← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13899

شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية

مساعد الطيار

Полный текст (320 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ويدخل في هذا كثير من الأوصاف التي لم يُذكر لها موصوف، فوقع الاختلاف في تحديده بسبب عدمِ ذكرِه، واحتمالِ الوصف لأكثر من واحد، كلفظ النازعات وما بعدها، ولفظ الخنّس وما بعدها، وغيرها. ثُمَّ نبَّه على نتيجة هذا الاحتمال في التفسيرات الواردة عن السلف، وجعل هذه الاحتمالات لا تخرج عن أمرين: الأول: أنَّ مثل هذه الاحتمالات قد لا يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالتها السلف، بل يكون المراد أحدها. وهذا يعني أن تحديد أحد هذه المحتملات يحتاج إلى ترجيح، والترجيح يحتاج إلى علمٍ بطرق الترجيح وقواعده (١)، وهو علم مستقل من علم أصول التفسير. الثاني: أن مثل هذه الاحتمالات قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالتها السلف، وذكر لذلك عللاً: الأولى: إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة. وقد سبقت الإشارة إلى مسألة نزول الآية مرتين، وأنها لا دليل من الآثار عليها سوى الاحتمال العقلي. الثانية: وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه؛ إذ قد جَوَّز ذلك أكثر الفقهاء المالكية والشافعية والحنبلية وكثير من أهل الكلام. الثالثة: وإما لكون اللفظ متواطئًا، فيكون عامًا إذا لم يكن لتخصيصه موجب. أقول: وأكثر ما يقع موجب التخصيص في تنازع الضمير، والأمثلة التي

стр. 107

سبق ذكرها تدلُّ على أن المرادَ أحد هذه الأقوال المذكورة، كالاختلاف الوارد في الذي دنا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨]. ثمَّ قال: «فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني». أقول: وفي عود هذه العبارة احتمالان: الأول: تحتمل أن تعود إلى المشترك والمتواطئ الذي ساق الحديث عنه من أول قوله: «ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملاً لأمرين ...»، ولا يكون ذلك إلاَّ بالنظر إلى تعميم الوصف في المشترك والمتواطئ، دون النظر إلى ما يترجح منها. ومثال المشترك اللغوي، ما وقع من الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. فقد قيل فيه أقوالٌ: الأول: المسجور، الموقد المحميُّ، وهو قول عليٍّ (ت:٤٠) وشِمْرُ بن عطية، ومجاهد (ت:١٠٤)، وابن زيد (ت:١٨٢). الثاني: المسجور: المملوء، وهو قول قتادة (ت:١١٧). الثالث: المسجور: الذي ذهب ماؤه، حكاه الطبري (ت:٣١٠) عن ابن عباس (ت:٦٨) من طريق عطية العوفي (ت:١١١). الرابع: المسجور: المحبوس، وهو قول ابن عباس (ت:٦٨) من طريق علي بن أبي طلحة (ت:١٤٣) (١). فإذا نظرت إلى صحة إطلاق هذا اللفظ (السَّجر) على هذه المعاني (المختلفة) جعلته من هذا الباب شبيهًا بالعام الذي له أفراد، فهذا لفظٌ مشتركٌ له أكثر من معنى، وذاك لفظٌ عامٌ له أكثر من فردٍ. الثاني: تحتمل أن تعود إلى المتواطئ دون المشترك؛ لأنه قال: «وإما

стр. 108

لكون اللفظ متواطئًا، فيكون عامًا إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صحَّ فيه القولان كان من الصنف الثاني». ويكون بالنظر إلى تعميم اللفظ المتواطئ على محتملاته، دون النظرِ إلى صحة احتمال الآيةِ لما قيل فيها من هذه الأقوال. ويصحُّ ذلك بلا إشكالٍ في المتواطئ الذي هو من قبيل الأوصاف التي حذف موصوفها؛ كالفجر والشفع والوتر والمرسلات والنازعات وغيرها، فكل الخلاف الوارد على هذه الشاكلة من الألفاظ يجوز أن يقال فيها بتعميم الوصف، فيدخل فيها كل موصوف مناسبٍ لها، ومثال ذلك ما ورد في تفسير النازعات، فقد أورد الطبري فيها أقوالاً وهي: ١ - الملائكة التي تجذب روح الكافر من أقاصي بدنه، ورد ذلك عن ابن مسعود (ت:٣٢)، وابن عباس (ت:٦٨)، ومسروق (ت: نحو ٦٣)، وسعيد بن جبير (ت:٩٥). ٢ - الموت ينْزع النفوس، وهو قول مجاهد (ت:١٠٤). ٣ - النجوم تنْزع من أفق إلى أفق، وهو قول الحسن (ت:١١٠)، وقتادة (ت:١١٧). ٤ - القسي تنْزع بالسهم، وهو قول عطاء (ت:١١٤). ٥ - النفس حين تنْزع، وهو قول السدي (ت:١٢٨). ثمَّ قال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالنازعات غرقًا، ولم يخصص نازعة دون نازعة، فكل نازعة غرقًا فداخلة في قَسَمِه، مَلَكًا كان أو موتًا، أو نجمًا، أو قوسًا، أو غيرَ ذلك، والمعنى: والنازعات إغراقًا كما يغرق النازع في القوس» (١).

