قراءات مقترحة في موضوع: عدِّ الآي
١ - «البيان في عد آي القرآن»، لأبي عمرو الداني (ت٤٤٤هـ).
٢ - «الفرائد الحسان في عد آي القرآن»، لعبد الفتاح القاضي (ت١٤٠٣هـ).
بحوث مقترحة في موضوع: عدِّ الآي
هذا الموضوع من العلوم التي يندر التطبيق عليها، بل يُكتفى بذكر مواطن الاختلاف، ونسب كل عدٍّ إلى أصحابه، وذلك علم لا مقنع فيه لو وقف على هذا الوضع. ومن البحوث التي يمكن أن تفترع في هذا الموضوع:
١ - علاقة الفاصلة برأس الآية وأثر ذلك في البلاغة القرآنية وإعجاز نظمه.
٢ - رؤوس الآيات التي تتعلق بما بعدها من جهة اللفظ؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ﴾ [سورة هود: ٥٤ - ٥٥] جمع ودراسة من خلال الاختلاف في عد الآي، وأثره على الوقف والابتداء.
٣ - محاولة الوقوف على العلة الصحيحة الدالة على موجب الاختلاف في عد الآي بين العلماء، حيث إن ما ذكروه من علل لا يكاد يسلم.
стр. 177
الفصل الثالث
فضائل السور
стр. 178
إن التفضيل بين السور والآيات يحتاج إلى النقل المحضِ؛ فلا يصلح في هذا الباب الاجتهاد. ولقد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على فضائل لبعض السُّورِ، وذلك إما بذكر أجرٍ يترتب على قراءتها، وإما بقصد قراءتها في وقت معيَّنٍ، وإما ببيان أثرها الحسي والمعنوي على المسلم.
والملاحظ أنَّ السورَ التي ورد فيها فضائل أقلُّ من السور التي لم يرد فيها فضائل، وبما أن الأصل في التفضيل النقل عن النبي ﷺ ؛ فإنه يحرم الكذب فيها كما حصل من بعض الزهاد الذين أرادوا الترغيب بالقرآن فاعتمدوا الكذب في هذا الباب، والعياذ بالله.
وممن اشتهر بالكذب في هذا الباب نوح بن أبي مريم المعروف بنوح الجامع (ت١٧٣هـ)، وميسرة بن عبد ربه. قال السيوطي (ت٩١١هـ): «أما الحديث الطويل في فضائل القرآن سورة سورة، فإنه موضوع، كما أخرج الحاكم في المدخل بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة الجامع: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة.
وروى ابن حبان في مقدمة تاريخ الضعفاء عن ابن مهدي قال: «قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث (من قرأ كذا فله كذا)؟
قال: وضعتها أرغِّب الناس فيها» (١).
стр. 179
فمن السُّور التي رُتِّب الأجر على قراءتها سورة الإخلاص، فقد روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري: «أن رجلاً سمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له ـ وكأن الرجلَ يتقالُّها ـ فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» (١).
ومن السور التي كان يقصد قراءتها في مواطن معيَّنة: سورة الكافرون وسورة الإخلاص، فقد ورد أنه يقرؤها في المواطن الآتية:
стр. 180
الكافرون في ثانية الشفع (١)، وأول ركعة من سنة الفجر (٢) وسنة الطواف (٣).
الإخلاص في الوتر (٤)، وفي ثاني ركعة من سنة الفجر (٥) والطواف (٦).
ومن السور التي لها أثر حسي ومعنوي، سورة الفاتحة، بدلالة ما رواه البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلُدِغَ سيِّدُ ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدِغَ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله، إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة.
قال: فأوفَوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا.
стр. 181
فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ ، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ ، فذكروا له فقال: وما يدريك أنها رقية، ثم قال: قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهماً، فضحك رسول الله ﷺ » (١).
• * *
стр. 182
قراءات مقترحة في موضوع: فضائل السور
١ - «فضائل القرآن»، لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت٢٢٤هـ)، وهو من أنفس كتب فضائل القرآن، وفيه تعليقات مهمة لأبي عبيد (ت٢٢٤هـ) كما هي عادته في كتبه، فهو ليس كتاب رواية فقط، بل يجتهد أبو عبيد (ت٢٢٤هـ) في إبداء رأيه في بعض المسائل.
والحديث عن (فضائل القرآن)، يشمل الحديث عن فضله على وجه العموم، وعن فضل بعض سوره، وعن فضل بعض آياته، ويدخل فيه الحديث عن (تفاضل القرآن)، وهي مسألة: هل القرآن بعضه أفضل من بعض؟
٢ - «فضائل القرآن»، لأبي عبد الله محمد بن أيوب المعروف بابن الضريس (ت٢٩٤هـ)، وهو كتاب رواية.
٣ - «فضائل القرآن»، لأبي بكر جعفر بن محمد المعروف بالفريابي (ت٣٠١هـ)، وهو كتاب رواية.
٤ - «فضائل القرآن»، لأحمد بن شعيب، المعروف بالنسائي، صاحب السنن (ت٣٠٣هـ)، وهو كتاب رواية.
٥ - «فضائل القرآن»، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير (ت٧٧٤هـ)، وهو شرح لكتاب الفضائل من صحيح البخاري (ت٢٥٦هـ)، وهذا الكتاب من أنفس كتب الفضائل لما فيه من التحرير والترجيح، وبيان المسائل العلمية المتعلقة بالفضائل.
٦ - «فضائل القرآن الكريم وحملته في السنة المطهرة»، لمحمد موسى نصر، وهو كتاب يصلح لطلاب حلقات تحفيظ القرآن الكريم، إذ يمكن أن يقوموا بمدارسة ما فيه من الأحاديث وفوائدها التي ذكرها المؤلف.
стр. 183
٧ - «موسوعة فضائل سور وآيات القرآن»، للشيخ محمد بن رزق الطرهوني، وهي من أوسع الموسوعات فيما يتعلق بفضائل السور والآيات، وقد جعلها المؤلف على قسمين: قسم الفضائل الصحيحة (وقد طبع في مجلدين)، وقسم الفضائل الضعيفة (لم يطبع إلى تاريخه).
