النوع الأول: أن يكون بين المعنى على الوقف الاول والمعنى على الوقف الثاني تداخل بحيث يدخل أحدهما في معنى الآخر، فيُكتفى بالأعم منهما في هذه الحالة، ويسقط التعانق.
النوع الثاني: أن يكون بين المعنى على الوقف الاول والمعنى على الوقف الثاني اختلاف تضادُّ، فيسقط أحدهما لأجل التضاد.
النوع الثالث: أن يكون بين المعنى على الوقف الاول والمعنى على الوقف الثاني اختلاف تنوع، وذلك هو الذي يصلح لأن يكون وقف التعانق، وسأذكر مثالاً يوضح كل نوع.
مثال النوع الأول الذي يقع فيه تداخل في المعنى:
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، التعانق على لفظ ﴿فِيهِ﴾، ووجه الوقفين كالآتي:
الوقف الأول: أن تقف على جملة ﴿لاَ رَيْبَ﴾، ثم تبتدئ ﴿فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويكون في هذا الوقف المعاني الآتية:
١ - حذف خبر ﴿لاَ﴾ ويُقدَّر من مثل ما بعدها، وهو شبه الجملة ﴿فِيهِ﴾، ويكون المعنى: ذلك الكتاب لا ريب فيه. فيه هدى للمتقين.
٢ - أن قوله: ﴿فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ يدل على أنه يوجد فيه الهدى للمتقين.
الوقف الثاني: أن تقف على ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾، ثم تبتدئ ﴿هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهذا الوقف هو الأرجح لأمور:
الأول: أن الوقف على ﴿فِيهِ﴾ يجعل جملة ﴿هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ مستقلة بمعنى جديد أبلغ مما لو كانت ﴿فِيهِ﴾ بعضاً من الجملة، وهذا المعنى هو كون القرآن كله هدى.
الثاني: أن كون القرآن هدى للمتقين يشهد له القرآن، وهو متكرر فيه في أكثر من موطن، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً
стр. 247
وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ *هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١، ٢]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ *هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٢، ٣].
الثالث: أن لفظ ﴿لاَ رَيْبَ﴾ لم تجئ في القرآن بلا خبر، بل كل ورودها في القرآن يكون بخبر، وهو: فيه، ولذا يترجح هنا كون ﴿فِيهِ﴾ خبراً للا ريب.
كما أن الجملة إذا دارت بين التقدير وعدمه حُمِلَت على عدم التقدير لأنه أكمل، فالوقف الأول يحتاج إلى تقدير ﴿فِيهِ﴾، والوقف الثاني يجعل ﴿فِيهِ﴾ الظاهر هي الخبر، ولا يحتاج إلى تقدير.
الرابع: أن تفسير السلف جاء على أنَّ ﴿فِيهِ﴾ متعلقة بـ ﴿لاَ رَيْبَ﴾، حيث اتفقت كلمتهم على تفسير ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه.
الخامس: أن المعنى على الوقف الأول جزء من المعنى على الوقف الثاني، فالقرآن ـ على الوقف الأول ـ فيه هدى، ولا يلزم أن يكون كله هدى، وعلى الوقف الثاني يكون كله هدى، وهذا أبلغ.
وإذا كان ذلك كذلك، فلا حاجة للوقف على ﴿لاَ رَيْبَ﴾؛ لأنها لا تكون جملة صالحة للوقف على ما ذكرت لك، والله أعلم.
مثال للنوع الثاني الذي يقع فيه تضادٌّ في المعاني:
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦].
التعانق يقع على لفظ ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، ويكون معنى الوقف على ما يأتي:
الوقف الأول: الوقف على قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، ثم تبتدئ ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾.
ويلزم من هذا الوقف المعاني الآتية:
стр. 248
١ - أن التحريم أبديٌّ، ويلزم من هذا أن يكون كل من عاشوا في التيه ماتوا ـ ولم يدخل أحد منهم الأرض المقدسة.
٢ - أن يكون الظرف: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوباً بقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾.
الوقف الثاني: الوقف على: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، ثم يجوز له الوصل أو الاستئناف بجملة ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾.
ويلزم من هذا الوقف الأمور الآتية:
١ - أن التحريم إنما هو لمدة أربعين سنة.
٢ - أنهم في هذه الأربعين يكونون في تيه.
٣ - أن يكون قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ متعلق بلفظ: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾.
وهذا الوقف هو الصحيح لأمور منها:
١ - أنه قد ثبت أنَّ بعض من في التيه قد دخل الأرض المقدسة، ومنهم يوشع (فتى موسى ﵉ الذي قاد جموع بني إسرائيل ـ بعد موت موسى ﵇ في التيه ـ فدخل بهم الأرض المقدسة، ولو كانت محرمة عليهم جميعاً للزم منه موت كل من حضر التيه، وهذا لا يُعقل.
٢ - أن قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عامٌّ، وقد حُرِّمت عليهم كلهم مدة الأربعين، فلم يدخلها أحد، ولا يصلح أن تكون لفظة: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عموماً للتحريم دون التيه، والجملة مرتبطةٌ ألفاظها، وضمائرها متناسقة في نظم واحد.
مثال للنوع الثالث الذي يقع فيه تنوع في المعاني:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
جملة التعانق هي قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، ويكون وقف التعانق كالآتي:
стр. 249
الوقف الأول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾، ثم تبتدئ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
وهذا الوقف مبني على أنَّ المراد بالتأويل: ما تؤول إليه حقائق القرآن وأخباره المغيَّبة، وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى، فلا يعلم متى وقوعها ولا كيفية وقوعها إلا هو سبحانه، ومن ادَّعى علمها فقد كذب على الله.
الوقف الثاني: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، ثم يجوز لك أن تصل أو تبتدئ بجملة ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
وهذا الوقف مبني على أن المراد بالتأويل: التفسير، والتفسير يعلمه الراسخون في العلم بخلاف ما تؤول إليه حقائق القرآن وأخباره التي لا يعلمها إلا الله، فهم يشتركون في معرفة المعنى، حيث إنه ليس من العلم الذي يختصُّ بالله تعالى، لذا لا يجوز أن يقال: إن في القرآن آيات لا يُعرف معناها، بل جميع القرآن معلوم المعنى للعلماء، وهم يتفاوتون في معرفة تلك المعاني.
وهذان المعنيان متغايران، وليسا متضادين، وهما اللذان يصلح أن ينطبق عليهما وقف التعانق، بخلاف النوعين الأولين، فالتداخل في المعاني يجعلك تختار الأعم منها لدخول الآخر فيه، والتضاد يلزم منه الترجيح، فيسقط أحد المعنيين، وبهذا لا يكون الوقف متعانقاً.
تنبيه:
اعلم أن الوقوف لما كان مبناها الاجتهاد، فإن هذا يعني أنَّ ما وُضِع من وقوف في المصاحف إنما كان باجتهادٍ ـ يشكر أصحابه ـ يمكن أن يأتي من يخالفه، بشرط أن يكون الأمر بعلم، لا بذوق وتحكُّمٍ كما يقع عند بعض الناس، فتراه يقف وقوفات غريبة، ويبتدئ ابتداءً غريباً كذلك، وما دعاه إلى ذلك إلا تذوقٌ غير سليم، ومن أمثلة ذلك:
• قرأ بعضهم قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]، ثم استأنف قائلاً: ﴿الْمَجِيدُ﴾ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٥، ١٦].
стр. 250
ووقفه صحيح بلا ريب، لكن ابتداءه غلط واضحٌ، إذ فيه إخلال بنظم القرآن من جهات:
الأولى: أنَّ قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ انقطع عما بعده، فهل يُجيز هذا القارئ الوقف على ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾، ولَمَّا يتمَّ الكلام؟!
الثانية: لَمَّا كان قوله: ﴿الْمَجِيدُ﴾ خبراً بعد خبر ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ (على قراءة الرفع)، فكيف يمكن أن يكون خبراً ومبتدءاً في الوقت نفسه؛ لأنه بقراءته ﴿الْمَجِيدُ﴾ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ صار ﴿الْمَجِيدُ﴾ مبتدءاً، وقوله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ خبر المبتدأ.
وفي هذا تقطيع للكلام كما تلاحظ، وهو مما يعاب في الكلام المعتاد، فكيف بمن زعمه في كلام الله تعالى.
الثالثة: عدم الاعتبار برأس الآية، وفي ذلك عيب ظاهر، إذ ما قيمة رأس الآية إن لم تكن وُضِعَتْ للتنبيه على الوقوف عليها، كما أنه لم يرد في السنة ولا في عمل الصحابة ما يشير إلى ترك الوقوف على رؤوس الآي، فبقي الأمر على الأصل، وهو أن تكون رؤوس الآي مقصودات للوقف عليهن، وأنهنَّ يدخلن في بلاغة القرآن وتأثيراته الصوتية والأدائية.