стр. 109

وأما المتواطئ الذي من قبيل مفسر الضمير، ففي احتمال مشابهتهِ اللفظَ العامَّ إشكالٌ؛ لأن الضمير ـ في كثير من الأحيان ـ يراد به ذاتٌ واحدة لا غير، ففي قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] المنادي إما جبريل، وإما عيسى، ولا يُتصوَّر جواز إرادتهما معًا حتى يقال بمشابهته للعموم. تنبيه: يلاحظ أنَّ الاختلاف العائد إلى المشترك اللغوي، وإلى المتواطئ الذي هو من قبيل الأوصاف فيه شبه بالنوع الأول الذي يعود إلى تنوع الأسماء والصفات، فالتغاير بين الأقوال هو الجامع بينهما، واحتمال عودهما إلى ذات واحدة حاصل بطريق التأويل، وإليك المثال الموضح لذلك: في تفسير الصراط المستقيم بالإسلام أو القرآن هناك تغاير في الأوصاف بين الإسلام والقرآن، واتفاق في عودها إلى مراد واحد وهو الصراط المستقيم. وكذا في النازعات، ففي تفسيره بالملائكة أو النجوم تغاير، وهما يعودان إلى معنى واحد وهو النَّزعُ، فإذا ذهبت إلى هذا التأويل ظهر لك أنَّ هذا الاختلاف الذي يعود إلى ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين من باب التفصيل في النوعين الأولين. النوع الثاني من الاختلاف الموجود عنهم ويجعله بعض الناس اختلافًا: أن يُعبِّروا عن المعنى بألفاظ متقاربة: ومن الأمثلة التي ذكرها تفسير لفظ «تبسل» من قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠].

стр. 110

وقد أورد فيها معنيين: تحبس، وترتهن. وهذان اللفظان متقاربان في المعنى، وإن كان لكل واحدٍ منهما معناه الخاصُّ به، وتفسير لفظ تبسل بهما من باب تقريب المعنى فحسب. قال ابن عطية (ت:٥٤٢): «ومعناه: تُسْلَم، قاله الحسن وعكرمة، وقال قتادة: تُحبس وتُرتهن، وقال ابن عباس ﵄: تُفضح، وقال الكلبي وابن زيد: تجزى. وهذه كلها متقاربة المعنى ...» (١). ومن أمثلة التعبير عن المعنى بألفاظ متقاربة ما يأتي: ١ - ورد في تفسير لفظ اتسق من قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٨] عدة أقوال: الأول: إذا استوى، ورد ذلك عن ابن عباسٍ (ت:٦٨) (٢)، وسعيد بن جبير (ت:٩٤)، ومجاهد (ت:١٠٤)، وعكرمة (ت:١٠٥)، والضحاك (ت:١٠٥)، وقتادة (ت:١١٧). الثاني: إذا اجتمع وامتلأ، عن الحسن (ت:١١٠). الثالث: لثلاث عشرة ـ أي: صار مستديرًا ـ عن سعيد بن جبير (ت:٩٤)، ومجاهد (ت:١٠٤). الرابع: إذا استدار، عن قتادة (ت:١١٧). وهذه الأقوال متقاربة المعنى، فاستوى واجتمع واستدار وامتلأ كلها تعبير عن صيرورة القمر بدرًا، وهي التي تبدأ بليلة الثالث عشر كما ذكر مجاهد في تفسيره.

стр. 111

ولعلك تلاحظ ورود أكثر من عبارة عن المفسر الواحد، وما ذاك إلا لأنه ليس هناك اختلافٌ حقيقيٌ، وإنما هو اختلاف عبارة. ٢ - ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ٥٩] قولان متقاربان: الأول: الذَّنوب، الدَّلو، وقد ورد عن ابن عباس (ت:٦٨)، والحسن البصري (ت:١١٠). الثاني: الذَّنوب: السَّجْلُ، وقد ورد عن سعيد بن جبير (ت:٩٤)، ومجاهد (ت:١٠٤)، وقتادة (ت:١١٧). هذا وستأتي إشارة شيخ الإسلام إلى التعبير عن التفسير عند السلف عند حديثه عن الطريق الرابع من طرق التفسير، وهو التفسير بأقوال التابعين وسأذكر هناك طرفًا من تخريجه لعباراتهم. ٣ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨]. قال الطبري: «﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾، يقول: إلا يسيرًا مما تحرزونه. والإحصان: التَّصْيِير في الحِصْنِ، وإنما المراد منه الإحراز»، ثم أورد الرواية عن السلف كالآتي: ـ قتادة (ت:١١٧): ما تدخرون. ـ ابن عباس (ت:٦٨): تخزنون، وفي رواية أخرى: تُحرزون. ـ السدي (ت:١٢٨): ترفعون. ثمَّ قال ـ معقِّبًا ـ: «وهذه الأقوال في قوله: ﴿تُحْصِنُونَ﴾، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيه، فإن معانيها متقاربة، وأصل الكلمة وتأويلها على ما بيَّنتُ» (١).

стр. 112

مسائل علمية في هذا الفصل أورد شيخ الإسلام عددًا من المسائل في نهاية هذا الفصل، وهي: ١ - الألفاظ المترادفة. ٢ - التضمين. ٣ - فائدة جمع أقوال السلف. ٤ - وقوع الاختلاف المحقق في تفسير السلف. ٥ - أسباب الاختلاف. وسأذكر هذه المسائل على قدر ما عرضها به الشيخ ﵀. أولاً: الألفاظ المترادفة: إن مسألة وجود الترادف بين الألفاظ من أصول مسائل فقه اللغة، وقد كتب فيما يتعلق بها من جهة اللغة ومن جهة تطبيقاتها على ألفاظ القرآن جمع من الباحثين (١)، وهي من المباحث التي حظيت بدراسة وافرة من قِبَل علماءِ اللغة والأصول، وقد طرح شيخ الإسلام ـ في هذا الموضِع ـ رأيه في