٨ - «فضل القرآن الكريم»، رسالة ماجستير مقدمة لقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قدَّمها الباحث عبد السلام بن صالح الجار الله.
стр. 184
الفصل الرابع
ترتيب السور
стр. 185
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى
يرتبط (ترتيب السور) بعلم (جمع القرآن)، حيث يقع الحديث عن ترتيب السور في جمع الرسول ﷺ ، ثم في جمع أبي بكر ﵁، ثم في نسخ عثمان ﵁ للمصاحف.
وينشأ عنه موضوع (تناسب السور)، فالذي يذهب إلى أن الترتيب توقيفي، فإنه يبحث عن حكمة هذا الترتيب، والحكمة موجودة قطعاً، لكن لا يلزم أن كل ما يقال من أسرار الترتيب أنه هو الحكمة المعنية؛ لأن التكلُّف يدخل علم المناسبات، ووجود التكلف لا يلزم منه عدم البحث عن المناسبة.
стр. 186
ترتيب السور
لم يقع خلاف بين الأمة في أن ترتيب الآيات كان بتوقيف من النبي ﷺ ، إذ كان يقرؤه على الصحابة ليل نهار، ولم يُسمع من أحدهم أنه خالفَ في ترتيب آية من الآيات.
أما مسألة ترتيب السور فقد وقع فيها خلاف؛ هل كان بتوقيف من النبي ﷺ أم باجتهاد من الصحابة؟ وبعض العلماء يجعل الخلاف على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه بتوقيف من النبي ﷺ .
الثاني: أن الترتيب باجتهاد الصحابة.
الثالث: من يرى أن بعضه توقيفي وبعضه اجتهادي.
وهي تؤول ـ في النهاية ـ إلى قولين: التوقيف والاجتهاد، ولكل قول وجه معتبرٌ، وحظٌّ من النظر.
والخلاف بين هذين القولين قويٌّ جدّاً، والذي يترجَّح ـ والله أعلم ـ القول الأول لأمورٍ؛ منها:
١ - أنه قد ثبت في أحاديث عديدة ذكر سور القرآن المتوالية حسب ترتيب المصحف، ولم يرد خلاف ذلك إلا في حديث واحد، وله دلالة لا تخالف كون الترتيب توقيفياً كما سيأتي.
ومن الأحاديث المرتبة للسور ما رواه مسلم بسنده عن أبي أُمامة الباهلي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه.
اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة
стр. 187
كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف = تحاجان عن أصحابهما.
اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» (١).
ومما ورد عن الصحابة ما ورد عن ابن مسعود ﵁، قال: «بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأول، وهن من تلادي» (٢).
وفيما ثبت دلالة على ما بقيَ؛ إذ يبعد أن يرتب الرسول ﷺ بعضها ويترك بعضاً بلا سبب واضح، ففيما ثبت دلالة على ما لم يُذكر ترتيبه.
٢ - روى أبو داود الطيالسي وغيره بأسانيدهم عن عبد الله بن أوس بن حذيفة الثقفي عن جده أوس قال: قدمنا وفد ثقيف على النبي ﷺ فنَزل الأحلافيون على المغيرة بن شعبة، وأنزل المالكيين قبته. قال: وكان رسول الله ﷺ يأتينا فيحدثنا بعد العشاء الآخرة حتى يراوح بين قدميه من طول القيام، فكان أكثر ما يحدثنا اشتكاء قريش؛ يقول: كنا بمكة مستذلين مستضعفين فلما قدمنا المدينة انتصفنا من القوم فكانت سجال الحرب علينا ولنا، فاحتبس عنا ليلة عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، ثم أتانا، فقلنا: يا رسول الله احتبست عنا الليلة عن الوقت الذي كنت تأتينا فيه.
فقال رسول الله ﷺ : «إنه طرأ عليَّ حِزبي من القرآن فأحببت أن لا أخرج حتى أقرأه، أو قال أقضيه».
قال: «فلما أصبحنا سألنا أصحاب رسول الله ﷺ عن أحزاب القرآن كيف تحزبونه فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة وحزب المفصل» (٣).
стр. 188
٣ - أن تقسيم سور القرآن إلى طوال ومئين ومثاني والمفصل ثابت عند الصحابة بالنقل عن رسول الله ﷺ ، والآثار في ذلك كثيرة، ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت مكان التوراة السبع وأعطيت مكان الزبور المئين وأعطيت مكان الإنجيل المثاني وفضلت بالمفصل».
فإذا كان هذا التقسيم الجملي موجوداً معروفاً بينهم، منقولاً عن النبي ﷺ ، فما المانع من أن يكون ما فيه من السور مرتباً كذلك بفعل النبي ﷺ .
٤ - هناك مجموعة من الأدلة العقلية التي يستدل بها من يذهب إلى التوقيف، منها:
• جَعْلُ الحواميم والطواسين ولاءً بخلاف المسبحات، والمبدوءات بـ (ألم) حيث لم تجعل متتالية.
• عدم ترتيبه على النُّزول، بحيث يقدم المكي على المدني.
أما ما استدل به من ذهب إلى أنَّ الترتيب بالاجتهاد، فما يأتي:
١ - ما رواه يزيد الفارسي عن ابن عباس ﵄ قال: «قلت لعثمان ﵁ ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني، فقرنتم بينها، ولم تجعلوا بينهما سطراً فيه بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان ﵁: إن رسول الله ﷺ كان مما ينْزل عليه من السور التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا أنزلت عليه الآيات يقول: ضعوا هذه الآيات في موضع كذا وكذا، فإذا نزلت عليه السورة يقول ضعوا هذه في موضع كذا وكذا، وكانت الأنفال أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصتها تشبه قصتها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين أمرها، فظننت أنها منها، من أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أجعل بينهما سطراً فيه بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال» (١).
стр. 189
٢ - وثبت أن رسول الله ﷺ قدم سورة النساء على آل عمران في قراءة الصلاة، فعن حذيفة ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ في ليلة من رمضان فقام يصلي فلما كبر قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها» الحديث (١).
٣ - أن مصاحف الصحابة تخالف مصحف عثمان ﵁ في ترتيب السور، خصوصاً مصحف ابن مسعود ﵁ الذي شهد العرضة الأخيرة.
