزلة المتأخر من المتقدم في النُّزول، فقال: «المدني من السور ينبغي أن يكون مُنَزلاً في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض؛ على حسب ترتيبه في التنْزيل، وإلا لم يصحَّ، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه؛ دلَّ على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون بيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله» (١).
ومما يذكر في فوائد معرفة المكي والمدني ما يأتي:
أولاً: معرفة الناسخ والمنسوخ (٢):
اعتنى بعض العلماء الذين كتبوا في الناسخ والمنسوخ بالمكي والمدني؛ لأن القول بالنسخ مبني على معرفة المتقدم من المتأخر، والمدني ينسخ المكي لا العكس، وقد ذكر الحارث المحاسبي (ت٢٤٣هـ) هذه
стр. 108
العلاقة، فقال: «القسم السادس: ذكر الناسخ والمنسوخ في الأحكام:
فأول ذلك معرفة السور المكية والمدنية ليعرف أن ما فيها من الأمر والأحكام نزل بمكة أو بالمدينة، فإذا اختلف كان الذي نزل بالمدينة هو الناسخ؛ لأنه الآخِر في النُّزول» (١).
وقال النحاس (ت٣٣٨هـ) في كتابه الناسخ والمنسوخ: «وإنما نذكر ما نزل بمكة والمدينة؛ لأن فيها أعظم الفائدة في الناسخ والمنسوخ؛ لأن الآية إذا كانت مكية، وكان فيها حكم، وكان في غيرها مما نزل بالمدينة حكم غيره = عُلِمَ أن المدنية نسخت المكية» (٢).
وقال مكي بن أبي طالب القيسي (ت٤٣٧هـ) في كتابه إيضاح الناسخ والمنسوخ: «ويجب أن تعلم المكي من السور من المدني، فذلك مما يقوي ويفهم معرفة الناسخ والمنسوخ» (٣).
ومن آثار السلف الدالة على بناء النسخ على المكي والمدني ما رواه القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير قال: «قلت لابن عباس: ألِمَنْ قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال: لا.
قال: فتلوت عليه هذه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى آخر الآية.
قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: ٩٣]» (٤).
стр. 109
ثانياً: معرفة الصحيح من الضعيف من التفسير (الترجيح بين الأقوال):
إن التفسير وضرب الأمثال لما يصلح دخوله في معنى الآية = أوسعُ من مدلول الزمان في المكي والمدني، لكن قد يقع في بعض الأقوال ما يشير إلى تحديد المراد بالقرآن المكي بحدث مدني يكون هذا الحدث المدنيُّ صحيحاً من جهة التفسير، لكن لا يكون صحيحاً من كونه هو المراد الأول الذي نزلت من أجله الآيات، ومن أمثلة ذلك:
١ - قال ابن عطية (ت٥٤٢هـ) في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] «قال بعض المفسرين: سبب هذه الآية أن رسول الله ﷺ نزل به ضيف، فلم يكن عنده شيء، فبعث إلى يهودي ليسلفه شعيراً، فأبى اليهودي إلا برهن، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: «والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض»، فرهنه درعه، فنَزلت الآية (١).
قال القاضي أبو محمد ﵀: وهذا معترض أن يكون سبباً؛ لأن السورة مكية، والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي ﷺ ؛ لأنه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة التي ذكرت.
وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أن الله تعالى وبَّخهم على ترك الاعتبار بالأمم السابقة، ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه ﷺ بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم؛ إذ ذلك منصرم عنهم، صائر بهم إلى خزي» (٢).
٢ - قال ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]: «وفي قوله تعالى: ﴿فَصَلَّى﴾ ثلاثة أقوال:
стр. 110
أحدها: أنها الصلوات الخمس؛ قاله ابن عباس ومقاتل.
والثاني: صلاة العيدين؛ قاله أبو سعيد الخدري.
والثالث: صلاة التطوع؛ قاله أبو الأحوص.
والقول قول ابن عباس في الآيتين، فإن هذه السورة مكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة زكاة ولا عيد» (١).
وإذا تأملت القول بصلاة العيد وجدته يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَصَلَّى﴾، لكن أن يكون هو المراد لا غيرُه، أو يكون هو المراد أولاً، ففيه النظر الذي ذكره ابن الجوزي (ت٥٩٧هـ)، والله أعلم.
ثالثاً: الاستفادة منه في الدعوة إلى الله بتنْزيل المقال على مقتضى الحال:
إن القرآن المكي كان يخاطب أغلبية كافرة لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فكان الخطاب يكثر فيه ذكر قضايا التوحيد الكلية وما يتعلق بإثبات النبوة والبعث، وغيرها.
والقرآن المدني كان يخاطب الدولة المسلمة التي استقرَّ أمرها، وصار الأمر والنهي فيها لرسول الله ﷺ ، فظهر الحديث عن التشريعات والحدود، كما تجد الحديث عن الجهاد والمنافقين وغير ذلك، وكان لكل نوع من هذه الأنواع طريقة في خطابه.
فالداعية يستفيد من هذا في تنويع خطابه، فلا يكون خطابه وأسلوب تعامله واحداً لا يتغير، فإن كان يخاطب ملحداً فإن خطابه لا يكون كما يخاطب كافراً مؤمناً بالله، وإذا كان يخاطب كافراً مؤمناً بالله ـ كأهل الكتاب ـ فإنه يختلف في خطابه لهم عن خطابه لمبتدع، وخطابه لمبتدع يختلف عن خطابه لعاصٍ فاسقٍ، وهكذا يُنَزَّل لكل قوم ما يصلح لهم من الخطاب، والله أعلم.
• * *
стр. 111
قراءات مقترحة في موضوع: المكي والمدني
١ - «المكي والمدني في القرآن الكريم» دراسة تأصيلية نقدية للسور والآيات من أول القرآن إلى نهاية سورة الإسراء، للباحث عبد الرزاق حسين أحمد.