стр. 113

الترادف بوضوح، وذهب إلى أنه قليل في اللغة، وأمَّا في القرآن فنادرٌ أو معدومٌ. ويلاحظ أنَّ شيخ الإسلام قد طرح مصطلح الترادف في النوع الأول من أنواع الاختلاف في تفسير السلف، حيث قال: «... بمنْزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة، كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند ...»، ولا يلزم من كلامه هذا أنه يرى الترادف؛ لأنه يريد تقرير الأسماء المتكافئة، وأنها بين المترادفة ـ على من يقول بالترادف ـ والمتباينة، والله أعلم. ويقابل القولَ بالترادف القولُ بوجود فروقٍ بين الألفاظ المشتركة في الدلالة على ذاتٍ واحدة أو معنى واحدٍ من المعاني. والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أنه لا بدَّ من وجود فروقٍ بين الألفاظ، وأنَّ عدم معرفة الفرق لا يعني عدم وجوده، وطريق معرفة الفروق مبثوثة في كتب العلماء، وليس هذا محلُّ طرحها. والقول بالفروق اللغوية يعني الاشتراك في معنى عامٍ بين اللفظين، ثمَّ يمتاز أحدهما، أو كلاهما بفرق عن الآخر، ولعل بعض من ذهب إلى الترادف ذهب إلى وجود المعنى العام بين اللفظين فحكم به، وليس يعني بترادفهما الاتفاق التام في المعنى. وطَرْحُ شيخ الإسلام لهذه المسألة بإيجاز أراد به الانطلاق إلى أنَّ تفسير لفظة بلفظة لا يعني أنها مطابقة لها بتمام معناها، بل لا بد من وجود فرقٍ بين اللفظ المفسَّرِ واللفظ المفسِّر، وأن عملية التفسير هذه إنما هي من باب تقريب المعنى لا تحقيقه. ولهذا قد يُفسَّر اللفظ بجزءٍ من معناه، أو بلازم من لوازمه، أو بما هو أعمُّ منه، أو بما يقاربه، وكلُّ ذلك لأجل تقريب المعنى لا تحقيقه.

стр. 114

ومن الأمثلة التي طرحها: تفسير لفظ أوحينا، قال: «وكذلك إذا قال: الوحي: الإعلام، أو قيل: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: أنزلنا إليك». أما تفسيره بالإعلام، فهو تفسير بجزءٍ من المعنى، لذا قال بعد ذلك: «... فهذا كله تقريب لا تحقيق، فإن الوحي هو إعلام سريع خفي ...». ومن ثَمَّ، فكل وحيٍ إعلامٌ، وليس كل إعلامٍ وحيًا، ويجمعه مع الإعلام معنى الإعلام العام، ثمَّ ينفرد الوحي بمدلولات جزئية لا تنطبق على مجرد الإعلام. وأما تفسيره بالإنزال، فهو من باب التفسير باللازم، وهو لازم للوحي بالقرآن فقط، وليس لازمًا للفظ الوحي من حيث المدلول اللغوي، إذ ليس كل وحي يلزم منه الإنزال، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، فهذا الوحي لا يلزم منه الإنزال. والنتيجة من هذا تقرير أن تفسير المعنى بألفاظ متقاربة، ليس من باب المطابقة بين معنى اللفظين، وإنما هو من جهة تقريب معنى اللفظ المفسَّر. ثانيًا: التضمين: التضمين يأتي في الفعل والشبيه في الفعل، وهو أن يُقصدَ بلفظ معناها الحقيقي، ويلاحظ معه معنى آخر يناسبه، ويدل على هذا المعنى الآخر حرف الجرِّ المذكور مع اللفظ الأول (١).

стр. 115

وهذا يعني أنَّ اللفظ المذكور لا يناسبه حرف الجرِّ المذكور معه، ويكون حرف الجرِّ قد دلَّ على معنى يناسبه، ويكون أيضًا مناسبًا للَّفظِ المذكور، وفيه معنى زائد عليه، فلا يُضمَّن اللفظ ما هو في معناه، كلفظ (استند) لا يُضمَّن معنى (اعتمد). وهذا المبحث من البحوث الصالحة للدراسة في ألفاظ القرآن الكريم، لكثرة التطبيقات الموجودة فيه، فكل حرف قيل فيه بأنه يعاقب حرفًا في معناه، فهو داخل في التضمين. وقد طرح شيخ الإسلام (ت:٧٢٨) عددًا من الأمثلة، وهي: ١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]، فسأل يتعدى بنفسه، فيقال: سأله كذا، ويتعدَّى بعن، فيقال سأله عن كذا، ولا يتعدى بإلى. فلما جاء في الآية متعديًا بإلى دلَّ على أنَّ فعل سأل قد أُشرِب معنى فعل آخر معه، وهو ضمَّ أو جمع، ويكون التقدير: لقد ظلمك بسؤاله أن تضمَّ نعجتك إلى نعاجه، فالسؤال ضُمِّن معنى الضمِّ أو الجمع. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقد ذكر فيه تأويل من يقول بتعاقب الحروف، ويكون المعنى عنده من أنصاري مع الله، أما على التضمين، فيُقدَّر لفظ الضمِّ، ويكون تقدير المعنى على التضمين: من ضامُّون نصرهم إياي إلى نصر الله إياه، أفاد هذا المعنى الطاهر بن عاشور (١). ٣ - الفعل «يفتنونك» في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣]،

стр. 116

وجعله مضمنًا معنى يصدونك أو يزيغونك، ويكون التقدير: وإن كادوا ليفتنونك فيصدونك عن الذي أوحينا إليك، أو فيزيغونك عن الذي أوحينا إليك (١). ٤ - الفعل «نصرناه في قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧]، وجعله مضمَّنًا معنى نجيناه وخلَّصناه، ويكون التقدير: ونصرناه، فنجيناه وخلصناه من القوم الذي كذبوا بآياتنا (٢). ٥ - الفعل «يشرب» في قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، وقد ضمَّنه معنى يروى بها، والتقدير: عينًا يشرب فيروى بها عباد الله. والقول بالتضمين أعرق في البلاغة من القول بتعاقب الحروف؛ لأنه يبقى سؤالٌ لمن يقول بتعاقب الحروف، وهو أنَّ المتكلِّمَ ما ترك المعنى الظاهر إلى هذا المعنى إلا لسبب، خصوصًا إذا عُلِمَ أنَّ النص يستقيم بالحرف الذي يُزعم فيه التعاقب، فلو قيل: لقد ظلمك بسؤال نعجتك مع نعاجه، لاستقام الكلام، ولما كان في المعنى أيُّ مشكلٍ، لكن لما تُركَ هذا الظاهر واختير حرف آخر لا يتناسب مع الفعل أو شبيهه، فإن ذلك قد دلَّ على إرادة معنى يحتاج إلى تحرير وتنقيب، وهو ما ذهب إليه من قال بالتضمين.