ويلاحظ أن أصحاب هذا القول لا يخالفون في أنَّ بعض الترتيب الموجود كان بتوقيف من النبي ﷺ بدلالة الأحاديث الدالة على ذلك، لكنهم يرون أنَّ شيئاً منه كان بالاجتهاد، على خلاف في هذا المقدار، فبعضهم يرى أنه مرتب كله إلا الأنفال والتوبة، وبعضهم يستثني المئين، وهذا ما جعل الزركشي (ت٧٩٤هـ) يذهب إلى إن الخلاف بين الفريقين لفظيٌّ، فقال: «والخلاف يرجع إلى اللفظ؛ لأن القائل بالثاني يقول: إنه رمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك: إنما ألَّفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ ؛ مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي، وبحيث بقي لهم فيه مجال للنظر؟» (٢).
وإذا كانوا لا يخالفون في أن شيئاً منه كان مرتباً حسب ترتيب النبي ﷺ ، فإنه يمكن أن يُستدل باتفاقهم على وجود الترتيب في بعض السور بأنه أصل دالٌّ على ترتيب البقية، وأنه من عند رسول الله ﷺ ، وأما ما استدلوا به فأقواها دليل حديث ابن عباس في سؤاله عثمان ﵃، وهذا
стр. 190
الأثر؛ لو صحَّ، فإنه لا يعدو أن يكون الكلام فيهما فقط، كما ذكره السيوطي (ت٩١١هـ) عن بعض العلماء في هذه المسألة، قال: «وقال البيهقي في المدخل: كان القرآن على عهد النبي مرتباً سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان السابق.
ومال ابن عطية إلى أن كثيراً من السور كان قد عُلِمَ ترتيبها في حياته كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وإن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده (١).
وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية، ويبقى منها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف (٢) ...» (٣).
وبهذا النقل يظهر أن أكثر القرآن قد عُلِم ترتيبه عند الصحابة ﵃، وأنهم ساروا على هذا الترتيب لما كتبوه في المصحف، فمن باب أولى أن يكون كله مما علموا ما داموا علموا الأكثر، والله أعلم.
وأما ما استدلوا به فيجاب عنه بما يأتي:
أولاً: أن حديث ابن عباس ﵄ (ت٦٨هـ) فيه إشكال من جهات، منها:
١ - أنه مما اتُّفق عليه عدم نزول البسملة مع سورة براءة، وقد علل العلماء ذلك بتعليلات غير التعليل الوارد في الأثر، من أحسنها تعليل القشيري: أن جبريل لم ينْزل بها، ثمَّ يُبحث عن سبب عدم نزولها معها، وهو ما ذكروه من تعليلات متعددة؛ كما ذُكر عن علي بن أبي طالب ﵁: إن البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان (٤).
٢ - أن سورة الأنفال ليست أول ما نزل في المدينة، فهي نزلت بعد
стр. 191
غزوة بدر، فكيف يخفى على عثمان ﵁ وهو من علماء القرآن ـ نزول غيرها قبلها؟!
فإن قيل: لعله يريد: من أول، فتكون الأولية نسبية.
فالجواب: أنه لا يظهر من الخبَر غير الأولية المطلقة، ثمَّ إنها لا تصلح لأن تكون من الأولية النسبية؛ لأنه نزل قبلها عدد من السور والآيات، وقد مضى على رسول الله ﷺ سنة وأكثر قبل غزوة بدر، فهل يُتصوُّر عدم نزول قرآن في هذه الفترة، حتى تأتي غزوة بدر وينْزل عليه من سورة الأنفال ما نزل؟!
٣ - أن بعض العلماء المعاصرين قد شدَّد في تضعيف هذا الأثر، وهو الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد (١)، وقد نازعه بعض المعاصرين (٢)، وصحح الحديث، فلو كان صحيحاً، فإن في الأثر دلالة على أنه لم يبق لهم من معرفة التوقيف في ترتيب السور سوى الأنفال والتوبة، وليس في هذا حجة لمن ذهب إلى القول بالاجتهاد بسبب هذا الأثر؛ لأن عثمان يقول: «فإذا نزلت عليه السورة يقول: ضعوا هذه في موضع كذا وكذا، وكانت الأنفال أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصتها تشبه قصتها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين أمرها، فظننت أنها منها» (٣)، والله أعلم.
ثانياً: أن قراءة رسول الله ﷺ البقرة فالنساء فآل عمران، لها وجه آخر غير وجه توقيف الترتيب، وهو أنه دلَّ بعمله هذا على جواز مخالفة الترتيب أثناء القراءة في الصلاة وغيرها، وعلى هذا جرى عمل المسلمين، فتراهم في الكتاتيب يعلمون الأطفال من آخر القرآن.
стр. 192
ثالثاً: أن الاستدلال باختلاف ترتيب مصاحف الصحابة ليس بحجة على أن الترتيب ليس بتوقيفي، وههنا قاعدة عامة فيما يتعلق بأمر القراءة والمصحف، وهي أنه قبل إجماع الصحابة على إلزام عثمان بما أرسله للأمصار لم يكن هناك اتفاق في ما يتعلق بأمر القراءة ولا المصحف؛ لذا تجد أن بعضهم كان يقرئ بكل ما سمع من النبي ﷺ ؛ لأنه لم يبلغه أنها مما تُرِك في العرضة الأخيرة، وقد مرَّ ذكر قراءة أبي الدرداء وابن مسعود ﵄ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ بإسقاط ﴿وَمَا خَلَقَ﴾، وهي قراءة صحيحة، لكنها مما لم يقرئه جبريل النبي ﷺ في العرضة الأخيرة، ولو قيل غير ذلك، لزُعِم أن في القرآن نقصاً، وذلك مذهب أهل السوء والرداءة الذين ينقمون على الصحابة الكرام.
بل لقد صحَّ عن ابن مسعود ﵁ ما هو أكثر من مخالفة ترتيب مصحف عثمان ﵁، فإنه كان لا يرى المعوذتين من القرآن، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن زر بن حبيش، قال: «قلت لأُبي بن كعب: إن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فقال أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتها، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فقلتها. فنحن نقول ما قال النبي ﷺ » (١).