وقد أشار إلى الاعتبار بالوقوف على رؤوس الآي الطاهر بن عاشور (ت١٣٩٣هـ)، والاعتداد بها من جهة نظم القرآن، فقال: «... فأما التحدي بعجز بلغائهم عن معارضته فأمر يرتبط بما فيه من الخصوصيات البلاغية التي لا يستوي في القدرة عليها جميعهم بل خاصة بلغائهم من خطباء وشعراء وكان من جملة طرق الإعجاز ما يرجع إلى محسنات الكلام من فن البديع، ومن ذلك فواصل الآيات التي هي شبه قوافي الشعر وأسجاع النثر، وهي مراده في نظم القرآن لا محالة؛ كما قدَّمناه عند الكلام على آيات القرآن، فكان عدم الوقف عليها تفريطاً في الغرض المقصود منها ... فكان الاعتبار بفواصله التي هي مقاطع آياته عندهم أهم لأن عجز قادتهم وأولي البلاغة والرأي منهم تقوم به الحجة عليهم وعلى دهمائهم.
стр. 251
فلما كثر الداخلون في الإسلام من دهماء العرب ومن عموم بقية الأمم = توجه اعتناء أهل القرآن إلى ضبط وقوفه تيسيراً لفهمه على قارئيه، فظهر الاعتناء بالوقوف، ورُوعِيَ فيها ما يراعى في تفسير الآيات، فكان ضبط الوقوف مقدمة لما يُفَادُ من المعاني عند واضع الوقف» (١).
فإن قلت: أيعني هذا عدم تتبع المواقف الحسنة في أواسط الآي؟
فالجواب: لا، بل ذلك مطلب في أواسط الآي، وعلى هذا يقوم علم الوقف والابتداء، حيث يتتبع العلماء المواقف الصالحة في أواسط الآي، وينبهون على المواقف غير الصالحة.
أمَّا الوقف على رؤوس الآي، فلم يقع اختلاف بين العلماء في الوقف على رؤوس الآي إذا لم يتعلق بها ما بعدها، وقد كان بعض العلماء يسمي الوقف على رأس الآية وقف السنة، وذلك اعتماداً على حديث أم سلمة ﵂ (٢).
لكن وقع خلافهم فيما إذا كان رأس الآية يتبعه ما بعده من جهة اللفظ والمعنى، فما الأولى في ذلك: الوقف على رؤوس الآي، أو الوصل من أجل تمام المعنى (٣)؟ والأمر في ذلك واسع ـ ولله الحمد ـ، فإن وقفت فلك في ذلك سلفٌ من العلماء قالوا بذلك القول، ولهم حججهم العلمية، وإن وصلت فلك كذلك مثل ذلك.
لكن حديث أم سلمة ﵂ يشير ـ كما فهم بعض العلماء ـ إلى أن الوقوف على رؤوس الآي سنة، فعنها ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته، يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقف. ﴿الرَّحْمَانِ
стр. 252
الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف ...» الحديث (١).
ومما يُستأنس به في تقوية هذا المذهب: أن ابن مسعود ﵁ لما قرأ على رسول الله ﷺ سورة النساء، ووصل إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، أمره ﷺ أن يقطع القراءة على هذا الموضع، فقال: «حسبك» (٢).
ولو كان تتبع المعاني مما يحرص عليه رسول الله ﷺ ، لما أمر ابن مسعود أن يقطع قبل تمام المعنى؛ لأن قوله تعالى بعدها: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] متعلق بها. وبهذه الآية ينتهي المقطع، ويكون الوقف تامّاً؛ لأن قوله تعالى بعدها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ...﴾ [النساء: ٤٣] نداءٌ للمؤمنين، والنداء يدل على انقطاع الجملة عما قبلها، والابتداء بأمر جديد، واللهُ أعلمُ.
• * *
стр. 253
بحوث مقترحة في موضوع: الوقف والابتداء
موضوع وقوف القرآن من الموضوعات النفيسة التي يحتاج إليها قارئ القرآن، فضلاً عن معلميه، وفيه موضوعات كثيرة جدّاً تحتاج إلى بحث وتجلية، ويمكن افتراع بحوث كثيرة في هذا الموضوع، منها:
١ - قواعد في الوقف والابتداء.
مثل كل جملة مبدوءة بالنداء (يا أيها)، فإنها تصلح للابتداء.
٢ - جمع مصطلحات علماء الوقف والابتداء والموازنة بينها.
٣ - إجراء تطبيقات عملية على أنواع الوقف والابتداء على سور من القرآن، أو على مواضع منه.
٤ - دراسة علل وقوف المصاحف المعاصرة.
٥ - دراسة رؤوس الآيات التي يتعلق ما بعدها بها من جهة اللفظ.
٦ - دراسة منهج كتاب من كتب الوقف والابتداء.
وغيرها من البحوث الكثيرة التي يمكن أن يقوم بها الطلاب لتثبيت هذا العلم والاستفادة من موضوعاته المتنوعة. ولا يخفى على الباحث ما كتبه علماء الوقف والابتداء في هذا العلم من كتب كثيرة، وقد طُبع منها مجموعة قليلة، كما كان للمعاصرين مشاركة في الكتابة في هذا العلم.
стр. 254
الفصل الثاني
مثال معاصر لعناية العلماء بضبط المصحف (مصطلحات ضبط مصحف المدينة النبوية)
стр. 255
جاء في نهاية مصحف المدينة النبوية، المطبوع بمجمع الملك فهد تعريف بما وقع من رسمه وضبطه، وسأذكر بعض القضايا والفوائد التي أشار إليها هذا التعريف مما لم يسبق بحثه، لتتكامل للطالب المعرفة بما لقي المصحف الشريف من العناية التامة من هذه الأمة ممثلةً بعلمائها.
وسأجعل الموضوع منقسماً إلى قسمين:
الأول: ما جاء من التعريف بكيفية كتابته، والكتب والعلماء الذين اعتمدوهم في رسمه وضبطه.
الثاني: في مصطلحات ضبطه.
وليس المراد شرح كل ما جاء في هذا التعريف بالمصحف؛ إذ بعض قضاياه تؤخذ من محلِّها من كتب الفقه أو غيره كمواضع السجدات، وإنما حرصت على ما يتعلق منه بالإقراء، والله الموفق.
стр. 256
المبحث الأول
التعريف بالمصحف من حيث العلماء والمصادر التي اعتمدتها اللجنة
١ - قالت اللجنة: «كُتِبَ هذا المصحف وضُبط على ما يوافق رواية حفص بن سليمان الأسدي الكوفي لقراءة عاصم بن أبي النَّجود الكوفي التابعي عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأُبي بن كعب عن النبي ﷺ ».
القضايا والفوائد العلمية في هذا النص:
الأولى: الإشارة إلى أن الضبط يوافق الرواية، وقد مرَّ التنبيه على هذا، بحيث لو كان المصحف سيكتب على رواية أخرى لاختلف الضبط بناءً على اختلاف الرواية.
الثانية: حفص وعاصم كوفيان، وأبو عبد الرحمن السُّلمي كوفيٌّ، وهو قد تلقى القراءة عن علماء الصحابة في المدينة كما هو ظاهر من إسناده الرواية عنهم.
وأبو عبد الرحمن السُّلمي (عبد الله بن حبيب بن رُبيعة) ممن وقف نفسه على إقراء القرآن الكريم، فعلَّمه في مسجد الكوفة، كان يقرئ القرآن بالكوفة من خلافة عثمان ﵁ إلى إمرة الحجاج، قال أبو إسحاق السبيعي: «أقرَأَ أبو عبد الرحمن السلمي القرآن في المسجد أربعين سنة» (١).
الثالثة: يمكن الرجوع إلى إسناد رواية حفص عن عاصم في أمَّات
стр. 257
كتب القراءات التي تذكر الأسانيد؛ كـ «السبعة» لابن مجاهد (ت٣٢٤هـ)، و «التذكرة» لابن غلبون (ت٣٩٩هـ)، و «جامع البيان» للداني (ت٤٤٤هـ)، و «الإيضاح» للأندرابي (ت٤٥٠هـ)، وغيرها كثير جدّاً.
٢ - قالت اللجنة: «وأخِذَ هجاؤه مما رواه علماء الرسم عن المصاحف التي بعث بها الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ عنه إلى البصرة والكوفة والشام ومكة، والمصحف الذي جعله لأهل المدينة، والمصحف الذي اختصَّ به نفسه، وعن المصاحف المنتسخة منها.
وقد رُوعي في ذلك ما نقله الشيخان: أبو عمرو الداني وأبو داود سليمان بن نجاح، مع ترجيح الثاني عند الاختلاف».
القضايا والفوائد العلمية في هذا النص:
الأولى: أشار النصُّ إلى القول الصحيح في عدد المصاحف التي كتبها عثمان بن عفان ﵁، وهي ستة مصاحف كما هو مذكور، وقد سبقت الإشارة إلى هذا (١).