стр. 117

ثالثًا: فائدة جمع أقوال السلف: قال شيخ الإسلام (ت:٧٢٨) في هذه المسألة: «وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدًّا، فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين». وهذه الفائدة جاءت نتيجة لتنبيهه على أنَّ التفسير الذي يرد عن السلف قد يكون تفسيرًا بجزء من المعنى، فيذكر كل واحدٍ منهم جزءًا منه، وبجمع عباراتهم يُدرك معنى اللفظ، ويظهر المراد منه بتمامه. وقد ضرب أمثلة لذلك: الأول: تفسير الريب بالشك، وهو جزءٌ من مسمى الريب، والتفسير به لتقريب المعنى لا لتحقيقه بمطابقه، إذ في الريب معنى زائد عن الشكِّ، وهو الاضطراب والحركة. الثاني: تفسير ذلك الكتاب بهذا القرآن، والتفسير باسم الإشارة الدالِّ على القرب والحضور غير معنى البعد والغيبة، لكن المشار إليه واحد. وكذا تفسير الكتاب بالقرآن، وإن أفاد أنه مقروءٌ، وأنه هذا الكتاب إلا أنَّ التفسير به لا يدلُّ على معنى الكتابة التي في لفظ الكتاب، فكان التفسير به من هذه الجهة تقريب للمعنى، وليس تفسيرًا له بمطابق معناه. ثمَّ قال عبارته هذه بعد ذلك، وهي: «وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدًّا، فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين». ولو عمَّم ﵀ قاعدته هذه لكان صوابًا أيضًا، وذلك أنَّ جمع عبارات السلف في معنى الآية أدلُّ على المقصود، وهذه قاعدة تشمل بيان الألفاظ وبيان المعاني عمومًا، والله الموفق.

стр. 118

رابعًا: وقوع الاختلاف المحقق في تفسير السلف: أشار شيخ الإسلام (ت:٧٢٨) في أول هذا الفصل إلى هذه المسألة بقوله: «الخلاف في التفسير قليلٌ ... وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد». وقال في آخر هذا الفصل بعد تحريره لاختلاف التنوع: «ومع هذا، فلا بدَّ من اختلاف محقق بينهم، كما يوجد مثل ذلك في الأحكام». ثمَّ ضرب أمثلة لذلك من أحكام الفرائض. ولم يذكر ـ رحمه الله تعالى ـ أمثلة للاختلاف المحقق بينهم في التفسير، وضابط هذا الاختلاف أنه الذي لا يمكن معه حمل الآية على المعنيين معًا، ولا على أنهما وجهان منفصلان من التفسير، وهذا لا يكون إلا إذا تعيَّن أحد المعنيين المختلف فيهما، أما إذا لم يتعين، فإنه يجوز حمل الآية عليهما معًا، أو جعلهما وجهين متغايرين في معنى الآية، فكأنَّ الآية ـ على هذين التفسيرين ـ صارت بمثابة آيتين. وسأذكر لك أمثلة لهذه الأوجه التي ذكرتها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، اختلف السلف في الذي بيده عقد النكاح على قولين: الأول: أنه ولي أمر المرأة، وقد قال به جماعة من السلف؛ منهم ابن عباس (ت:٦٨)، وعلقمة (ت:٦٢)، والأسود بن يزيد (ت:٧٥)، والحسن (ت:١١٠)، وإبراهيم النخعي (ت:٩٦)، وعطاء (ت:١١٤)، وأبو صالح، والزهري (ت:١٢٤)، والسدي (ت:١٢٨)، وزيد بن أسلم (ت:١٣٦)، وابنه عبد الرحمن (ت:١٨٢)، وربيعة الرأي (ت:١٣٦)، وعكرمة (ت:١٠٥).

стр. 119

وهو القول الأول لمجاهد (:١٠٤)، وطاوس (ت:١٠٦)، وشريح (ت: قبل ٨٠)، ثمَّ رجعوا إلى أنَّ الذي بيده عقد النكاح هو الزوج. الثاني: أنه الزوج، وهو قول جماعة من السلف أيضًا، وقال به: علي بن أبي طالب (ت:٤٠)، والشعبي (ت:١٠٣)، وجبير بن مطعم (ت:٥٨)، ومحمد بن سيرين (ت:١١٠)، وسعيد بن المسيب (ت: بعد ٩٠)، وسعيد بن جبير (ت:٩٥)، ومحمد بن كعب القرظي (ت:١١٨)، والربيع بن أنس (ت:١٣٩)، والضحاك (ت:١٠٥)، وسفيان الثوري (ت:١٦١)، وهو القول الأخير لمجاهد (ت:١٠٤)، وطاوس (ت:١٠٦)، وشريح (ت: قبل ٨٠) (١). وهذان القولان لا يمكن القول بهما معًا، كما لا يمكن أن تجعل الآية بمثابة الآيتين، فيقال بهما على تغايرهما، فيكون يجوز أن يعفو هذا أو أن يعفو ذلك، بل لا بدَّ أن يكون المراد بالآية أحدهما، وهذا معنى اختلاف التَّضادِّ الذي يحتاج إلى بيان أي المعنيين هو الصحيح. ٢ - في قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، اختلف مفسرو السلف في المنادي من هو على قولين: الأول: أنَّ المنادي جبريل ﵇، وهو قول ابن عباس (ت:٦٨) وعمرو بن ميمون الأودي (ت:٧٤)، والضحاك (ت:١٠٥)، وقتادة (ت:١١٧)، والسدي (ت:١٢٨). الثاني: أن المنادي عيسى ﵇، وهو قول أُبَيِّ بن كعب (ت:٣٠)، ومجاهد (ت:١٠٤)، والحسن (ت:١١٠)، ووهب بن منبه (ت:١١٤)، وسعيد بن جبير (ت:٩٥)، وابن زيد (ت:١٨٢) (٢). والمنادي هنا واحد، ولا يحتمل أن يكون ناداها الاثنان، ولا دلالة