وهذا المذهب الذي ذهب إليه ابن مسعود ﵁ (ت٣٢هـ) لم يوافقه عليه الصحابة، ولا كان من المرضي عنه فيه، وإن كان يراهما وحياً لكن لم يجعلهما من القرآن، وإنما كان يقول: «إنما أمر النبي ﷺ أن يتعوذ بهما» (٢).
والذي يظهر من أمر القرآن أن الأصل فيه النقل في كل أموره، في
стр. 193
ترتيب سوره وآياته وأسماء سوره وآياته وفضائل سوره وآياته، ليس لأحد في هذه الأمور اجتهاد، وإنما ظهر الاجتهاد فيما بعد فيما يتعلق برسمه، وضبطه، وزخرفته ووضع أسماء سوره، وترقيم آياته، ووضع رموز وقوفه إلى غير ذلك مما أدخله العلماء، وتُلقي بالقبول، كما سيرد في الحديث عن المصحف وتاريخه.
• * *
стр. 194
قراءات مقترحة في موضوع: ترتيب السور
كتاب «الإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن الكريم وسوره» للدكتور أحمد يوسف القاسم. وهو من أنفس كتب المعاصرين في ترتيب السور.
стр. 195
الفصل الخامس
موضوعات السور ومقاصدها
стр. 196
تختلف السور من حيث الطول والقِصرِ، وغالباً ما تكون السور القصيرة ذات موضوع واحدٍ، وغالباً ما يكون اسم السورة دالاً على موضوعها، وذلك شأن سور قصار المفصَّل من جزء عمَّ.
وإذا طالت السورة، فإنها قد تكون ذات موضوع واحدٍ يتعدد طرحه من خلال سياقات متنوعة، وقد تكون ذات موضوعات متعددة، ويمكن التمثيل لكل نوع بما يأتي:
١ - سورة الصمد؛ موضوعها الإخلاص.
٢ - سورة النبأ؛ موضوعها البعث، وقد تعدد طرح موضوع البعث من خلال سياقات الآية.
٣ - سورة عبس، فيها موضوعات متعددة:
• حال المقبل على الإسلام والمعرض عنه (١ - ١٠).
• بيان منْزلة القرآن (١١ - ١٦).
• بيان شدة كفر الكافر (١٧ - ٢٣).
• الاستدلال على البعث (٢٤ - ٣٣).
• أحوال الناس يوم القيامة (٣٤ - ٤٢).
وقد يظهر لبعض المتدبرين لمثل هذه السور التي تتعدد موضوعاتها خيط رفيع يجمعها في موضوعٍ واحدٍ، وهو ما اصطلح بعض المعاصرين على تسميته بمصطلح (الوحدة الموضوعية).
ويمكن استنباط (الوحدة الموضوعية) أو ما كان يسميه بعض العلماء (مقصد السورة) من خلال النظر في:
• اسم السورة.
стр. 197
• موضوعات السورة.
• ملابسات السورة.
• تفسير السورة الإجمالي.
ولا شكَّ أن البحث في موضوع الوحدة الموضوعية شائقٌ، إلا أنه مظنَّة للتكلُّف، والقول على الله بغير علم.
وقد تأخرت العناية بهذا الموضوع، ولم ترد فيه كتابات موضوعية سوى شذرات متفرقة في كتابات بعضهم كما سيرد النقل بذلك عنهم.
وهذا الموضوع جدير بالعناية، والكتابات المعاصرة عنه في تزايد، وهو يفيد الدارسين في جمع الموضوعات التي تحدث عنها القرآن الكريم، وكيفية تطرقه لها، وكيفية معالجته لكثير من هذه الموضوعات.
وممن اعتنى بذكر موضوعات السور: الفيروزآبادي (ت٨١٧هـ) في كتابه «بصائر ذوي التمييز»؛ البقاعيُّ (ت٨٨٥هـ) في كتابه «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور»؛ والطاهر بن عاشور (ت١٣٩٣هـ) في كتابه «التحرير والتنوير».
أمثلة من عناية العلماء السابقين بهذا الموضوع:
١ - ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ) موضوعات سورة البقرة، وأفاض فيها، ومن أول كلامه في هذا الموضوع ما يأتي: «وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه سورة البقرة من تقرير أصول العلم، وقواعد الدين: أن الله تعالى افتتحها بذكر كتابه الهادي للمتقين، فوصف حال أهل الهدى، ثم الكافرين، ثم المنافقين، فهذه جُمَلٌ خبرية، ثم ذَكَرَ الجُمَلَ الطلبيَّة، فدعا الناس إلى عبادته وحده، ثم ذكر الدلائل على ذلك: من فرش الأرض، وبناء السماء، وإنزال الماء، وإخراج الثمار رزقاً للعباد، ثم قرَّر الرسالة، وذكر الوعد والوعيد، ثم ذكر مبدأ النبوة والهدى وما بثه في العالم من الخلق والأمر، ثم ذكر تعليم آدم الأسماء وإسجاد الملائكة له لما شرفه من العلم، فإن هذا تقرير لجنس ما بعث به محمد ﷺ من الهدى
стр. 198
ودين الحق فقص جنس دعوة الأنبياء، ثم انتقل إلى خطاب بنى إسرائيل وقصة موسى معهم، وضمن ذلك تقرير نبوته؛ إذ هو قرين محمد ﷺ ، فذكر آدم الذي هو أول وموسى الذي هو نظيره، وهما اللذان احتجَّا، وموسى قتل نفساً فغُفِر له، وآدم أكل من الشجرة فتاب عليه.
وكان في قصة موسى ردٌّ على الصابئة ونحوهم ممن يُقِرُّ بجنس النبوات ولا يوجب اتباع ما جاءوا به، وقد يتأولون أخبار الأنبياء.
وفيها رد على أهل الكتاب بما تضمنه ذلك من الأمر بالإيمان بما جاء به محمد ﷺ ، وتقرير نبوته، وذكر حال من عدل عن النبوة إلى السحر، وذكر النسخ الذي ينكره بعضهم، وذكر النصارى، وأن الأمتين لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، كل هذا في تقرير أصول الدين من الوحدانية والرسالة ...» (١).
