لا يمكن التطابق التامُّ بين نطق بعض الكلمات ورسمها في جميع لغات العالم، بل يدخل فيها الزيادة والنقص وغيره مما يدخل في علم الإملاء.
لذا فإن خلوَّ رسم مصاحف الصحابة من النقط والشكل وغيرها لم يكن مشكلاً عندهم، لأنهم يحفظون القرآن في صدورهم، ولا يعتمدون على الرسم أوَّلاً، وإنما جاء الرسم لضبط صورة الكلام، لا للانطلاق منه إلى القراءة.
٤ - أن هذا الرسمَ الذي كان متعارفاً بينهم كان فيه اختلافٌ يدخل في اختلاف التنوع في طريقة الرسمِ، ولقد طلب منهم عثمان ﵁ أن يكتبوه على الرسم الموافق للغة قريش، فقال: «وإذا اختلفتم أنتم وزيد، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه بلسانها نزل» (١)، والذي يدل على هذا المثال المذكور في اختلافهم مع زيد ﵁، فقد أراد زيد أن يكتب (التابوة)، وأراد القرشيون الذين معه أن يكتبوها (التابوت)، فدلَّ على أن القرشيين يفتحون التاء، ويقفون عليها بالتاء، والأنصار يربطون التاء، ويقفون عليها بالهاء، فكتبت بالرسم الموافق للغة قريش، وهذا من اختلاف الرسم كما ترى.
٥ - يقوم (رسم المصحف) على مجموعة من القواعد التي استنبطها العلماء من رسم الصحابة، وهذه القواعد:
١ - الحذف، مثل حذف الألف في مواطن كثيرة (يأيها)، وقد حُذِفت الألف بعد الياء.
٢ - الزيادة، مثل زيادة الألف في مواطن، مثل زيادتها بعد (لا) من قوله تعالى: ﴿لأَذْبَحَنَّهُ﴾.
٣ - الهمز، مثل (يؤمنون، بئس، سأل)، وهي من أوسع أبواب الضبط وأشكلها.
٤ - البدل، مثل كتابة الواو في «الصلوة» بدلاً عن الألف (الصلاة).
стр. 212
٥ - الوصل والفصل، ويقع له أمثلة كثيرة في ألفاظ متغايرة، مثل لفظة (إنما) تكتب مفصولة وموصولة، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآَتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] كُتِبت مفصولة، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات: ٥] كُتِبت موصولة.
٦ - ما فيه قراءتان، وكتب على إحداهما، مثل قراءة سكارى بالألف ودونها في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢]، فهي تحتمل الألف وعدمها.
تنبيه:
قد توزع القراءات في المصاحف، مثل قراءة (أوصى) وقراءة (ووصى)، وما فيه قراءتان فيه تفاصيل تُعرف من كتب القراءات والرسم.
ويمكن الرجوع إلى ما كتبه السيوطي (ت٩١١هـ) في النوع السادس والسبعين (في مرسوم الخط وآداب كتابته)، فقد أتى بأمثلة كثيرة على كل قاعدة من هذه القواعد. كما أن هذه القواعد مفصلة بالأمثلة في كتب الرسم.
إن قواعد الرسم التي يذكرها العلماء إنما هي استقراءٌ واستنباط مما كتبه الصحابة ﵃، وليس يعني هذا أنَّ هذه القواعد كانت مما يسير عليه الصحابة ﵃ ولا يحيدون عنه، إذ ما من قاعدة إلا ولها ما يخرمها في رسمهم، وأمثلة ذلك كثيرة مبسوطة في كتب الرسم، فعلى سبيل المثال: ألحقوا ألف واو الجماعة في بعض المواطن، وحذفوها من بعض، وكتبوا الألف في بعض المواطن وحذفوها فيما يماثلها من الألفاظ، لذا ليس هناك علل مطَّردة يمكن تتبعها والوقوف عليها، لكن لا يعني هذا انعدام العلل مطلقاً، بل قد توجد علل تظهر بالاستقراء والتتبع.
• ومما يطول فيه الجدل مسألة جواز كتابة المصحف بغير الرسم العثماني، وفي هذا تفصيل حاصله:
١ - أن تكون كتابة آيات أو كلمات محدودة في كتب أو صحف أو مقالات، وهذه لا يلزم فيها الالتزام بالرسم العثماني.
стр. 213
٢ - أن يكتب المصحف كاملاً، وهذا لا يحسن بغير الرسم العثماني (١)؛ لأن الرسم العثماني مما أجمع عليه الصحابة، وتطور الرسم بعدهم لا يسري على رسمهم للقرآن بل يوقف به حيث وقف.
وأما دعوى طلب كتابة المصحف بالرسم الإملائي المتعارف عليه اليوم لصعوبة الرسم العثماني، فهذه دعوى ينقصها البرهان في إثبات هذه الصعوبة، وإنما جاءت الصعوبة لعدم تعلم الرسم، وليس لمخالفة الرسم للرسم الإملائي المتعارف عليه اليوم؛ لذا فإن هذه دعوى خلاف المنهج العلمي الصحيح؛ لأن الجهل بالشيء لا يلزم منه تغييره، بل إنما الصواب الذي يحسن أن يُطلب: أن يُتَعَلَّم رسم المصحف كما تُتَعلَّم قراءة القرآن، فلو كان الطالب يتعلم الرسم والقراءة معاً لما صعُب عليه، ولكنه يقرأ ولا يعرف من الرسم شيئاً، بل يتخرج من كليات متخصصة وهو لا يعلم عنه شيئاً، فالداء في الجهل وليس في الرسم فيُطلب تغييره.
٦ - أنَّ المصاحف الستة ـ على الصحيح (٢) ـ التي نسخها عثمان ﵁ هي الأصل الذي يُعتمدُ في حكاية المرسوم، وكل ما حكاه علماء الرسم المتقدمون (٣)؛ فهو عن هذه المصاحف، أو عن مصاحف أخذت رسومها عن هذه المصاحف الأصيلة، ثم صار هؤلاء الأعلام حجة فيما نقلوه، وعمدةً فيما أثبتوه.
стр. 214
مسألة متعلقة برسم المصحف: وهي هل كتب الصحابة غير القرآن في مصاحفهم؟
من خلال المنقول عن علماء الرسم فإنه يظهر أنَّ الصحابة لم يكتبوا سوى الآيات، فلم يكتبوا اسم السورة، ولا وضعوا عدد الآيات، ولا التخميس ولا التعشير ولا غيره مما حدث بعدهم، بل جعلوا فيه القرآن فقط.
وقد ورد عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ عبارة «جردوا القرآن»، وللعلماء في فهم هذه العبارة أقوالٌ.
أما عبارة عمر ﵁، فقد رويت من طرق، منها ما رواه ابن سعد في الطبقات بسنده، عن قرظة بن كعب الأنصاري ﵁ أنه قال: «أردنا الكوفة فشيعنا عمر إلى صرار، فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم نحن أصحاب رسول الله ﷺ .
فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، امضوا وأنا شريككم» (١).
وظاهر من سياق هذه الرواية أن عمر ﵁ لا يريد تجريد المصحف من النقط والشكل وغيره، وإنما مراده تجريد القرآن وعدم خلطه بالرواية عن رسول الله ﷺ لكي لا ينشغل الناس عنه بغيره، وهذا معروف من مذهب عمر ﵁ وسياسته؛ لذا لا يصح حملُه على تجريد المصحف.
وأما عبارة ابن مسعود ﵁، فقد رويت من وجوه، منها:
١ - «جردوا القرآن» (٢).
стр. 215
٢ - «جردوا القرآن لا تخلطوه بشيء» (١)، وفي رواية: «لا تلبسوه ما ليس منه» (٢).
٣ - وعن أبي المغيرة قال: «قرأ رجل عند ابن مسعود، فقال: استعذ بالله العليم من الشيطان الرجيم فقال عبد الله: جردوا القرآن» (٣).
٤ - وعن سلمة بن كهيل قال: سمعت أبا الأحوص قال: قال عبد الله: «جردوا القرآن؛ ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت يسمع تقرأ فيه سورة البقرة» (٤).
ظاهر هذه الروايات التي جاءت مفصلة أنه أراد أن لا يزاد في القراءة على ما في القرآن، وأن يجرَّد في التعليم ليربوا عليه الصغير، وليس مرادها ما ذهب إليه بعضُ العلماء، حيث ذهبوا بها إلى تجريد المصحف من النقط وغيره؛ لأنَّ هذه الأشياء لم تكن موجودة في عصرهم فيقال: إنهم جردوها منه؛ لأن دخولها في المصاحف إنما جاء بعد عمر وابن مسعود ﵄، فلا يصحُّ أن يقال إنهم أرادوا هذا.