стр. 120

تدل على ذلك من قريب ولا من بعيد، لذا لا يحتمل المنادي إلا أحدهما. خامسًا: أسباب الاختلاف: ذكر الشيخ رحمه الله تعالى بعض أسباب الاختلاف، فقال: «والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل، والذهول عنه، وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون للغلط في فهم النص، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح ...». وقد فصَّل هذه الأسباب في رسالته المعروفة برفع الملام عن الأئمة الأعلام، وغالب هذه الأسباب في سبب الاختلاف في الأحكام الفقهية. أما موضوع أسباب اختلاف المفسرين، فموضوع آخر، وقد أشار إليه بإشارات عابرة في هذه الرسالة المباركة؛ كحديثه عن الاختلاف بسبب الاشتراك اللغوي، أو بسبب التواطؤ، وكذا ما سيذكره في الفصل الآتي من الاختلاف الذي مستنده النقل والذي مستنده الاستدلال. وموضوع أسباب الاختلاف ـ خصوصًا اختلاف السلف ـ جدير بالعناية، وهو أصل من أصول التفسير المفيدة والمهمة لمن أراد أن يتعلم التفسير (١).

стр. 121

الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

стр. 122

فصل (٥٤) الاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك؛ إذ العلم إما نقل مصدَّق، وإما استدلال محقَّق (١). (٥٥) والمنقول؛ إما عن المعصوم، وإما عن غير المعصوم. والمقصود بأن جنس المنقول؛ سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم. وهذا هو الأول، فمنه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه. وهذا القسم الثاني من المنقول ـ وهو ما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه ـ عامَّتُه مما لا فائدة فيه، والكلام فيه من فضول الكلام. وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته، فإن الله نصب على الحق فيه دليلاً (٢). (٥٦) فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه: اختلافهم

стр. 123

في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى (١) من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك. (٥٧) فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحًا عن النبي ﷺ كاسم صاحب موسى أنه الخضر ـ فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب ـ كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب ـ فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة (٢)، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه». (٥٨) وكذلك ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض (٣)، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلاً صحيحًا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقلُّ من نقل التابعين، ومع جزم الصاحب فيما يقوله؛ فكيف يقال: إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟! والمقصود أن مثل هذا الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه،

стр. 124

ولا تفيد حكاية الأقوال فيه = هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذي لا دليل على صحته، وأمثال ذلك. (٥٩) وأما القسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود فيما يحتاج إليه ولله الحمد، فكثيرًا ما يوجد في التفسير والحديث والمغازي أمور منقولة عن نبينا ﷺ وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، والنقل الصحيح يدفع ذلك، بل هذا موجود فيما مستنده النقل، وفيما قد يعرف بأمور أخرى غير النقل (١). (٦٠) فالمقصود أن المنقولات التي يُحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم، ولهذا قال الإمام أحمد: «ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي»، ويروى: «ليس لها أصل»؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، ومن بعدهم؛ كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، والواقدي، ونحوهم في المغازي؛ فإن أعلم الناس بالمغازي أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق، فأهل المدينة أعلم بها لأنها كانت عندهم، وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسِّيَرِ ما ليس لغيرهم، ولهذا عظَّمَ الناس كتاب أبي إسحاق الفزاري الذي صنفه في ذلك، وجعلوا الأوزاعي أعلم بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار. (٦١) وأما التفسير، فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم

стр. 125

أصحاب ابن عباس؛ كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس؛ كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم. (٦٢) وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم (١)، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، و (أخذه عن عبد الرحمن) (٢) عبد الله بن وهب. (٦٣) والمراسيل إذا تعدَّدت طُرُقها وخَلَتْ عن المواطأة قصدًا أو الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعًا، فإن النقل إما أن يكون صدقًا مطابقًا للخبر، وإما أن يكون كذبًا تعمد صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه؛ فمتى سَلِمَ من الكذب العمد والخطأ كان صدقًا بلا ريب. (٦٤) فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد عُلِمَ أن المخبرين لم يتواطؤوا على اختلاقه، وعُلِمَ أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقًا بلا قصد = عُلِمَ أنه صحيح، مثل شخص يُحَدِّث عن واقعة جَرَتْ، ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، ويأتي شخص آخر قد عُلِمَ أنه لم يواطئ الأول، فيذكر مثل ما ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال، فيُعلم قطعًا أن تلك الواقعة حق في الجملة، فإنه لو كان كل منهما كَذَبَها عمدًا أو خطأً؛ لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي

стр. 126

تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما لصاحبه. (٦٥) فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتًا وينظم الآخر مثله، أو يكذب كذبة ويكذب الآخر مثلها، أما إذا أنشأ قصيدةً طويلةً ذات فنون على قافية ورَوِيٍّ فلم تَجْرِ العادة بأن غيره ينشئُ مثلها لفظًا ومعنى مع الطول المفرط، بل يُعلم بالعادة أنه أخذها منه، وكذلك إذا حَدَّثَ حديثًا طويلاً فيه فنون، وحَدَّث آخر بمثله، فإنه إما أن يكون واطأه عليه أو أخذه منه، أو يكون الحديث صدقًا. (٦٦) وبهذه الطريق يُعلَم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات وإن لم يكن أحدها كافيًا؛ إما لإرساله، وإما لضعف ناقله، لكن مثل هذا لا تضبط به الألفاظ والدقائق التي لا تعلم بهذه الطريق، بل يحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق، ولهذا ثبتت غزوة بدر بالتواتر، وأنها قبل أُحد، بل يعلم قطعًا أن حمزة وعليًّا وعبيدة برزوا إلى عتبة وشيبة والوليد، وأن عليًّا قتل الوليد، وأن حمزة قتل قِرْنَه، ثم يُشَكُّ في قِرْنِهِ هل هو عتبة أو شيبة؟ (٦٧) وهذا الأصل ينبغي أن يُعرف، فإنه أصلٌ نافعٌ في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك (١). (٦٨) ولهذا إذا رُوي الحديث الذي يتأتى فيه ذلك عن النبي ﷺ من وجهين، مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر جُزم بأنه حق، لا سيما إذا عُلِمَ أن نقلَته ليسوا ممن يتعمد الكذب، وإنما

стр. 127

يُخاف على أحدهم النسيان والغلط، فإن من عَرَفَ الصحابة؛ كابن مسعود، وأُبيِّ بن كعب، وابن عمر، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة وغيرهم = عَلِمَ يقينًا أنَّ الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذبَ على رسول الله ﷺ ، فضلاً عمَّن هو فوقهم، كما يعلمُ الرجلُ من حالِ من جرَّبه وخَبَرَهُ خِبْرَةً باطنةً طويلةً أنه ليس ممن يسرق أموال الناس، ويقطعُ الطريق، ويشهد بالزُّور، ونحو ذلك. (٦٩) وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة، فإن من عَرَفَ مثل أبي صالح السَّمان، والأعرج، وسليمان بن يسار، وزيد بن أسلم، وأمثالهم = عَلِمَ قطعًا أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث، فضلاً عمن هو فوقهم، مثل محمد بن سيرين، أو القاسم بن محمد، أو سعيد بن المسيب، أو عَبِيدَة السَّلْمَاني، أو علقمة، أو الأسود، أو نحوهم (١). (٧٠) وإنما يخاف على الواحد من الغلط؛ فإن الغلط والنسيان كثيرًا ما يعرض للإنسان. (٧١) ومن الحفاظ من قد عَرَفَ الناس بُعْدَه عن ذلك جدًا، كما عرفوا حال الشعبي والزهري وعروة وقتادة والثوري وأمثالهم، لا سيما الزهري في زمانه، والثوري في زمانه، فإنه قد يقول القائل: إن ابن شهاب الزهري لا يُعْرَفُ له غَلَطٌ مع كثرة حديثه، وسَعَةِ حفظه.

стр. 128

(٧٢) والمقصود أن الحديث الطويل إذا رُوِيَ ـ مثلاً من وجهين مختلفين، من غير مواطأة ـ امتنع عليه أن يكون غلطًا، كما امتنع أن يكون كذبًا، فإن الغلط لا يكون في قصة طويلة متنوعة، وإنما يكون في بعضها، فإذا رَوَى هذا قصةً طويلةً متنوعةً، ورواها الآخرُ مثلما رواها الأولُ من غير مواطأة = امتنع الغلطُ في جميعها، كما امتنع الكذب في جميعها من غير مواطأة. (٧٣) ولهذا؛ إنما يقع ـ في مثل ذلك ـ غلطٌ في بعض ما جرى في القصة، مثل حديث اشتراء النبي ﷺ البعير من جابر، فإن من تأمَّل طرقه عَلِمَ قطعًا أن الحديث صحيح، وإن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن. وقد بَيَّن ذلك البخاري في صحيحه، فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي ﷺ قاله؛ لأن غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ؛ فلو كان الحديث كذبًا في نفس الأمر، والأمة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع، وإن كنا نحن بدون الإجماع نُجَوِّزُ الخطأ أو الكذب على الخبر، فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطن بخلاف ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطنًا وظاهرًا. (٧٤) ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملاً به أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنِّفون في أصول الفقه، من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين

стр. 129

اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيرًا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية؛ كأبي إسحاق، وابن فورك، وأما ابن الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك، وتبعه مثل أبي المعالي وأبي حامد وابن عقيل وابن الجوزي وابن الخطيب والآمدي ونحو هؤلاء، والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وأبو إسحاق وأمثاله من أئمة الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبد الوهاب وأمثاله من المالكية، وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب وأبو الحسن ابن الزاغوني وأمثالهم من الحنبلية، وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي وأمثاله من الحنفية. (٧٥) وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبًا للقطع به فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة. (٧٦) والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول؛ لكن هذا يُنتفع به كثيرًا في علم أحوال الناقلين. وفي مثل هذا يُنتفع برواية المجهول والسيء الحفظ، وبالحديث المرسل، ونحو ذلك، ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره. قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره، ومَثَّل هذا بعبد الله بن لهيعة قاضي مصر، فإنه كان من أكثر الناس حديثًا، ومن خيار الناس؛ لكن بسبب احتراق كتبه وقع في حديثه المتأخر غلط، فصار يُعْتَبَر بذلك ويُستشهد به، وكثيرًا ما يقترن هو والليث بن سعد، والليث حجة ثبت إمام.