٢ - ذكر الشاطبي (ت٧٩٥هـ) في «الموافقات» مجمل موضوعات سورة البقرة، فقال: «ثم لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة كان من أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام، فإنها بينت من أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبيَّن في غيرها تفاصيلُ لها؛ كالعبادات التي هي قواعد الإسلام، والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما، والمعاملات من البيوع، والأنكحة وما دار بها، والجنايات من أحكام الدماء وما يليها.
وأيضاً، فإن حفظ الدين فيها، وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها، وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها كما كان غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبنياً عليها» (٢).
стр. 199
قراءات مقترحة في موضوع: موضوعات السور ومقاصدها
الكتابة في مقاصد السور وموضوعاتها جزء من الكتابة في مقاصد القرآن وموضوعاته؛ لأنها تعتبر أفراداً له، وباجتماعها تظهر مقاصده، وتتكوَّن موضوعاته.
ويمكن اعتبار الكتب التي كُتبت في مقاصد الشريعة من الكتب المعينة على دراسة هذا الباب، لما بينها من الارتباط، ومن انطلق من هذه النظرة اتسعت عنده دائرة مقاصد السور، وتبيَّن له من خلال موضوعاتها كيفية معالجتها لهذه المقاصد النفيسة، وذلك مبحث مهم يحتاج إلى عناية من له اطلاع واسع على الشريعة.
ومن البحوث التي لها تعلق بموضوع السور ومقاصدها بحث (الوحدة الموضوعية)، وهو من الموضوعات التي عُنِي بها بعض المعاصرين، وكتبوا فيها.
بحوث مقترحة في موضوع: موضوعات السور ومقاصدها
• البحث عن المناسبة في الآيات التي نزلت لأسباب، ووضعت في مكان من آيات سابقة لها؛ كآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
• موازنة موضوعات الشعر الجاهلي وأغراضه، بموضوعات القرآن، وما أحدثته من تغيير في أفكار أولئك القوم لما أسلموا، وموضوعات الشعر ومقاصده عندهم.
стр. 200
الباب الرابع
المصحف ... عناية الأمة به
الفصل الأول: عناية علماء الأمة بالمصحف.
الفصل الثاني: مثال معاصر لعناية العلماء بضبط المصحف.
(مصطلحات ضبط مصحف المدينة النبوية)
стр. 201
الباب الرابع
المصحف .. عناية الأمة به
لا يخفى على مسلم ما للمصحف من تقدير في نفوس المسلمين، فهو عندهم أجلِّ كتاب يملكونه؛ لأنه قد دُوِّن فيه كلام الله، ولقد تأدبوا معه بآداب كثيرة، منها ما ورد عن الصحابة، ومنها ما ورد عن التابعين، ومنها ما عمل به بعض العلماء أو المسلمين؛ كحفظه في غلالة من قماش، ورفعه عن الأرض، وغير ذلك، وما ذاك إلا لما يرونه من تقديس لهذا المصحف الكريم الذي يشتمل على كلام الله .
والكتابة في عناية الأمة بهذا المصحف لا يمكن حصرها في مثل هذه المباحث المجتزأة، وإنما اختير منها ما هو أنسب وأليق بالدارسين لهذا الكتاب، وذلك على النحو الآتي:
الفصل الأول: عناية العلماء بالمصحف.
• تسمية المصحف.
• رسم المصحف.
• ضبط المصحف.
• تجزئة المصحف.
• علامات وقفه وابتدائه.
الفصل الثاني: مثال معاصر لعناية العلماء بالمصحف (مصطلحات ضبط مصحف المدينة النبوية).
وسأتناول هذين الفصلين ببعض التفصيل المتناسب مع هدف هذا الكتاب، والله الموفق.
стр. 202
الفصل الأول
عناية العلماء بالمصحف
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تسمية المصحف.
المبحث الثاني: رسم المصحف.
المبحث الثالث: ضبط المصحف.
المبحث الرابع: تجزئة المصحف
المبحث الخامس: وقوف المصحف ورموزها.
стр. 203
هذا العنوان واسع الدلالة، ولو أخذته بهذا العنوان الشامل لدخل فيه أشياء كثيرة، فتشمل تاريخ المصحف وكتابته في جميع العصور، وما لحق هذه الكتابة من عناية بالغة فائقة في طريقة الخط، وطريقة التنسيق، بل تعدى الأمر عند بعض المسلمين إلى الاعتناء بالتزويق، والتذهيب، والتجليد، واختيار المداد، وغير ذلك مما يطول ذكره.
غير أن المراد بالعناية هنا ما قام به علماء الصحابة من رسمهم للمصحف، ثم ما أضافه علماء الأمة بعدهم من أمور متعددة، خصوصاً ضبط المرسوم وقراءته، وهو ما سُمِّي (علم الضبط)، وتجزئته ووقوفه.
وقد سبق الحديث عن كتابة المصحف في عهد الرسول ﷺ ، وفي عهد أبي بكر ثم عثمان بن عفان ﵄، وفي عهد عثمان استقرَّ رسم المصحف على ما اتفق عليه الكَتَبَةُ الذين عيَّنهم عثمان ﵁، وصار بمثابة الإجماع على هذا الرسم.
لكن المصحف مرَّ بمراحل بعد استقرار هذا الرسم حتى وصلنا بهذا الشكل الذي نراه، وهو ما سيقع الحديث عنه في هذا الفصل من هذا الكتاب، وسأقسم الحديث عنها حسب التسلسل التاريخي ـ حسب المستطاع ـ للأصل الذي هو رَسْمُه، وللزيادات التي لحِقته من ضبط ونقط وشكل.
стр. 204
المبحث الأول
تسمية المصحف
سبق التنبيه على أنَّ في القرآن إشارات إلى أنه سيكون مكتوباً في صُحفٍ، ومن ذلك الآيات التي وردت باسم الكتاب، مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وأما ما ورد بلفظ الصحف ففي مثل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٣]، وذلك على أن المراد بها صحف الكَتَبَة من الصحابة ﵃ (١)، وقوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً *فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢، ٣].
بل كانت بعض كتب الله السابقة مما أطلِق عليها هذا الاسم بدلالة قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلاَ يَاتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٦، ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨، ١٩].
وهذه الآيات فيها الإشارة الواضحة إلى تسمية المصحف، نِسبةً إلى الصُّحف التي يُكتب فيها كلام الله، ومنها القرآن الكريم الذي نزل على محمد ﷺ .
стр. 205
فالقرآن: كلام الله تعالى، والمصحف: هو الصحف التي كُتِب فيها كلام الله تعالى.
وقد ورد في الأحاديث ما يشير إلى التداخل بين هذين اللفظين من جهة صحة إطلاق أحدهما وإرادة المعنى الآخر، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر ﵄ قال: «سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو» (١).
وهو عند البخاري (ت٢٥٦هـ)، وغيره بلفظ: «أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» (٢).
وقد عنون البخاري (ت٢٥٦هـ) في صحيحه لهذا الحديث بهذا العنوان: (باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو) (٣).
وفي تبويب النووي لصحيح مسلم: (باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار) (٤)، وكذا عنون له أبو داود في سننه (٥).
والمراد بالنهي عن السفر بالقرآن: المكتوب في المصحف لا المحفوظ في الصدور، وهذا إذا خيف عليه أن يناله العدو لقلة الجيش المسلم ونحو ذلك وإلا فلا مانع منه، وهذا يدل على جواز إطلاق المصحف على القرآن، والقرآن على المصحف، والله أعلم.
وهذه التسمية قد انتشرت بين الصحابة وشاعت كما هو ظاهر من الآثار عنهم، منها:
١ - روى الإمام مالك، عن نافع: «أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل عبد الله بن عمر عما لفظ البحر، فنهاه عن أكله.
стр. 206
قال نافع: ثم انقلب عبد الله، فدعا بالمصحف، فقرأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [الأنعام: ٩٦].
قال نافع: فأرسلني عبد الله بن عمر إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة: إنه لا بأس بأكله» (١).
٢ - وروى مسلم بسنده عن أبي الأحوص قال: «كنا في دار أبي موسى مع نفر من أصحاب عبد الله وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم.
فقال أبو موسى: أما لئن قلت ذاك؛ لقد كان يَشهد إذا غِبْنَا، ويؤذن له إذا حُجبنا» (٢).
ولو استقصيت في الآثار التي وردت فيها التسمية لربت على الخمسين أثراً، وليس ذلك مقصداً هنا، وإنما المقصد التنبيه على أنه لا حاجة للصحابة في أن يبحثوا عن اسم لما يقومون به من عملٍ، خلافاً لما أورِد من قصص لا سند لها؛ كالخبر الذي ذكره الزركشي (ت٧٩٤هـ)، قال: «فائدة: ذكر المظفري (٣) فى تاريخه: لما جمع أبو بكر القرآن قال: سمُّوه، فقال بعضهم: سمُّوه إنجيلا، فكرهوه.
وقال بعضهم: سمُّوه السِّفْر، فكرهوه من يهود.
فقال ابن مسعود: رأيت للحبشة كتاباً يدعونه المصحف، فسَمَّوه به» (٤).
• * *
стр. 207
المبحث الثاني
رسم المصحف
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
يرتبط رسم المصحف بموضوع (جمع القرآن) الجمع الكتابي في عهد الرسول ﷺ ، ثم في عهد أبي بكر ﵁، ثم في عهد عثمان ﵁.
وقد تبِع (رسم المصحف) موضوع آخر، وهو (ضبط المصحف)، وبينهما علاقة قوية جدّاً؛ لأن (علم الضبط) جاء لضبط الرسم لموافقة القراءة.
ولرسم المصحف علاقة بالقراءات؛ إذ الأصل دلالة المرسوم على المسموع، فجاء (رسم المصحف) للدلالة على المقروء، كما هو الأصل في الرسم عموماً.
стр. 208
رسم المصحف
مضت الإشارة إلى الرسم في الحديث عن (جمع القرآن) (١)، ويحسن هنا تقرير المسألة في نقاط:
١ - أن الصحابة لم يخترعوا رسماً معيَّناً قصدوا به كتابة القرآن الكريم، بل كتبوه على حسب ما تعلموه من معلميهم، ولا يصحُّ ما قيل: إنه بتوقيف من النبي ﷺ ، فهذا المذهب من الضعف بمكانٍ، إذ النبي ﷺ كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، وتلك صفة فيه مستمرَّة، لم يصحَّ خبرٌ أنه تحوَّل عنها (٢).
ومن هنا تعلم أن محاكمة خطِّ الصحابة وهجائهم إلى ما وقع بعد ذلك من تطوِّر للرسم، واختلافٍ في الإملاء غير سديد، بل الصواب أن يعلم أنَّ هذا اصطلاحهم، كما أن اصطلاح من بعدهم قد تغير عن اصطلاحهم، وكذا فإن اصطلاح من نقدهم قد تغير الاصطلاح بعده، فما كان في عصره هو الرسم المتعارف عليه المقبول بين الكاتبين، صار عند من بعدهم غير مقبول، وهكذا دواليك.
وقد ذهب قوم إلى أن الرسم معجز (٣)، وله سرٌّ لا يعلمه إلا الله،
стр. 209
وهذا القول لا يدل عليه دليل صحيح، وقد قال الناظم في هذا (١):
والخط فيه معجز للناس ... وحائد عن مقتضى القياس
لا تهتدي لسره الفحول ... ولا تحوم حوله العقول
قد خصه الله بتلك المنْزله ... دون جميع الكتب المنَزَّله
ليظهر الإعجاز في المرسوم ... منه كما في لفظه المنظوم
إلى أن قال:
وقد تكلَّف شيوخ الكتبه ... فسارعوا فيه لنحت الأجوبه
فذكروا من ذاك ما لا يُقنِع ... قلباً ولا غِلَّ غليل يُنقِع
وقد ذهب قبله إلى هذا أبو العباس أحمد بن البناء المراكشي (ت٧٢١هـ) في كتابه «عنوان الدليل في مرسوم خط التنْزيل» (٢).
والذي أوقع أصحاب هذا المذهب، ومذهب من يتطلب العلل للرسم هو ادعاء اطراد العلل، وذلك ما لا يوجد في الرسم العثماني؛ لأنهم كتبوه على معهودهم في الرسم ولم يخترعوا رسماً خاصّاً فيقال بطلب العلل لذلك.