الثانية: بيَّن طريقة نقل الرسم، وهي إما بالنظر في أحد هذه المصاحف الستة، وإما بالنظر في المصاحف التي استُنسخت منها وعلى وفقِها، وذلك أمر اختصَّ به العارفون من علماء القرآن كالعَلمين المذكورين: الداني (ت٤٤٤هـ) وأبي داود (ت٤٩٦هـ).
ويمكن القول بأن مصدر الرسم بالنسبة لنا هو نقل العلماء من هذه المصاحف المعتمدة، ومن طَالع كتبهم ـ مثل كتاب «الوسيلة شرح العقيلة» للسخاوي (ت٦٤٣هـ) ـ ظهر له شدَّة عنايتهم بمقابلة المصاحف، والتعرُّف على الرسم الصحيح فيها، وذلك موضوع يحتاج إلى عناية الباحثين ليُبرزوا مدى عناية علماء القرآن بقضايا الرسم.
الثالثة: أشار النص إلى علمين من أعلام القرآن، وهما:
стр. 258
الأول: الداني (ت٤٤٤هـ)، وهو أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، رحل إلى المشرق وأخذ عن علمائه، وكان أكبر اعتنائه بعلوم القرآن من قراءات وتوجيهها، ورسم وضبط المصحف وغيرها، وله كتب كثيرة معتمدة في هذا العلم، فكتاب «التيسير في القراءات» (١) هو الأصل الذي اعتمده الشاطبي في نظمه، وكتابه «البيان في عدِّ آي القرآن» (٢) عمدة في علم عدِّ آي القرآن واختلاف العادِّين فيه، وكتابه «المحكم في نقط المصاحف» (٣) عمدة في علم الضبط، وكتابه «المقنع في معرفة مرسوم مصاحف الأمصار» (٤) عمدة في علم الرسم، وله غيرها كثير، فهو كبير في هذا الشأن، وقطب من أقطاب علماء القرآن.
الثاني: أبو داود سليمان بن نجاح (ت٤٩٦هـ) من بلنسية، كان أبوه مولى للأمير الأموي هشام بن عبد الحكم الأندلسي.
اعتنى بعلوم القرآن، وكان له شأوٌ بالغٌ فيها، وكان الداني (ت٤٤٤هـ) من شيوخه الذين تلقى عليهم العلم، وله من الكتب في هذا العلم «التبيين لهجاء التنْزيل» وقد أودع فيه جملة من علوم القرآن كهجاء مصاحف الأمصار والقراءات والأصول والتفسير والأحكام والرد على الملحدين والتقديم والتأخير والوقف والابتداء والناسخ والمنسوخ والغريب والمشكل.
ومن المطبوع له كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنْزيل» (٥)، وهو كتاب نفيس للغاية، ولا يستغني عنه دارسٌ للضبط أو الرسم أبداً.
وكان ﵀ ممن انتهت إليهم الرئاسة في علوم القرآن، والإتقان للرسم
стр. 259
والضبط والقراءات، وله مناقب جمة (١).
الثالثة: أشار النص إلى تقديم رأي التلميذ أبي داود (ت٤٩٦هـ) على رأي شيخه الداني (ت٤٤٤هـ) حال الاختلاف، وفي هذا مسألتان:
المسألة الأولى: السبب الموجب للاختلاف في الرسم:
يحسن التنبُّه في هذه المسألة إلى أنَّ الاختلاف موجود ومحدود في رسم المصاحف، وذلك يعود أصلاً إلى التغاير في الرسم عند الصحابة، وقد سبق ذكر هذا الموضوع عند الحديث عن رسم المصحف، لكن قد يقع خلاف آخر في توصيف العلماء أو اختيارهم، ومن أسباب اختلافهم:
١ - أن يكون أحدهم وصف موضعاً، وغيره وصف موضعاً آخر للكلمة، والرسم فيهما متغاير عند من كتبه من الصحابة.
٢ - أن يكون أحدهم قد وصف رسم لفظ في مصحفٍ، والآخر يصف نفس اللفظة في مصحف آخر يغاير برسمه المصحف الأول، وكلاهما من المصاحف المعتبرة، والاختلاف فيهما يرجع إلى ما سبق من اختلاف التنوع في الرسم عند الصحابة.
وفي هذه الحال تجد أنَّ العلماء قد يجتهدون في الاختيار بين الرسمين، مع يقينهم بصحتهما، لكنهم يقيسون على علل عندهم توجِب التقديم، وما دام الاختلاف ثابت في هذه المصاحف فالأمر فيه سعة ـ ولله الحمد ـ بحيث يختار العالم رسماً دون رسمٍ، ولا يعني هذا إبطال الرسم الآخر؛ لأن الإبطال لا يأتي إلا على القول الباطل أو الفاسد، وذلك خلاف ما هم بصدده من تغاير الرسم.
وقد نبَّه أبو داود (ت٤٩٦هـ) على هذه الفكرة في كتابه «مختصر التبيين لهجاء التنْزيل» (٢)، ومن هذه المواضع:
стр. 260
١ - عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧]، قال أبو داود (ت٤٩٦هـ): «قال: و ﴿نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بالهاء، هذه روايتنا عن ابن الأنباري، ورأيت الغازي بن قيس وعطاء الخرساني قد رسموها (نعمت) بالتاء، وكلاهما حسن، فليكتب الكاتب ما أحبَّ من ذلك، فهو في سعة لمجيء الروايتين عنهم بذلك» (١).
٢ - وقال في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾: «وأنا أستحبُّ كتاب ذلك بغير ألف لجميع القراء موافقة لبعض المصاحف ولقراءة الكوفيين، فمن ضبط لغيرهم جعل الألف بالحمراء بين الجيم والعين، وإن كتب الناسخ للعربيين والحرميين بالألف على قراءتهم أيضاً فحسن، إذ لم تبلغنا رواية إنه كُتِب في مصحف من مصاحف الأمصار بوجه ما، وإنما جاءت الرواية مبهمة أن ذلك في بعض المصاحف كذا وفي بعضها كذا، من غير تسمية مصر بعينه مخصوص به، فلذلك أوجب إطلاق الناسخ على ذلك فاعلمه» (٢).
وهذه الحيثية في التغاير قد نبَّه عليها العالمون بالرسم، ومنهم علم الدين السخاوي (ت٦٤٣هـ) في كتابه «الوسيلة إلى كشف العقيلة»، حيث أورد قول الشاطبي:
وبين نافعهم في رسمهم وأبي ... عبيد الخلف في بعض الذي أثرَا
ثمَّ قال معلقاً: «اعلم أن رسم المصاحف إنما حصل منه ما حصل بالنقل عن جماعة؛ نظر بعضهم مواضع فأخبر بها، ونظر آخرون غير تلك المواضع فأخبروا بها، واتفقوا في مواضع.
فإن قلنا في هذا الكتاب: رواه نافع، فليس ذلك لأن غيره قد روى خلاف ذلك، وإنما نعني به أن ذلك من القبيل الذي رواه نافع.
стр. 261
وكذلك إذا قلنا: في الإمام كذا، إنما نعني به ما رواه أبو عبيد عن ذلك المصحف الذي استخرجه.
وإذا قلنا: قال نصير، فذلك أيضاً قبيلٌ لم يذكره غيره. واتفاقهم مذكورٌ أيضاً.
ثمَّ إن أبا عبيد خالف نافعاً في مواضع يسيرة، فربما ظنَّ ظانٌّ أن ذلك تعارض، وإنما يتعارض النقلان لو كان المصحف واحدٌ.
فإن قيل: فنافع يروي عن مصحف المدينة، وأبو عبيد عن مصحف عثمان، وهو الذي كان عنده بالمدينة أيضاً، فكيف يقع في ذلك اختلاف؟
قلت: اختلاف هذين الإمامين ـ مع ما هم عليه من العدالة والإتقان والضبط ـ يدلُّ على أن المصحف الذي رآه أحدهما غير الذي ينقل عنه الآخر.
وما المانع أن يكون عثمان ﵀ اتَّخذ لنفسه مصحفاً، وجعل لأهل المدينة مصحفاً؟
وهذا هو الظاهر؛ لأنه لم يكن ليجعل للناس إماماً يقتدون به، ثمَّ يختصُّ هو به من دونهم» (١).
المسألة الثانية: السبب الموجب لتقديم قول أبي داود (ت٤٩٦هـ) على قول شيخه (٢):
إن أبا داود (ت٤٩٦هـ) كان من أعلى وأجلِّ تلاميذ الداني (ت٤٤٤هـ)، وقد استفاد منه كثيراً، لكنه كان أكثر تدقيقاً وشمولاً ومصادرَ في علم الرسم من الداني، يقول الدكتور أحمد شرشال في هذا المعنى: «وأبو داود أكثر
стр. 262
من تتبع ظواهر هجاء جميع مصاحف الأمصار بالوصف والعدِّ والتقطيع والوزن، فكان وصفه دقيقاً لم يَرْقَ إليه وصف آخر، الأمر الذي خلا منه المقنع» (١).