لكن الذين حملوه على هذا إنما حملوه من باب التخريج على كلام ابن مسعود ﵁، لا أنه هو مرادُه الأَوَّلِيُّ، وهذا ظاهر من استدلال بعض أصحابه بقوله على تجريد المصحف من التعشير وغيره، فقد ورد عن مغيرة عن إبراهيم قال: «كان يكره أن يعشر المصحف، أو يصغر.
وكان يقول: عظِّموا القرآن، ولا تخلطوا به ما ليس منه.
وكان يكره أن يكتب بالذهب، أو يعلم عند رؤوس الآي.
وكان يقول: جردوا القرآن» (٥).
стр. 216
وتجريد القرآن؛ بمعنى: تجريد المصحف من الزيادات التي أُحدثت بعد الصحابة = إنما ظهر عند التابعين؛ لأنَّ هذه الزيادات بدأت تظهر في جيلهم، فوقع الاختلاف بينهم في هذه الزيادات، فذهب قومٌ إلى القول بتجريد المصاحف من هذه الزيادات، من ذلك ما أورده ابن أبي شيبة في مصنفه تحت عنوان (من قال: جردوا القرآن) (١)، وقد ذكر الرواية عن أبي العالية وإبراهيم وغيرهما.
وقد مضى أثر إبراهيم، وفيه ذكر لبعض هذه الزيادات التي ظهرت في عصرهم من تعليم رؤوس الآيات، وتعليم العشر.
وورد عن أبي العالية أنه «كان يكره الجمل التي تكتب في المصاحف فاتحة وخاتمة، وقال: جردوا القرآن» (٢).
والمقصود من هذا أن تعلم أن المصحف الإمام كان خالياً مما سوى الرسم، وليس فيه شيءٌ سوى ألفاظ القرآن، وأنه قد دخلت الزيادات في المصحف شيئاً فشيئاً، وصار العمل على جواز هذه الزيادات، حيث تلقتها الأمة بالقبول.
مسألة مرتبطة بتجريد القرآن، وهي تحشية المصحف:
هذه المسألة مرتبطة بما مضى بحثه من تجريد المصحف، وهي فرع عنه، ويمكن أن يقال: إن الزيادات التي زيدت في المصحف بعد الصحابة تنقسم ـ باعتبار نوع المزيد ـ إلى أقسام:
الأول: الخط المحيط برسم الألفاظ القرآنية.
الثاني: النقط والشكل وعلامات الوقوف والسكتات، وعلامات انتهاء الآية ورقم الآية، وغيرها من علامات الضبط، وهذه مع النص القرآني.
الثالث: ما كان خارج الخط المرسوم على ألفاظ القرآن، وهذا ما يسمى (حاشية المصحف) أو (هامش المصحف).
стр. 217
وإذا نظرت إلى مصاحف المسلمين، وسبرتها عبر تاريخ المصحف، فإنك ستجد الزيادات ـ باعتبار الحكم ـ على أقسام:
١ - قسم ثبت النهي عنه، وإن وُجِد في بعض المصاحف المتأخرة، مثل إدخال التفسير أو القراءات أو الترجمة بين سطور الآيات.
٢ - وقسم وقع الخلاف فيه أول ظهوره، ثم استقرَّ العمل به؛ كالنقط والشكل وعدد الآي، وغيرها مما تراه في المصاحف اليوم.
٣ - وقسم لا زال قابلاً للأخذ والردِّ، وهو الزيادات التي تكون في الحاشية، ويمكن تقسيم ما يقع في هذه الحواشي إلى أقسام أيضاً:
الأول: ما اتفقت عليه المصاحف اليوم؛ كوضع اسم السورة ورقم الجزء ورقم الصفحة وعلامة الجزء وعلامة الرُّبُع وغيرها.
الثاني: ما يوجد في بعض المصاحف دون غيرها، كما سيأتي التنبيه عليه مما لاحظته لجنة مصحف المدينة النبوية على المصحف المصري (١)، وما قامت به من تصرف في هذه المسألة.
ويحسن التنبه هنا إلى أن الخطورة التي نبَّه عليها الدكتور إبراهيم عبد الرحمن خليفة (٢)، وكاتب التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية تزداد إذا وُضِع في الحاشية ما لم يصحَّ أصلاً، وذلك ـ مع الأسف ـ واقع في المصحف الباكستاني (تاج كمبني) الذي تَبِعَ في وقوفه وقف السجاوندي (ت٥٦٠هـ)، لذا فإن من الواجب على علماء المسلمين الحفاظ على المصحف والعناية به من هذه الزيادات الباطلة، ولا يكون الخوف من تثريب العامة، أو القول بأنَّ هذا مضى عليه زمن ولم يتكلم عنه أحد داعياً إلى ترك مثل هذه الزيادات، ولأضرب مثلاً على ذلك من هذا المصحف المذكور:
١ - تجد في حاشية المصحف (وقف جبريل)، وتجد (وقف مُنَزَّل)،
стр. 218
وتجد (وقف النبي ﷺ ، وتجد (وقف غفران)، وهذه الأوقاف ليس لها سند صحيح البتة، ونسبتها إلى النبي ﷺ أو جبريل ﵇ باطلة، لذا لا يجوز أن تُدخل في حاشية المصحف، فضلاً عن الإشارة إليها في ثنايا كلام الله .
٢ - مما جاء عند السجاوندي (ت٥٦٠هـ) عبارة (وقفه)، وعبارة (قف) وهي إشارة إلى وجود الوقف، وقد يعلل ذلك أحياناً، لكنها كما تلاحظ غير داخلة في رموزه التي اختارها، والذين طبعوا المصحف وعملوا بوقوفه بحذافيرها يكتبون هذه العبارة فوق الكلمة التي اختار الوقف عليها، وفي دخولها في النص القرآني نظرٌ وخطرٌ، يحسن الانتباه له.
ويبقى أن يقوم المرء بوضع حاشية تختص به على المصحف، وذلك ما يمنع منه بعض العلماء ويجيزه آخرون، ولعل القول بالجواز مع وضع الضوابط أقرب إلى الصواب من المنع مطلقاً؛ لأنَّ وضع غريب القرآن أو التفسير، أو القراءات، أو غيرها موجودٌ في بعض المصاحف اليوم، وهو متداول بين الناس بلا نكير.
ويمكن استنباط ضوابط لذلك من خلال النظر في كلام العلماء، فأقول:
١ - أن يكون الكلام المُدخل في الحاشية (أو الهامش)، وليس بين سطور النصِّ كما هو الحال في بعض المصاحف التي طُبِعت في باكستان فجعلت تحت كل سطر من المصحف ترجمته بلغة الأوردو.
٢ - أن يكون له علاقة مباشرة بالنص القرآني؛ كبيان القراءات، والغريب والتفسير، وترجمة المعاني، والتجويد.
٣ - أن يكون المذكور في الحاشية مما صحَّ، أما إذا كان غير صحيح، فلا يجوز إدخاله؛ كالوقف المنسوب لجبريل ﵇ أو الوقف المنسوب للنبي ﷺ ، وهما موجودان على حاشية المصاحف الباكستانية كمصحف (تاج كمبني).
стр. 219
وإنَّ مما يخفف وقوع ذلك أنَّ المسلمين يعلمون أنَّ ما بين الإطار المزخرف هو القرآن، وما كان خارجاً منه فإنه ليس منه، وإن كان يُخشى عليهم أن يظنوا أن هذا من عمل النبي ﷺ والصحابة ﵃، وذلك ما يحسن بالعلماء أن يدرسُّوه لهم ويعلموهم إياه بدل أن يقوموا بتجريد بعضٍ دون بعضٍ، فيمكن أن يُحتجَّ فيما أبقي ـ كاسم السورة ـ بما تُرِك؛ كعدد آيات السورة، ويُعتلَّ لذلك بمثل العلة التي أُبقي فيها ما أُبقي.
стр. 220
قراءات مقترحة في موضوع: رسم المصحف
١ - «رسم المصحف»: دراسة لغوية تاريخية، للدكتور غانم قدوري الحمد.
٢ - مقالة بعنوان «موازنة بين رسم المصحف والنقوش العربية القديمة»، للدكتور غانم قدوري الحمد، مجلة المورد، العدد الرابع، المجلد الخامس عشر، ١٩٨٦م.
