المبحث الثاني
الجمع في السطور
مرَّ الجمع في السطور بمراحل متعددة، وقد قسمها العلماء إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: في عهد النبي ﷺ .
المرحلة الثانية: في عهد أبي بكر ﵁.
المرحلة الثالثة: في عهد عثمان ﵁.
ولكل مرحلة من هذه المراحل خصائصها وسماتها، ويمكن تفصيل القول فيها من خلال الآثار الواردة في هذا الموضوع، وإليك هذا التفصيل:
• المرحلة الأولى *
جمع القرآن في عهد النبي (ص)
يظهر أنه لما كان الرسول ﷺ في مكة لم يكن هناك اعتناءٌ ظاهرٌ بتدوين القرآن؛ إذ لم يرد سوى آثارٍ ضعيفة يمكن الاستئناس بها فقط؛ كأثر إسلام عمر بن الخطاب ﵁، وأخذه الصحيفة التي كُتب بها أول سورة طه.
ولما انتقل النبي ﷺ إلى المدينة النبوية، وكان الأمر قد آل إليه، وقد بدأ بتنظيم المجتمع الإسلامي؛ كان مما اعتنى به كتابة القرآن، فكتب ما نزل عليه بمكة، وإذا نزل عليه شيء من القرآن بالمدينة كتبه، وألَّف (جمع) القرآن المكي والمدني على حسب ما أمر به الله جبريل ﵇، وقد كان له في المدينة كتَّابٌ معروفون يدعوهم لكتابة ما ينْزل من القرآن، وكان من أخصِّهم بذلك زيد بن ثابت الأنصاري ﵁.
стр. 142
وقد أخبر زيد ببعض وسائل الكتابة التي كانت في عصر الرسول ﷺ ، ففي الحديث الذي ذكره البخاري (ت٢٥٦هـ) وغيره في جمع أبي بكر ﵁ إشارة إلى ذلك، فقال: «فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُبِ والرِّقاع واللِّخَاف (١)» (٢).
وهذا يدلُّ على أنَّ القرآن لم يكن مجموعاً في مصحفٍ واحدٍ في عهد النبي ﷺ ، بل كان متفرقاً، في مثل هذه الأدوات التي ذكرها زيدٌ ﵁.
وقد كان النبي ﷺ يعتني بكتابة القرآن أيما عناية، وكان يطلب أحد كتبة الوحي إذا نزل عليه القرآن، وهذا مما دلَّت عليه الآثار، مثل ما رواه البخاري بسنده عن البراء ﵁ قال: «لما نزلت: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دعا رسول الله ﷺ زيداً فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾» (٣).
مسألة: لماذا لم يُكتب القرآن ـ في مصحف واحدٍ ـ كاملاً في عهد رسول الله ﷺ ؟
لقد كان من قدر الله أن يتوفَّى نبيه ﷺ ، وأن لا يجمع القرآن في مصحفٍ واحدٍ، وهذا ما يشهد له الواقع التاريخي لكتابة القرآن في عهد النبي ﷺ ، والبحث عن العلل في ذلك ضرب من الاجتهاد الذي يحتمل الصواب والخطأ؛ لأن كل تعليل يمكن أن يُنتقَضَ، ومما ذُكر من الأسباب:
١ - أن الحاجة لم تدع إلى ذلك، ولم يقع ما يوجب العمل بهذا الضبط الكتابي المجموع للقرآن الكريم، بدلالة أنه لو كان مما تحتاج إليه
стр. 143
الأمة آنذاك لوجب العمل فيه؛ إذ لا يجوز ترك ما الأمة بحاجة إليه.
وإذا تأملت واقع الأمة آنذاك، وعلِمت أن الأمية هي الغالبة عليها، وأن الكتبة بالنسبة لغيرهم قليل = ظهر لك عدم وجود الحاجة للكتابة في أمة تعتمد على الحفظ في ضبط تواريخها وأيامها وأخبارها، وغير ذلك، هذا فضلاً عما وقع من تيسير الله لحفظه في الصدور.
٢ - أن الكتابة في المصحف تصلح لشيءٍ قد انتهى واستقرَّ، أما الحال بالنسبة للوحي فلم يكن كذلك، إذ قد ينْزل جزء من السورة، ثم ينْزل الجزء الآخر منها فيما بعد، فيُلحق بها، كما أنه قد ينسخ بعض النازل، فلا يقرأ به، فلو كان مجموعاً في كتاب لتعسَّر ذلك الأمر من جهة الإضافة والإزالة، بخلاف الحال التي هو عليها من كتابته متفرقاً، وحفظهم له في صدورهم.
ومما يحسن التنبه له هنا أن الأصل في القرآن المسموع المحفوظ في الصدور لا المكتوب، والمكتوب إنما هو زيادة ضبط للمقروء فحسب، لذا فإن الاعتناء به من جهة تدوينه ـ ولو مفرقاً ـ زيادة في الضبط وبقاء المحفوظ في الصدور، وليس أمراً مستقلاً، لذا لا يُتصوَّر أن يرجع الصحابة في عهده إلى ما دونوه دون الرجوع إليه (ص)، فالمقروء عليه (ص) هو المقدم فيما لو وقع اختلاف، والله أعلم.
ملامح هذا الجمع:
١ - أنه كان مفرَّقاً في عدد من أدوات الكتابة.
٢ - أن القرآن الذي نقرؤه كله كان مكتوباً في عهد رسول الله ﷺ لم يكن منه شيء غير مكتوب، ثم كُتب بعد ذلك (١).
стр. 144
٣ - أنه قد يوجد من المكتوب ما تُركت تلاوته في العرضة الأخيرة.
وهذا الذي تُرِكت تلاوته في العرضة الأخيرة سيظهر لزيد والصحابة ﵃ فيما بعد عند جمع أبي بكر ﵁.
• المرحلة الثانية *
في عهد أبي بكر ﵁
لقد أبان حديث زيد بن ثابت ﵁ عن أغلب ما يتعلق بجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، فقد أورده الأئمة بأسانيدهم عن زيد بن ثابت ﵁ (١)، ويمكن تلخيص ما جاء في حديثه على النحو الآتي:
стр. 145
١ - سبب الجمع، والذي دعا إليه:
«أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن.
قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟
فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر».
يلاحظ أن الخوف من ذهاب القراء كان سبباً أكيداً في جمع أبي بكر ﵁، وفي هذا إشارة إلى أنَّ ما بين أيديهم من المكتوب لا يعين على حفظ القرآن؛ لأنه غير مجموع، وأن أصل حفظ القرآن إنما هو بالمقروء في الصدور، فعمدوا إلى تقييده مجموعاً مما كُتِب في الرقاع والأكتاف والعُسُب وغيرها، ومما في صدور الرجال الذي كان هو الأسبق والأغلب ....
٢ - الصفات التي أهَّلت زيداً لأن يتولى مهمة الجمع:
«قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبَّعْ القرآن، فاجمَعْه».
стр. 146
ذكر أبو بكر ﵁ المقومات الجسمية والعقلية والعلمية التي يتميز بها زيد بن ثابت ﵁ لأجل أن يضطلع بهذه المهمة، فالشباب له أثره في الحيوية والنشاط، والعقل له دوره في رجحان العمل وصلاحه، وكتابته للوحي بين يدي رسول الله ﷺ لها أثرها في قدرة زيد على معرفة القرآن، وتحقيق نصه بما عند الصحابة من آيات مكتوبة.
ويلاحظ أن أبا بكر ﵁ لم يذكر كونه حضر العرضة الأخيرة، لكنه ذكر ما كان يتميز به من كتابة الوحي، بل كان من أخص الصحابة به.
٣ - مصادر زيد في الجمع:
«فقمت، فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والأكتاف، والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري، لم أجدهما مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ ...﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخرهما».
ملامح هذا الجمع:
١ - أن القصد منه جمع المكتوب المتفرق من القرآن في مصحفٍ واحدٍ.
٢ - أن سبب الجمع يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، والمجموع لن يكون سوى ما ثبتت قرآنيته.
ويؤنس بهذا كون زيدٍ ﵁ هو المسؤول عن هذا الجمع، وهو من أعلم الصحابة بالعرضة الأخيرة، فلأن يكون القصد جمع القرآن الثابت، أقرب من أن يكون جمع كل ما قرئ بين يدي الرسول ﷺ ؛ لأنه لو جُمع كل ما قرئ بين يديه لدخل ما تُرِكت تلاوته.
٣ - أن كثيراً من التفاصيل المتعلقة بطريقة كتابة المصحف، وما فيه من معلومات لم يرد فيها شيء، وما يحكيه العلماء من بعض هذه التفاصيل، فإنه لم يثبت فيها نص صريح البتة؛ كمن يحكي أن في ترتيب السور خلافاً.
стр. 147
والأصل في ذلك ـ والله أعلم ـ أنه لا اختلاف في هذه الأمور، بل إنها كُتِبت كما عهدوه عن النبي ﷺ ، فما كان لهم من أمر القرآن سوى جمعه في مصحف واحدٍ، ثمَّ نسخه في عهد عثمان، والله أعلم.
وقد أخرج البخاري ما يؤنس بأن ما بين الدفتين مما كان من عهد رسول الله ﷺ .
قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس ﵄، فقال له شداد بن معقل: «أَتَرَكَ النبي ﷺ من شيء؟
قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين.
قال: ودخلنا على محمد ابن الحنفية، فسألناه، فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين» (١).
يقول البيهقي: «وأَمَرَ أبو بكر ﵁ بجمع القرآن، ونَقَلَه إلى مصحفٍ، ثم اتخذ عثمان من ذلك المصحف مصاحف، وبعث بها إلى الأمصار، ولم يُعْرَف أنه أُثبت في المصحف الأول، ولا فيما نُسِخَ منه شيء سوى القرآن، فلذلك ينبغي أن يُعمل في كتابة كل مصحف» (٢).
• المرحلة الثالثة *
في عهد عثمان ﵁
كانت هذه المرحلة هي خاتمة مراحل جمع القرآن المعتمد عليه عند المسلمين، ولقد كانت مهمة عثمان تتمثل في نسخ مصحف أبي بكر إلى عدد من المصاحف ليعتمد عليها المسلمون، ولتكون من الموازين التي يعلمون بها صحة ما يُنسب إلى القرآن من حيث أصول حروفه وكلماته وجُمَلِه، إذ قد يصح عن النبي ﷺ قراءاتٍ لكنها مما تُركت في العرضة
стр. 148
الأخيرة، فلم يُقرأ بها، وترك الناس بلا مرجع يرجعون إليه يجعلهم لا يزالون مستمرين في قراءة ما تُركت تلاوته.
ومن أوضح الأمثلة في ذلك ما ثبت عند البخاري وغيره في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل: ٣]، فقد ورد عن علقمة، قال: «دخلت الشأم فصليت ركعتين، فقلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً فرأيت شيخاً مقبلاً، فلما دنا قلت: أرجو أن يكون استجاب.
قال: من أين أنت؟
قلت: من أهل الكوفة.
قال: أفلم يكن فيكم صاحب النعلين والوساد والمطهرة؟ أو لم يكن فيكم الذي أجير من الشيطان؟ أو لم يكن فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟
كيف قرأ ابن أم عبد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١].
فقرأت ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل: ١ - ٣].
قال: أقرأنيها النبي ﷺ فاهُ إلى فِيَّ، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردونني» (١).
فحين ترجع إلى ما نسخه عثمان ﵁ في المصاحف لا تجد هذه القراءة الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، فتعلم حينئذ أنها مما تُركت القراءة به في العرضة الأخيرة، والله أعلم.
عمل عثمان ﵁ في المصحف:
ويمكن استخلاص عمل عثمان من الخبر الذي رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان ﵄ (٢) كالآتي:
стр. 149
١ - سبب الجمع، والذي دعا إليه:
«أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ـ وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان (١) مع أهل العراق ـ فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين؛ أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى».