ومما يحسن التنبُّه له أنَّ التلميذ أبا داود (ت٤٩٦هـ) أخذ في الضبط بطريقة الخليل (ت١٧٠هـ)، وهي التي اشتهرت واستمرت بعده، وأخذ شيخه أبو عمرو الداني (ت٤٤٤هـ) بضبط أبي الأسود (ت٦٩هـ)، وهذا من دواعي تقديمه عند المتأخرين على شيخه؛ لأنهم اعتمدوا طريقة الخليل.
٣ - قالت اللجنة: «وأخذت طريقة ضبطه مما قرره علماء الضبط حسب ما ورد في كتاب «الطراز على ضبط الخرَّاز» للإمام التَّنَسِي، مع الأخذ بعلامات الخليل بن أحمد وأتباعه من المشارقة، بدلاً من علامات الأندلسيين والمغاربة».
القضايا والفوائد العلمية في هذا النص:
الأولى: الخراز ونظمه في الضبط:
الخرَّاز: نسبة إلى عمل الخرازة، وهو محمد بن محمد بن إبراهيم الشريشي (٢) الأموي (ت بعد ٧١١هـ)، سكن فاس، ومات فيها. قال عنه ابن الجزري (ت٨٣٣هـ): «إمام كامل مقرئ» (٣).
أما نظمه في الضبط، فقد جعله ذيلاً لنظمه في الرسم الذي أسماه «عمدة البيان في رسم القرآن»، ثم غيَّر في نظم «عمدة البيان» لما لوحظ عليه فيه، ولأشياء وهم فيها وسمَّاه «مورد الظمآن في رسم القرآن»، وأبقى
стр. 263
نظمه في الضبط ذيلاً له أيضاً (١)، فجاء بعده مباشرة، قال الخراز في نهاية نظم الرسم:
قد انتهى والحمد لله على ... ما منَّ مِن إنعامه وأكملا
في صفر سنة إحدى عشرة ... من بعد سبعمائة للهجرة
خمسين بيتاً مع أربعمائة ... وأربعاً تبصرة للنشأة
عسى برشدهم به أن أرشدا ... من ظلم الذنب إلى نور الهدى
بجاه سيد الورى (٢) الشفيع ... محمد ذي المحتِد الرفيع
صلى عليه ربنا ... وآله ما لاح نجم أو أفل
ثم تلاه بذيله في الضبط فقال:
هذا تمام نظم رسم الخط ... وها أنا أتبعه بالضبط
كيما يكون جامعاً مفيداً ... على الذي ألفيته معهوداً
مستنبطاً من زمن الخليل ... مشتهراً في أهل هذا الجيل
ولقد حظي نظم الخراز في الضبط بعناية فائقة ممن جاء بعده؛ لما يتميز به من ميزات متعددة، وقد ذكر الدكتور أحمد شرشال محقق كتاب «الطراز في شرح ضبط الخراز» قيمة هذا النظم وأهميته في أربع نقاط (٣):
١ - أنه بالغ في مدحه والثناء عليه جماعة من علماء الرسم والضبط.
٢ - توافرهم على درسه وتدريسه؛ لعنايتهم به.
٣ - إقبالهم عليه بالشرح والتعليق والحواشي.
٤ - نقلهم عنه وإسنادهم إليه.
стр. 264
الثانية: التَّنَسي وطرازه:
التَّنسيُّ نسبة إلى مدينة تَنَس (١)، وهو محمد بن عبد الله بن عبد الجليل الأموي (ت٨٩٩هـ)، عالم مشارك في عدد من العلوم كالتفسير، والأدب، والحديث، والفقه، وغيرها.
وأما شرحه، فهو بعنوان «الطراز في شرح ضبط الخراز»، ولما كان النظم المشروح قد اعتمد على ضبط الخليل الذي اعتمده أبو داود سليمان بن نجاح (ت٤٩٦هـ)، فإن الشرح لم يخرج عن أصول ضبط النظم، لذا فإن الناظم قد لا يذكر في المسألة إلا رأي أبي داود (ت٤٩٦هـ) دون غيره، فيقتصر الشارح على هذا ولا يزيد، إلا تتمات مما لم يذكره الناظم (٢).
وشرحه قد لقي القبول بخلاف الشروح الأخرى التي وقع فيها ترجيحات مخالفة لما عليه أهل الشأن، فلما كان موافقاً كان محلاً للقبول (٣).
ويمكن إيجاز أهم ما يتعلق بمنهج المؤلف وأسلوبه في شرحه في الآتي (٤):
أـ تفسير ألفاظ الناظم وتوضيحها.
ب ـ التعليل والتوجيه لأغلب الأحكام المتعلقة بالضبط.
ج ـ إيراده بعض التتمات المهمة التي أهملها الناظم، ويصدرها عادة بعنوان (تنبيه، تنبيهان، تنبيهات) على حسب عددها.
د ـ العناية بكلام المتقدمين في هذا المجال، وردِّه على أخطاء المتأخرين في ما يتعلق بالنظم.
стр. 265
الثالثة: الفرق بين علامات الضبط بين المشارقة والمغاربة:
لما كان المصحف المطبوع برواية المشارقة وقراءتهم، فإن الضبط جاء بما يناسب هذه الرواية، فضبط على ضبط المشارقة، أما لو كانت الرواية من روايات المغاربة؛ كالمصحف المطبوع ـ في مجمع الملك فهد بالمدينة النبوية ـ برواية ورش عن نافع، لكان ضبطه على علامات المغاربة، ولذا جاء في تعريف اللجنة بمصحف ورش ما نصُّه: «وأخذت طريقة ضبطه مما قرره علماء الضبط على حسب ما ورد في كتاب «الطراز على ضبط الخراز» للإمام التَّنَسِي وغيره مع الأخذ بعلامات المغاربة بدلاً من علامات المشارقة، مع مراعاة ما جرى به العمل عند المغاربة».
ويمكن لطالب العلم أن يلتمس الفرق بين الضبطين بالموازنة بين ما كتبته اللجنتان العلميتان التابعتان لمجمع الملك فهد اللتان أعدتا مصحف حفص، ومصحف ورش، ويكفي ذكر مثال لذلك، وهو طريقة المغاربة في كتابة الفاء والقاف، قالت اللجنة: «فرَّق المغاربة بين القاف وبين الفاء بوضع نقطة القاف فوقها، ونقطة الفاء تحتها، وجرت اللجنة على هذا».
وهذا ظاهرُ الفرق بين المشارقة الذين يضعون نقطة واحدةً على الفاء، ونقطتين على القاف، أما المغاربة فيكتفون للقاف بنقطة واحدة تكون في الأعلى، ويجعلون للفاء نقطة في الأسفل.
٤ - قالت اللجنة: «واتُّبعت في عدِّ آيه طريقة الكوفيين عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي عن علي بن أبي طالب ﵁، وعدد آي القرآن على طريقتهم ٦٢٣٦ آية».
القضايا والفوائد العلمية في هذا النص:
الأولى: سبقت الإشارة إلى علم العدِّ (١)، وإلى ذكر الأمصار التي ينتمي إليها العدُّ، ومنها عدُّ أهل الكوفة، وقد ذكرت اللجنة سند هذا العدِّ فوقفوه على عليٍّ ﵁، والله أعلم.
стр. 266
الثانية: عدد الآي عند كل فريق من العادين:
ذكرت اللجنة عدد الآي عند الكوفيين، وهو (٦٢٣٦)، وقد وقع الخلاف بين العلماء في العد، قال طاهر الجزائري: «وأما عدد أي القرآن فقد اتفق العادُّون على أنه (ستة آلاف ومئتا آية وكسر)، إلا أن هذا الكسر يختلف مبلغه باختلاف أعدادهم، فهو في عدد المدني الأول: سبع عشرة، وبه قال نافع.
وفي عدد المدني الأخير: أربع عشرة عند شيبة، وعشر عند أبي جعفر.
وفي عدد المكي: عشرون.
وفي عدد الكوفي: ست وثلاثون، وهو مروي عن حمزة الزيات.
وفي عدد البصري: خمس، وهو مروي عن عاصم الجحدري، وفي رواية عنه أربع، وبهذا قال أيوب المتوكل البصري، وفي رواية البصريين أنهم قالوا تسع عشرة، وروي نحو ذلك عن قتادة.
وفي عدد الشامي: ست وعشرون، وهو مروي عن يحيى بن الحارث الذماري» (١).
٥ - قالت اللجنة: «وقد اعتُمد في عد الآي على ما ورد في كتاب «البيان» للإمام أبي عمرو الدانيّ، و «ناظمة الزهر» للإمام الشاطبي، وشرحيها للعلامة أبي عيد رضوان المخللاتي والشيخ عبد الفتاح القاضي، و «تحقيق البيان» للشيخ محمد المتولي، وما ورد في غيرها من الكتب المدونة في علم الفواصل».