٣ - «إثبات حفظ الله للقرآن الكريم» من خلال دراسة لوحة مخطوطة للقرآن الكريم في القرن الأول الهجري، عمل الباحث بشير بن حسن الحميري.
٤ - دراسة فنية لمصحف مبكر يعود للقرن الثالث الهجري، دراسة وتحقيق عبد الله بن محمد بن عبد الله المنيف.
بحوث مقترحة في موضوع: رسم المصحف
١ - قد الداني (ت٤٤٤هـ) باباً بعنوان (ما اتفقت على رسمه مصاحف أهل الأمصار من أول القرآن إلى آخره) في كتابه «المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار» (١)، وقد خالفت قراءة بعض الأئمة هذه المرسومات المتفق عليها، مثل قراءة الصراط بالسين، وقراءة (بظنين)، وقراءة (لأهب) بالياء، وهذه يمكن أن يعمل عليها بحث ودراسة.
٢ - موازنة رسم المصحف بالخطوط القديمة المقاربة له في الزمن، لمعرفة المتغيرات التي حدثت للرسم.
стр. 221
٣ - دراسة رسم مصحف من المصاحف القديمة لمعرفة مطابقتها للرسم العثماني، ليتدرب الباحث تطبيقيّاً على معرفة الرسم، وتكون مسائله مستحضَرة في ذهنه من خلال هذا التطبيق.
стр. 222
المبحث الثالث
ضبط المصحف
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
يرتبط ضبط المصحف بتحسين الأداء (علم التجويد)، حيث رُمِز لأحكام التجويد برموز في الضبط تعين القارئ على معرفة الحكم التجويدي التطبيقي من خلال الضبط، كضبط (حكم القلب) بوضع ميم صغيره للدلالة على قلب النون الساكنة ميماً عند ملاقاتها للباء.
وله علاقة جزئية بعلم (النحو) وبعلم (الإملاء)؛ لأن بعض علل الضبط نحوية أو إملائية، لذا تجد لعلماء النحو مشاركة في ضبط الحركات في غير المصحف، وقد تكون لهم اصطلاحات أخرى ينقلها بعض من كتب في علم الضبط (١).
стр. 223
ضبط المصحف
إن عناية علماء الأمة بضبط المصحف عناية مشهودة، وجهودهم في ذلك كبيرة جدّاً، وهذا الموضوع من الموضوعات التي تخفى على كثير من المتخصصين في الدراسات القرآنية، وأَولَى من يحسن به الاعتناء بهذا الموضوع الذين تصدوا لتدريس القرآن؛ لأن معرفة الضبط معينة على معرفة الأداء في علم التجويد كما سيظهر من دراسة هذا الموضوع.
وإليك تفصيل ما يتعلق بضبط المصحف من جهة النقط.
أولاً: نقط أبي الأسود الدؤلي (ت٦٧ أو ٦٩هـ).
استقر أمر المصاحف على ما كان من رسم الصحابة في عهد عثمان ﵁، ولم يكن فيها إلا رسم الكلمة فقط، ثم بدأ الخلل يطرأ على لغة العرب بدخول العجم فيها، وقد ظهرت بداية اللحن في جيل الصحابة، فظهرت الحاجة إلى ضبط اللسان العربي، وأغلب الروايات تشير إلى أن مبتكر ذلك هو أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي (ت٦٧، وقيل: ٦٩هـ)، كما أنه هو أول من نقط المصاحف (١)، ثم صار للضبط مراحل تطور، وكان للعلماء في اصطلاحاته أكثر من طريقة، وقد أخذ العلماء ببعضها وتركوا بعضها الآخر حتى صار إلى ما تراه اليوم.
стр. 224
والذي يعنينا من هذا هو طريقة أبي الأسود الدؤلي (ت٦٧، وقيل: ٦٩هـ) في نقط المصحف، وهو الذي اصطلح عليه باسم (النقط المدوَّر) وذكره بعضهم باسم (نقط الإعراب)، ومن هذه الروايات ما قاله محمد بن يزيد المبرد، قال: «لما وضع أبو الأسود الدؤلي النحو (١) قال: ابغوا لي رجلاً، وليكن لَقِناً، فطُلِبَ الرجل فلم يوجد إلا في عبد القيس، فقال أبو الأسود: إذا رأيتني لفظتُ بالحرف فضممت شفتي، فاجعل أمام الحرف نقطة، فإذا ضممتُ شفتي بغنة (٢) فاجعل نقطتين.
فإذا رأيتني قد كسرتُ شفتي، فاجعل أسفل الحرف نقطة، فإذا كسرتُ شفتي بغنة، فاجعل نقطتين.
فإذا رأيتَني قد فتحتُ شفتي، فاجعل على الحرف نقطة، فإذا فتحتُ شفتي بغنة، فاجعل نقطتين. قال أبو العباس: فلذلك النقط بالبصرة في عبد القيس إلى اليوم».
ويمكن تدوين الملاحظات الآتية على عمل أبي الأسود (٣):
١ - أن أبا الأسود اعتمد على وضع الشفتين في تمييز نوع الحركة.
٢ - أنه اعتمد النقطة ومكانها في الدلالة على الحركة.
٣ - أن عمله هذا صار ـ فيما يبدو ـ أصلاً للمصطلحات النحوية الثلاثة: الفتحة والكسرة والضمة.
٤ - يظهر أن أبا الأسود ضبط أواخر الكلمات، ولم يضبط غيرها، وهذا يدل على أن المراد حماية كلام العرب من الوقوع في اللحن المتعلق بالحركات.
٥ - أنه اعتمد المداد الأحمر للنقط؛ ليتميز عن رسم الحروف الذي كان باللون الأسود.
стр. 225
• موقف بعض المعاصرين لأبي الأسود من نقطه:
كره بعض معاصري أبي الأسود نقط المصحف؛ وممن ذُكِر عنه ذلك الصحابي عبد الله بن عمر ﵄ (ت٧٣هـ) (١) ومن التابعين إبراهيم النخعي (ت٩٦هـ) وغيره، وكراهية ابن عمر (ت٧٣هـ) لا تدل على وجود النقط قبل أبي الأسود (ت٦٧، أو ٦٩هـ) كما توهم ذلك بعضهم وجعل هذا النقط معروفاً زمن الصحابة؛ لأن تاريخ وفاة أبي الأسود متقدمة على وفاة من نُقِل عنه كراهة النقط مما يشير إلى ظهوره في عصرهم على يد أبي الأسود، فوقعت الكراهة منهم على عمله، والله أعلم (٢).
لكن هذه الكراهة قد زالت لمَّا تحققت مصلحة هذا العمل، وصار الأمر إلى قبول هذا النوع من النقط في طبقتهم والطبقة التي جاءت بعدهم.
ثانياً: نقط الإعجام:
المراد به تمييز الحروف المتشابهة في الرسم؛ كالراء والزاي (ر، ز) بحيث استُخدمت النُقط على الحروف أو تحتها لتمييز متشابهها في الرسم، ويبدو أن هذا النوع من النقط جاء متأخِّراً، فمصاحف الصحابة لم يكن فيها هذا النوع، ولا يبعد أن يكون وُجِد شيء منه في آواخر عصرهم، لكنَّ تميُّزه واستواءه كان متأخِّراً عن جيلهم؛ حيث ظهر تمام ضبطه في تلاميذ أبي الأسود.
стр. 226
وقد وُجِد نَقْشٌ ينسب إلى عهد معاوية بن أبي سفيان (ت٦٠هـ) فيه نقط الإعجام، لكنَّ وجوده لا يمثِّل أصلاً يُعتمد عليه إذ أغلب ما نُسِب إلى هذه الفترة من الرسم بغير إعجام، والله أعلم.
نقش سد الطائف (٥٨هـ)
وقد كان في ضبط بعض الحروف اختلافٌ في كيفية الإعجام؛ كالقاف التي وُضِع عليها نقطتان عند المشارقة، وهي المتبعة عندهم في رسم المصاحف، ووُضِع فوقها نقطة واحدة عند المغاربة، وهي المتبعة عندهم في رسم مصحف ورش.
ويُذكر أن هذا النوع من النقط قد ظهر على يد اثنين من طلاب أبي الأسود الدؤلي (ت٦٧ أو ٦٩هـ)، وهما يحيى بن يعمر العدواني (ت قبل ٩٠هـ)، ونصر بن عاصم الليثي (ت٩٠هـ)، وكان ذلك بأمر من الحجاج بن يوسف (ت٩٥هـ) زمن ولاية عبد الملك بن مروان (ت٨٦هـ)، وقد جعلوه بمداد أسود لكي لا يلتبس بنقط أبي الأسود الدؤلي (ت٦٧ أو ٦٩هـ)، ولأن نقط الحرف جزء منه، وليس له صورة فيُتوهم بسببها أن ما ليس بقرآن قراناً.