لم يذكر حذيفة ﵁ مثالاً على هذا الاختلاف الكائن بين القرأة، وقد
стр. 150
يكون الاختلاف كمثل الاختلاف الوارد في الأثر السابق عن علقمة بحذف وإثبات، وقد يكون بإبدال لفظ بلفظ، وقد يكون بطريقة قراءة، كل ذلك جائز أن يكون، والله أعلم.
٢ - أن القصد من هذا العمل نسخ مصاحف من مصحف أبي بكر، الذي هو أصل العمل:
«فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف (١) ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان».
كانت المصاحف عند عمر ﵁، ثم عند حفصة ﵂ بعده، فأخذها عثمان ﵁ بقصد نسخ مصاحف من هذا المصحف، ولم يكن له هدف آخر كالانتخاب منه، كما يذهب إليه بعضهم، حيث يذهب إلى أن عثمان ﵁ ترك المنسوخ من الآيات الواردة في مصحف أبي بكر ﵁، وقد مضى التنبيه على عدم وجود مثل هذه الآيات في مصحفه.
٣ - تكوين لجنة لهذا العمل العظيم:
«فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف».
يلاحظ أنَّ ثلاثة منهم مكيُّون، والرابع مدنيٌّ وهو زيد بن ثابت ﵁، ويلاحظ أنه نصَّ على عملهم، وهو النسخ فحسب.
٤ - المنهج المتبع في الرسم حال الاختلاف:
«وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة».
أرشدهم عثمان ﵁ إلى ما يعملونه حال اختلافهم في رسم كلمة
стр. 151
ما، بدلالة قوله «فاكتبوه»؛ أي: فارسموه بطريقة نطق قريش التي نزل القرآن أول ما نزل بلغتها.
فإن قلت: كيف يختلفون، وأمامهم المصحف ينقلون منه؟
فالجواب: إن زيداً لما كتب المصحف في عهد أبي بكر ﵁ لم يكن معه مثل هذه اللجنة التي يُظَنُّ من اجتماعها على أمر اجتهادي ـ وهو رسم المصحف ـ أن تقع في اختلاف، وهذا يدلُّك على أن رسم المصحف لم يكن إلزاماً؛ لأن بينهم اختلاف تنوعٍ في الكتابة ـ أي: الرسم ـ، وليس هذا بغريب في علم الكتابة البتة، وما رُوي من أنهم اختلفوا في لفظ (التابوت) هل يُكتب بالتاء المفتوحة أو بالتاء المربوطة، فإنه يدل على ذلك النوع من الاختلاف، والله أعلم.
ومن باب الفائدة، فهنا مسألتان متعلقتان بنسخ عثمان ﵁ للمصاحف:
الأولى: أن الأصل في القرآن المسموع المحفوظ في الصدور لا المرسوم:
إن رسم الكلمة بنوع من الرسم لا يمنع من قراءتها بما ثبت، وإن لم يرد بها الرسم، فالمحفوظ في الصدور أصل، والرسم فرع عنه، إذ هو صورة لذلك المحفوظ، ويظهر ذلك من عدد من الأمثلة، منها:
١ - رُسِم في جميع المصاحف لفظ (بضنين) بالضاد أخت الصاد، والقرأة على وجهين فيها بالضاد، وبالظاء التي لم يرد فيها رسم في المصاحف.
٢ - رُسِم في جميع المصاحف لفظ (الصراط) بالصاد، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] بالصاد، والسين، وإشمام الصاد زاياً.
٣ - رسم في جميع المصاحف (لأهب لك)، وقد قرئ بالياء (ليهب).
وينشأ عن هذه المسألة مسألة أخرى، وهي أنَّ الكتبة للمصحف
стр. 152
العثماني لم يقصدوا دائماً استيعاب مرسوم القراءات، ففي أحيانٍ ينشرون اختلاف القراءات في المصاحف كقراءة (وصَّى، وأوصى)، (تجري تحتها، تجري من تحتها)، وفي أحيانٍ أخرى يكتفون برسم واحدٍ فقط، كالأمثلة السابقة (الصراط، بضنين، لأهب).
كما يلاحظ أمر مهم للغاية، وهو أنَّ رسم الكلام في وقت الصحابة كان مجرَّداً من النقط والشكل والضبط، وهذه إنما حدثت بعدهم، فمن يمثل في مسألة كتابتهم بأنهم رسموا في مصحف (فتبينوا) وفي آخر (فتثبتوا) أو في مصحف (ننشرها)، وفي آخر (ننشزها) = فقد أوهم، وغفل عن هذه الحقيقة، وهذا المثال لا يصلح لما ذهب إليه، والله أعلم.
الثانية: أن لمفهوم الأحرف السبعة أثراً في فهم عمل هذه اللجنة:
إن مفهوم الأحرف السبعة له أثر في فهم كيف تمَّ رسم المصحف في عمل الصحابة، فإن جعلت اختلاف الصوتيات الكائن في القراءة من إظهار وإدغام، وفتح وإمالة وروم وإشمام، وما إلى ذلك من الأحرف السبعة، فإنك ستحكم قطعاً بأن شيئاً من الأحرف السبعة لا يمكن كتابته؛ لأنَّ ذلك إنما يتمُّ بالضبط، حيث يصطلح العلماء على الإشارة إلى الإدغام والإمالة والروم والإشمام، وهذا سيكون خارجاً عن رسم المصحف.
وإذا جعلت هذا الاختلاف خارجاً عن مفهوم الأحرف السبعة فإنك يحسن أن تلاحظ أنَّ أي اختلاف يخرج عن الاختلاف في الرسم فلن يكون من الأحرف السبعة إذا أنت قلت: إنه كتب على الأحرف السبعة، أو لم يكتب على الأحرف السبعة، والمقصود: أن الأحرف السبعة لا تؤخذ من رسم المصحف فقط، والله أعلم.
٥ - إلزام الناس بما نُسِخ من مصحف أبي بكر، وأمرهم بتحريق مصاحفهم:
«وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق».