стр. 130

(٧٧) وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ فإنهم أيضًا يُضعِّفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم غلطه فيها بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا «علم علل الحديث»، وهو من أشرف علومهم بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه، وغلطُه فيه عُرِفَ؛ إما بسببٍ ظاهرٍ؛ كما عرفوا أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وأنه صلَّى في البيت ركعتين، وجعلوا رواية ابن عباس لتزوجها حرامًا، ولكونه لم يصلِّ = مما وقع فيه الغلط، وكذلك أنه اعتمر أربع عمر، وعلِموا أن قول ابن عمر: أنه اعتمر في رجب مما وقع فيه الغلط، وعلموا أنه تمتَّع وهو آمن في حجة الوداع، وأن قول عثمان لعلي: «كنا يومئذٍ خائفين» مما وقع فيه الغلط، وأن ما وقع في بعض طرق البخاري: «أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر» مما وقع فيه الغلط، وهذا كثير. (٧٨) والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يُميِّز بين الصحيح والضعيف، فَيَشُكُّ في صحة أحاديث، أو في القطع بها (١)، مع كونها معلومة مقطوعًا بها عند أهل العلم به. وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظًا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثًا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلاً له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط.

стр. 131

(٧٩) وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق وقد يقطع بذلك، فعليه أدلة يعلم بها أنه كذب ويقطع بذلك، مثل ما يقطع بكذب ما يرويه الوضاعون من أهل البدع والغلو في الفضائل، مثل حديث يوم عاشوراء وأمثاله مما فيه أن من صلى ركعتين كان له كأجر كذا وكذا نبيًا. (٨٠) وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة، مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم. (٨١) والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع. (٨٢) والواحدي صاحبه كان أبصر منه بالعربية، لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف. (٨٣) والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة. (٨٤) والموضوعات في كتب التفسير كثيرة، مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة، وحديث عليٍّ الطويل في تصدقه بخاتمه في الصلاة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم، ومثل ما رُوِي في قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]: أنه عليٌّ، ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]: أذنك يا علي.

стр. 132

فصل (٨٥) وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين ـ حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفًا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل تفسير عبد الرزاق، ووكيع، وعبد بن حميد، وعبد الرحمن بن إبراهيم دُحيم، ومثل تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وأبي بكر بن المنذر، وسفيان بن عيينة، وسنيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد الله بن ماجه، وابن مردويه ـ: إحداهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. والثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزَل عليه والمخاطب به. (٨٦) فالأولون رَاعَوا المعنى الذي رأوه (١) من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.

стр. 133

والآخرون رَاعَوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلِّمِ وسياق الكلام. (٨٧) ثم هؤلاء كثيرًا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة (١)، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم (٢)، كما أن الأولين كثيرًا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن (٣)، كما يغلط في ذلك الآخرون (٤)، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.

стр. 134

(٨٨) والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به. وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يُرَدْ به. وفي كلا الأمرين: قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلاً، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول. وقد يكون حقًا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول. وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضًا في تفسير الحديث. (٨٩) فالذين أخطؤوا في الدليل والمدلول ـ مثل طوائف من أهل البدع ـ اعتقدوا مذهبًا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة؛ كسلف الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن فتأوَّلوه على آرائهم: تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها. وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه. ومن هؤلاء فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم. (٩٠) وهذا كالمعتزلة مثلاً فإنهم من أعظم الناس كلامًا وجدالاً، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم؛ مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي كان يناظر الشافعي، ومثل كتاب أبي علي الجبائي، والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، ولعلي بن عيسى الرماني، والكشاف

стр. 135

لأبي القاسم الزمخشري، فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة. (٩١) وأصول المعتزلة خمسة؛ يسمونها هم: التوحيد، والعدل، والمنْزلة بين المنْزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتوحيدهم هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات، وغير ذلك. قالوا: إن الله لا يُرى، وإن القرآن مخلوق، وإنه ليس فوق العالم، وإنه لا يقوم به علم ولا قدرة، ولا حياة ولا سمع ولا بصر، ولا كلام، ولا مشيئة، ولا صفة من الصفات. (٩٢) وأما عدلهم فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها، ولا هو قادر عليها كلها؛ بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعًا، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته، وقد وافقهم على ذلك متأخرو الشيعة؛ كالمفيد، وأبي جعفر الطوسي وأمثالهما. (٩٣) ولأبي جعفر هذا تفسير على هذه الطريقة؛ لكن يضم إلى ذلك قول الإمامية الاثني عشرية؛ فإن المعتزلة ليس فيهم من يقول بذلك، ولا من ينكر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. (٩٤) ومن أصول المعتزلة مع الخوارج إنفاذ الوعيد في الآخرة، وأن الله لا يقبل في أهل الكبائر شفاعة، ولا يخرج منهم أحدًا من النار. (٩٥) ولا ريب أنه قد ردَّ عليهم طوائف من المرجئة والكرامية والكلابية وأتباعهم؛ فأحسنوا تارة وأساءوا أخرى، حتى صاروا في طرفي نقيض، كما قد بُسط في غير هذا الموضع.

стр. 136

(٩٦) والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيًا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم. وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن؛ إما دليلاً على قولهم أو جوابًا على المعارض لهم. (٩٧) ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحًا، ويدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون؛ كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله. (٩٨) وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التي يعلم ويعتقد فسادها ولا يهتدي لذلك. (٩٩) ثم إنه بسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]: هما أبو بكر وعمر. و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]؛ أي: بين أبي بكر وعلي في الخلافة. و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: هي عائشة. و ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]: طلحة والزبير.