وهو كتاب نفيس جدّاً في موضوع المكي والمدني، وما يتعلق به من السور والآيات المختلف فيها، والآيات المستثناة في السور.
٢ - تحرير القول في السور والآيات المكية والمدنية من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، وهي رسالة دكتوراه تقدم بها الباحث محمد بن عبد العزيز بن عبد الله الفالح إلى كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
بحوث مقترحة في موضوع: المكي والمدني
١ - تتبع الآيات المستثنيات ودراستها دراسة تفسيرية (أي: أثر هذه الآيات في السياق والمعنى).
٢ - بحث السور أو الآيات المختلف في مكيتها ومدنيتها.
٣ - بحث الآيات المنسوخة التي لها تعلق بموضوع المكي والمدني.
٤ - استقراء الآيات التي وقع فيها ترجيح بمعرفة المكي والمدني.
٥ - استنباط المكي والمدني من خلال أسباب النُّزول الصريحة.
стр. 112
الفصل الرابع
أسباب النُّزول
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: المراد بأسباب النُّزول
المبحث الثاني: قصص القرآن وأسباب النُّزول
المبحث الثالث: صيغ عبارات أسباب النُّزول
المبحث الرابع: فوائد أسباب النُّزول
المبحث الخامس: قواعد في أسباب النُّزول
стр. 113
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
هذا الموضوع من الموضوعات المهمة في علم التفسير، وهو يرتبط بعدة أنواع من علوم القرآن:
• (نزول القرآن)، وارتباطه بهذا واضح ظاهر؛ لأن النُّزول قد يكون مرتبطاً بسبب، وقد لا يكون.
• (المكي والمدني) لأن الأحداث التي نزل بشأنها قرآن لا تخرج ـ باعتبار الزمان ـ عن أن تكون قبل الهجرة أو بعد الهجرة.
• (أسماء السور)، وذلك حين يكون سبب النُّزول مرتبطاً بالسورة؛ كقولهم: نزلت سورة كذا في كذا.
• ولأسباب النُّزول ارتباط بعلمين ليسا من علوم القرآن يحسن التنبيه عليهما؛ لأن بعض الأسباب لا يكون فهم الآية مبنيّاً على معرفتها مباشرة، وقد يقع اختلاف في صاحب الحدث، فيكون تحرير سبب النُّزول غير مفيد في جانب التفسير، وإنما يكون مفيداً في جانب هذين العلمين، وهما: علم (التاريخ)، وعلم (النسب) (١)؛ لأن سبب النُّزول لا يخلو من حدث تاريخي، ومن أشخاص وقع منهم هذا الحدث، ووقوع الاختلاف في أحدهما لا يبنى عليه سوى الاختلاف في النظر التاريخي أو في النسب، كما هو الحال في الاختلاف في الأسماء الواردة في آية اللعان، وفي اسم المجادلة لزوجها.
• ومن الموضوعات التي يرتبط بها سبب النُّزول، حيث تجد أن بعض
стр. 114
أسباب النُّزول ترتبط ببعض عادات العرب أو أهل الكتاب، والأمثلة في هذا كثيرة؛ كسبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وغيرها من الآيات التي نزلت على أسباب متعلقة بالعادات، وهذه العادات لها نوع تعلق بالتاريخ، وإن كان يغلب على تلك الأسباب ذكر موضوعات اجتماعية.
стр. 115
المبحث الأول
المراد بأسباب النُّزول
نزول القرآن لا يخرج عن قسمين:
الأول: أن لا يكون له سبب مباشر، بل ينْزل حسب الحاجة والمصلحة.
الثاني: أن يقع حدث فينْزل قرآن بشأنه، وهذا هو المراد بأسباب النُّزول.
وهذا الحدث يشمل كل قول أو فعل، أو سؤال وقع ممن عاصروا التنْزيل، ونزل القرآن بسببهم.
ويمكن صياغة أسباب النُّزول كالآتي: كل قول أو فعل أو سؤالٍ ممن عاصروا التنْزيل نزل بشأنه قرآن (١).
• ومن أمثلة القول:
ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأُعَفِّرن وجهه في التراب.
قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي؛ زعم ليطأ على رقبته.
قال: فما فَجَأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه.
قال: فقيل له: مَا لَكَ؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحةً.
стр. 116
فقال رسول الله ﷺ : «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً».
قال: فأنزل الله لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه ـ ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى *أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى *إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى *أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى *عَبْدًا إِذَا صَلَّى *أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى *أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى *أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى *أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى *كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ *نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ *فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ *سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ *كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ٦ - ١٩]» (١).
• ومن أمثلة الفعل:
ما أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]» (٢).
• ومن أمثلة السؤال:
ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس ﵁، قال: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبيِّ ﷺ النبيَّ ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ..﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢٢٢]، فقال رسول الله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه» (٣).
ولا يلزم أن يكون النُّزول عقب الحدث مباشرة، فقد يتأخَّر؛ كحادثة الإفك، لكن لا يصحُّ أن يكون النُّزول قبل الحدث، فهذا لا يدخل في أسباب النُّزول، بل يدخل في الإخبار عن المغيبات، كما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ *سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾
стр. 117
[القمر: ٤٤ - ٤٥]، قال ابن أبي حاتم (١): حدثنا أبي حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد عن أيوب عن عكرمة قال: «لما نزلت ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ قال عمر: أيُّ جمعٍ يُهزم؟ أيُّ جمعٍ يُغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعرفت تأويلها يومئذ».
فسورة القمر مكية، والحدث الذي أشارت إليه مدني، فهو من باب الإخبار بالمغيَّب فحسب، والله أعلم.
فائدة:
مما يحسن ملاحظته أن ترتيب السور والآيات لم يكن على ترتيب نزولها، بل تنْزل الآيات على الأسباب خاصة، وتوضع كل واحدة منها مع ما يناسبها من الآي رعاية لنظم القرآن وحسن السياق (٢)، وهاهنا قاعدة لطيفة ذكرها الزركشي (ت٧٩٤هـ)، قال: «... الزمان إنما يشترط في سبب النُّزول، ولا يشترط في المناسبة؛ لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها» (٣).
стр. 118
المبحث الثاني
قصص القرآن وأسباب النُّزول
مما قد يلتبس بسبب النُّزول قصص القرآن، إذ الآيات قد تكون قصة، وقد تكون بسبب قصة حدثت، لكن ليس لكل قصص القرآن سببُ نزولٍ.
ومن أمثلة ما كان قصة في سبب النُّزول حادثة الإفك التي نزل بشأنها قرآن، لكن قصة آدم في سورة البقرة لم يكن لها سبب نزول مباشر كما هو الحال في قصة الإفك، فهي من قصص القرآن وليست من أسباب النُّزول.
وقد ذكر الواحدي (ت٤٦٨هـ) في كتابه (أسباب النُّزول) في سورة الفيل ما نصُّه: «نزلت في قصة أصحاب الفيل، وقصدهم تخريب الكعبة، وما فعل الله تعالى بهم: من إهلاكهم وصرفهم عن البيت، وهي معروفة» (١).
فاعترض عليه السيوطي (ت٩١١هـ)، فقال: «قلت: والذي يتحرر في سبب النُّزول: أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه؛ ليخرج ما ذكره الواحدي في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النُّزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية؛ كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك، وكذلك ذِكْرُه في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] سببَ اتخاذه خليلا ليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى» (٢).
стр. 119
المبحث الثالث
صيغ عبارات أسباب النُّزول
الأصل في أسباب النُّزول الصريحة أنها نقلية من جهتين: الصيغة التي يُحكى بها سبب النُّزول، والحدث الذي يُذكر في سبب النُّزول، فكما لا يصح افتعال حدث يقال فيه: إنه سبب نزول، كذلك لا يصلح ذكر صيغة لم ترد في المنقول عن الصحابة أو التابعين وأتباعهم.
وقد وقع عند بعض المعاصرين خطأ في حكاية الصيغة، حيث قال: «تختلف عبارات القوم في التعبير عن سبب النُّزول، فتارة يُصرح بلفظ السبب، فيقال: (سبب نزول الآية كذا)، وهذه العبارة نص في السببية لا تحتمل غيرها» (١).
وهذا الذي قاله لا يكاد يوجد في أثر من آثار أسباب النُّزول المنقولة عن الصحابة والتابعين وأتباعهم، وإنما ذلك توهُّمٌ من قائله، وظنٌّ بوجوده، وليس الأمر كذلك.
وأشهر الصيغ في أسباب النُّزول هي العبارة التي تأتي بعد فاء السببية (فنَزلت، أو فأنزل)، وعبارة (نزلت في كذا، أُنزلت في كذا).
ورود كلمة النُّزول قرينة قوية في إرادة ذكر سبب النُّزول، وليست أصلاً يُحكم به على أن ورودها في الأثر يدل على أنه هو سبب النُّزول المباشر، إذ قد يكون هناك ما يدلُّ على أنه ليس المراد بها سبب النُّزول المباشر.
стр. 120
أولاً: عبارة (فأنزل الله، فنَزلت):
عبارة (فأنزل الله، فنَزلت) أَدْخَلُ في السببية من عبارة (نزلت في كذا، أُنزلت في كذا)؛ إذ غالب ما يرد بهذه الصيغة يدخل في سبب النُّزول المباشر بخلاف عبارة (نزلت في كذا، أُنزلت في كذا).
ومن قرأ في آثار السلف ظهر له أنهم قد يتوسعون في إطلاق عبارات النُّزول، ولا يريدون بها بيان سبب النُّزول، وإنما يريدون معنى لآخر؛ كالتفسير وغيره، ومن أمثلة ذلك ما رواه الطبري في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، فعن أبي الكنود عن عبد الله: «﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾». فقوله: «فأنزل الله» لا يعني سبب النُّزول كما هو ظاهر من الأثر؛ لأنه لا يصحُّ حمل هذه العبارة على إرادة سبب النُّزول المباشر، والله أعلم.
ومن أمثلة ما ورد من هذه العبارة، وأريد به سبب النُّزول المباشر ما رواه البخاري في أمر تحويل القبلة عن البراء بن عازب ﵁: «أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلى أو صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قِبَلَ مكة، فَدَاروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّلَ قِبَلَ البيت رجالٌ قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنْ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]» (١).
ثانياً: عبارة (نزلت في كذا، أُنزلت في كذا):
يكثر في هذه العبارة إرادة التفسير، وما يأتي منها لبيان سبب النُّزول المباشر قليل بالنسبة للعبارة الأولى.
стр. 121
وقد وقع خلاف بين العلماء في ورود هذه العبارة عن الصحابي؛ هل تُعدُّ من أسباب النُّزول، أو من قبيل التفسير؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ): «وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: نزلت هذه الآية في كذا؛ هل يجري مجرى المسند؛ كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله في المسند، وأكثر المساند على هذا الاصطلاح؛ كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سبباً نزلت عقبه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند» (١).
ومعنى هذا أن اختلافهم في عبارة (نزلت في كذا) دون عبارة (فنَزلت، فأنزل الله)، فهم يجعلون عبارة (فنَزلت، فأنزل الله) من قبيل المرفوع؛ لأنَّ سبب النُّزول يحكي حدثاً وقع في زمن الرسول ﷺ ؛ لذا فهو من هذا القبيل.
أما عبارة (نزلت في كذا)، فبعضهم يجعلها من قبيل المرفوع؛ كالبخاري (٢)، وبعضهم يجعلها من قبيل التفسير؛ لكثرة ما ترد هذه العبارة عنهم، وهم يريدون بها أن ما يذكرونه يدخل في معنى الآية وحكمها، والله أعلم.
ومن أمثلة ما يرد من هذه العبارة في سبب النُّزول المباشر:
١ - ما رواه البخاري بسنده عن هشام بن عروة، قال: قال عروة: «كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحُمْس ـ والحمس قريش وما ولدت ـ وكانت الحمس يحتسبون على الناس يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها
стр. 122
وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها فمن لم يعطه الحمس طاف بالبيت عرياناً وكان يفيض جماعة الناس من عرفات ويفيض الحمس من جمع.
قال: وأخبرني أبي عن عائشة ﵂ أن هذه الآية نزلت في الحمس: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
قال كانوا يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات» (١).
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] روى البخاري بسنده عن عبد الله بن معقل قال: «جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة؛ حُمِلْتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى؛ تجد شاة؟».
فقلت: لا.
فقال: «فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (٢).
ومن أمثلة ما يرد من هذه العبارة من التفسير:
١ - ما روى مسلم عن البراء بن عازب ﵁ في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قال: «نزلت في عذاب القبر» (٣).
٢ - وروى مسلم: في قوله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] عن عائشة قالت: «نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فَلَعَلَّهُ أن لا يستكثر منها، وتكون لها صحبة وولد، فتكره أن يفارقها، فتقول له: أنت في حل من شأني» (٤).
стр. 123
المبحث الرابع
فوائد أسباب النُّزول
١ - معرفة المعنى المراد بالآية:
إن سبب النُّزول يعين على معرفة المراد وتعيينه، إذ قد ترد عليه احتمالات صحيحة من حيث هي، لكن سبب النُّزول يحدد أحد هذه المعاني، ويكون هو المراد دون غيره.
وقد نقل السيوطي بعض أقوال العلماء في أهمية أسباب النُّزول، منها: «قال ابن دقيق العيد: بيان سبب النُّزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.
وقال ابن تيمية: معرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب».
وقد أفاض الشاطبي في هذا المعنى (١)، فقال: «وجاء رجل إلى ابن
стр. 124
مسعود فقال: تركت في المسجد رجلاً يفسر القرآن برأيه؛ يفسر هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام.
فقال ابن مسعود: من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم، فليقل: الله أعلم، فإن من فِقْهِ الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم.
إنما كان هذا لأن قريشاً استعصوا على النبي ﷺ ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] الآية إلى آخر القصة (١).
وهذا شأن أسباب النُّزول في التعريف بمعاني المنَزل بحيث لو فُقِدَ ذكر السبب لم يعرف من المنَزل معناه على الخصوص دون تطرق الاحتمالات وتوجه الإشكالات وقد قال ﷺ : «خذوا القرآن من أربعة» وذكر منهم عبد الله بن مسعود ﵁ (٢).
وقد قال في خطبة خطبها: «والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ إني من أعلمهم بكتاب الله» (٣).
وقال في حديث آخر: «والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل
стр. 125
لركبت إليه» (١).
وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالماً بالقرآن.
وعن الحسن أنه قال: «ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يُعلم فيم أنزلت وما أراد بها».
وهو نصٌّ في الموضوع مشيرٌ إلى التحريض على تعلم علم الأسباب.
وعن ابن سيرين قال: سألت عَبِيدة عن شيء من القرآن فقال: «اتق الله وعليك بالسداد؛ فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن.
وعلى الجملة، فهو ظاهر بالمزاولة لعلم التفسير» (٢).
وهذا الأمر ظاهر لا يحتاج إلى تقرير، لكن أضرب لك مثالاً في ذلك:
ما رواه البخاري بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء ﵁ يقول: «نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قِبَلِ أبوابِ بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قِبَلِ بابه، فكأنه عُيِّرَ بذلك فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]» (٣).
وكون البيوت في الآية هي البيوت المسكونة مما أجمع عليه السلف، وإن اختلفوا في سبب النُّزول على أقوالٍ، قول البراء هو أصوبها؛ لأنه قول صحابي شاهد التنْزيل، وهو عارف بعادات قومه التي نزل القرآن بشأنها.
وقد ذهب بعض المتأخرين بتفسير هذه الجملة إلى مذاهب عجيبة تخالف سبب النُّزول ولا تتناسب مع سياق الآية، فمنهم من قال: «أي
стр. 126
اطلبوا البِرَّ منْ أهلِه ووجهِه، ولا تطلبوه عندَ الجهلةِ المشركينَ» (١).
وهذا القول مخالف لسبب النُّزول، وإن كان جائزاً من جهة الاحتمال اللغوي، فالقائل به ربط هذا المقطع بالسؤال عن الأهلة في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وجعل أن السؤال عن الأهلة إنما هو سؤال عن سبب بدوِّها هلالاً حتى تصير بدراً، وأن الله أرشدهم إلى ما هو أهم من مسألتهم، وهو بيان الفائدة المتعلقة بالشرع بالنسبة للأهلة، وهذا التخريج فيه نظر؛ لأنهم إنما سألوا عن علاقتها بالشرع، فجاء الجواب مطابقاً: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
وذهب آخر إلى أنَّ البيوتَ كنايةٌ عنِ النِّسَاءِ، ويكونُ المعنى: وأتوا النِّسَاءَ منْ حيثُ أمرَكم اللهُ، والعربُ تُسَمِّي المرأةَ بيتاً، قالَ الشاعرُ (٢):
مَا لِي إذَا أنْزِعُهَا صَأيتُ ... أكِبَرٌ غَيَّرَنِي أمْ بَيتُ
أراد بالبيتِ المرأةَ (٣).
وهذا التفسير مخالف للسياق، فالسياق لا علاقة له بكيفية إتيان النساء، ولو حُمِلت الآية عليه لكان في النظم تفكُّكاً ملحوظاً ينبو عنه نظم القرآن المعجز، إذ يكون المعنى: «يسألونك عن فائدة الأهلة لهم، قل هي مواقيت يوقتون بها عِدَدَهم من بلوغ الدين والإجارة وغيرها، ومواقيت للحج الذي هو من أركان الإسلام، وليس البر بأن تأتوا النساء من أدبارهن، ولكن البر من اتقى وأتاهن من قُبُلِهن».
стр. 127
وهذا التفسير فيه تفكيك للنظم لا يحتاج الأمر فيه إلى خبير، والله المستعان.
وكل هذا إنما أوقع فيه الجهل بسبب النُّزول الذي حدَّد المراد بالبيوت، ولم يدع للاحتمال مجالاً، والله أعلم.
٢ - معرفة حكمة التشريع، ومسايرته للحوادث الواقعة:
إن من فوائد نزول القرآن منجماً أنه يساير الحوادث التي كانت تحدث للأمة الإسلامية إبَّان نشوئها في عهد رسول الله ﷺ ، فأي حدث يحدث، ويحتاج المسلمون فيه إلى بيان فإنه يحصل لهم بيانه بطرق متعددة، منها نزول القرآن الكريم.
وإذا تأملت بعض التشريعات وجدتها نزلت على أسبابٍ؛ اللعان، والظهار، والعضلِ، وتقسيم الغنائم، وغيرها من التشريعات. ومعرفة هذه الأسباب المقترنة بالآيات يدلُّك على شيء من حكمة التشريع، ورحمة الله بعباده بأن لم يتركهم هملاً بلا شرع يضبط أمورهم.
٣ - الاستفادة منها في مجال التزكية والتربية والتعليم:
إن إدراك أسباب النُّزول تعطي المربي فرصة كبيرة في التعامل مع الناس على ما هم عليه من الواقع الذي يعيشونه، ومن الأخلاق التي جبلهم الله عليها، وترشده إلى كيفية إثارتهم إلى القضية التي يريد أن يتحدث عنها ببيان كيفية عناية الله بمن نزل فيهم قرآن من المؤمنين، وكيف عالج ما فيهم من الأدواء، وكيف فضح أعداءهم وأبان لهم صنائعهم ومنكراتهم.
وهذا وإن لم يكن يختص بالآيات الواردة على سبب وحدها، إلا أن نزولها على سبب يزيد في قوتها من هذه الجهة، والله أعلم.
• * *
стр. 128
المبحث الخامس
قواعد في أسباب النُّزول
إن العلاقة بين أسباب النُّزول والعموم قد أورثت عدداً من القواعد، وكان من أشهرها قاعدة: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، ويمكن الانطلاق من هذه القاعدة إلى تقرير عدد من القواعد، فأقول: قد وقع خلاف بين العلماء في علاقة السبب بالعموم الوارد في ألفاظه على قولين:
الأول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثاني: أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
والقول الأول أقوى وأولى على التحقيق.
ولا يُفهم من القول الثاني أنهم يرون أن أحكام الله النازلة على سبب تختصُّ بالشخص المعين الذي نزلت فيه الآية ولا تتعداه، لكن مرادهم أنها مختصة به من جهة النُّزول، ويدخل معه غيره من طريق القياس، لا من طريق تعميم اللفظ (١).
ويمكن رصد الفرق بين المذهبين فيما يأتي:
أولاً: الفرق بين المذهبين في طريقة التعميم، فالقائلون بأن العبرة بعموم اللفظ لا يعنيهم من نزل فيه الخطاب بقدر ما يعنيهم المعنى الذي يعممونه.
стр. 129
أما القائلون بأن العبرة بخصوص السبب فيعنيهم بالدرجة الأولى من نزل فيه الخطاب؛ لأنه هو المقصود الأول به، ثم يدخل معه غيره بعد ذلك قياساً.
ثانياً: أن من يذهب إلى عموم اللفظ قد يُدخل غير صورة السبب في معنى الآية، أما من يذهب إلى القياس، فلا يقيس إلا في صورة السبب، ولا يُدخل غير صورته فيه، وسيأتي توضيح هذا بالمثال.
وإذا تأملت الآيات التي لها أسباب النُّزول، فإنك ستجد بعضها نزل بشأن أمر معين متعلق بشخصٍ أو جماعة، وبعضها نزل بشأن أمر يشمل صوراً متنوعة، ولا تجد في النص ما يفيد التخصيص.
أما الأمر الأول، وهو نزولها بشأن أمر متعلق بشخص معين فكثير، منها ما نزل بشأن كعب بن عجرة ﵁ لما كانت تؤذيه هوام رأسه، فنَزلت آية الفدية، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقد روى البخاري بسنده عن عبد الله بن معقل، قال: «جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية، فقال نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة؛ حُمِلْتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى؛ تجد شاة؟ فقلت: لا. فقال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (١).
فقوله: نزلت فيَّ خاصَّة، وهي لكم عامة يشير إلى القول بالعموم، لكن هل هو من باب عموم اللفظ، أو من باب القياس؟
إن قلت من باب عموم اللفظ، فكعب بن عجرة وحاله مجرد مثالٍ من أمثلة هذا العموم، وإن كان هو الذي نزلت بشأنه الآية.
وإن قلت بالقياس، فكعب هو الذي نزلت فيه خاصة، ولا يدخل معه
стр. 130
غيره في الخطاب من جهة اللفظ، وإنما من جهة القياس، فمن وقع له حالٌ مثل حال كعب حلق وفدى.
وليس في مثل هذه الصورة من أسباب النُّزول أكثر من هذا التعميم، والله أعلم.
وأما الأمر الثاني، وهو أن تكون مرتبطة بأمر يشمل صوراً متنوعة، فمثل ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فقد ورد فيها أنها نزلت في النفقة، رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان ﵄، ومراده: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بترك النفقة في سبيل الله تعالى.
وقد علَّق ابن حجر على هذا الأثر فقال: «... ذكر المصنف حديث حذيفة في هذه الآية؛ قال: «نزلت في النفقة»؛ أي: في ترك النفقة في سبيل الله ، وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسَّراً في حديث أبي أيوب ـ الذي أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أسلم بن عمران ـ قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم رجع مقبلاً. فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة.
فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤوِّلون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه، وكَثُر ناصروه قلنا بيننا سِرّاً: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها، وأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها (١).
وصحَّ عن ابن عباس ﵄ وجماعة من التابعين نحو ذلك في تأويل الآية» (٢).
стр. 131
وإذا تأملت قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الذي جاء في سياق الأمر بالإنفاق في الجهاد في سبيل الله، وجدته أمراً عامّاً لا يختصُّ بترك النفقة فقط، بل ترك النفقة في الجهاد صورة من صور الإلقاء باليد إلى التهلكة، ولو اعتبرت خصوص السبب، فإنك لا يمكن أن تقيس غير أمور النفقة في هذا الموضع؛ لأنك ستكون محصوراً بصورة السبب فتقيس عليها، فتقول: أي ترك للنفقة فيه إلقاء باليد إلى التهلكة، فهو داخل في معنى الآية قياساً؛ كترك النفقة على الأولاد واليتامى والمساكين، فأنت تدخل هذه الصور لأنها تشارك أصل السبب في ترك النفقة. لكن إذا رأيت من يتقحم المنكرات والمعاصي فإنك لا تستطيع إدخاله في صورة السبب؛ لأن فعله لا علاقة له بالنفقة، وإن كان فيه إلقاءٌ باليد إلى التهلكة.
فإذا نزعت إلى العموم في جملة ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وجعلت صورة السبب ـ ترك النفقة في الجهاد ـ مثالاً = صحَّ عندك إدخال كل صورة فيها إلقاءٌ باليد إلى التهلكة، فتدخل من يشرب المسكرات والمخدرات والدخان؛ لأنه يلقي بيده إلى التهلكة، وكذا غيرها من الصور التي تدخل في هذا المقطع، والله أعلم.
وبهذا يتبين أن القول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أشمل للمعاني من القول بأن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وأن غير السبب يدخل قياساً.
ومن ثَمَّ يمكن أن تسبك عدداً من القواعد من خلال هذه الأمثلة:
الأولى: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثانية: كل سبب نزل على صورة معينة فإنه لا يجري العموم فيه في غير صورة السبب؛ لأن اللفظ نزل مقيداً بها، فيدخل فيه من فعل مثل ذلك الفعل؛ كقضية الفدية لمن حلق رأسه بسبب أذى أثناء إحرامه.
الثالثة: صورة السبب أول ما يدخل في عموم معنى الآية؛ كترك النفقة في آية: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
стр. 132
الرابعة: إذا احتملت الآية معنى آخر غير مناقضٍ للسبب جاز التفسير به، وصار السبب مثالاً من أمثلة العموم؛ كإدخال صور أخرى غير ترك النفقة من صور الإلقاء باليد إلى التهلكة في آية ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
• * *
стр. 133
قراءات مقترحة في موضوع: أسباب النُّزول
١ - «أسباب النُّزول وأثرها في بيان النصوص»: دراسة مقارنة بين أصول التفسير وأصول الفقه، للدكتور عماد الدين محمد الرشيد.
٢ - «أسباب النُّزول من خلال الكتب التسعة جمعاً ودراسة»، للدكتور خالد المزيني.
وأصلها رسالة دكتوراه تقدم بها إلى قسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (١).
بحوث مقترحة في موضوع: أسباب النُّزول
١ - استقراء الصيغ التي يُعبَّر بها عن أسباب النُّزول في كتب الحديث كتاباً كتاباً، فمثلاً: يُستقرأ «صحيح البخاري»، ويُنظر فيما يصدق عليه أنه سبب نزول مباشر أو لا من خلال قرائن النص، وهكذا غيره من كتب الحديث المسندة من الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها.
٢ - دراسة صيغة سبب النُّزول الواردة على أسلوب (نزلت في كذا) من جهة نزولها في شخص، أو في قوم، أو في حدث معيَّنٍ (٢).
стр. 134
٣ - دراسة الآثار الصريحة التي ثبت أنها سبب نزول، لكن لم يرد فيها صيغة السببية، ومثال ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ١٠٢]، قال: «عبد الرحمن بن عوف، كان جريحاً» (١).
قال الحافظ ابن حجر (ت٨٥٢هـ): «أي: فنَزلت الآية فيه» (٢).
٤ - دراسة أسباب النُّزول من خلال كتب مصطلح الحديث وشروحها، مثل كتاب: «النكت على مقدمة ابن الصلاح»، لابن حجر (ت٨٥٢هـ)، و «فتح المغيث»، للسخاوي (ت٩٠٢هـ)، وغيرها، ففي هذه الكتب تحريرات متعلقة بأسباب النُّزول يحسن جمعها وتحليلها ودراستها.
٥ - دراسة النُّزول دراسة تطبيقية على تفسير من التفاسير، ومن أمثلة ذلك ما قام به الباحث سعيد بن محمد بن سعد الشهراني في رسالته التي أعدها لنيل درجة الماجستير بقسم الثقافة من كلية التربية في جامعة الملك سعود، وهي بعنوان: «استدراكات الإمام محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره على من سبقه في أسباب النُّزول».
٦ - جمع القواعد المتعلقة بأسباب النُّزول رواية ودراية ودراستها دراسة تحليلية.
فمن قواعد الرواية مثلاً: تقديم السبب الذي يكون راويه صاحب القصة.
وفي هذا الموضوع يحسن النظر فيما أصّله السيوطي (ت٩١١هـ) مما يتعلق بالرواية في أسباب النُّزول (٣)، فقد جمع فيها ما لم يُسبق إلى جمعه، كما قال: «تأمل ما ذكرته لك في هذه المسألة (٤)، واشدد به يديك، فإني
стр. 135
حرَّرته واستخرجته بفكري من استقراء صنيع الأئمة ومتفرقات كلامهم، ولم أُسبق إليه» (١).
ومن قواعد الدراية: قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، وقاعدة (الأصل عدم تكرر النُّزول).
٧ - جمع الأسباب المتعلقة بالعادات مما يحسن بحثه ودراسته دراسة مستقلة؛ لما يحمل من فوائد عديدة، منها: إبطال العادات الجاهلية التي لا توافق شرع الله، وتصحيح بعض العادات المغلوطة، وغيرها من الفوائد.
стр. 136
الفصل الخامس
جمع القرآن
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الجمع في الصدور
المبحث الثاني: الجمع في السطور
стр. 137
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
يرتبط جمع القرآن (١) بعدد من أنواع علوم القرآن، منها:
• (الأحرف السبعة)، لأن جمع القرآن مرتبط بمفهوم هذه الأحرف، ولا يمكن معرفة ما جُمِع إلا بمعرفة ما يمكن رسمه وما لا يمكن مما يتعلق بهذه الأحرف.
• (رسم المصحف)، وله به ارتباط وثيق؛ لأن كتابة القرآن في المصحف إنما كانت على رسم معين معتمد عند الصحابة.
ويدخل في (رسم المصحف) كل ما وُجِد مدوناً من المصاحف أو الآيات المتفرقة في بطون الكتب مما يخالف المصحف العثماني، وهذه بحاجة إلى بيان وتجلية؛ لئلا يقع الأغمار الذين لا يعلمون على مثل هذه المدونات فيلتبس الأمر عليهم، وهو جهد شاق يحتاج إلى قارئ مخطوطات قدير، عارف بالرسم وما يتصل به من الضبط.
стр. 138
جمع القرآن
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وكان من قدر الله لحفظ كتابه الكريم أن يسَّر حفظه، وهيَّأ له من يكتبه ويدونه، فصار باقياً إلى قيام الساعة مقروءاً ومكتوباً.
وقد وردت الإشارة إلى حفظه في الصدور وفي السطور في عدد من الآيات، ومن أقربها الآيات التي وصفت هذا الكلام من الله تعالى بأنه (قرآن)، وبأنه (كتاب).
فالتعبير عنه بأنه (قرآن) فيه إشارة إلى قراءته سواءً أكان في الصدور أم في السطور.
والتعبير عنه بأنه (كتاب) إشارة إلى كتابته، وأنه سيكون محفوظاً في كتبٍ يقرؤها المسلمون.
ومن هذين الاسمين يتكون موضوع جمع القرآن: الجمع في الصدور، والجمع في السطور.
стр. 139
المبحث الأول
الجمع في الصدور
أما الجمع في الصدور، فهو تيسير حفظه للمسلمين، فتراهم في شتى بقاع الأرض يترنَّمون بهذا القرآن حفظاً، وبعضهم لا يكاد يعرف العربية لا قراءة ولا كتابة، وتلك مزية لا تجدها لغير القرآن.
وموضوع حفظه في الصدور من الوضوح بمكان، لذا لا يحتاج الأمر إلى كثير تقرير له، ولقد نصَّت آياتٌ على تيسير هذا الأمر على رسول الله ﷺ ، ومن ثمَّ على أمته التي ستحمل عنه هذا الكتاب الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى *إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، وقوله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].
وأخرج البخاري بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، قال: «كان رسول الله ﷺ يعالج من التنْزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه ـ فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما ـ وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه ـ فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. قال: جمعه في صدرك وتقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. قال: فاستمع له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه» (١).
стр. 140
وكان من نعمة الله على عباده المسلمين أن رتَّب لهم الأجر على حفظه، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة، منها:
١ - ما أخرجه البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيهم أكثر أخذاً للقرآن». فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة». وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم» (١).
٢ - روى الإمام أحمد بسنده عن زر عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارْقَ ورَتِّلْ كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منْزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٢).
стр. 141
المبحث الثاني
الجمع في السطور
مرَّ الجمع في السطور بمراحل متعددة، وقد قسمها العلماء إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: في عهد النبي ﷺ .
المرحلة الثانية: في عهد أبي بكر ﵁.
المرحلة الثالثة: في عهد عثمان ﵁.
ولكل مرحلة من هذه المراحل خصائصها وسماتها، ويمكن تفصيل القول فيها من خلال الآثار الواردة في هذا الموضوع، وإليك هذا التفصيل:
• المرحلة الأولى *
جمع القرآن في عهد النبي (ص)
يظهر أنه لما كان الرسول ﷺ في مكة لم يكن هناك اعتناءٌ ظاهرٌ بتدوين القرآن؛ إذ لم يرد سوى آثارٍ ضعيفة يمكن الاستئناس بها فقط؛ كأثر إسلام عمر بن الخطاب ﵁، وأخذه الصحيفة التي كُتب بها أول سورة طه.
ولما انتقل النبي ﷺ إلى المدينة النبوية، وكان الأمر قد آل إليه، وقد بدأ بتنظيم المجتمع الإسلامي؛ كان مما اعتنى به كتابة القرآن، فكتب ما نزل عليه بمكة، وإذا نزل عليه شيء من القرآن بالمدينة كتبه، وألَّف (جمع) القرآن المكي والمدني على حسب ما أمر به الله جبريل ﵇، وقد كان له في المدينة كتَّابٌ معروفون يدعوهم لكتابة ما ينْزل من القرآن، وكان من أخصِّهم بذلك زيد بن ثابت الأنصاري ﵁.
стр. 142
وقد أخبر زيد ببعض وسائل الكتابة التي كانت في عصر الرسول ﷺ ، ففي الحديث الذي ذكره البخاري (ت٢٥٦هـ) وغيره في جمع أبي بكر ﵁ إشارة إلى ذلك، فقال: «فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُبِ والرِّقاع واللِّخَاف (١)» (٢).
وهذا يدلُّ على أنَّ القرآن لم يكن مجموعاً في مصحفٍ واحدٍ في عهد النبي ﷺ ، بل كان متفرقاً، في مثل هذه الأدوات التي ذكرها زيدٌ ﵁.
وقد كان النبي ﷺ يعتني بكتابة القرآن أيما عناية، وكان يطلب أحد كتبة الوحي إذا نزل عليه القرآن، وهذا مما دلَّت عليه الآثار، مثل ما رواه البخاري بسنده عن البراء ﵁ قال: «لما نزلت: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دعا رسول الله ﷺ زيداً فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾» (٣).
مسألة: لماذا لم يُكتب القرآن ـ في مصحف واحدٍ ـ كاملاً في عهد رسول الله ﷺ ؟
لقد كان من قدر الله أن يتوفَّى نبيه ﷺ ، وأن لا يجمع القرآن في مصحفٍ واحدٍ، وهذا ما يشهد له الواقع التاريخي لكتابة القرآن في عهد النبي ﷺ ، والبحث عن العلل في ذلك ضرب من الاجتهاد الذي يحتمل الصواب والخطأ؛ لأن كل تعليل يمكن أن يُنتقَضَ، ومما ذُكر من الأسباب:
١ - أن الحاجة لم تدع إلى ذلك، ولم يقع ما يوجب العمل بهذا الضبط الكتابي المجموع للقرآن الكريم، بدلالة أنه لو كان مما تحتاج إليه
стр. 143
الأمة آنذاك لوجب العمل فيه؛ إذ لا يجوز ترك ما الأمة بحاجة إليه.
وإذا تأملت واقع الأمة آنذاك، وعلِمت أن الأمية هي الغالبة عليها، وأن الكتبة بالنسبة لغيرهم قليل = ظهر لك عدم وجود الحاجة للكتابة في أمة تعتمد على الحفظ في ضبط تواريخها وأيامها وأخبارها، وغير ذلك، هذا فضلاً عما وقع من تيسير الله لحفظه في الصدور.
٢ - أن الكتابة في المصحف تصلح لشيءٍ قد انتهى واستقرَّ، أما الحال بالنسبة للوحي فلم يكن كذلك، إذ قد ينْزل جزء من السورة، ثم ينْزل الجزء الآخر منها فيما بعد، فيُلحق بها، كما أنه قد ينسخ بعض النازل، فلا يقرأ به، فلو كان مجموعاً في كتاب لتعسَّر ذلك الأمر من جهة الإضافة والإزالة، بخلاف الحال التي هو عليها من كتابته متفرقاً، وحفظهم له في صدورهم.
ومما يحسن التنبه له هنا أن الأصل في القرآن المسموع المحفوظ في الصدور لا المكتوب، والمكتوب إنما هو زيادة ضبط للمقروء فحسب، لذا فإن الاعتناء به من جهة تدوينه ـ ولو مفرقاً ـ زيادة في الضبط وبقاء المحفوظ في الصدور، وليس أمراً مستقلاً، لذا لا يُتصوَّر أن يرجع الصحابة في عهده إلى ما دونوه دون الرجوع إليه (ص)، فالمقروء عليه (ص) هو المقدم فيما لو وقع اختلاف، والله أعلم.
ملامح هذا الجمع:
١ - أنه كان مفرَّقاً في عدد من أدوات الكتابة.
٢ - أن القرآن الذي نقرؤه كله كان مكتوباً في عهد رسول الله ﷺ لم يكن منه شيء غير مكتوب، ثم كُتب بعد ذلك (١).
стр. 144
٣ - أنه قد يوجد من المكتوب ما تُركت تلاوته في العرضة الأخيرة.
وهذا الذي تُرِكت تلاوته في العرضة الأخيرة سيظهر لزيد والصحابة ﵃ فيما بعد عند جمع أبي بكر ﵁.
• المرحلة الثانية *
في عهد أبي بكر ﵁
لقد أبان حديث زيد بن ثابت ﵁ عن أغلب ما يتعلق بجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، فقد أورده الأئمة بأسانيدهم عن زيد بن ثابت ﵁ (١)، ويمكن تلخيص ما جاء في حديثه على النحو الآتي:
стр. 145
١ - سبب الجمع، والذي دعا إليه:
«أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن.
قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟
فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر».
يلاحظ أن الخوف من ذهاب القراء كان سبباً أكيداً في جمع أبي بكر ﵁، وفي هذا إشارة إلى أنَّ ما بين أيديهم من المكتوب لا يعين على حفظ القرآن؛ لأنه غير مجموع، وأن أصل حفظ القرآن إنما هو بالمقروء في الصدور، فعمدوا إلى تقييده مجموعاً مما كُتِب في الرقاع والأكتاف والعُسُب وغيرها، ومما في صدور الرجال الذي كان هو الأسبق والأغلب ....
٢ - الصفات التي أهَّلت زيداً لأن يتولى مهمة الجمع:
«قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبَّعْ القرآن، فاجمَعْه».