стр. 153
إن هذا الإلزام أمر مهمٌّ للغاية، فهذا القرآن الذي قرأ به رسول الله ﷺ ، وكُتب في عهده، وكانت عليه العرضة الأخيرة، وجمعه أبو بكر ﵁ في مصحف، ثمَّ نسخت منه اللجنة التي اختارها عثمان ﵁، وما عداه فهو مما تُرك في العرضة الأخيرة، ولم يُقرأ به، ومن ذلك عدد لا بأس به من الآيات التي حكى الصحابة أنها كانت مما يُقرأ في عهد النبي ﷺ وبقيت حتى الإلزام بهذا الجمع؛ لأنه ليس كل واحدٍ من الصحابة بلغه ما تُرك من النازل على رسول الله ﷺ ، ولا زال يحفظه ويقرأ به. لكن لما أجمع الصحابة على هذا المصحف، عُلِم أنه هو الذي ثبت في العرضة الأخيرة فحسب، وما عداه مما قد تنقله كتب الآثار يكون مما تُرك لا محالة، والله أعلم.
وهذا الإلزام سيكون حاسماً قاطعاً للخلاف؛ لاتفاق المصدر، فلو خرج شامي وعراقي مرة أخرى، وأثبت كل واحد منهما قراءته بما بعث به عثمان ﵁، فإن الحال هنا إلى أن الصادر عن المدينة مما اتفق عليه الصحابة أنه قرآن بهذا الاختلاف الثابت فيه. أما قبل ذلك فلم يكن لهم مرجع معين، فكلٌّ ينسب القراءة إلى من قرأ عليه من الصحابة، وهم يقرؤون بالثابت والمتروك لعدم علمهم بتركه.
وبهذا يتضِّح خلاف عمل عثمان عن عمل أبي بكر ﵄.
стр. 154
قراءات مقترحة في موضوع: جمع القرآن
• «جمع القرآن في مراحله التاريخية»، للباحث محمد شرعي أبو زيد، وهو موجود على الشبكة العنكبوتية قسم المكتبة الإلكترونية من شبكة التفسير والدراسات القرآنية (tafsir.ne) وغيرها من المواقع.
• وفي شبكة التفسير مجموعة من البحوث المتعلقة بجمع القرآن، وهي من البحوث التي أقامها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية تحت عنوان (عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن وعلومه).
• وهذا الموضوع ـ مع ما كُتِب فيه ـ لا زال بحاجة إلى بحث وتحرير يعتمد على النصوص، ويحلل ما فيها من المعلومات، دون النظر العقلي الظني الذي صار في بعض قضايا هذا الموضوع بدرجة الأمور المسلمات التي يُظنُّ صحتها، أو عدم وجود اختلاف فيها.
بحوث مقترحة في موضوع: جمع القرآن
١ - موقف ابن مسعود ﵁ من (جمع المصحف)، وموقفه من (سورة الفلق والناس) في كونهما من القرآن، وهل يؤثر موقف ابن مسعود ـ لو لم يرجع عنه ـ في جمع القرآن بعد اتفاق الصحابة عليه؟
٢ - كيفية الرد على من أراد الاستفادة من موقف ابن مسعود في الانتقاص من جمع القرآن وتدوينه، وما ظهر من زعمهم الباطل بنقص القرآن.
٣ - تحرير عمل عثمان في المصاحف، وما حصل من حرق
стр. 155
المصاحف، وكيفية بقاء بعض القراءات المنسوبة للصحابة بعد هذا الحرق، وأثر هذه القراءات المنسوبة لهم علميّاً.
• ومن البحوث التي تتعلق بحفظه في الصدور:
١ - جمع الآيات المتعلقة بقراءته وحفظه، ودراستها دراسة تحليلية.
٢ - دراسة حال الصحابة المعتنين بالقراءة (قراء الصحابة)، ومعرفة سيرهم المتعلقة بقراءة القرآن وحفظه؛ كالصحابة الذين كانوا في (سَرِيَّة القُرَّاء) وغيرهم من الصحابة المعتنين بالقرآن.
٣ - جمع الأحاديث المتعلقة بقراءة القرآن وحفظه، ودراستها دراسة تحليلية، واستنباط ما فيها من الفوائد.
стр. 156
الباب الثالث
علوم السور
الفصل الأول: أسماء السور.
الفصل الثاني: عدد آي السور.
الفصل الثالث: فضائل السور.
الفصل الرابع: ترتيب السور.
الفصل الخامس: موضوعات السور ومقاصدها.
стр. 157
علوم السور
يعتبر هذا الموضوع (علوم السور) من الموضوعات الفريدة، حيث إن جمع الموضوعات المتعلقة بالسورة تحت هذا العنوان ... والنظر إلى السورة باعتبارها وحدة متكاملة يرتبط بها بعض المعلومات التي قد لا تتعلق بعلوم الآيات مما لم يُسبق إليه هذا المنهج الذي بين يديك، وإن كانت موضوعاته موجودة متفرقة في كتب علوم القرآن، ومن هذه المعلومات: (أسماء السور، وعدد آي السور، وفضائل السور، وترتيب السور، موضوعات السور، مقاصد السور)، وسأتكلم عن كل فقرة منها بإيجاز، وأذكر بعض ما يتعلق بهذه الموضوعات إجمالاً.
стр. 158
الفصل الأول
أسماء السُّور
стр. 159
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
موضوع (أسماء السور) يرتبط بالمكي والمدني من جهة أن من يحكي السور المكية والمدنية يذكر اسم السورة.
وله ارتباط بموضوع (فضائل السور)؛ لأن الفضيلة إذا ذُكرت ذُكر معها اسم السورة لا محالة.
وله ارتباط بموضوع (أسباب النُّزول) إذا كان سبب النزول يتعلق بسورة؛ فإن ذاكر السبب يذكر اسم السورة.
стр. 160
أسماء السُّور
يظهر أن تسمية السور كان قديماً جدّاً، حيث كان مع بدايات النُّزول، فالتسمية كانت مكية المنشأ؛ لأن الصحابة المكيين قد رووا أحاديث كثيرة فيها أسماء للسور، ومن ذلك حديث جعفر الطيار ﵁ مع النجاشي ملك الحبشة، حيث قرأ عليه سورة مريم.