القضايا والفوائد العلمية في هذا النص:
الأولى: كتاب البيان لأبي عمر الداني:
اسمه الكامل «البيان في عد آي القرآن»، وهو كتاب مطبوع (٢) وهو
стр. 267
من أنفس كتب العدِّ، والداني كعادته يقدم لكتابه بما عنده من الآثار التي في موضوع كتابه، وقد ذكر فيه أبواباً مهمة معززة بالآثار؛ مثل: (ذكر السنن والآثار التي فيها ذكر الآي) (ذكر السنن والآثار التي فيها ذكر العشور) (ذكر من جاء عنه عقد الآي في الصلاة ...) (ذكر من كان يعدُّ الآي من أئمة القراءة ويعلِّمه ويحثُّ عليه ...) إلخ. ثم ذكر عد كل سورة، وما وقع فيه الاختلاف بين العادين، ويقدم لكل سورة بذكر المكي والمدني، وذكر نظيرها في العدد، وعدد كلماتها وحروفها، وذكر فواصلها.
الثانية: الشاطبي وكتابه «ناظمة الزهر»:
الشاطبي: القاسم بن فيرُّة بن خلف الرعيني، أبو القاسم، إمام القراء، تصدَّر للإقراء بمصر، وإليه انتهت رياستها، كان ضريراً، ومات في القاهرة (ت٥٩٠هـ).
وله كتب نفيسة في علوم القرآن، ومن أشهرها نظمه في القراءات الذي أسماه «حرز الأماني ووجه التهاني»، وله نظم في العدِّ والفواصل، وهو المذكور في كلام اللجنة واسمه «ناظمة الزُّهر»، وقد قال في مطلعها:
بدأت بحمد الله ناظمة الزُّهر ... لتجني بعون الله عيناً من الزَّهر
وقد ذكر العد الكوفي الذي اتبعته اللجنة في هذا المصحف، فقال:
ولما رأى الحفاظ أسلافهم عُنُوا ... بها دوَّنوها عن أولي الفضل والبرِّ
فعن نافع عن شيبة ويزيد أوْ ... وَل المدني إذ كلُّ كوفٍ به يُقري
وقد اعتنى بالعدِّ أقوام من العلماء قبل الشاطبي (ت٥٩٠هـ) وبعده، وقد ذكر جماعة منهم في منظومته، وقد سبقت الإشارة إليهم في موضوع عد الآي.
الثالثة: أبو عيد رضوان المخللاتي وكتابه «إرشاد الكاتبين»:
هو رضوان بن محمد بن سليمان المُخللاتي (ت١٣١١هـ)، عالم بالقراءات والرسم العثماني، من أجلِّ أعماله كتابةُ المصحف على قواعد
стр. 268
الرسم العثماني (١)، وقد عوَّل العلماء من بعده على مصحفه هذا (٢).
وعنوان كتابه «إرشاد القراء والكاتبين في معرفة رسم الكتاب المبين»، وهو كما هو ظاهر من عنوانه في علم الرسم، وقد استفاد منه في عمله للمصحف.
الرابعة: الشيخ عبد الفتاح القاضي وشرحه لناظمة الزهر:
هو عبد الفتاح بن عبد الغني بن محمد القاضي، ولد بدمنهور بمصر عام ١٣٢٥هـ، عالم بالقراءات والتفسير والعربية والفقه، أقرأ وعلّم، وأسهم إسهاماً كبيراً في نهضة الدراسات القرآنية، كما أسهم في وضع مناهج الكليات والمعاهد القرآنية التي تعد من أكبر وأهم الإنجازات القرآنية أثراً في زماننا. توفي عام ١٤٠٣هـ بعد حياة حافلة بخدمة كتاب الله، وقد بلغت مؤلفاته ﵀ خمسة وعشرين كتاباً، ما بين منظوم ومنثور، ثلاثة منها في الفقه والفرائض، والباقي في علوم القرآن.
أما شرحه لناظمة الزهر فاسمه «بشير اليسر شرح ناظمة الزهر في علم الفواصل»، ويمتاز بالإيجاز وحسن الترتيب والتركيز على المهمات؛ فقد درج فيه على أن يبدأ بشرح الكلمات لغة، ثم يبين معنى البيت وما فيه من مسائل هذا الفن؛ مفصلاً محل الاتفاق ومحل الاختلاف (٣).
الخامسة: محمد المتولي وكتابه «تحقيق البيان»:
المتولي: أحمد بن محمد بن عبد الله، الشهير بالمتولي، عالم
стр. 269
متخصص بالقراءات، شيخ قراء الديار المصرية في زمنه، كان ضريراً (ت١٣١٣هـ)، له كتب كثيرة في القراءات وتحريرها.
وأما كتابه فهو «تحقيق البيان في عدِّ آي القرآن»، وقد اختصره من كتاب «لطائف الإشارات لفنون القراءات» للقسطلاني (ت٩٢٣هـ)، وقد اختصر منه في هذا الكتاب ثلاث قضايا:
١ - وقت نزول كل سورة، وكونها مكية أو مدنية.
٢ - عدد آي كل سورة جملة؛ معزوة إلى أئمة الأمصار باختصار.
٣ - رؤوس الآي المختلف فيها والمتفق عليها من أول القرآن إلى آخره (١).
السادسة: الفواصل:
أشار الشاطبي (ت٥٩٠هـ) في «ناظمة الزُّهر» إلى أنَّ الفاصلة هي الكلمة الأخيرة التي تُختم بها الآية؛ كالروي بالنسبة للشعر.
وقال في «ناظمة الزُّهر» ـ ضمن أبيات عن الفواصل ـ:
وها أنا بالتمثيل أُرخي زمامه ... لعلك تمطوها ذلولاً بلا وعر
كما (العالمين) (الدين) بعد (الرحيم) (نسـ ... ـتعين) (عظيم) (يؤمنون) بلا كدر
стр. 270
٦ - قالت اللجنة: «وأُخذ بيان أجزائه الثلاثين، وأحزابه الستين، وأنصافها وأرباعها من كتاب «غيث النفع» للعلامة الصفاقسي، وغيره من الكتب».
مضى الحديث عن تحزيب القرآن، وذكر مصدر التحزيب ...
السفاقسي وكتابه «غيث النفع»:
السفاقسي (١): علي بن محمد النوري، أبو الحسن (ت١١١٨هـ)، كان عالماً بالقراءات وما يتصل بها، فكتب فيه كتابه هذا، وله كتاب نفيس في التجويد بعنوان «تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عما يقع لهم من الخطأ حال تلاوتهم لكتاب الله المبين»، وكان له مشاركة في بعض العلوم؛ كالفقه والتوحيد.
وكتابه «غيث النفع في القراءات السبع»، قال محمد الشاذلي النيفر عن هذا الكتاب: «حرر في هذا الكتاب القراءات السبع التي ذكرها أبو القاسم الشاطبي، وبيَّن في كتابه هذا ما يتعلق بها، وقد مشى على طريقة المختصين كالشيخ أبي الخير محمد بن محمد بن محمد الجزري، فحرر الطرق معرضاً عما شذَّ، وعمَّا لا يوجد؛ كما يفعله كثير من المتساهلين القارئين بما يقتضيه الضرب الحسابي، وإنما أعرض عن ذلك؛ لأنه غير مخلص عند الله ، وذكر أن شيخه كان يحذره من ذلك كثيراً ... وسمى كتابه «غيث النفع في القراءات السبع»، وذكر فوائد في مطلع كتابه، منها ما ذكره في مصطلح الكتاب أنه رتبه على حسب السور والآيات، ولا يترك من أحكام الفرش شيئاً إلا ما تكرر كثيراً، وصار من البدهيات؛ كالنبي، وهو، وهي.
وأما الأصول، فالمهم وما يحتاج إلى تحقيق، فلا يترك منه شيئاً، وأما المتكرر ـ كالمد وميم الجمع وترقيق الراء وتفخيم اللام لورش ـ فلا يطول به.
стр. 271
ومن اصطلاحه أنه يكتب لفظ القرآن العظيم بالحمرة، وغيره بالأسود؛ ليتميز المتبوع من التابع، ويذكر كل ربع على انفراده؛ لأنه أعون للناظر وأقرب للسلامة من الوقوع في الخطأ.
ويشير إلى انتهاء الربع بآخر كلمة منه، مع ذكر حكم الوقف عليها، وبيان هل هي من الفواصل أم لا ـ والفاصلة: آخر الكلمة من الآية ـ، وحرر الأحزاب والأنصاف والأرباع، ولم يذهب إلا على المتفق عليه المشهور» (١).
٧ - قالت اللجنة: «وأخذ بيان مكيّه ومدنيّه في الجدول الملحق بآخر المصحف من كتب التفسير والقراءات.