стр. 137

و ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩]: علي وفاطمة، و ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]: الحسن والحسين. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]: في علي بن أبي طالب. و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ ـ ٢]: علي بن أبي طالب. و ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] هو علي، ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، وهو تصدُّقه بخاتمه في الصلاة. وكذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]: نزلت في علي لما أصيب بحمزة. (١٠٠) ومما يقارب هذا من بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] أن الصابرين رسول الله ﷺ ، والصادقين أبو بكر، والقانتين عمر، والمنفقين عثمان، والمستغفرين علي. وفي مثل قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عمر، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ علي. (١٠١) وأعجب من ذلك قول بعضهم: ﴿وَالتِّينِ﴾ [التين: ١] أبو بكر، ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ [التين: ١] عمر، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] عثمان، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: ٣] علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] كل ذلك نعت للذين معه، وهي التي يسميها النحاة خبرًا بعد خبر.

стр. 138

(١٠٢) والمقصود هنا أنها كلها صفات لموصوف واحد وهم الذين معه، ولا يجوز أن يكون كل منها مرادًا به شخص واحد، وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرًا في شخص واحد كقوله: إن قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] أريد بها علي وحده، وقول بعضهم: إن قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] أريد بها أبو بكر وحده، وقوله: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] أريد بها أبو بكر وحده ونحو ذلك. (١٠٣) وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيرًا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري ـ وهو من أجلّ التفاسير وأعظمها قدرًا ـ ثم إنه يَدَعُ ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة؛ لكن ينبغي أن يُعطَى كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب. (١٠٤) فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان = صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. (١٠٥) وفي الجملة؛ من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه، فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته،

стр. 139

وطرق الصواب، ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، فمن خالف قولهم وفسَّر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعًا، ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها إما عقلية وإما سمعية، كما هو مبسوط في موضعه. (١٠٦) والمقصود هنا التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير، وأن من أعظم أسبابه البدع الباطلة التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه وفسروا كلام الله ورسوله ﷺ بغير ما أريد به، وتأولوه على غير تأويله، ف من أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه، وأنه الحق، وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع، ثم أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق. وكذلك وقع من الذين صنفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما وقع فيما صنفوه من شرح القرآن وتفسيره. (١٠٧) وأما الذين يخطؤون في الدليل لا في المدلول، فمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء وغيرهم؛ يفسرون القرآن بمعان صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها؛ مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي في حقائق التفسير، وإن كان فيما ذكروه ما هو معان باطلة، فإن ذلك يدخل في القسم الأول، وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعًا، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسدًا.

стр. 140

شرح الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ومن جهة الاستدلال

стр. 141

مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل ذكر في هذا الفصل أن الاختلاف في التفسير على نوعين: الأول: ما يرجع إلى النقل. والثاني: ما يرجع إلى الاستدلال. وقد طرح فيما يرجع إلى النقل الموضوعات الآتية: ١ - الإسرائيليات. ٢ - الإشارة إلى أسانيد التفسير، وغلبة المراسيل عليها، وحكمها. ٣ - الموضوعات في كتب التفسير، مع الإشارة إلى بعض الكتب التي فيها ضعف من هذه الجهة.

стр. 142

النوع الأول: ما يرجع إلى النقل أما ما يرجع إلى النقل، فهو من جهة المنقول عنه على قسمين: إما أن يكون عن المعصوم، وهم الرسل، وإما أن يكون عن غير المعصوم، وهم من سواهم. وجنس المنقول عن المعصوم وغيره على قسمين: الأول: ما يمكن معرفة الصحيح من الضعيف منه. الثاني: ما لا يمكن معرفة الصحيح من الضعيف. وهذا القسم الثاني، وهو ما لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه فيه أمور: الأول: أنَّه مما لا فائدة فيه. الثاني: أنه لا دليل على صحته. الثالث: أنه لا تقوم الديانة به. الرابع: أنه يأتي في الغالب في الأخبار؛ كلون كلب أصحاب الكهف، واسم الشجرة التي أكل منها آدم. الخامس: أنَّ كثيرًا من هذه الأخبار مما أُخِذَ عن بني إسرائيل (١)، وكثير منها مليء بالغرائب، والاختلاف في النقل، ويغلب عليها أنها من

стр. 143

القسم الذي قال فيه الرسول ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه». الإسرائيليات عند شيخ الإسلام في هذه المقدمة: تحدث عن الإسرائيليات في موضعين من هذه الرسالة، قال في الموطن الأول: «... فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحًا عن النبي ـ كاسم صاحب موسى أنه الخضر ـ فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب؛ كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه». وكذلك ما نُقِلَ عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض (١)، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلاً صحيحًا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ ، أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصاحب فيما يقوله؛ فكيف يقال: إنه أخذه عن أهل الكتاب، وقد نهوا عن تصديقهم؟». وقد قال في الموطن الآخر: «... ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين ابن مسعود وابن

стр. 144

عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ ، حيث قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو. ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك. ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته؛ لما تقدم. وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني. ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعِدَّتِهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ

стр. 145

وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]. فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا. فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعّف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته، إذ لو كان باطلاً لردَّه كما ردَّهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عِدَّتِهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه فلهذا قال: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا﴾؛ أي: لا تُجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تُستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن يُنَبَّه على الصحيح منها، ويُبطل الباطل، وتُذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النِّزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم، فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا يُنَبِّه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضًا، فإن صَحَّح غير الصحيح عامدًا فقد تعمَّد الكذب أو جاهلاً فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالاً متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنًى فقد ضيَّع الزمان، وتكثَّر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثَوبَي زور، والله الموفق للصواب». تلخيص أفكار شيخ الإسلام في الإسرائيليات: يتلخص من هذين الموضعين ما يأتي: أولاً: أن بعض أخبار بني إسرائيل منقول عن النبي ﷺ نقلاً صحيحًا، ولا ريب في قبول هذه الأخبار، حتى لو كانت فيما لا يقوم عليه علم أو عمل، كاسم صاحب موسى أنه الخَضِرُ.
следующие страницы →