ثالثاً: نقط الخليل بن أحمد (ت١٧٠هـ تقريباً):
استمر العمل بنقط أبي الأسود (ت٦٧ أو ٦٩هـ) حتى جاء الخليل بن
стр. 227
أحمد (ت١٧٠هـ تقريباً) فعمل إلى حلِّ الإشكال القائم في النقط المدور (الذي يعتمد الدائرة واللون الأحمر)، فهي تتخذ شكلاً واحدّاً، ولا تتميز إلا باختلاف المكان فقط.
وقد أخذ الخليل بن أحمد شكل الحركاتِ من صورِ الحروف، قال محمد بن يزيد المبرد (ت٢٨٥هـ): «الشكل الذي في الكتب من عمل الخليل، وهو مأخوذ من صور الحروف، فالضمة واو صغيرة الصورة في أعلى الحرف؛ لئلا تلتبس بالواو المكتوبة، والكسرة ياء تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوق الحرف» (١).
وصار يُسمى (نقط الخليل)، أو (الشكل)، أو (شكل الشعر)، أو (الشكل المستطيل) (٢)، ولما ظهر نقط الخليل (ت١٧٠ تقريباً) وانتشر بدأ الناس يتركون نقط أبي الأسود (ت٦٧ أو ٦٩هـ)، ويستعملون نقط الخليل؛ لأنه أيسر للقارئ في الإدراك من النقط المدوَّر، يقول ابن مجاهد (ت٣٢٤هـ): «الشَّكل سِمة للكتاب، كما أن الإعراب سمة لكلام اللسان. ولولا الشكل لم تُعرف معاني الكتاب، كما لولا الإعراب لم تعرف معاني الكلام.
والشكل لِمَا أشكَلَ، وليس على كل حرف يقع الشكل؛ إنما يقع على ما إذا لم يُشْكَل التبس. ولو شُكِلَ الحرفُ من أوله إلى آخره ـ أعني: الكلمة ـ لأظلم ولم تكن فائدة إذ كان بعضه يؤدي عن بعض.
والشكل والنقط شيء واحد، غير أن فَهْمَ القارئ يسرع إلى الشكل أقرب مما يسرع إلى النقط؛ لاختلاف صورة الشكل واتفاق صورة النقط؛ إذ كان النقط كله مدوراً، والشكل فيه الضم والكسر والفتح والهمز
стр. 228
والتشديد بعلامات مختلفة. وذلك عامته مجتمع في النقط، غير أنه يحتاج أن يكون الناظر فيه قد عرف أصوله ... ففي نقط المصاحف المدور: (الرفع والنصب والخفض والتشديد والتنوين والمد والقصر)، ولولا أن ذلك كله فيه ما كان له معنى.
قال: وقد كان بعض من يحب أن يزيد في بيان النقط ممن يستعمل المصحف لنفسه ينقط الرفع والخفض والنصب بالحمرة، وينقط الهمز مجرداً بالخضرة، وينقط المشدد بالصفرة؛ كل ذلك بقلم مُدَوَّرٍ، وهذا أسرع إلى فهم القارئ من النقط بلون واحد بقلم مدور.
قال: وفي النقط علم كبير، واختلاف بين أهله، ولا يقدر أحد على القراءة في مصحف منقوط إذا لم يكن عنده علم بالنقط، بل لا ينتفع به إن لم يعلمه» (١).
وقد كان الضبطان مستعملين في وقت ابن مجاهد (ت٣٢٤هـ) ـ كما يبدو من كلامه، كما كان الداني (ت٤٤٤هـ) يأخذ بنقط أبي الأسود الدؤلي (ت٦٧ أو ٦٩هـ)، قال: «وترك استعمال شكل الشعر ـ وهو الشكل الذي في الكتب الذي اخترعه الخليل ـ في المصاحف الجامعة من الأمهات وغيرها = أولى وأحق اقتداء بمن ابتدأ النقط من التابعين واتِّباعاً للأئمة السالفين» (٢).
وهذا يدلُّ على أنَّ الشكل الذي اخترعه الخليل (ت١٧٠هـ) لم ينتشر انتشاراً يجعل نقط أبي الأسود (ت٦٧ أو ٦٩هـ) غير مستعملٍ، بل كان الضبطان مستعملين كما ترى.
ثم حصل لشكل الخليل (ت١٧٠هـ) شيءٌ من التعديل، فبدل علامة الكسرة (-) صارت توضع كسر بخط ممتد تحت الحرف كما هو مُتَّبع الآن.
• * *
стр. 229
قراءات مقترحة في موضوع: ضبط المصحف
كتاب «الطراز في شرح ضبط الخراز» للتنسي، وهو من أنفس الكتب في باب الضبط وسيأتي ذكره لاحقاً.
وقد كتب المعاصرون من علماء الإقراء في مصر كتباً مختصرة في الضبط ليستفيد منها الطلاب في دراستهم، منها:
١ - «سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين»، للشيخ علي بن محمد الضباع.
٢ - «السبيل إلى ضبط كلمات التنْزيل»، لأحمد محمد أبو زيت حار.
٣ - «إرشاد الطالبين إلى ضبط الكتاب المبين»، للدكتور محمد سالم محيسن.
بحوث مقترحة في موضوع: ضبط المصحف
١ - دراسة علامات الضبط عند النحويين وعلماء ضبط المصحف.
٢ - دراسة موازنة بين علامات الضبط في المصاحف التي كُتبت على قراءات متعددة، مثل: موازنة ضبط مصحف حفص بمصحف ورش، وهكذا غيرها.
٣ - دراسة علل الضبط، مثلاً: سبب اختيار الصفر الصغير إشارة للسكون.
٤ - أثر علماء المغرب العربي في علم الضبط.
стр. 230
المبحث الرابع
تجزئة المصحف
لقد كان من حكمة الله أن يكون القرآن مقسماً إلى سور، والسور مقسمة إلى آيات، وكان من فوائد هذا التقسيم تنشيط القارئ الذي يريد ختم القرآن بحيث ينتقل من آية إلى آية، ثم من سورة إلى سورة. وإن من منَّة الله على المسلمين أن يسَّر لهم تلاوة كلامه أناء الليل وأطراف النهار، وقد دأب المسلمون يجتهدون في هذه العبادة ويحرصون عليها، فعمدوا إلى تجزئة المصحف (١) إلى أقسام ليتسنى لهم قراءته بلا فتور ولا انقطاع، عملاً بالمنهج الذي رسمه النبي ﷺ لأمته لما سئل عن أحبِّ الأعمال، قالت عائشة ﵂: «سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قَلَّ. وقال: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون» (٢)، فذهب العلماء يقسمون المصحف مجتهدين في الوصول إلى تقسيم يُعِينُ القارئ أن يختم القرآن في قيام الليل من رمضان أو غيره، أو أن يختمه خارج صلاته، وقد وقع في تقسيماتهم اختلاف بسبب النظر إلى عدد الأيام التي يريدون أن يقع فيها ختم القرآن، فمن قسمه على سبعة أيام ليس كمن سيقسمه على عشرة أيام، ولا كمن أراد قسمته على ثلاثين يوماً (٣).
стр. 231
ويمكن أن يكون أصل هذه التقسيمات ما أخرجه مسلم بسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: «كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة قال فإما ذكرت للنبي ﷺ ، وإما أرسل إلي فأتيته، فقال لي: ألم أُخْبَر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟
فقلت: بلى يا نبي الله، ولم أُرِدْ بذلك إلا الخير.
قال: فإن بحسبك (١) أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام.
قلت: يا نبي الله؛ إني أطيق أفضل من ذلك.
قال: فإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزَورِك (٢) عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، فَصُمْ صَومَ داود نبي الله، فإنه كان أعبدَ الناس.
قال: قلت: يا نبي الله وما صوم داود؟
قال: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
قال: واقرأ القرآن في كل شهر.
قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك.
قال: فاقرأه في كل عشرين.
قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك.
قال: فاقرأه في كل عشر.
قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أكثر من ذلك.
قال: فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقاً، ولِزَورِكَ عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً.
قال: فشدَّدت فشُدِّد عليَّ.