ولم يُذكر المكي، والمدني بين دفتي المصحف أول كل سورة اتباعاً لإجماع السلف على تجريد المصحف مما سوى القرآن الكريم، حيث نُقل الأمر بتجريد المصحف مما سوى القرآن عن ابن عمر، وابن مسعود، والنخعي، وابن سيرين: كما في «المحكم» للداني، وكتاب «المصاحف» لابن أبي داود وغيرهما، ولأن بعض السور مختلَف في مكيتها ومدنيتها، كما لم تُذكر الآيات المستثناة من المكي والمدني؛ لأن الراجح أن ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل بمكة، ولأن المسألة فيها خلاف محله كتب التفسير وعلوم القرآن الكريم».
القضايا والفوائد العلمية في هذا النص:
أولاً: سبق الحديث عن المكي والمدني مفصلاً في أول هذا الكتاب، بما يغني عن إعادته هاهنا.
ثانياً: جعلت اللجنة المكي والمدني مُلحقاً بآخر المصحف في جدول خاصٍّ، خلافاً للمصحف المصري الذي كان يذكر رقم السورة في ترتيب
стр. 272
المصحف فاسم السورة فالمكي والمدني والمستثنى منها فعدد الآيات فترتيب نزولها؛ يذكر ذلك كله مع اسم السورة.
ومن أمثلة ذلك في المصحف المصري: «٣٦ سورة يس مكية إلا آية ٤٥ فمدنية، وآياتها ٨٣ نزلت بعد الجن».
وقد اعترضت اللجنة على وضع هذه المعلومات سوى اسم السورة، وعللت ذلك بأنه يذكر في مكان خطِرٍ هو محل تحذير السلف، ولأن هذه المعلومات مختلف فيها، ومحلها كتب التفسير وعلوم القرآن التي يكون فيها التفصيل وذكر الراجح بالدليل، أما النص القرآني فلا يضاف إليه ما يكون قابلاً للاجتهاد يحتمل الصواب والخطأ (١).
وقد أشار الدكتور إبراهيم عبد الرحمن خليفة في بحثه عن «ترتيب نزول السور القرآنية» إلى وقوع اللبس عند بعض الأكاديميين فضلاً عن العامة، حتى لقد رأوه مما لا مجال لخلافه، يقول: «إن من الأمور التي لفتت نظرنا ـ منذ زمن ليس باليسير ـ ما نراه في طبعات مصاحفنا المختلفة وتقدمتها على نص السورة من السور الكريمة الحديث عن ترتيب نزولها، حتى لكأن ذلك قضية مسلمة لا مرية فيها من قِبَلِ الجميع، أو أنه الصحيح المعول عليه من أقوال أهل العلم المسندة بأوثق البراهين ... حتى إننا قد رأينا بعض أبنائنا من أعضاء هيئة التدريس المتخصصين في التفسير وعلوم القرآن من أبناء هذه الكلية المرموقة ـ كلية أصول الدين (٢) ـ وغيرهم قد أفردوا هذا المطلب بالحديث، فكان لديهم ما نراه في تقدمة المصحف لنص السورة أمراً غير قابل للمناقشة ...» (٣).
وهذه الملاحظة من أستاذ متخصص تدعم ما قامت به اللجنة من تجريد المصحف من مثل هذه القضايا.
стр. 273
ولما لم يكن المقصد من إثبات السور المكية والمدنية أوليّاً بالنسبة للجنة = اكتفوا بذلك في جدول، ولم يستطردوا بذكر المستثنى من السور؛ لأن في ذلك خلاف كبير، ومحله كتب علوم القرآن والتفسير.
٨ - قالت اللجنة: «وأخذ بيان وقوفه مما قررته اللجنة المشرفة على مراجعة هذا المصحف على حسب ما اقتضته المعاني مسترشدة في ذلك بأقوال المفسرين وعلماء الوقف والابتداء: كالداني في كتابه «المكتفى في الوقف والابتدا»، وأبي جعفر النحّاس في كتابه «القطع والائتناف» وما طُبع من المصاحف سابقاً».
القضايا والفوائد العلمية في هذا النص:
الأولى:
ذكرت اللجنة مصدر تحديد الوقوف، وهو المعاني، فالمعنى هو الأصل، والوقف تبع له، ولا يمكن معرفة المعنى إلا بالاطلاع على علم التفسير والنحو القراءات؛ لأنَّ هذه العلوم الثلاثة هي العلوم التي لها أثر في تحديد الوقوف، وكلها ترجع إلى أصل واحدٍ، وهو بيان المعنى.
الثانية: المكتفى في الوقف والابتداء:
كتاب «المكتفى» من أنفس كتب الوقف والابتداء (١)، وقد اختار الداني (ت٤٤٤هـ) أربعة وقوف هي التام والكافي والحسن والقبيح، وقد استفاد من كتاب «إيضاح الوقف والابتداء» لابن الأنباري (ت٣٢٨هـ)، كما استفاد في التفسير من تفسير يحيى بن سلام البصري، وكان يذكر اختياراته.
الثالثة: القطع والائتناف للنحاس:
كتاب «القطع والائتناف» من المراجع المهمة في كتب الوقف؛ لأنه يذكر أقوال المتقدمين واختياراتهم في الوقف كالإمام نافع والإمام يعقوب
стр. 274
من القراء، وقد استفاد من كتب النحو والتفسير والوقف والابتداء؛ إلا أن النحاس لم يُعرِّف بمصطلحات الوقوف عنده كما هو الشأن في أئمة هذا العلم.
الرابعة: ما طبع من الوقوف سابقاً:
أهم مصادر هذا المصحف في طبعته الثانية ـ وكذا الأولى ـ هو ما اعتمدته اللجنة (المصحف المصري)، وقد جاء في التقرير العلمي عن مصحف المدينة النبوية: «... وبعضهم اتبع اصطلاحات القراء المصريين؛ كمعظم المصاحف التي طُبِعت في الشام وغيرها، وعلى رأسها المصحف الذي كتبه الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني شيخ المقارئ المصرية في وقته.
فاختارت أن تمضي في رموز الوقف على هذا المذهب، فالرموز فيه موجزة ومحررة ودقيقة ... وقد استعرضنا في اللجنة مواضع هذه الرموز في المصحف موضعاً موضعاً، فما وجدناه صحيحاً أبقيناه كما كُتِب، وما وجدنا عليه أي إشكال ناقشناه في اجتماعات اللجنة مستفيدين من المصادر، حتى يترجح لنا فيه وجه الصواب، وتتجلى حجته، فنثبت الرمز حسبما ترجح لدينا.
وبلغت المواضع التي خالف فيها مصحف المدينة النبوية المصحفَ الذي كتبه الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني خمسةً وخمسين وخمسمائة موضع، وهي محصورة في قوائم موجودة في المجمع» (١).
وقد وقع خلاف في الوقوف بين الطبعة الثانية والطبعة الأولى، وذلك في الأمور الآتية:
١ - حذف الوقف الممنوع بالكلية.
٢ - حذف بعض المواضع من بعض الوقوف.
٣ - إضافة بعض مواضع جديدة في الوقوف.
стр. 275
ويظهر اعتمادهم على المصحف المصري من جهة أن اللجنة الحالية اعتمدت للوقف العلامات (الرموز)، التي في المصحف المصري سوى الوقف الممنوع الذي حذفوه، وإن كانت خالفته في عدد كبير من المواطن، خصوصاً فيما يتعلق بالوقف اللازم.
ومن باب الفائدة، فإن لجنة المصحف المصري قد جعلت وقوف محمد بن طيفور السجاوندي (ت٥٦٠هـ) أصلاً لها، لكنها لم تخترها كلها، ولم تعتمد ما اختارته منها بحذافيره، بل كان هناك اجتهاد من واضع الوقوف، وهو الشيخ الحسيني (ت١٣٥٧هـ)، فقد جاء في التعريف بالمصحف المصري الموجود في آخره: «وأُخذ بيان وقوفه وعلاماته مما قرره الأستاذ محمد بن علي الحسيني ـ شيخ المقارئ المصرية سابقاً ـ، على حسب ما اقتضته المعاني التي ترشد إليها أقوال أئمة التفسير» (١).
٩ - قالت اللجنة: «وأُخِذ بيان مواضع السكتات عند حفص من الشاطبية وشراحها، وتعرف كيفيتها بالتلقي من أفواه الشيوخ».
القضايا والفوائد العلمية في هذا النص:
الأولى: السكت: الوقف على الكلمة زمناً يسيراً جدّاً دون تنفس.
الثانية: قد بيَّنت اللجنة في مبحث (اصطلاحات الضبط) موضوع السكتات بالتفصيل، قالت: «ووضع السين فوق الحرف الأخير من بعض الكلمات يدل على السكت على ذلك الحرف في حال وصله بما بعده سكتة يسيرة من غير تنفس.
وورد عن حفص عن عاصم السكت بلا خلاف من طريق الشاطبية على ألف ﴿عِوَجًا﴾ بسورة الكهف، وألف ﴿مَرْقَدِنَا﴾ بسورة يس، ونون ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ بسورة القيامة، ولام ﴿بَلْ رَانَ﴾ بسورة المطففين.