والمقصود من التسمية تمييز المسمى عمن يشابهه، ويمكن تقسيم التسميات ـ من حيث المسمِّي ـ إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما ثبت عن النبي ﷺ ، وهذا كثير، ومن أمثلته:
١ - ما رواه مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه.
اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان ـ أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف ـ تُحَاجَّان عن أصحابهما.
اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة (١)» (٢).
٢ - وما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم» (٣).
стр. 161
القسم الثاني: ما ثبتت تسميته عن الصحابي، ومثال ذلك ما رواه البخاري بسنده عن سعيد بن جبير قال: «قلت لابن عباس ﵄: سورة الحشر. قال: قل: سورة بني النضير» (١).
القسم الثالث: تسمية من دون الصحابي إلى وقتنا هذا، وغالب تسمياتهم تأتي حكاية لبداية السورة؛ كقولهم: سورة (أرأيت)، سورة (لم يكن)، وهكذا؛ حيث إنه لم يرد النهي عن تسمية السور بأسماء تدلُّ عليها، وعلى هذا مضى السلف والخلف، حتى صار ما رأيتَ من تسمية السورة بحكاية أولها، وذلك هو الغالب على الكتاتيب، ودور تحفيظ القرآن الكريم.
ومما يحسن عِلْمُه في هذا الموضوع ما يأتي:
١ - أن بعض السور لها أكثر من اسمٍ، وهي إما أن تكون مما أُخِذَ عن الصحابة، أو يكون شيءٌ منها مما ثبت عنهم أو عن النبي ﷺ ، ثم اشتهر عند المتأخرين اسم آخر.
٢ - أن تسميات السور لها علاقة بشيء مذكور في السورة، وهي على أقسام:
• منها ما يكون موضوعه مذكوراً في السورة؛ كسورة (التوبة)؛ سُمِّيت بهذا الاسم لورود موضوع التوبة على النبي ﷺ والذين معه والذين خُلِّفوا، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨].
• ومنها ما يكون لفظ الاسم وارداً فيها، وعلى هذا أغلب التسميات؛
стр. 162
كتسمية سورة (التوبة) بسورة (براءة)؛ لأنَّ افتتاحها بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].
• ومنها ما يكون حكاية لمطلع السورة، وهو على قسمين:
الأول: أن يكون حكاية لألفاظ أول السورة بنصِّها؛ كقولهم: سورة قل هو الله أحد.
الثاني: أن يُشتق اسم من ألفاظ أول السورة؛ كقولهم: سورة الزلزلة.
٣ - أن بعض السور التي تعددت أسماؤها قد يكون بسبب من الأسباب المذكورة في الفقرة السابقة، وقد تكون واردة عن النبي ﷺ ، وقد تكون واردة عن الصحابة، وقد تكون عمن دونهم.
ومن الوارد عن النبي ﷺ ما سبق في تسمية الفاتحة، حيث قال ﷺ : «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم»، وهي تُسمَّى بهذه الأسماء الثلاثة.
وهذا التعدد في الأسماء يرجع إلى ذات واحدة، لكن كل اسم فيها يحمل من الصفة ما لا يحمله الاسم الآخر، وهذا هو سبب تعدد المسميات للشيء الواحد، والله أعلم.
ومن الوارد عن الصحابة، ما رواه مسلم بسنده عن سعيد بن جبير: «قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: آلتوبة؟! قال: بل هي (الفاضحة) ما زالت تنْزل (ومنهم، ومنهم) حتى ظنوا أن لا يبقى منهم أحد إلا ذُكِرَ فيها.
قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: تلك سورة بدر.
قال: قلت: فالحشر؟ قال: نزلت في بني النضير» (١).
ولا شكَّ أن المتأمل في أسماء السور يجد لطائف من العلم، وتبرز له استفسارات تدعوه إلى البحث، فعلى سبيل المثال: لِمَ سُمِّيت سورة النمل بهذا الاسم، ولم تُسمَّ بسورة سليمان، وهو نبي عظيم من أنبياء بني إسرائيل؟!
стр. 163
ومثل هذا النظر مدعاة للتدبر في أسماء السور، لكن لا يخفاك أنه قد لا يخلو من تكلف، والله أعلم.
• * *
стр. 164
قراءات مقترحة في موضوع: أسماء السور
١ - «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور»، للبقاعي (ت٨٨٥هـ).
٢ - «التحرير والتنوير»، للطاهر بن عاشور (ت١٣٩٣هـ)، حيث يذكر عند مقدمة كل سورة اسم السورة أو أسماءها إن كان لها أكثر من اسم.
٣ - «أسماء سور القرآن وفضائلها»، رسالة جامعية للدكتورة منيرة محمد ناصر الدوسري، وهي مطبوعة.
• ومما يلاحظ أن معرفة ما سُمِّيت به السورة يمكن الرجوع فيه إلى المصادر الآتية:
• الأحاديث النبوية التي يرد فيها أسماء للسور.
• الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين وأتباعهم، خصوصاً ما ورد في ذكر السور المكية والمدنية.
• المصاحف العتيقة، حيث يُذكر فيها أسماء للسور.
• كتب الأحاديث المسندة، حيث يرد فيها تسميات كثيرة للسور.
• تفاسير العلماء، حيث يقدمون السورة بقولهم: تفسير سورة كذا.
ويمكن القيام بعمل إحصاء وجدولة لهذه الأسماء من خلال هذه المراجع وغيرها.
بحوث مقترحة في موضوع: أسماء السور
١ - تحرير التسميات، وجمع النصوص النبوية الصريحة في تسمية السور مباشرة دون صيغة (السورة التي يُذكر فيها كذا) التي اعتمدها بعض العلماء، فقد ذكر البيهقي بسنده عن ابن عمر ﵄ قال: «لا تقولوا سورة البقرة ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة».
стр. 165
ثم ذكر بسنده من طريق البخاري بسنده عن الأعمش قال: «سمعت الحجاج يقول على المنبر: السورة التي يُذكر فيها البقرة، والسورة التي يُذكر فيها آل عمران، والسورة التي يُذكر فيها النساء.
قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة فاستبطن الوادي، حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، فرمى سبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: ها هنا ـ والذي لا إله غيره ـ قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» (١).
٢ - العناية بمناسبة التسميات مع موضوع السورة، خصوصاً إذا كان المسمي لها رسول الله ﷺ ؛ فما ورد عن النبي ﷺ من أسماء فإنه يحتاج إلى عناية ودراسة بخلاف غيره من الأقسام؛ لأنَّ المسميَ هو الشارعُ، والشارعُ لا يصدر عنه إلا ما يوافق الحكمة، فالبحث عن الحكمة في مثل هذا الموضوع من البحوث المطلوبة، مع ما يعتورها من الغموض، والله الموفق.
٣ - هل كان من تميُّز القرآن عن الكتب السابقة تسمية سوره؟
٤ - علاقة تسمية السورة بالمقصد الأساس للسورة.
стр. 166
الفصل الثاني
عدد آي السور
стр. 167
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
يرتبط عد آي السور بموضوع (الفاصلة القرآنية)، وعد الآي يعتمد على معرفة رأس الآية.
كما أن له علاقة بعلم (الوقف والابتداء) في حكم الوقف على رأس الآية.
وله تعلق بعلم (القراءات) من حيث حكم إمالة بعض الكلمات إذا كانت رأس آية عند من يميل من القراء.
كما أن له تعلقاً بعلم (إعجاز القرآن)؛ لأن الوقف على رأس الآية مقصد من مقاصد المتكلم بالقرآن، وذلك ما سترد الإشارة إليه في هذا الموضوع.
стр. 168
عدد آي السور
يمكن القول بأن هذا النوع من أنواع علوم القرآن قد أشار إليه القرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، فقد أخرج البخاري بسنده عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: «مَرَّ بي النبي ﷺ وأنا أصلي فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيت، فقال: ما منعك أن تأتي؟!
فقلت: كنت أصلي.
فقال: ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟ ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد، فذهب النبي ﷺ ليخرج من المسجد، فذكَّرته، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» (١).
فقوله: هي السبع؛ لأن آياتها سبعٌ.
وقوله: المثاني؛ لأنها تُثنَّى (أي: تكرر) في كل ركعة.
وأما الوارد في السنة النبوية مما يتعلق بعدِّ الآي، ففيه جملة من الأحاديث، منها:
١ - ما روى مسلم بسنده عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» (٢).
стр. 169
٢ - وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن سورة من القرآن ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي تبارك الذي بيده الملك» (١).
ومن آثار الصحابة:
١ - ما رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن عباس ﵄: أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين ﵂ وهي خالته ـ قال: فاضطجعت على عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول الله ﷺ ، فجلس، فمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر آيات خواتيم سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي ...» الحديث (٢).
٢ - وروى مسلم في حديث عائشة ﵂ عن حادثة الإفك أنها قالت: «فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] عشر آيات، فأنزل الله هؤلاء الآيات براءتي» (٣).
ولقد كانوا يعتمدون على عدد الآي في حساب بعض أمورهم المتعلقة بالصلاة، ومن ذلك ما أورده مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك» (٤).
وهذه الآثار تدل على أمور:
١ - أن لهذا العلم أصلاً في سنة النبي ﷺ .
стр. 170
٢ - أن الصحابة ﵃ كانوا يتعاملون به في تقدير زمن بعض الأمور المتعلقة بتوقيت الصلاة.
الأمصار التي يُنسبُ إليها العدُّ:
ينسب العدُّ إلى المدينة ومكة والشام والبصرة والكوفة، وفي ذلك تفصيل، وهذا ملخص ما ذكره الداني (ت٤٤٤هـ) في كتابه «البيان في عدِّ آي القرآن» (١):
١ - العد المدني الأول: قال الداني (ت٤٤٤هـ): «فأما عدد أهل المدينة الأول، فرواه أهل الكوفة عنهم، ولم ينسبوه إلى أحد منهم بعينه، ولا أسندوه إليه، بل أوقفوه على جماعتهم.
وقد رواه نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ، عن أبي جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن نصاح، وهو الذي كان يعد به القدماء من أصحاب نافع. ورواه عامة المصريين عن عثمان بن سعيد ورش عنه، ودونوه، وأخذوا به».
٢ - العد المدني الأخير: قال الداني (ت٤٤٤هـ): «وأما عدد أهل المدينة الأخير، فرواه إسماعيل بن جعفر وعيسى بن مينا قالون المدنيان، عن سليمان بن مسلم بن جمَّاز، عن أبي جعفر وشيبة موقوفاً عليهما، وهو ينسب إلى إسماعيل ...».
٣ - العد المكي: قال الداني (ت٤٤٤هـ): «وأما عدد أهل مكة، فرواه عبد الله بن كثير القارئ، عن مجاهد بن جبر، عن عبد الله بن عباس، عن أُبي بن كعب موقوفاً عليه».
٤ - العد الكوفي: قال الداني (ت٤٤٤هـ): «وأما عدد أهل الكوفة، فرواه حمزة الزيات، عن ابن أبي ليلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعاً، ورواه عن حمزةَ الكسائيُّ وسليمُ بن عيسى وغيرهما».
стр. 171
٥ - العد البصري: قال الداني (ت٤٤٤هـ): «وأما عدد أهل البصرة، فرواه المعلى بن عيسى الوراق وهيصم بن الشداخ وشهاب بن شُرْنفة، عن عاصم بن أبي الصباح الجحدري موقوفاً عليه».
٦ - العد الشامي: قال الداني (ت٤٤٤هـ): «وأما عدد أهل الشام، فرواه أيوب بن تميم القارئ، عن يحيى بن الحارث الذماري موقوفاً عليه، وبعضهم يوقفه على عبد الله بن عامر اليحصبي القارئ».
قال الداني (ت٤٤٤هـ): «وهذه الأعداد؛ وإن كانت موقوفة على هؤلاء الأئمة، فإن لها لا شكَّ مادة تتصل بها، وإن لم نعلمها من طريق الرواية والتوقيف كعلمنا بمادة الحروف والاختلاف؛ إذ كان كل واحد منهم قد لَقِيَ غير واحد من الصحابة وشاهده وأخذ عنه وسمع منه، أو لَقِيَ من لَقِيَ الصحابة؛ مع أنهم لم يكونوا أهل رأي واختراع، بل كانوا أهل تمسك واتباع».