قال: وقال لي النبي ﷺ : إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر.
قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كبرت وَدِدْتُ أني
стр. 232
كنت قَبِلْتُ رخصة نبي الله ﷺ (١)» (٢).
وهذا الحديث يشير إلى أنَّ من أراد أن يختم القرآن فإنه يجوز له أن يختمه في سبع، أو في عشر أو في عشرين أو في شهر، وبطبيعة الحال فإنه سيختلف القدر المقروء بين هذه التقسيمات.
وقد ورد عن الصحابة في التجزئة آثار، وقد سبق ذكر حديث وفد ثقيف، وسؤالهم الصحابة كيف يحزبون القرآن، وفيه الإشارة إلى أنهم كانوا يعتمدون القسمة الأسبوعية، فقد ورد فيما رواه أبو داود الطيالسي وغيره بأسانيدهم عن عبد الله بن أوس بن حذيفة الثقفي عن جده أوس ﵁ قال: قدمنا وفد ثقيف على النبي ﷺ فنَزل الأحلافيون على المغيرة بن شعبة، وأنزل المالكيين قُبَّتَه. قال: وكان رسول الله ﷺ يأتينا فيحدثنا بعد العشاء الآخرة حتى يراوح بين قدميه من طول القيام، فكان أكثر ما يحدثنا اشتكاء قريش؛ يقول: كنا بمكة مستذلين مستضعفين فلما قدمنا المدينة انتصفنا من القوم فكانت سجال الحرب علينا ولنا، فاحتبس عنا ليلة عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، ثم أتانا، فقلنا: يا رسول الله احتبست عنا الليلة عن الوقت الذي كنت تأتينا فيه.
فقال رسول الله ﷺ : إنه طرأ علي حزبي من القرآن فأحببت أن لا أخرج حتى أقرأه، أو قال: أقضيه.
قال: فلما أصبحنا سألنا أصحاب رسول الله ﷺ عن أحزاب القرآن كيف تحزبونه فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة وحزب المفصل» (٣).
стр. 233
وهذه القسمة الأسبوعية كما هو ظاهر تعتمد السور، فقد كانوا يُحزِّبون بها، ولا يقطعون السورة؛ لأنَّه كان من سننهم إنفاذ القراءة إلى آخر السورة (١)، وهذا التقسيم كالآتي:
١ - ثلاث سور: البقرة وآل عمران والنساء، وتمثل في مصحف المدينة النبوية (٢ - ١٠٦).
٢ - خمس سور: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، وتمثل في مصحف المدينة النبوية (١٠٦ - ٢٠٧).
٣ - سبع سور: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، وتمثل في مصحف المدينة النبوية (٢٠٨ - ٢٨١).
٤ - تسع سور: الإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان، وتمثل في مصحف المدينة النبوية (٢٨٢ - ٣٦٦).
٥ - إحدى عشرة سورة: الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس، وتمثل في مصحف المدينة النبوية (٣٦٧ - ٤٤٥).
٦ - ثلاث عشرة سورة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، ومحمد، والفتح، والحجرات، وتمثل في مصحف المدينة النبوية (٤٤٦ - ٥١٧).
٧ - المفصَّل، من سورة ق إلى آخر القرآن، وتمثل في مصحف المدينة النبوية (٥١٨ - ٦٠٤).
ثم كان لعلماء الأمة عناية بهذا الموضوع، فعمدوا مجتهدين إلى تقسيم القرآن تقسيمات متعددة، ويظهر أن ختم القرآن في شهر كان مقصداً أساساً في هذه التقسيمات؛ لأن الغالب عليها تقسيمه ثلاثين جزءاً.
стр. 234
ثم قسموه إلى أقل من الجزء، فجعلوا الجزء حزبين والحزب أربعة أرباع، في كل ربع ثُمُنان، فصار الجزء ثمانية أثمان، كما هو الحال في المصاحف المشرقية اليوم.
فالقسمة التي بين أيدينا في المصحف لا تذهب إلى تقسيم السور، بل هي تقسمه إلى أجزاء قد تنتهي في وسط سورة أو في خاتمة سورة، والملاحظ أنه لم يُعتمد في هذه التقسيمات على علم الوقف والابتداء، لذا قد تقع نهاية الثمن أو الحزب أو الجزء على موطن ناقص من جهة الوقف، فلا يكون وقفاً تامّاً، ولست أدري علام اعتمد من قسَّم هذا التقسيم؟!
وهي محكية قديماً، قد نقلها أبو عمرو الداني (ت٤٤٤هـ) في كتابه «البيان في عدِّ آي القرآن» على خلافٍ في بعض المواطن، ولم يذكر هو ولا غيره سبب اختيار المواطن، وإنما الظاهر من هذه القسمة أنهم أرادوها لمن يختم في شهر، فإنه يقرأ كل يوم جزءاً حتى يختمه في ثلاثين يوماً.
وبعض التقسيمات للمصحف جعلته على سبعة وعشرين قسماً ليكون ختمه في رمضان في ليلة السابع والعشرين، وقد ذكر هذا التقسيم جماعة؛ منهم: الداني (ت٤٤٤هـ) في كتابه «البيان في عد آي القرآن» (١)، وتلميذه أبو داود سليمان بن نجاح (ت٤٩٦هـ) في كتابه «مختصر التبيين لهجاء التنْزيل» (٢)، والسخاوي (ت٦٤٣هـ) في «جمال القراء» (٣)، وهذه التقسيمات ـ كما ترى ـ اجتهادية، وهناك تقسيمات أخرى محكية في كتب العلماء يمكن الرجوع إليها.
تنبيهات:
الأول: إن عدد صفحات الجزء في مصحف المدينة النبوية عشرون صفحة، فلو قسَّم المسلم هذه العشرين على عدد الصلوات الخمس، لكان
стр. 235
من حظِّ كل صلاة أربع صفحات، يقرؤها قبل الصلاة أو بعدها مباشرة، وبهذا يستطيع أن يقرأ جزءاً كل يوم، ويختمه بشهر.
الثاني: اعتمد مصحف (تاج كمبني) (١) ـ وهو المصحف الذي يُقرأ في القارة الهندية (الهند والباكستان وبنغلاديش) ـ على تجزئة تتعلق بالركوع، ويرمز لها بحرف (ع) يضعها على رقم الآية التي يحسن الركوع عندها، وهذا التقسيم لا ينظر إلى طول المقطع أو قِصَرِه، بل إلى تمام المعنى، حيث يعتمد على المواطن الصالحة للوقف، وقلَّ أن يخرج عن ذلك. وقد تتبعت كثيراً من مواطن الركوعات، فوجدتها تتبع المعنى، فتقف على معنى تامٍّ أو كافٍ، وهذا التقسيم المعتمد على الركوعات يصلح للقراءة في صلوات الفرض وصلاة التراويح وغيرها من الصلوات.
الثالث: كان السلف من الصحابة والتابعين يعتمدون التعشير في التعليم، وقد أخبر بذلك أبو عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كنا إذا تعلمنا من النبي ﷺ عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر الذي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه» (٢).
لكن كان بعضهم يكره وضع علامة التعشير في المصحف، وقد ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح (٣).
وكان غيرهم يجيزها، ويتخفف فيها، وقد ذكر الداني (ت٤٤٤هـ) الرواية عنهم كذلك.
• * *
стр. 236
المبحث الخامس
وقوف المصحف ورموزها
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
يرتبط موضوع الوقف والابتداء بالمعنى، لذا فهو منبثق من علم (التفسير)، وهو أثر من آثاره.
وله ارتباط بعلم (النحو) من جهة معرفة ما يصح الوقف عليه وما لا يصح من المفردات أو الجمل المرتبطة ببعضها من جهة النحو؛ كالمعطوفات والجملة الحالية وغيرها.
وله ارتباط بعلم (القراءات)، وذلك ظاهر باختلاف الوقف والابتداء بسبب اختلاف القراءة.
وستأتي أمثلة لعلاقة هذه العلوم بعلم (الوقف والابتداء).
стр. 237
وقوف المصحف ورموزها
إن علم الوقف والابتداء من العلوم المهمة للمقرئ والقارئ، إذ به تتبين المعاني، وهذا هو الهدف من هذا العلم، قال النحاس (ت٣٣٨هـ): «... فقد صار في معرفة القطع والائتناف التفريق بين المعاني، فينبغي لقارئ القرآن أن يتفهم ما يقرؤه، ويشغل قلبه به، ويتفقد القطع والائتناف، ويحرص على أن يُفهِم المستمعين في الصلاة وغيرها، وأن يكون وقفه عند كلام مستغنٍ أو شبهه، وأن يكون ابتداؤه حسناً، ولا يقف على الموتى في قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾ [الأنعام: ٣٦]، ولا أمثاله؛ لأن الوقف ههنا قد أشرك بين السامعين والموتى، والموتى لا يسمعون ولا يستجيبون، وإنما أخبر عنهم أنهم يُبعثون ...» (١).