ويجوز في هاء ﴿مَالِيَهْ﴾ بسورة الحاقة وجهان:
стр. 276
أحدهما: إظهارها مع السكت، وثانيهما: إدغامها في الهاء التي بعدها في لفظ ﴿هَلَكَ﴾.
وقد ضُبِط هذا الموضع على وجه الإظهار مع السكت؛ لأنه هو الأرجح، وذلك بوضع السكون على الهاء الأولى مع تجريد الهاء الثانية من علامة التشديد للدلالة على الإظهار، ووُضِع حرف السين على هاء ﴿مَالِيَهْ﴾ للدلالة على السكت عليها سكتة يسيرة بدون تنفس؛ لأن الإظهار لا يتحقق وصلاً إلا بالسكت».
الثالثة: الشاطبية:
هي منظومة للأمام القاسم بن فيرُّة بن خلف الرعيني، أبو القاسم (ت٥٩٠هـ)، وقد سبق ذِكره عند ذكر منظومته في عدِّ الآي «ناظمة الزُّهر»، وقد جعل كتاب «التيسير في القراءات السبع» للداني (ت٤٤٤هـ) أصلاً لنظمه الذي سماه «حرز الأماني ووجه التهاني»، وزاد على التيسير زيادات؛ عُرفت بزيادات القصيد.
وقد قال الشاطبي في ذلك:
وفي يُسرها (التيسير) رُمْتُ اختصاره ... فأجنت بعون الله منه مؤمَّلا
وألفافها زادت بنشر فوائد ... فَلَفَّتْ حياءً وجهَها أن تُفضَّلا
الرابعة: قولهم: «من أفواه المشايخ»: هذا فيه إشارة إلى أنَّ الضبط لا يغني عن المشافهة، وما الضبط في مثل هذا إلا دلالة على وصف المقروء، لا على كيفية نطقه التي لا تُعرف إلا بالتلقي.
стр. 277
المبحث الثاني
اصطلاحات الضبط لمصحف المدينة النبوية
إن تتبع موضوع ضبط المصاحف يحتاج إلى استقراءٍ واطلاع على كثير من المصاحف (١) وكتب الضبط التي كتبها العلماء، والمقصود من عرض موضوع الضبط أن يطلع المتخصص في علوم القرآن ـ وخصوصاً الذين لهم علاقة بالإقراء ـ على المراحل التي مرَّ بها المصحف حتى وصلنا بهذه الصورة التامة في الضبط.
وأشهر مصحفين برواية حفص عن عاصم هما المصحف المصري المعروف بمصحف الملك فؤاد، ومصحف المدينة النبوية الذي طُبِع في مجمع الملك فهد، وقد لقي هذان المصحفان عناية فائقة، ويتميز مصحف المدينة النبوية باستدراكاته على مصحف الملك فؤاد، فكان بذلك أجود.
وسأستعرض (اصطلاح الضبط) التي قامت بها اللجنة العلمية الثانية لمصحف المدينة النبوية التي كانت برئاسة الشيخ الدكتور علي بن عبد الرحمن الحذيفي.
١ - قالت اللجنة: «وضع دائرة خالية الوسط هكذا (°) فوق أحد أحرف العلة الثلاثة المزيدة رسماً يدلّ على زيادة ذلك الحرف، فلا ينطق به
стр. 278
في الوصل ولا في الوقف نحو: ﴿آمَنُوا﴾ ﴿يَتْلُو صُحُفًا﴾ ﴿لأَذْبَحَنَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ ﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾».
التعليق على النص:
هذا النوع من الضبط يمكن أن يُطلق عليه (ضبط المزيد في الهجاء)، وهو يكون في حروف العلة كما قال الخرَّاز في منظومته في الضبط (١):
القول فيما زِيد في الهجاء ... من ألف أو واو أو من ياء
وقد ذكر بعد ذلك أمثلة للمزيد من هذه الأحرف، ثمَّ قال في علامة ضبطها (٢):
فدارة تلزم ذا المزيدا ... من فوقه علامة أن زِيدا
وقد عدَّ في المزيد عشرة أنواع في الألف، ونوعين في الياء، ونوعاً في الواو، وأفاض الشارح في بيانها (٣).
وهناك أنواع من المزيد في الألف والياء خارجة عن هذه الأنواع، وقد ذكرها التَّنسي في شرحه على ضبط الخراز (٤).
وأما علَّة جعل هذه الدائرة، فقد قال التَّنسي عنها: «وإنما حكم النُّقاط بجعل هذه الدارة في هذه المواضع؛ لتدلَّ على سقوط الأحرف من اللفظ، أخذوها من الصفر عند أهل العدد الدالَّ على خلو المنْزلة» (٥).
٢ - قالت اللجنة: «ووضع الصفر المستطيل القائم (٠) فوق ألف بعدها متحرك يدل على زيادتها وصلاً لا وقفاً نحو: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، ﴿لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾.
وأهملت الألف التي بعدها ساكن، نحو: ﴿أَنَا النَّذِيرُ﴾، من وضع
стр. 279
الصفر المستطيل فوقها، وإن كان حكمها مثل التي بعدها متحرك في أنها تسقط وصلاً وتثبت وقفاً لعدم توهم ثبوتها وصلاً».
التعليق على النص:
في هذا خلاف بين المتقدمين في ضبط هذه الألف من عدمه، وقد ذكر التَّنسي أن المتقدمين لم يجعلوا على ألف (لكنا) دارة لا جملة ولا تفصيلاً (١)، لكن مضى عمل المصاحف اليوم على هذا الضبط الذي اختارته لجنة مصحف المدينة النبوية.
٣ - قالت اللجنة: «وضع رأس خاء صغيرة بدون نقطة هكذا: «» فوق أي حرف يدل على سكون ذلك الحرف وعلى أنه مظهر بحيث يقرعه اللسان نحو: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ ﴿نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا﴾».
التعليق على النص:
ذكرت اللجنة نوعين يقع فيهما وضع علامة السكون:
الأول: الحرف الساكن مطلقاً (٢)، وقد وقع خلاف في اصطلاح ضبط السكون على مذاهب، فبعضهم يجعلها دائرة صغيرة، وهي الصفر المستدير الذي سبق ذكره، وعلى هذا مصاحف أهل المغرب إلى اليوم.
وبعضهم أخذ بمذهب الخليل وأصحابه، وهو أن تكون علامة السكون رأس الخاء صغيرة، مأخوذة من أول حرف في لفظة (خفيف)، وعلى هذا العمل جرى المصحف المصري ومصحف المدينة النبوية وغيرهما من مصاحف أهل المشرق.
وبعضهم يجعل علامة السكون الهاء، هكذا (هـ).
وبعضهم يُخلي الحرف الساكن من أي علامة، فتعرية الحرف من الحركات دلالة على سكونه (٣).
стр. 280
الثاني: الحرف الساكن المظهر؛ كالتقاء النون الساكنة بأحرف الحلق الستة أو غيرها مما يقع فيه الإظهار (١)، وقد ذكر الخراز في منظومته ضبط الحرف الساكن المظهر، فقال:
.................. ... فمظهر سكونه مُصَوَّر
ضبط السكون قد مضت وجوه الخلاف فيه بين الضابطين في الفقرة قبله، ويدخل في ضبط المظهر ما وقع عليه الإجماع، وما وقع فيه الخلاف، فيضبط عند من يرى الإظهار (٢).
٤ - قالت اللجنة: «وتعرية الحرف من علامة السكون مع تشديد الحرف التالي تدل على إدغام الأول في الثاني إدغاماً كاملاً بحيث يذهب معه ذات المدغم وصفته، فالتشديد يدل على الإدغام، والتعرية تدل على كماله، نحو: ﴿مِنْ لِينَةٍ﴾ ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿مِنْ نُورٍ﴾ ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ﴿عَصَوْا وَكَانُوا﴾ ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُّمْ﴾».
التعليق على النص:
لما ذكروا أن الحرف الساكن يُضبط برأس حرف الخاء، أشاروا هنا إلى أنه قد يُعرَّى الحرف من السكون في مواضع، منها هذا الموضوع، وهو أن يُعرَّى الحرف المدغم، ويشدد الحرف المدغم فيه علامة على الإدغام الكامل،
стр. 281
ويقع ذلك في التقاء النون الساكنة بأحرف (لم نر)، وفي غيرها من الأحرف؛ كالتقاء الثاء بالذال، والتاء بالطاء ... إلخ من أحرف الإدغام الكامل.
وقد ذكر الخراز في منظومته هذا، فقال:
وعَرِّ ما بصوتِه أدغمته ... وكلَّ حرفٍ بعده شدَّدته
وقال الشارح (التَّنَسي): «فأشار الناظم في هذا البيت إلى النوع الأول (١)، وذكر أن حكمه تعرية الحرف المدغم من علامة السكون وتشديد الحرف المدغم فيه، وذلك أنه لما كان الحرف الأول ذهب في اللفظ بالكلية، وكان النطق بالثاني على صورة الحرف الواحد المضعَّف جاء الخط منبِّهاً على ذلك بتعرية الأول وشدِّ الثاني ...» (٢).