ومما وقع من انتقاد للصحابة في رسمهم ما ذكره الفراء (ت٢٠٧هـ) في كتابه «معاني القرآن» عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١]، قال: «وكُتبت بلام ألف وألف بعد ذلك، ولم يُكتب في القرآن لها نظير، وذلك أنهم لا يكادون يستمرون في الكتاب على وجهة واحدة، ألا ترى أنهم كتبوا ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] بغير ياء، ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾ [يونس: ١٠١] بالياء، وهو من سوء هجاء الأولين.
وأما قوله: ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] فقد كُتِبت بالألف وبغير الألف.
стр. 210
وقد كان ينبغي للألف أن تُحذف من كله؛ لأنها لام زيدت على الألف؛ كقوله: (لأخوك خير من أبيك)؛ ألا ترى أنه لا ينبغي أن تُكتب بألف بعد لام ألف.
وأما قوله: ﴿لاَ انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] فتكتب بالألف؛ لأن (لا) في (انفصام) تبرئة، والألف من (انفصام) خفيفة» (١).
إذا تأمَّلت نقد الفراء (ت٢٠٧هـ) ـ رحمه الله تعالى ـ وجدته قد وضع للخطِّ معياراً، وهو ما يعرفه من الهجاء الذي في عصره، فحاكَمَ به هجاء الصحابة ﵃، وهنا وقع في الغلط عليهم بنسب هجائهم إلى السوء، وليس الأمر كذلك، بل هذا من اصطلاحاتهم المعروفة عندهم، والتي لا يُثرَّب عليهم فيها.
ونحن لو اطلعنا على هجاء الفراء (ت٢٠٧هـ)، وحاكمناه إلى هجاء عصرنا لقلنا فيه مثل قولته في هجاء الصحابة ﵃، لكن الأمر ليس كذلك، فلكل عصر أسلوبه وطريقته في الرسم، والله أعلم.
٢ - أن الرسم الذي كتب به الصحابة كان مجردّاً من أية علامة؛ لأنها غير موجودة أصلاً، إذ لم يكن في عصرهم نقط ولا شكل، ولا أي من علامات الضبط التي أُلحِقت فيما بعد، شأنه في ذلك شأن الكتابة في هذا العصر، كما هو واضح من موازنة خط المصحف بما وُجِد من خطوط تعود إلى هذا الزمن، ولهذا فإن من يمثل بحرف (فتبينوا، فتثبتوا) أنهم رسموه في مصحف بلفظ (فتبينوا)، وفي مصحف آخر بلفظ (فتثبتوا)، فقد غفل عن هذه المزية في رسم الصحابة؛ لأن اللفظة إذا جُرِّدت من النقط احتملت القراءتين، فلم يعمدوا إلى ما يذكره بعضهم في التمثيل بهاتين القراءتين.
٣ - أن الأصل في القرآن الاعتماد على المسموع المحفوظ في الصدور لا المرسوم، فالقراءة لما سمع أصل والرسم تبعٌ، ومن المعلوم أنه
стр. 211
لا يمكن التطابق التامُّ بين نطق بعض الكلمات ورسمها في جميع لغات العالم، بل يدخل فيها الزيادة والنقص وغيره مما يدخل في علم الإملاء.
لذا فإن خلوَّ رسم مصاحف الصحابة من النقط والشكل وغيرها لم يكن مشكلاً عندهم، لأنهم يحفظون القرآن في صدورهم، ولا يعتمدون على الرسم أوَّلاً، وإنما جاء الرسم لضبط صورة الكلام، لا للانطلاق منه إلى القراءة.
٤ - أن هذا الرسمَ الذي كان متعارفاً بينهم كان فيه اختلافٌ يدخل في اختلاف التنوع في طريقة الرسمِ، ولقد طلب منهم عثمان ﵁ أن يكتبوه على الرسم الموافق للغة قريش، فقال: «وإذا اختلفتم أنتم وزيد، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه بلسانها نزل» (١)، والذي يدل على هذا المثال المذكور في اختلافهم مع زيد ﵁، فقد أراد زيد أن يكتب (التابوة)، وأراد القرشيون الذين معه أن يكتبوها (التابوت)، فدلَّ على أن القرشيين يفتحون التاء، ويقفون عليها بالتاء، والأنصار يربطون التاء، ويقفون عليها بالهاء، فكتبت بالرسم الموافق للغة قريش، وهذا من اختلاف الرسم كما ترى.
٥ - يقوم (رسم المصحف) على مجموعة من القواعد التي استنبطها العلماء من رسم الصحابة، وهذه القواعد:
١ - الحذف، مثل حذف الألف في مواطن كثيرة (يأيها)، وقد حُذِفت الألف بعد الياء.
٢ - الزيادة، مثل زيادة الألف في مواطن، مثل زيادتها بعد (لا) من قوله تعالى: ﴿لأَذْبَحَنَّهُ﴾.
٣ - الهمز، مثل (يؤمنون، بئس، سأل)، وهي من أوسع أبواب الضبط وأشكلها.
٤ - البدل، مثل كتابة الواو في «الصلوة» بدلاً عن الألف (الصلاة).
стр. 212
٥ - الوصل والفصل، ويقع له أمثلة كثيرة في ألفاظ متغايرة، مثل لفظة (إنما) تكتب مفصولة وموصولة، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآَتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] كُتِبت مفصولة، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات: ٥] كُتِبت موصولة.
٦ - ما فيه قراءتان، وكتب على إحداهما، مثل قراءة سكارى بالألف ودونها في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢]، فهي تحتمل الألف وعدمها.
تنبيه:
قد توزع القراءات في المصاحف، مثل قراءة (أوصى) وقراءة (ووصى)، وما فيه قراءتان فيه تفاصيل تُعرف من كتب القراءات والرسم.
ويمكن الرجوع إلى ما كتبه السيوطي (ت٩١١هـ) في النوع السادس والسبعين (في مرسوم الخط وآداب كتابته)، فقد أتى بأمثلة كثيرة على كل قاعدة من هذه القواعد. كما أن هذه القواعد مفصلة بالأمثلة في كتب الرسم.