وهذا يعني أنَّ علم الوقف والابتداء أثر من آثار المعنى، فمعرفة المعنى هي التي ترشد إلى مكان الوقف من عدمه، وليس كغيره من العلوم التي يدرسها في التجويد مما يحتاج إلى رياضة لسان.
العلوم المهمة لمن أراد معرفة الوقف والابتداء:
إنَّ من العلوم المهمَّة لمن أراد أن يعرف الوقف والابتداء علم التفسير وعلم النحو، وعلم القراءات؛ لأنَّ المعنى يُعرف بها، قال ابن مجاهد (ت٣٢٤هـ): «لا يقوم بالتمام (٢) إلا نحوي عالم بالقراءة، عالم بالتفسير، عالم بالقصص وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن» (٣).
стр. 238
وإذا تأمَّلت هذه العلوم وجدتها ترجع إلى معرفة المعنى الذي هو أساس علم الوقف والابتداء، فمعرفة التفسير واختلافات المفسرين يُعرف بها المعنى، فيعرف الواقف أين يقف بناءً على هذا التفسير أو ذاك.
ومن أشهر الأمثلة التي يُمثَّل بها في هذا المقام تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، فمن فسَّر التأويل بما تؤول إليه حقائق القرآن فإنه يقف على لفظ الجلالة؛ لأن علم الحقائق مما يختصُّ به الله، ومن ادعى علمه فقد كذب على الله.
ومن فسر التأويل بالتفسير جاز له أن يصل لفظ الجلالة بما بعده ويقف على لفظ (العلم)؛ لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسيره.
وأنت تلحظ في هذا المقام كيف اختلف الوقف باختلاف التفسير، وأصل ذلك راجع إلى المعنى المراد بالتأويل، فالمعنى أولاً، ثمَّ يجيء الوقف تبعاً للمعنى.
ومن أمثلة احتياج علم الوقف والابتداء إلى معرفة النحو ما ذكره النحاس (ت٣٣٨هـ) في استشهاده على ذلك بأن الاختلاف في إعراب لفظ (مِلَّة) من قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] يورث اختلافاً في صحة الوقف على لفظ (حرج) من عدمه، قال: «ويحتاج إلى معرفة النحو وتقديراته؛ ألا ترى أن من قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] منصوبة بمعنى كَمِلَّةِ، وأعمل فيها ما قبلها = لم يقف على ما قبلها. ومن نصبها على الإغراء وقف على ما قبلها» (١).
ومن أمثلة اختلاف الوقف باختلاف القراءات ما ذكره طاهر بن غلبون (ت٣٩٩هـ) في الاختلاف في قراءة ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾ من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا
стр. 239
الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨]، قال: «وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي (ثلاثَ عوراتٍ) بنصب الثاء، ورفعها الباقون.
فمن نصب لم يبتدئ به؛ لأنه بدل من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التقدير: ليستأذنكم هؤلاء لأوقات ثلاث عورات، فلذلك لا يجوز أن يقطع منه.
ومن رفع جاز له الابتداء به لأنه مستأنف، وذلك أنه يوقعه على إضمار مبتدأ؛ تقديره: هذه ثلاث عورات، أو يرفعه بالابتداء، والخبر في قوله ﴿لَكُمْ﴾» (١).
• مصطلحات العلماء في الوقف:
يمكن تقسيم مصطلحات العلماء في الوقف إلى قسمين رئيسين:
الأول: من عمد إلى بيان أماكن الوقوف الجائزة، دون النظر إلى مراتبها، أو إلى ما لا يصح الوقف عليه:
وعلى ذلك كتاب «التمام» لنافع (ت١٦٩هـ)، ويعقوب الحضرمي (ت٢٠٥هـ) (٢)، وعلى هذا سار المغاربة حتى اليوم، فهم لا يدوِّنون في مصاحفهم إلا المكان الصالح للوقف دون تقسيمٍ له إلى مراتب، وقد عملُوا بوقوف محمد بن جمعة المعروف بالهبطي (ت٩٣٠هـ).
والكتابة على هذا النحو قليلة بالنسبة للقسم الذي سيجيء بعدها.
стр. 240
الثاني: من قسَّم الوقوف إلى مراتب:
ويمكن حصر المدونات في هذا إلى ثلاثة أنواع:
الأول: التقسيم المبني على اللفظ والمعنى: وهذه التقسيمات مبنية على المعنى من حيث تمامه أو نقصه، وبين التمام والنقص مراتب اختلف العلماء في تقديرها اختلافاً كثيراً، وأشهر هذه التقسيمات القسمة الرباعية، وهي: الوقف التام، والوقف الكافي، والوقف الحسن، والوقف القبيح.
ومن قسم إلى أربعة أقسام قد يزيد مراتب إلى هذه الوقوف؛ كالصالح، والجائز، والمفهوم، وغيرها.
كما قد يجعل بعضهم كل قسم من الأقسام الأربعة على قسمين: التام والأتم، والكافي والأكفى، والحسن والأحسن، والقبيح والأقبح.
وهذا التقسيم الرباعي للوقوف المبني على اللفظ والمعنى يُنظرُ فيه إلى تمام الانقطاع من عدمه.
فالتَّام: ما انقطع عنه ما بعده لفظاً (إعراباً) ومعنى.
كالوقف على (المفلحون) من قوله تعالى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، لا علاقة لها بما قبلها لا من جهة المعنى ولا من جهة اللفظ، فلو ابتدأت بالقراءة بها لأفهمت معنى تامّاً، ولا حاجة لك بأن تبدأ بما قبلها.
والكافي: ما تعلق به ما بعده من جهة المعنى دون اللفظ (الإعراب).
ومن أمثلته الوقف على رأس الآية من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، ثمَّ البدء بقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، فالجملة الأولى من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] مستقلة بمعناها بحيث لو قطع السامع قراءته عليها لأفهم معنى واضحاً مستقلاً، فلو قرأ بقوله تعالى:
стр. 241
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ ابتداءً، لظهر للسامع أن هذه الجملة مرتبطة بما قبلها من جهة اللفظ دون الإعراب، فهي مستقلة إعراباً، ومرتبطة لفظاً بدلالة الضمير في قوله ﴿قُلُوبِهِمْ﴾، حيث يعود على ظاهر سابق، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
والحسن: ما تعلق به ما بعده من جهة اللفظ (الإعراب)، مع كون الجملة الموقوف عليها تامَّة في ذاتها.
ومن أمثلته: الوقف على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ثم البدء بقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فجملة الحمد لله مستقلة بنفسها معنى وإعراباً، بحيث لو لم يكن بعدها كلام لكان الوقف تامّاً، لكن جملة ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مرتبطة إعراباً بالجملة قبلها، فربِّ صفة للفظ الجلالة، ولا يوقف على الموصوف دون الصفة؛ لأنَّ البدء بها يدل على انقطاعها عما قبلها مع أنها تامة الاتصال.
والقبيح: ما اشتد تعلقه بما بعده الذي لا يفهم إلا به، أو ما أدخل في جملة تامة فصار في حكمها وهو ليس منها.
ومن أمثلة ما اشتد تعلقه بما قبله بحيث لا يُفهم منه معنى: الوقف على قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ [البقرة: ٢٥]؛ فإن الكلام ناقصٌ؛ لأن قوله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ هو تمام الكلام.
ومن أمثلة ما أدخل في جملة تامة فصار في حكمها وهو ليس منها الوقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾ [الأنعام: ٣٦]؛ لأن الموتى لا يسمعون، بل لهم حكم آخر، وهو ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦].
وهذا القسم هو الذي سارت عليه أغلب كتب الوقف والابتداء، فالكثرة الكاثرة اعتمدت هذه القسمة الرباعية على تفاوت بينها في الزيادة عليها، ومن أشهر الكتب في هذا:
١ - كتاب «إيضاح الوقف والابتداء»، لأبي بكر محمد بن القاسم،
стр. 242
المعروف بابن الأنباري (ت٣٢٨هـ) (١).
٢ - كتاب «القطع والائتناف»، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المعروف بالنحاس (ت٣٣٨هـ).
٣ - «المكتفى في الوقف والابتداء»، لأبي عمرو عثمان بن سعيد المعروف بالداني (ت٤٤٤هـ).
٤ - «منار الهدى في الوقف والابتداء»، لأحمد بن عبد الكريم المعروف بالأشموني (من أعيان القرن الحادي عشر).
الثاني: وقوف محمد بن طيفور المعروف بالسجاوندي (ت٥٦٠هـ)، وقد جعل أقسامه على ستِّ مراتب وهي: اللازم، والمطلق، والجائز، والمجوز لوجه، والمرخص لضرورة، والممنوع.
وقد عرَّف وقوفه هذه، وإليك ما قاله:
١ - الوقف اللازم، ورمزه (م)، قال: «فاللازم من الوقوف: ما لو وصل طرفاه غَيَّرَ المَرام، وشَنَّع معنى الكلام» (٢). ثم ذكر أمثلة لهذا النوع من الوقف، وهو من الوقوف المشهورة والمتداولة في مصاحف المشرق العربي ومصر.
٢ - الوقف المطلق، ورمزه (ط)، قال: «ما يحسن الابتداء بما بعده» (٣).
وقد ذكر السجاوندي أمثلة الوقف المطلق، وأطال فيها؛ كالاسم المبتدأ، والفعل المستأنف، ومفعول المحذوف ... إلخ.
стр. 243
٣ - الوقف الجائز، ورمزه (ج)، قال: «وأما الجائز: فما يجوز فيه الوصل والفصل لتجاذب الموجبين من الطرفين» (١).
ثم ذكر بعد هذا التعريف أمثلة للجائز، فقال: «كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤]؛ لأن واو العطف يقتضي الوصل، وتقديم المفعول على الفعل يقطع النظم، فإن التقدير: ويوقنون بالآخرة» (٢).
٤ - الوقف المجوز لوجه، ورمزه (ز)، قال: «والمجوز لوجه؛ كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦]؛ لأن الفاء في قوله: ﴿فَلاَ يُخَفَّفُ﴾ لتعقيب يتضمن معنى الجواب والجزاء لا حقيقة الجواب والجزاء، وذلك يوجب الوصل، إلا أن نظم الفعل على الاستئناف يُري للفصل وجهاً.
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]؛ لأن فاء الجواب والجزاء آكد في الوصل، ونظم الابتداء في قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ﴾ في وجه الفصل أضعف» (٣).
٥ - الوقف المرخص لضرورة، ورمزه (ص)، قال: «والمرخص ضرورة: ما لا يستغني ما بعده عما قبله، لكن يرخص الوقف ضرورة انقطاع النفس لطول الكلام، ولا يلزمه الوصل بالعود، لأن ما بعده جملة مفهومة؛ كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢]؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْزَلَ﴾ (٤) [البقرة: ٢٢] لا يستغني عن سياق الكلام، فإن فاعله ضمير يعود إلى صريح المذكور قبله غير أنها جملة مفهومة لكون الضمير مستكناً، وإن كان لا يبرز إلى النطق» (٥).
стр. 244
٦ - الوقف الممنوع، ورمزه (لا)، وهذا القسم هو المعروف في المصاحف اليوم بالوقف الممنوع، ولم يعرِّفه السجاوندي، بل قال: «وأما ما لا يجوز الوقف عليه ففي مواجبه ونظائره كثرة» (١).
ثم ذكر بعد ذلك أمثلة لما لا يجوز الوقف عليه؛ كأن يوقف بين الشرط وجزائه، وبين المبدل وبدله، وبين المبتدأ وخبره، وبين المنعوت ونعته ... إلخ (٢).
الثالث: وقوف المصحف المصري ومن تبعه:
جاء في التعريف بهذا المصحف ما يأتي: «وأُخِذ بيان وقوفه وعلاماتها مما قرره الأستاذ محمد بن علي الحسيني شيخ المقارئ المصرية سابقاً، على حسب ما اقتضته المعاني التي ترشد إليها أقوال أئمة التفسير».
ولم يشر التقرير إلى أكثر من هذا، ويظهر أن الحسيني قد استفاد من وقوف السجاوندي (ت٥٦٠هـ)؛ لأنه تبعه في بعض رموزه (اللازم، والجائز، والممنوع)، وكذا في أماكنها.
كما يظهر أنه اطلع على كتاب طُبِع في مصر عام ١٢٩٠هـ لمؤلف يُدعى محمد الصادق الهندي، وعنوان كتابه «كنوز ألطاف البرهان في رموز أوقاف القرآن»، وقد ذكر في هذا الكتاب الوقف الأولى والوصل الأولى ووقف التعانق.
وقد تبِعت لجنة مصحف المدينة النبوية لجنة المصحفَ المصري في هذه الرموز، وإن خالفوها في بعض مواطن الوقف، أما النسخة الثانية من مصحف المدينة النبوية فقد حذفت لجنته الوقف الممنوع.
وبما أنه قد سبق بيان الوقف اللازم والجائز والممنوع، فإنه لم يبق إلا التعريف بالوقوف الثلاثة الأخرى، وهي (الوصل أولى، والوقف أولى، ووقف التعانق).
стр. 245
١ - الوصل أولى، وعلامته (صلى)، وهو عين الوقف المجوز لوجه عند السجاوندي (ت٥٦٠هـ).
٢ - الوقف أولى، وعلامته (قلى)، وهو يقابل الوصل أولى، إذ فيه موجبان، موجب الوقف وموجب الوصل، وموجب الوقف هو المترجِّح، فيقدَّمُ هذا الموجب، ويكون الوقف أولى لهذا السبب.
وإذا تأمَّلت هذين الوقفين ووازنتهما بالوقف الجائز ظهر لك أن جواز الوقف على ثلاث مراتب:
الأولى: أن يستوي موجب الوقف وموجب الوصل، فيكون الوقف جائزاً والوصل جائزاً لاستواء الطرفين.
الثانية: أن يكون جائزاً لكن موجب الوصل أقوى، فيكون الوصل أولى.
الثالثة: أن يكون جائزاً لكن موجب الوقف أقوى، فيكون الوقف أولى.
وهذه المراتب الثلاث لا يمكن التمييز بينها بسهولة، والغاية منها لا تساوي التفريق بينها؛ لأنها في النهاية تدور على الجواز بين الوقف والوصل، والقارئ لا يستفيد من هذا التفريق، فلو كانت كلها على سبيل الجواز لكان أولى من هذا التشقيق الذي لا يخلو من تكلُّف في بعض المواطن، وإن كان ظاهراً في بعضها.
٣ - وقف التعانق، وهو الذي يكون فيه وقفان متغايران في المعنى، بحيث إذا وُقِف على الموضع الأول أعطى معنى غير المعنى الذي يكون على الوقف في الموضع الثاني، وعلامته (. . .) فالكلمة التي تكون بين هذه النقاط هي التي يقع عليها التعانق، مثل كلمة (فيه) من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
والذي ظهر لي من استقراء وقوف التعانق في المصاحف أنها لا تخرج عن ثلاثة أنواع:
стр. 246
النوع الأول: أن يكون بين المعنى على الوقف الاول والمعنى على الوقف الثاني تداخل بحيث يدخل أحدهما في معنى الآخر، فيُكتفى بالأعم منهما في هذه الحالة، ويسقط التعانق.
النوع الثاني: أن يكون بين المعنى على الوقف الاول والمعنى على الوقف الثاني اختلاف تضادُّ، فيسقط أحدهما لأجل التضاد.
النوع الثالث: أن يكون بين المعنى على الوقف الاول والمعنى على الوقف الثاني اختلاف تنوع، وذلك هو الذي يصلح لأن يكون وقف التعانق، وسأذكر مثالاً يوضح كل نوع.
مثال النوع الأول الذي يقع فيه تداخل في المعنى:
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، التعانق على لفظ ﴿فِيهِ﴾، ووجه الوقفين كالآتي:
الوقف الأول: أن تقف على جملة ﴿لاَ رَيْبَ﴾، ثم تبتدئ ﴿فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويكون في هذا الوقف المعاني الآتية:
١ - حذف خبر ﴿لاَ﴾ ويُقدَّر من مثل ما بعدها، وهو شبه الجملة ﴿فِيهِ﴾، ويكون المعنى: ذلك الكتاب لا ريب فيه. فيه هدى للمتقين.
٢ - أن قوله: ﴿فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ يدل على أنه يوجد فيه الهدى للمتقين.