٥ - قالت اللجنة: «وتعريته مع عدم تشديد التالي تدل على إدغام الأول في الثاني إدغاماً ناقصاً بحيث يذهب معه ذات المدغم مع بقاء صفته نحو: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ ﴿مِنْ وَالٍ﴾ ﴿فَرَّطْتُمْ﴾ ﴿بَسَطْتَ﴾ ﴿أَحَطْتُ﴾، أو تدل على إخفاء الأول عند الثاني، فلا هو مظهر حتى يقرعه اللسان، ولا هو مدغم حتى يقلب من جنس تاليه، سواء كان هذا الإخفاء حقيقياً نحو: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أم شفوياً نحو: ﴿جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ على ما جرى عليه أكثر أهل الأداء من إخفاء الميم عند الباء».
التعليق على النص:
ذكرت اللجنة طريقة ضبط حكمين من أحكام التجويد، وهما:
١ - الإدغام الناقص في التقاء النون الساكنة بالواو والياء، وفي التقاء الطاء بالتاء.
٢ - الإخفاء في النون الساكنة مع أحرفه الخمسة عشر، والميم الساكنة مع الباء.
стр. 282
وفي ضبط الإدغام الناقص ـ في حكم النون الساكنة إذا التقت بالواو والنون ـ خلافٌ ذكره علماء الضبط، وهذا ملخصه (١):
الأول: إثبات علامة السكون في النون والشدة في الياء والواو.
وقد ذكر التَّنسي (ت٨٩٩هـ) عِلَّةَ ذلك، فقال: «... ووجهه أن النون لما بقي صوتها أشبهت المظهرة، فسكنت، ولما انعدم لفظها؛ لعدم قرع اللسان لها؛ أشبهت ما أُدغِم إدغاماً خالصاً، فشُدِّد ما بعدها، فهي مظهرة من جهة صوت الغنة، مدغمة من جهة عدم قرع اللسان لها. فجاء النقط منبِّها على الأمرين معاً» (٢).
الثاني: تعرية النون من السكون والواو والياء من التشديد.
وقد ذكر التنسي (ت٨٩٩هـ) علَّة ذلك، فقال: «ووجهه أنَّ تعرية النون تُشعر بانعدام لفظها في قرع اللسان، وتعرية ما بعدها من الشدِّ تُشعِر بأنها لم تُدغم فيه إدغاماً خالصاً» (٣).
أما حكم التقاء الطاء بالتاء، فقد ذكر الخراز في منظومته الاختلاف في طريقة ضبطها، فقال (٤):
ثم الذي أدغمت مع إبقاء ... صوت كطاء عند حرف التاء
صوِّر سكون الطاء إن أردتَّا ... وشدِّدن بعده حرف التّا
أو عرِّ إن شئت كلا الحرفين ... والأول اختير من الوجهين
وأما ضبط الإخفاء فقد ذكره الخراز بقوله:
وحكم نون وسكون تُلقِى ... سكونها عند حروف الحلق
وعند كل ما سواه تُعرى ... ..................
стр. 283
فقوله: «وعند كل ما سواه تعرى»؛ أي: كل ما سوى حروف الحلق الستة، فيشمل الإدغام والإخفاء والقلب.
وقد قال التنسي (ت٨٩٩هـ) في علَّة ذلك: «وإنما كان ذلك؛ لأن النون في غير حروف الحلق غير موجودة في اللفظ وصلاً لكونها مدغمة، أو مخفاة، أو مقلوبة، فلما كان اللسان لا يقرعها في اللفظ، جاء النقط منبِّهاً على ذلك، فعرَّى النون من علامة السكون؛ ليدل على عدم قرع اللسان له، كما كان إتباع التنوين قبل هذا دليلاً على ذلك، فتعرية النون بمنْزلة الإتباع في التنوين» (١).
٦ - قالت اللجنة: «وتركيب الحركتين «حركة الحرف والحركة الدالة على التنوين» سواء أكانتا ضمتين، أم فتحتين، أم كسرتين هكذا (ـٌ ـً ـٍ) يدل على إظهار التنوين نحو: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وتتابعهما هكذا (ـٌ ـً ـٍ) مع تشديد التالي يدل على الإدغام الكامل نحو: ﴿لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾.
وتتابعهما مع عدم تشديد التالي يدل على الإدغام الناقص نحو: ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً﴾ ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أو على الإخفاء نحو: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ﴿سِرَاعًا ذَلِكَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
فتركيب الحركتين بمنزلة وضع السكون على الحرف وتتابعهما بمنزلة تعريته عنه».
التعليق على النص:
هذا المقطع يتعلق بضبط التنوين (أي: شكله في الكتابة)، وقد نصَّ الخراز في منظومته على هذا الضبط، فقال:
وقبل حرف الحلق ركَّبتهما ... وقبل ما سواه أتبعتهما
فالتنوين يضبط في صورتين:
• التركيب، وذلك مع حروف الحلق.
стр. 284
• الإتباع، وذلك مع باقي الحروف من إدغام وإخفاء وقلب.
وقد ذكر الشارح (التَّنسي) سبب هذا الضبط، فقال: «وعلة ذلك أن حروف الحلق لما بعُدت عن مخرج التنوين الذي هو طرف اللسان كان حكمها عندهنَّ ـ في اللفظ ـ الإظهار، فجاء النقط مشعراً بذلك، إذ تركيب التنوين مع الحركة، إبعاد له عن حروف الحلق، كما كان بعيداً منها لفظاً، ولمَّا لم تَبعُد بقية الحروف عن مخرج التنوين، مثل بُعْدِ حروف الحلق، بل منها ما قرُب جدّاً، ومنها ما قرب فقط؛ كان حكمها عندهنَّ الإدغام في بعض، والإخفاء في بعض، والقلب في بعض، فجاء النقط مشعراً بذلك، إذ إتباع التنوين للحركة تقريب له من تلك الحروف خطاً كما كان قريباً منها لفظاً» (١).
وزاد في ضبط الإتباع ضبطُ الحرف الذي بعده، وهو على قسمين:
الأول: أن يكون الحرف الذي بعد تنوين الإتباع مشدَّداً، وهذا يدل على الإدغام الكامل.
الثاني: أن يكون الحرف بعد تنوين الإتباع غير مشدَّدٍ، وهذا يدل على الإدغام الناقص أو الإخفاء.
وقد ذكر الخراز هذا في منظومته، فقال:
والشَّدُّ بَعدُ في هجاء (لم نرا) ... وغيره فعرِّه كيف جرى
وهذا يعني أن الإدغام الكامل يقع في الأحرف الأربعة (لم نر)، وتكون هذه الأحرف مشدَّدةً.
وما سواها من أحرف (يرملون)، وهما الياء والواو، وكذا أحرف الإظهار، وأحرف الإخفاء، وحرف القلب = فإنها تُكتب بحركتها معرَّاة من الشَّدة (٢).
٧ - قالت اللجنة: «ووضع ميم صغيرة هكذا: «م» بدل الحركة الثانية
стр. 285
من المنوَّن، أو فوق النون الساكنة بدل السكون، مع عدم تشديد الباء التالية يدل على قلب التنوين أو النون الساكنة ميماً نحو: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا﴾ ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ ﴿وَمِنْ بَعْدِ﴾».
التعليق على النص:
ذكرت اللجنة في هذا المقطع ضبط حكم القلب في التنوين والنون، ولعلماء الضبط خلاف في ضبط القلب على ما يأتي:
أولاً: ضبط القلب في التنوين:
قال الخراز:
وعوِّضن ـ إن شئت ـ ميماً صُغرى ... منه لباء؛ إذ بذاك يُقرا
وهذا البيت يشير إلى أنَّ لضبط حكم القلب في التنوين وجهين عند علماء الضبط:
الأول: أن تكون علامتا التنوين متتابعتين، كما أشار إلى ذلك بقوله (١):
وقبل حرف الحلق ركَّبتهما ... وقبل ما سواه أتبعتهما
والقلب يدخل في قوله؛ «وقبل ما سواه»، ويكون التنوين على هذه الصورة: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
الثاني: أن تصور من علامة التنوين ميماً صغيرة غير ممطوطة، ويكون التنوين على هذه الصورة ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقد ذكر الناظم العلة في هذه الميم الدالة على القلب، وهي أنَّ التنوين يقلب ميماً في التلاوة، فيكون كتبه ميماً في النقط مشعراً بذلك (٢).
ثانياً: ضبط النون الساكنة في حكم القلب:
قال الخراز في ذلك:
وعند كلِّ ما سواها تُعرى ... (وإن تشأ صوَّرت ميماً صُغرى