إن قواعد الرسم التي يذكرها العلماء إنما هي استقراءٌ واستنباط مما كتبه الصحابة ﵃، وليس يعني هذا أنَّ هذه القواعد كانت مما يسير عليه الصحابة ﵃ ولا يحيدون عنه، إذ ما من قاعدة إلا ولها ما يخرمها في رسمهم، وأمثلة ذلك كثيرة مبسوطة في كتب الرسم، فعلى سبيل المثال: ألحقوا ألف واو الجماعة في بعض المواطن، وحذفوها من بعض، وكتبوا الألف في بعض المواطن وحذفوها فيما يماثلها من الألفاظ، لذا ليس هناك علل مطَّردة يمكن تتبعها والوقوف عليها، لكن لا يعني هذا انعدام العلل مطلقاً، بل قد توجد علل تظهر بالاستقراء والتتبع.
• ومما يطول فيه الجدل مسألة جواز كتابة المصحف بغير الرسم العثماني، وفي هذا تفصيل حاصله:
١ - أن تكون كتابة آيات أو كلمات محدودة في كتب أو صحف أو مقالات، وهذه لا يلزم فيها الالتزام بالرسم العثماني.
стр. 213
٢ - أن يكتب المصحف كاملاً، وهذا لا يحسن بغير الرسم العثماني (١)؛ لأن الرسم العثماني مما أجمع عليه الصحابة، وتطور الرسم بعدهم لا يسري على رسمهم للقرآن بل يوقف به حيث وقف.
وأما دعوى طلب كتابة المصحف بالرسم الإملائي المتعارف عليه اليوم لصعوبة الرسم العثماني، فهذه دعوى ينقصها البرهان في إثبات هذه الصعوبة، وإنما جاءت الصعوبة لعدم تعلم الرسم، وليس لمخالفة الرسم للرسم الإملائي المتعارف عليه اليوم؛ لذا فإن هذه دعوى خلاف المنهج العلمي الصحيح؛ لأن الجهل بالشيء لا يلزم منه تغييره، بل إنما الصواب الذي يحسن أن يُطلب: أن يُتَعَلَّم رسم المصحف كما تُتَعلَّم قراءة القرآن، فلو كان الطالب يتعلم الرسم والقراءة معاً لما صعُب عليه، ولكنه يقرأ ولا يعرف من الرسم شيئاً، بل يتخرج من كليات متخصصة وهو لا يعلم عنه شيئاً، فالداء في الجهل وليس في الرسم فيُطلب تغييره.
٦ - أنَّ المصاحف الستة ـ على الصحيح (٢) ـ التي نسخها عثمان ﵁ هي الأصل الذي يُعتمدُ في حكاية المرسوم، وكل ما حكاه علماء الرسم المتقدمون (٣)؛ فهو عن هذه المصاحف، أو عن مصاحف أخذت رسومها عن هذه المصاحف الأصيلة، ثم صار هؤلاء الأعلام حجة فيما نقلوه، وعمدةً فيما أثبتوه.
стр. 214
مسألة متعلقة برسم المصحف: وهي هل كتب الصحابة غير القرآن في مصاحفهم؟
من خلال المنقول عن علماء الرسم فإنه يظهر أنَّ الصحابة لم يكتبوا سوى الآيات، فلم يكتبوا اسم السورة، ولا وضعوا عدد الآيات، ولا التخميس ولا التعشير ولا غيره مما حدث بعدهم، بل جعلوا فيه القرآن فقط.
وقد ورد عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ عبارة «جردوا القرآن»، وللعلماء في فهم هذه العبارة أقوالٌ.
أما عبارة عمر ﵁، فقد رويت من طرق، منها ما رواه ابن سعد في الطبقات بسنده، عن قرظة بن كعب الأنصاري ﵁ أنه قال: «أردنا الكوفة فشيعنا عمر إلى صرار، فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم نحن أصحاب رسول الله ﷺ .
فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، امضوا وأنا شريككم» (١).
وظاهر من سياق هذه الرواية أن عمر ﵁ لا يريد تجريد المصحف من النقط والشكل وغيره، وإنما مراده تجريد القرآن وعدم خلطه بالرواية عن رسول الله ﷺ لكي لا ينشغل الناس عنه بغيره، وهذا معروف من مذهب عمر ﵁ وسياسته؛ لذا لا يصح حملُه على تجريد المصحف.
وأما عبارة ابن مسعود ﵁، فقد رويت من وجوه، منها:
١ - «جردوا القرآن» (٢).
стр. 215
٢ - «جردوا القرآن لا تخلطوه بشيء» (١)، وفي رواية: «لا تلبسوه ما ليس منه» (٢).
٣ - وعن أبي المغيرة قال: «قرأ رجل عند ابن مسعود، فقال: استعذ بالله العليم من الشيطان الرجيم فقال عبد الله: جردوا القرآن» (٣).
٤ - وعن سلمة بن كهيل قال: سمعت أبا الأحوص قال: قال عبد الله: «جردوا القرآن؛ ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت يسمع تقرأ فيه سورة البقرة» (٤).
ظاهر هذه الروايات التي جاءت مفصلة أنه أراد أن لا يزاد في القراءة على ما في القرآن، وأن يجرَّد في التعليم ليربوا عليه الصغير، وليس مرادها ما ذهب إليه بعضُ العلماء، حيث ذهبوا بها إلى تجريد المصحف من النقط وغيره؛ لأنَّ هذه الأشياء لم تكن موجودة في عصرهم فيقال: إنهم جردوها منه؛ لأن دخولها في المصاحف إنما جاء بعد عمر وابن مسعود ﵄، فلا يصحُّ أن يقال إنهم أرادوا هذا.
لكن الذين حملوه على هذا إنما حملوه من باب التخريج على كلام ابن مسعود ﵁، لا أنه هو مرادُه الأَوَّلِيُّ، وهذا ظاهر من استدلال بعض أصحابه بقوله على تجريد المصحف من التعشير وغيره، فقد ورد عن مغيرة عن إبراهيم قال: «كان يكره أن يعشر المصحف، أو يصغر.
وكان يقول: عظِّموا القرآن، ولا تخلطوا به ما ليس منه.
وكان يكره أن يكتب بالذهب، أو يعلم عند رؤوس الآي.
وكان يقول: جردوا القرآن» (٥).