الوقف الثاني: أن تقف على ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾، ثم تبتدئ ﴿هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهذا الوقف هو الأرجح لأمور:
الأول: أن الوقف على ﴿فِيهِ﴾ يجعل جملة ﴿هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ مستقلة بمعنى جديد أبلغ مما لو كانت ﴿فِيهِ﴾ بعضاً من الجملة، وهذا المعنى هو كون القرآن كله هدى.
الثاني: أن كون القرآن هدى للمتقين يشهد له القرآن، وهو متكرر فيه في أكثر من موطن، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً
стр. 247
وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ *هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١، ٢]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ *هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٢، ٣].
الثالث: أن لفظ ﴿لاَ رَيْبَ﴾ لم تجئ في القرآن بلا خبر، بل كل ورودها في القرآن يكون بخبر، وهو: فيه، ولذا يترجح هنا كون ﴿فِيهِ﴾ خبراً للا ريب.
كما أن الجملة إذا دارت بين التقدير وعدمه حُمِلَت على عدم التقدير لأنه أكمل، فالوقف الأول يحتاج إلى تقدير ﴿فِيهِ﴾، والوقف الثاني يجعل ﴿فِيهِ﴾ الظاهر هي الخبر، ولا يحتاج إلى تقدير.
الرابع: أن تفسير السلف جاء على أنَّ ﴿فِيهِ﴾ متعلقة بـ ﴿لاَ رَيْبَ﴾، حيث اتفقت كلمتهم على تفسير ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه.
الخامس: أن المعنى على الوقف الأول جزء من المعنى على الوقف الثاني، فالقرآن ـ على الوقف الأول ـ فيه هدى، ولا يلزم أن يكون كله هدى، وعلى الوقف الثاني يكون كله هدى، وهذا أبلغ.
وإذا كان ذلك كذلك، فلا حاجة للوقف على ﴿لاَ رَيْبَ﴾؛ لأنها لا تكون جملة صالحة للوقف على ما ذكرت لك، والله أعلم.
مثال للنوع الثاني الذي يقع فيه تضادٌّ في المعاني:
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦].
التعانق يقع على لفظ ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، ويكون معنى الوقف على ما يأتي:
الوقف الأول: الوقف على قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، ثم تبتدئ ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾.
ويلزم من هذا الوقف المعاني الآتية:
стр. 248
١ - أن التحريم أبديٌّ، ويلزم من هذا أن يكون كل من عاشوا في التيه ماتوا ـ ولم يدخل أحد منهم الأرض المقدسة.
٢ - أن يكون الظرف: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوباً بقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾.
الوقف الثاني: الوقف على: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، ثم يجوز له الوصل أو الاستئناف بجملة ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾.
ويلزم من هذا الوقف الأمور الآتية:
١ - أن التحريم إنما هو لمدة أربعين سنة.
٢ - أنهم في هذه الأربعين يكونون في تيه.
٣ - أن يكون قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ متعلق بلفظ: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾.
وهذا الوقف هو الصحيح لأمور منها:
١ - أنه قد ثبت أنَّ بعض من في التيه قد دخل الأرض المقدسة، ومنهم يوشع (فتى موسى ﵉ الذي قاد جموع بني إسرائيل ـ بعد موت موسى ﵇ في التيه ـ فدخل بهم الأرض المقدسة، ولو كانت محرمة عليهم جميعاً للزم منه موت كل من حضر التيه، وهذا لا يُعقل.
٢ - أن قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عامٌّ، وقد حُرِّمت عليهم كلهم مدة الأربعين، فلم يدخلها أحد، ولا يصلح أن تكون لفظة: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عموماً للتحريم دون التيه، والجملة مرتبطةٌ ألفاظها، وضمائرها متناسقة في نظم واحد.
مثال للنوع الثالث الذي يقع فيه تنوع في المعاني:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
جملة التعانق هي قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، ويكون وقف التعانق كالآتي:
стр. 249
الوقف الأول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾، ثم تبتدئ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
وهذا الوقف مبني على أنَّ المراد بالتأويل: ما تؤول إليه حقائق القرآن وأخباره المغيَّبة، وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى، فلا يعلم متى وقوعها ولا كيفية وقوعها إلا هو سبحانه، ومن ادَّعى علمها فقد كذب على الله.
الوقف الثاني: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، ثم يجوز لك أن تصل أو تبتدئ بجملة ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
وهذا الوقف مبني على أن المراد بالتأويل: التفسير، والتفسير يعلمه الراسخون في العلم بخلاف ما تؤول إليه حقائق القرآن وأخباره التي لا يعلمها إلا الله، فهم يشتركون في معرفة المعنى، حيث إنه ليس من العلم الذي يختصُّ بالله تعالى، لذا لا يجوز أن يقال: إن في القرآن آيات لا يُعرف معناها، بل جميع القرآن معلوم المعنى للعلماء، وهم يتفاوتون في معرفة تلك المعاني.
وهذان المعنيان متغايران، وليسا متضادين، وهما اللذان يصلح أن ينطبق عليهما وقف التعانق، بخلاف النوعين الأولين، فالتداخل في المعاني يجعلك تختار الأعم منها لدخول الآخر فيه، والتضاد يلزم منه الترجيح، فيسقط أحد المعنيين، وبهذا لا يكون الوقف متعانقاً.
تنبيه:
اعلم أن الوقوف لما كان مبناها الاجتهاد، فإن هذا يعني أنَّ ما وُضِع من وقوف في المصاحف إنما كان باجتهادٍ ـ يشكر أصحابه ـ يمكن أن يأتي من يخالفه، بشرط أن يكون الأمر بعلم، لا بذوق وتحكُّمٍ كما يقع عند بعض الناس، فتراه يقف وقوفات غريبة، ويبتدئ ابتداءً غريباً كذلك، وما دعاه إلى ذلك إلا تذوقٌ غير سليم، ومن أمثلة ذلك:
• قرأ بعضهم قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]، ثم استأنف قائلاً: ﴿الْمَجِيدُ﴾ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٥، ١٦].
стр. 250
ووقفه صحيح بلا ريب، لكن ابتداءه غلط واضحٌ، إذ فيه إخلال بنظم القرآن من جهات:
الأولى: أنَّ قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ انقطع عما بعده، فهل يُجيز هذا القارئ الوقف على ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾، ولَمَّا يتمَّ الكلام؟!
الثانية: لَمَّا كان قوله: ﴿الْمَجِيدُ﴾ خبراً بعد خبر ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ (على قراءة الرفع)، فكيف يمكن أن يكون خبراً ومبتدءاً في الوقت نفسه؛ لأنه بقراءته ﴿الْمَجِيدُ﴾ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ صار ﴿الْمَجِيدُ﴾ مبتدءاً، وقوله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ خبر المبتدأ.
وفي هذا تقطيع للكلام كما تلاحظ، وهو مما يعاب في الكلام المعتاد، فكيف بمن زعمه في كلام الله تعالى.
الثالثة: عدم الاعتبار برأس الآية، وفي ذلك عيب ظاهر، إذ ما قيمة رأس الآية إن لم تكن وُضِعَتْ للتنبيه على الوقوف عليها، كما أنه لم يرد في السنة ولا في عمل الصحابة ما يشير إلى ترك الوقوف على رؤوس الآي، فبقي الأمر على الأصل، وهو أن تكون رؤوس الآي مقصودات للوقف عليهن، وأنهنَّ يدخلن في بلاغة القرآن وتأثيراته الصوتية والأدائية.
وقد أشار إلى الاعتبار بالوقوف على رؤوس الآي الطاهر بن عاشور (ت١٣٩٣هـ)، والاعتداد بها من جهة نظم القرآن، فقال: «... فأما التحدي بعجز بلغائهم عن معارضته فأمر يرتبط بما فيه من الخصوصيات البلاغية التي لا يستوي في القدرة عليها جميعهم بل خاصة بلغائهم من خطباء وشعراء وكان من جملة طرق الإعجاز ما يرجع إلى محسنات الكلام من فن البديع، ومن ذلك فواصل الآيات التي هي شبه قوافي الشعر وأسجاع النثر، وهي مراده في نظم القرآن لا محالة؛ كما قدَّمناه عند الكلام على آيات القرآن، فكان عدم الوقف عليها تفريطاً في الغرض المقصود منها ... فكان الاعتبار بفواصله التي هي مقاطع آياته عندهم أهم لأن عجز قادتهم وأولي البلاغة والرأي منهم تقوم به الحجة عليهم وعلى دهمائهم.