الاختلاف في عدِّ الآي:
إنَّ الأصل في هذا العلم النقل، بل هو توقيف من الرسول ﷺ ، ولا يمكن لأحدٍ أن يخترع موقِفاً يجعله رأس آية.
فإن قلت: ألا يوجد اختلاف بين العلماء في عدِّ الآي؟
فالجواب: نعم، ويمكن تقسيم السور من حيث الاتفاق والاختلاف إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: لم يختلف فيه لا في إجمال ولا في تفصيل، وهو أربعون سورة: يوسف مائة وإحدى عشرة، الحجر تسع وتسعون، النحل مائة وثمانية وعشرون، الفرقان سبع وسبعون، الأحزاب ثلاثة وسبعون، الفتح تسع وعشرون، الحجرات والتغابن ثمان عشرة، ق خمس وأربعون، الذاريات ستون، القمر خمس وخمسون، الحشر أربع وعشرون، الممتحنة ثلاث عشرة، الصف أربع عشرة، الجمعة والمنافقون والضحى والعاديات إحدى عشرة، التحريم اثنتا عشرة، ن اثنتان وخمسون، الإنسان إحدى وثلاثون،
стр. 172
المرسلات خمسون، التكوير تسع وعشرون، الانفطار وسبح تسع عشرة، التطفيف ست وثلاثون، البروج اثنتان وعشرون، الغاشية ست وعشرون، البلد عشرون، الليل إحدى وعشرون، ألم نشرح والتين وألهاكم ثمان، الهمزة تسع، الفيل والفلق وتبت خمس، الكافرون ست، الكوثر والنصر ثلاث.
القسم الثاني: ما اختلف فيه تفصيلاً (موطن الآي) لا إجمالاً (عدد الآي جملة)، وهو أربع سور:
١ - سورة القصص اتفقوا على عدها ثمان وثمانين آية، وعدَّ أهل الكوفة ﴿طسم﴾ آية، والباقون لم يعدوها، وعدُّوا بدلها ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾.
٢ - العنكبوت اتفقوا على عدِّها تسعاً وستين آية، وعدَّ أهل الكوفة ﴿الم﴾، وأهل البصرة بدلها ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وأهل الشام بدلها ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾.
٣ - سورة الجن اتفقوا على عدِّها ثمان وعشرين آية، وعدَّ المكي ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾، وعدَّ الباقون بدلها ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.
٤ - سورة العصر اتفقوا على عدِّها ثلاث آيات، وعدَّ المدني الأخير ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ دون ﴿وَالْعَصْرِ﴾، وعكس الباقون.
القسم الثالث: ما اختلف فيه إجمالاً وتفصيلاً، وهو بقية السُّور (سبعون سورة) (١).
وهذا الاختلاف كما ترى، إنما هو في موضع رأس الآية، وليس في زيادةِ آية أو نقصها، فجملة ما نزل به القرآن لم يقع فيه خلاف، وإنما وقع في تحديد رأس الآية، فمن جعل سورة الإسراء ـ مثلاً ـ مائة وعشر آيات، أو مائة وإحدى عشر، لم ينقص الأول في مقدار النازل، ولم يزِد الثاني فيه، وإنما اختلفوا في موطن رأس الآي فقط.
стр. 173
وإذا كان الأمر كذلك فهو هيِّنٌ، والخلاف فيه محتملٌ مقبولٌ؛ لأنه لا أثر له في أصل القرآن، وإنما سيقع أثره في بعض المعلومات المتعلقة بهذا المبحث، كما سيأتي.
وقد اجتهد العلماء في تخريج هذا الاختلاف، مع أن الأصل أنه متلقى عن رسول الله ﷺ ، ومن إجاباتهم:
١ - أنه يجوز أن يكون متلقَّى بهذا الاختلاف من رسول الله ﷺ ، وذلك من باب اختلاف التنوع؛ لأنَّ هذا النوع من الاختلاف لا أثر له في أصل القرآن.
٢ - وجائزٌ أن الرسول ﷺ كان يقرأ الآيات بطريقة تُشعرهم بانتهائها، فكانوا يجتهدون في العدِّ، وقد يقع بينهم خلاف في ذلك شأن سائر اجتهاداتهم في النصوص.
وسواءٌ أصَحَّتْ هذه التخريجات أم لم تصحَّ، فإنه ـ كما سبق ـ لا أثر لهذا الاختلاف في جملة آي القرآن من جهة الزيادة والنقص، والله أعلم.
الآثار العلمية المترتبة على الاختلاف في العدِّ:
إذا تأمَّلت الاختلاف في موطن رأس الآية، وفتَّشت عن الأثر العلمي للاختلاف فيه، فإنه سيظهر لك ارتباطه بعدد من المسائل العلمية ومنها:
أولاً: أن الوقف على رأس الآية سنة عند بعض العلماء، ومعرفة مكانه يعين على تطبيق هذه السنة، وباختلاف العدِّ يختلف موطن الوقف على رأس الآية، فلو كنت تقرأ سورة العصر وأنت تتبع الجمهور في العدَّ، فستقرأ هكذا:
﴿وَالْعَصْرِ﴾، ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
ولو كنت تقرأ على مذهب العدِّ المدني الأخير، فإنك ستقرأ هكذا: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
стр. 174
وبهذا ترى أنه يختلف رأس الآية بين العادِّين، وفي كل حالٍ ـ إذا كنت ممن يرى أن الوقف على رأس الآي سنة ـ فإنك تكون قد وقفت وقف السنة على الوجهين عند أهل العدِّ.
ثانياً: أن من وجوه القراءة الإمالة لبعض الألفاظ التي تقع رأس آية، فإذا كانت اللفظة الممالة رأس آية في عدٍّ ما جازت الإمالة، وإن لم تكن رأس آية لم تَجُزِ الإمالة.
ثالثاً: أن لها تعلُّقاً ببلاغة القرآن، حيث إنَّ الوقف على رأس الآية ـ ولو كان ما بعدها متعلقاً بها من جهة المعنى ـ مقصدٌ من مقاصد المتكلِّم، وإلا فما فائدة رأس الآية، لذا فإنَّ من يقف على رؤوس الآي التي تتعلق بما بعدها، فإنه يستجلب ذهنك للتفكير والتدبر في هذه الجملة التي انقطع فيها المبتدأ عن الخبر، وشبه الجملة عن مُتَعَلَّقِهِ ... إلخ.
وجرِّب اتباع الوقف على رؤوس الآي في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ *إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ *فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ *ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ *مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ *ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٥].
يقول الطاهر بن عاشور (ت١٣٩٣هـ): «واعلم أن هذه الفواصل من جملة المقصود من الإعجاز؛ لأنها ترجع إلى محسنات الكلام، وهي من جانب فصاحة الكلام، فمن الغرض البلاغي الوقوفُ عند الفواصل؛ لتقع في الأسماع، فتتأثر نفوس السامعين بمحاسن ذلك التماثل؛ كما تتأثر بالقوافي في الشعر، وبالأسجاع في الكلام المسجوع.
فإن قوله تعالى: ﴿إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ آية ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ آية ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ آية ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآيات. فقوله: ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ متصل
стр. 175
بقوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾، وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ متصل بقوله: ﴿تُشْرِكُونَ﴾، وينبغي الوقف عند نهاية كل آية منها.
وقوله تعالى: ﴿وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ آية، وقوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ ابتداء الآية بعدها في سورة هود.
ألا ترى أن من الإضاعة لدقائق الشِّعرِ أن يلقيه ملقيه على مسامع الناس دون وقف عند قوافيه، فإن ذلك إضاعة لجهود الشعراء، وتغطية على محاسن الشعر، وإلحاق للشعر بالنَّثر.
وأن إلقاء السجع دون وقوف عند أسجاعه هو كذلك لا محالة.
ومن السذاجة أن ينصرف مُلقِي الكلام عن محافظة هذه الدقائق، فيكون مضيعاً لأمر نفيس أجهد فيه قائله نفسه وعنايته.
والعلَّةُ بأنه يريد أن يبين للسامعين معاني الكلام = فضولٌ، فإن البيان وظيفة ملقي الدرس، لا وظيفة منشد الشعر، ولو كان هو الشاعر نفسه» (١).
• * *
стр. 176
قراءات مقترحة في موضوع: عدِّ الآي
١ - «البيان في عد آي القرآن»، لأبي عمرو الداني (ت٤٤٤هـ).
٢ - «الفرائد الحسان في عد آي القرآن»، لعبد الفتاح القاضي (ت١٤٠٣هـ).
بحوث مقترحة في موضوع: عدِّ الآي
هذا الموضوع من العلوم التي يندر التطبيق عليها، بل يُكتفى بذكر مواطن الاختلاف، ونسب كل عدٍّ إلى أصحابه، وذلك علم لا مقنع فيه لو وقف على هذا الوضع. ومن البحوث التي يمكن أن تفترع في هذا الموضوع:
١ - علاقة الفاصلة برأس الآية وأثر ذلك في البلاغة القرآنية وإعجاز نظمه.
٢ - رؤوس الآيات التي تتعلق بما بعدها من جهة اللفظ؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ﴾ [سورة هود: ٥٤ - ٥٥] جمع ودراسة من خلال الاختلاف في عد الآي، وأثره على الوقف والابتداء.
٣ - محاولة الوقوف على العلة الصحيحة الدالة على موجب الاختلاف في عد الآي بين العلماء، حيث إن ما ذكروه من علل لا يكاد يسلم.
стр. 177
الفصل الثالث
فضائل السور
стр. 178
إن التفضيل بين السور والآيات يحتاج إلى النقل المحضِ؛ فلا يصلح في هذا الباب الاجتهاد. ولقد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على فضائل لبعض السُّورِ، وذلك إما بذكر أجرٍ يترتب على قراءتها، وإما بقصد قراءتها في وقت معيَّنٍ، وإما ببيان أثرها الحسي والمعنوي على المسلم.
والملاحظ أنَّ السورَ التي ورد فيها فضائل أقلُّ من السور التي لم يرد فيها فضائل، وبما أن الأصل في التفضيل النقل عن النبي ﷺ ؛ فإنه يحرم الكذب فيها كما حصل من بعض الزهاد الذين أرادوا الترغيب بالقرآن فاعتمدوا الكذب في هذا الباب، والعياذ بالله.
وممن اشتهر بالكذب في هذا الباب نوح بن أبي مريم المعروف بنوح الجامع (ت١٧٣هـ)، وميسرة بن عبد ربه. قال السيوطي (ت٩١١هـ): «أما الحديث الطويل في فضائل القرآن سورة سورة، فإنه موضوع، كما أخرج الحاكم في المدخل بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة الجامع: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة.
وروى ابن حبان في مقدمة تاريخ الضعفاء عن ابن مهدي قال: «قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث (من قرأ كذا فله كذا)؟
قال: وضعتها أرغِّب الناس فيها» (١).
стр. 179
فمن السُّور التي رُتِّب الأجر على قراءتها سورة الإخلاص، فقد روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري: «أن رجلاً سمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له ـ وكأن الرجلَ يتقالُّها ـ فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» (١).
ومن السور التي كان يقصد قراءتها في مواطن معيَّنة: سورة الكافرون وسورة الإخلاص، فقد ورد أنه يقرؤها في المواطن الآتية:
стр. 180
الكافرون في ثانية الشفع (١)، وأول ركعة من سنة الفجر (٢) وسنة الطواف (٣).
الإخلاص في الوتر (٤)، وفي ثاني ركعة من سنة الفجر (٥) والطواف (٦).
ومن السور التي لها أثر حسي ومعنوي، سورة الفاتحة، بدلالة ما رواه البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلُدِغَ سيِّدُ ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدِغَ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله، إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة.
قال: فأوفَوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا.