مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة النقل
ذكر في هذا الفصل أن الاختلاف في التفسير على نوعين:
الأول: ما يرجع إلى النقل.
والثاني: ما يرجع إلى الاستدلال.
وقد طرح فيما يرجع إلى النقل الموضوعات الآتية:
١ - الإسرائيليات.
٢ - الإشارة إلى أسانيد التفسير، وغلبة المراسيل عليها، وحكمها.
٣ - الموضوعات في كتب التفسير، مع الإشارة إلى بعض الكتب التي فيها ضعف من هذه الجهة.
стр. 142
النوع الأول: ما يرجع إلى النقل
أما ما يرجع إلى النقل، فهو من جهة المنقول عنه على قسمين:
إما أن يكون عن المعصوم، وهم الرسل، وإما أن يكون عن غير المعصوم، وهم من سواهم.
وجنس المنقول عن المعصوم وغيره على قسمين:
الأول: ما يمكن معرفة الصحيح من الضعيف منه.
الثاني: ما لا يمكن معرفة الصحيح من الضعيف.
وهذا القسم الثاني، وهو ما لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه فيه أمور:
الأول: أنَّه مما لا فائدة فيه.
الثاني: أنه لا دليل على صحته.
الثالث: أنه لا تقوم الديانة به.
الرابع: أنه يأتي في الغالب في الأخبار؛ كلون كلب أصحاب الكهف، واسم الشجرة التي أكل منها آدم.
الخامس: أنَّ كثيرًا من هذه الأخبار مما أُخِذَ عن بني إسرائيل (١)، وكثير منها مليء بالغرائب، والاختلاف في النقل، ويغلب عليها أنها من
стр. 143
القسم الذي قال فيه الرسول ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه».
الإسرائيليات عند شيخ الإسلام في هذه المقدمة:
تحدث عن الإسرائيليات في موضعين من هذه الرسالة، قال في الموطن الأول: «... فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحًا عن النبي ـ كاسم صاحب موسى أنه الخضر ـ فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب؛ كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه».
وكذلك ما نُقِلَ عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض (١)، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلاً صحيحًا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ ، أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصاحب فيما يقوله؛ فكيف يقال: إنه أخذه عن أهل الكتاب، وقد نهوا عن تصديقهم؟».
وقد قال في الموطن الآخر: «... ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين ابن مسعود وابن
стр. 144
عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ ، حيث قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو.
ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.
ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته؛ لما تقدم.
وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.
ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعِدَّتِهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ
стр. 145
وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا. فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعّف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته، إذ لو كان باطلاً لردَّه كما ردَّهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عِدَّتِهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه فلهذا قال: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا﴾؛ أي: لا تُجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب.
فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تُستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن يُنَبَّه على الصحيح منها، ويُبطل الباطل، وتُذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النِّزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم، فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا يُنَبِّه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضًا، فإن صَحَّح غير الصحيح عامدًا فقد تعمَّد الكذب أو جاهلاً فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالاً متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنًى فقد ضيَّع الزمان، وتكثَّر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثَوبَي زور، والله الموفق للصواب».
تلخيص أفكار شيخ الإسلام في الإسرائيليات:
يتلخص من هذين الموضعين ما يأتي:
أولاً: أن بعض أخبار بني إسرائيل منقول عن النبي ﷺ نقلاً صحيحًا، ولا ريب في قبول هذه الأخبار، حتى لو كانت فيما لا يقوم عليه علم أو عمل، كاسم صاحب موسى أنه الخَضِرُ.
стр. 146
ثانيًا: أنَّ أخبار بني إسرائيل على ثلاثة أحوال:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والضابط في القبول والردِّ في هذا هو الشرع، فما كان موافقًا قُبِلَ، وما كان مخالفًا لم يُقبل.
ويدل لذلك أمثلة، منها ما رواه الطبري (ت:٣١٠) عن سعيد بن المسيب، قال: «قال علي ﵁ لرجل من اليهود: أين جهنم؟
فقال: البحر.
فقال: ما أراه إلا صادقًا، ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] مخففة» (١).
فصدَّقه أمير المؤمنين عليٌّ ﵁ لوجود ما يشهد له من القرآن.
وما رواه البخاري (ت:٢٥٦)، قال: وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: «إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا ـ مع ذلك ـ لنبلو عليه الكذب» (٢).
وقد يقع الردُّ من بعض الناس لبعض الإسرائيليات بدعوى مخالفة الشرع، ولا يكون ذلك صحيحًا في الحقيقة؛ لأنَّ ما ينسبه للشرع قد لا يكون صحيحًا أنه منه، بل هو رأي عقلي محضٌ وقع فيه شبه عنده أنه من الشرع، ويظهر ذلك جليًا فيما يتعلق بعصمة الأنبياء، إذ معرفة حدود هذه العصمة قد دخله التخريج العقلي، والتأويل المنحرف بدعوى تنْزيه الأنبياء، فظهر بذلك مخالفة ظاهر القرآن.
стр. 147
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وهذا لا يكون ردُّه أو قبوله إلا بحجَّة، كما قال شيخ الإسلام: «فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحًا، عن النبي؛ كاسم صاحب موسى أنه الخضر، فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب؛ كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، كما ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه».
ويلاحظ في هذا القسم أنه تجوز حكايته، ويُستدلُّ لجواز حكايته بأمور:
الأول: استدل شيخ الإسلام بالاختلاف الواقع في عِدَّة أصحاب الكهف، فقال: «... ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]». ثمَّ نبَّه على الأدب في مقام نقل الأقوال.
الثاني: قول الرسول ﷺ : «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».
وقوله: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ...». فقد أجاز ﷺ التحديث عنهم، ولم ينكر ذلك أو يذكر له شرطًا، بل أمر بالتوقف فيما يحكون.
الثالث: أن هذا عمل جمهور من السلف في التفسير وغيره، وعملهم هذا موافق لجواز التحديث الذي بيّنته الأحاديث النبوية.
أما ما وقع من النكير من بعض السلف، فإنه يُحمل على أمور:
стр. 148
الأول: بسبب الإكثار من الرجوع إليهم.
الثاني: بسبب تصديقهم فيما يقولون.
الثالث: بسبب طلب الاهتداء بما عندهم.
كما يلاحظ أنَّ غالب هذا القسم مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.
وهذه الأخبار قد تكون منقولة عن الصحابة، وما كان كذلك فالنفس إليه أسكن، وقد تكون منقولة عن التابعين، وهذا النقل أقلُّ في القبول من المنقول عن الصحابي لاعتبارات، منها:
١ - أنَّ المنقول عن الصحابة أقل من المنقول عن التابعين.
٢ - أن ما نُقِل عن الصحابة فالقلب إليه أسكن لاحتمال أن يكون رواها عن النبي ﷺ ، أو عمن أخذها عن النبي ﷺ .
٣ - أن جزم الصحابي بما يقوله لا يُتصوَّر معه أنه نقله عن بني إسرائيل.
ويتبع هذا الكلام فائدة نفيسة، وهي:
تعليق الأمر بالإسرائيلية دون راوي الإسرائيلية، فإذا توقفت وجعلت الرواية محتملة للصدق أو الكذب، أو جزمت بردِّها فإنك لا تردَّها لأن الراوي ممن عُرِف بالأخذ من بني إسرائيل، بل لأنَّ في الخبر شبهة الإسرائيليات فحسب، وإلا جاز التوقف في كثيرٍ من الأخبار الغيبية التي رواها بعض الصحابة لأجل أنه يروي عن بني إسرائيل، وليس ذلك بحقٍّ، فابن عباس (ت:٦٨) قد اشتهر أخذه عن بني إسرائيل، وصحَّ عنه بعض الأمور الغيبية، فلو عُمِلَ بهذه القاعدة لما قُبِلَ قوله فيها، ولكنَّ الأمر على خلاف ذلك، فقد قُبِلَ قوله، وأُخِذَ به، ومن ذلك ما ورد عنه في الكرسي من قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «حدثني أبي، نا ابن مهدي، عن
стр. 149
سفيان، عن عمار الدُّهْنِي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره» (١).
فإذا أعملت هذه القاعدة، وهي أن من عُرِفَ بالأخذ عن بني إسرائيل لا يُقبل نقله هذا، وكنت ممن ظهر له أن ابن عباس (ت:٦٨) قد أخذ عنهم، فإنك ستتوقف في دلالة هذا الخبر، وهذا ما لم يعمل به أهل السنة، بل تلقوا خبره بالقبول، وأثبتوا به هذه العقيدة التي يتضمنها الخبر.
إشكال في موقف ابن عباس من الإسرائيليات:
أخذ ابن عباس (ت:٦٨) عن أهل الكتاب مما لا يحتاج إلى إثبات، لكن الأمر الذي يحتاج إلى بحث ما ورد عنه في صحيح البخاري (ت:٢٥٦)، قال: «حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله ﷺ أحدث، تقرءونه محضًا لم يُشَبْ؟ وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا، وغيَّروا، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، ليشتروا به ثمنًا قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله، ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل إليكم» (٢).
فما مراده من هذا النهي؟
لقد حرصت على تتبع هذا الأثر عن ابن عباس لعلّي أظفر بشرح يبين مقصوده، لكني لم أظفر بشيء في ذلك، وقد اجتهدت في تبيُّن الاحتمالات التي جعلت ابن عباس (ت:٦٨) يقول هذا، مع أنه قد ورد عنه الأخذ عن بني إسرائيل، فظهر لي منها:
стр. 150
أولاً: أن يكون السائل يريد طلب الاهتداء بما عندهم، أو معرفة شرع الله، أو معرفة بعض العقائد دون غيرها من الأخبار؛ لأن هذه الأمور لا يجوز أن تؤخذ عن غير المعصوم في خبره.
أما الأخبار الأخرى فإنها مما لا يلزم تصديقه ولا تكذيبه، ولا يُبنى عليها علم، وليس فيها هدى، قال ابن كثير (ت:٧٤٧): «ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان؛ لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل، وما أقلَّ الصدق فيه، ثم ما أقلَّ فائدة كثير منه لو كان صحيحًا.
قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا سفيان، عن سليمان بن عامر، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله هو ابن مسعود قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا؛ إما أن تكذبوا بحق، أو تصدقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال» (١).
ثانيًا: أن يكون رأيًا متأخرًا له.
ثالثًا: أنه رأى كثرة الرجوع إليهم، فأراد أن يسد هذا الباب.
مسألة في ضابط العقل في ردِّ الإسرائيليات:
يلاحظ هنا أنَّ ضابط العقل أو الغرابة ليس مما يُتفقُ عليه.
ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، ورد الخبر الآتي:
إن موسى كان رجلاً حَيِيًّا سِتِّيرًا، لا يُرَى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستَتِر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برصٌ، وإما أُدْرَةٌ، وإما آفةٌ.
стр. 151
وإن الله أراد أن يُبَرِّئه مما قالوا لموسى، فَخَلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحجر عَدَا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُرْيانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون.
وقام الحجر، فأخذ ثوبه، فلبسه، وطَفِقَ بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] (١).
فهذا الخبر لا تخفى غرابته، وقد لا تُصدِّقه بعض العقول، لكن إذا علِمت أنه خبر صحيح مرويٌّ عن رسول الله ﷺ ، رواه البخاري (ت:٢٥٦) وغيره = سلَّمت لذلك الخبر، وأدركت أنه خبر حقيقي واقع، مع ما فيه من الغرابة.
وليس يعني هذا أن يُقبل كل خبرٍ مع ما فيه من الغرابة، لكن المراد أنَّ الغرابة ليست ضابطًا كافيًا في ردِّ مثل هذه الأخبار.
ومن الأمور التي يحسن التنبه لها أنَّ رواية السلف للإسرائيلية ـ خصوصًا الصحابة ـ لا يعني قبول ما فيها من التفاصيل، ومرادهم بها بيان مجمل ما ورد في القرآن بمجمل ما ذُكِرَ في القصة، دون أن يلزم ذكرهم لها إيمانهم بهذه التفاصيل التي تحتاج في نقلها إلى سند صحيح، وذلك عزيز جدًّا فيما يرويه بنو إسرائيل في كتبهم.
وقد ورد في بعض آثار الصحابة ما يدل على أنهم يميزون كذبها ويعرفونه، ولا يصدقون كل ما يُروى لهم من الإسرائيليات، وإن كان الذي
стр. 152
يذكرها لهم محله الصدق عندهم، ومن ذلك ما ورد في خبر الخليفة معاوية بن أبي سفيان (ت:٦٠).
قال البخاري (ت:٢٥٦): وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: «إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب».
قال ابن حجر: «وقال ابن حبان في كتاب الثقات: أراد معاوية أنه يخطئ أحيانًا فيما يخبر به، ولم يُرِدْ أنه كان كذابًا.
وقال غيره: الضمير في قوله: لنبلو عليه، للكتاب لا لكعب، وإنما يقع في كتابهم الكذب؛ لكونهم بدَّلوه وحرَّفوه.
وقال عياض: يصح عوده على الكتاب، ويصح عوده على كعب وعلى حديثه، وإن لم يقصد الكذب ويتعمده؛ إذ لا يشترط في مسمى الكذب التعمد، بل هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، وليس فيه تجريح لكعب بالكذب.
وقال ابن الجوزي: المعنى: إن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبًا، لا أنه يتعمد الكذب، وإلا فقد كان كعب من أخيار الأحبار» (١).
مسألة في وقوع الاختلاف بين علماء الكتاب فيما يروونه:
قال شيخ الإسلام: «وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي
стр. 153
أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز».
وهذا القول يفيد أن الغالب على مرويات بني إسرائيل أنها أخبارٌ عن أحداث، وفيها تفاصيل لا تنفع من جهة الاهتداء، لذا فإنه لا يلزم قبول هذه التفاصيل.
ولاحظ أن بعض الآيات التي فُسِّرت بالإسرائيليات معروفة المعنى على جهة الإجمال، والمراد بها واضح لا لبس فيه، لكن يقع الإشكال في المراد بهذا المجمل، هل هو ما جاء في القصة الإسرائيلية وتفصيلاتها، أو هو غير ذلك؟
وهذه المرويات يقع فيها اختلاف واضح، وسببُ ذلك وجودُ الاختلاف في النقل عند بني إسرائيل، وهو اختلافٌ يبين عدم ضبطهم لهذه القصص والأخبار؛ فقد دخلها إما النقص، وإما الزيادة.
وهذا كثيرٌ جدًّا عندهم، وهو يدلُّ على عدم الضبط، أو على وجود التحريف المقصود، إذ لم يكن بعض أحبارهم يترفَّع عن هذا.
ويتلخص من قول شيخ الإسلام في هذه المسألة الآتي:
١ - أن غالب ما في هذه الأخبار لا فائدة تعود إلى أمر ديني.
٢ - أن علماء أهل الكتاب يختلفون فيه، ويأتي تبعًا لذلك اختلاف المفسرين الذين ينقلون عنهم، مثل أسماء أصحاب الكهف ... إلخ.
٣ - أن نقل الخلاف عنهم في مثل هذا جائز.
فائدة: في عدم تحرِّي العلماء فيما يُنقل عن أهل الكتاب:
قال شيخ الإسلام «... وأيضًا فعلماء الدين أكثر ما يحررون النقل
стр. 154
فيما ينقل عن النبي ﷺ ؛ لأنه واجب القبول، أو فيما ينقل عن الصحابة.
وأما ما ينقل من الإسرائيليات ونحوها؛ فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها؛ لأن أصلها غير معلوم، وغايتها أن تكون عن واحد من علماء أهل الكتاب أو من أخذ عن أهل الكتاب؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه».
فإذا كنا قد نهينا عن تصديق هذا الخبر وأمثاله مما يؤخذ عن أهل الكتاب لم يجز لنا أن نصدقه، إلا أن يكون مما يجب علينا تصديقه، مثل ما أخبرنا به نبينا عن الأنبياء وأممهم، فإن ذلك يجب تصديقه مع احتراز في نقله، فهذا هذا ...» (١).
مسألة في خبر عبد الله بن عمرو والزاملتين:
قال شيخ الإسلام: «... رسول الله ﷺ حيث قال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك».
يثير موضوع الزاملتين عددًا من الأسئلة، من أهمها:
١ - ما صحة خبر هاتين الزاملتين؟
الذي يبدو أن خبر الزاملتين له أصل صحيح، وإن كان خبرُ الزاملتين عزيزًا جدًّا، لا تكاد تجده في كتب الآثار، ومن الآثار التي ورد فيها خبر هاتين الزاملتين ما رواه الإمام أحمد:
стр. 155
قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، سمعت سيفًا يحدث عن رشيد الهجري، عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن عمرو: حدثني ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ودعني وما وجدت في وسقك يوم اليرموك.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (١).
فإن صحَّ هذا الخبر، فإنه يدلُّ على أنَّ بعض الذين يروون عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت:٦٥) يتحرَّزون من الرواية عن هاتين الزاملتين.
٢ - هل ثبت أن عبد الله كان من الصحابة الذين رجعوا إلى مرويات بني إسرائيل؟ وهل يوجد فيما بين أيدينا روايات إسرائيلية مروية من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص؟
إن الذي بين يدينا من الروايات الإسرائيلية لا ترجع إلى عبد الله بن عمرو، بل الرواية عنه في هذا الباب نادرة جدًّا، فهل يصلح أن يقال: إنه يروي من تلك الزاملتين؟ فأين رواياته (٢)؟
стр. 156
بيد أن ابن كثير (ت:٧٧٤) توقَّف في بعض الآثار (١)، وحملها على الزاملتين، وأنا أسوقها ليتبَّين أثر خبرهما على عَلَمٍ من أعلامِ نُقَّادِ الأحاديث والآثار:
١ - قال ابن كثير (ت:٧٧٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]: «... فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة عن يزيد أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس» = فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيف، والأشبه ـ والله أعلم ـ أن يكون هذا موقوفًا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب».
وعندي في نسب هذا الخبر إلى مرويات بني إسرائيل نظر، فإن من خَبَرَ كتبهم لا يجد فيها ذكرًا للكعبة، وهو مما حرفوه، وحذفوه من كتبهم، كما حذفوا كل فضيلة لإسماعيل، وللعرب من أهل الجزيرة العربية.
والحقُّ أن أمر الزاملتين يلفُّه غموضٌ لا يكفي فيه أنَّ من شكَّ في مروية جاءت عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن ينسبها لهاتين الزاملتين.
٢ - وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام:
стр. 157
١٥٨ -]: «... قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ابن لهيعة، عن حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي ﷺ : «إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدًا ينادي ويجهر: إلهي، مُرْنِي أن أسجد لمن شئت. قال: فيجتمع إليه زبانيته، فيقولون كلهم: ما هذا التضرع؟! فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم. قال: ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا، قال: فأول خطوة تضعها بأنطاكيا، فتأتي إبليس فتخطمه». هذا حديث غريب جدًا، وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك فأما رفعه فمنكر والله أعلم».
أقول: كان يكفي في نكارته ضعف إسناده، وأمر الزاملتين ما دام غير معلومٍ فلا حاجة إلى تحميل ابن عمرو، أمرهما بهذه الصورة، والله أعلم.
٣ - وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨]: «... وقد روي متصلاً من وجه آخر كما قال محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر ـ، فقال: هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم، فدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وآية ذلك أنه دُفِنَ معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه، فابتدره الناس، فاستخرجوا منه الغصن، وهكذا رواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق به.
قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز.
стр. 158
قلت: تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث.
قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن أمية.
قلت: وعلى هذا، فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين. قال شيخنا أبو الحجاج ـ بعد أن عرضت عليه ذلك ـ: وهذا محتمل والله أعلم».
وفي هذا نظر أيضًا، فأبو رغال عربي، وليس في كتب بني إسرائيل أخبار العرب الذين في جزيرة العرب، وهذا ـ كما قلت لك ـ ظاهر من كتبهم التي بين يدينا اليوم، وكذا من المرويات المنسوبة لهم، ولست أدري، لماذا يُحمِّل ابن كثير (ت:٧٧٤) ابن عمرو أمر هاتين الزاملتين في مثل هذا الخبر العربي؟!
٤ - وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٥]: «قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا المعتمر بن سليمان عن عبد الجليل، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمرو قال: «يهبط الله حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب؛ منها النور والظلمة، فيضرب الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب». وهذا موقوف على عبد الله بن عمرو من كلامه، ولعله من الزاملتين، والله أعلم».
ولا أدري لم يُنسب هذا الخبر إلى الزاملتين، وليس فيه ما هو غريب، فكم من أمور الآخرة التي صحَّت، وهي غريبة، فما المانع من أن يكون مما تلقاه عن النبي ﷺ ؟!
٣ - وإذا كان أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، فإنه يلزم أحد أمرين:
стр. 159
الأول: أنه كان يعرف الرسم الذي كُتِبت به هذه الكتب، وهذا احتمال بعيد جدًّا (١).
الثاني: أنها كانت تُترجم له.
٤ - وإذا كانت تُترجَم له، فمن ذا الذي كان يُترجم له؟.
هذه الأسئلة تحتاج إلى بحث خاصٍ، وهي جديرة بالعناية؛ لأنها تحلُّ غموضًا في سيرة عبد الله بن عمرو وهاتين الزاملتين، وما ترتَّب عنهما من أنه كان يحدِّث عن بني إسرائيل.
أقول بعد ذلك: لو ثبت خبر الصحيفتين، وأنَّ عبد الله كان يُحدِّث منهما، فالأمر كما قال شيخ الإسلام: «فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك».
مسألة في قول الإمام أحمد في كتب التفسير:
قال شيخ الإسلام: «... فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم، ولهذا قال الإمام
стр. 160
أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي ـ ويروى: ليس لها أصل؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق ومن بعدهم؛ كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، والواقدي ونحوهم في المغازي».
تأتي عن الإمام أحمد (ت:٢٤١) بعض العبارات المجملة التي لا يُدرى المراد بها على وجه التحديد؛ لأنها لم تلق تفسيرًا منه.
ومن هذه الروايات المجملة هذه الرواية التي اختلفت فيها تخريجات العلماءِ، وتباينت فيها آراؤهم، فقد روى الخطيب البغدادي (ت:٤٦٣) بسنده هذا الأثر عن أحمد بن حنبل (ت:٢٤١)، ثم قال في شرح هذه العبارة: «وهذا الكلام محمول على وجه، وهو أنَّ المراد به كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها لسوء أحوال مصنفيها وعدم عدالة ناقليها وزيادات القصاص فيها» (١).
وهذا التخريج فيه نظر؛ إذ ليس في عبارة الإمام أحمد (ت:٢٤١) ما يدلُّ عليه، وما تلك التخريجات إلا للغموض والإجمال في تلك العبارة التي قالها الإمام أحمد بن حنبل (ت:٢٤١).
ولو عُرِفَ المراد بالتحديد بمصطلح «إسناد» أو مصطلح «أصول» الذي جاءت به الرواية عن الإمام أحمد لحُلَّ المراد بقوله، ولزال الإشكال.
وأقرب ما يمكن تفسيرها به أن يكون أراد الإسناد المرفوع للنبي ﷺ ، وهذا التخريج لعبارة الإمام أحمد (ت:٢٤١) هو الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:٧٢٨) في عبارته السابقة حيث ذكر المراسيل التي يقابلها المسند المرفوع إلى النبي ﷺ ، قال: «ويروى: ليس لها أصل؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل».
стр. 161
كما نصَّ في كتابه منهاج السنة على ذلك فقال: «وأما أحاديث سبب النّزول فغالبها مرسل ليس بمسند، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: ثلاثة علوم لا إسناد لها ـ وفي لفظ: ليس لها أصل ـ التفسير والمغازي والملاحم، ويعني أن أحاديثها مرسلة» (١).
وهذا يشير إلى أن مراد الإمام أحمد (ت:٢٤١) بالتفسير أسباب النُّزول خاصة، والحقيقة أن أسباب النُّزول جزء من علم التفسير، وهي نوعان:
الأول: أسباب النُّزول الصريحة، وهذه التي يقع فيها الإرسال؛ لأن التابعي أو من بعده ينسب الحدث إلى عصر الرسول ﷺ ، وهو لم يشاهده قطعًا، وهذا هو الإرسال في الرواية.
الثاني: أسباب نزول غير صريحة، وهذه تدخل في باب التفسير بالرأي؛ لأنَّ المفسر إذا ذكر حدثًا معيَّنًا، وصدَّره بعبارة النُّزول، فليس يلزم أن يكون مراده أنه سبب النُّزول المباشر، بل يريد التنبيه على دخول هذا الحدث في معنى الآية.
لكن المطَّلِع على التفسير المروي عن السلف عمومًا يجد أن المرويَّ عن النبي ﷺ قليل جدًّا، ويمكن أن يكون مراد الإمام أحمد (ت:٢٤١) بمصطلح الإسناد: المرفوع فحسب، وهذا يصدق على هذه العلوم الثلاثة التي ذكرها حيث يكثر إسناد أخبارها إلى من بعد الصحابة، وهي تشترك في أنها أخبار روائية لا يمكن إدراكها بغير الخبر، فالمخبِر إما أن يكون سامعًا وإما أن يكون مشاهدًا، وهذا لا يتحقق إلا للصحابي فقط، والله أعلم.
стр. 162
مسألة في المراسيل في التفسير:
إن الذي يغلب في مراسيل التفسير مجيئها في أسباب النُّزول، وعبارة شيخ الإسلام في هذه المسألة هنا ظاهرة أن المراد بها أسباب النُّزول؛ لأنها تحكي خبرًا تاريخيًّا مرتبطًا بآية من الآيات.
وما ذكره شيخ الإسلام من تحرير في هذه المسألة مفيد للمفسر الذي يريد تحرير أسانيد أسباب النُّزول، وهو يصلح للنقد التاريخي عمومًا، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «وهذا الأصل ينبغي أن يعرف، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي، وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك».
وقد ذكر ضوابط قبول هذه المراسيل، وهي:
١ - أن لا يكون مصدرها مفردًا، بل يكون متعدِّدًا.
٢ - أن تخلوَ من المواطأة.
٣ - أن يتلقاها العلماء بالقبول.
وهذا القيد مهم معتَبرٌ، وهو قد ذكره عند ذكره لحديث الآحاد، حيث قال: «ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له، أو عملاً به أنه يوجب العلم».
وكذا يمكن القول بأن هذه القيد معتبر في قبول المراسيل التي ترد في التفسير، لكن قد يكون هناك مرتبة أخرى في قبول حكاية النُّزول الذي من قبيل الرأي، وهو أن يتوارد المحققون من المفسرين على ذكره دون اعتراض عليه، فإن هذا قرينةٌ تُشعِرُ بقبوله أيضًا.
٤ - أن الاختلاف في التفاصيل الدقيقة لا يؤثر في أصل الخبر، وهذا الاختلاف في التفاصيل لا يرجع إلى الكذب، بل إلى الضبط، وضربَ مثالاً لذلك باختلاف الثمن في قصة بيع جابر بعيره على النبي ﷺ .
وهذه المسألة من نفائس هذه المقدمة التي يحسن بالمعتنين بالتفسير الاستفادة
стр. 163
منها في حال دراسة أقوال مفسري السلف، والاستفادة تكون على حالين:
الأولى: الاستفادة منها في مجال دراسة أسباب النُّزول، كما صوَّرها شيخ الإسلام في هذه المسألة، وضرب لها مثالاً بالمتبارزين يوم بدر.
ومثل ذلك ما وقع من الاختلاف في سبب نزول التحريم في شرب العسل؛ هل كان شربه عند زينب أو عند حفصة؟. فهذا الاختلاف لا يضر في أصل القضية، وكونه امتنع عن شرب العسل (١).
الثانية: الاستفادة منها في مجال دراسة أقوال السلف الأخرى، خصوصًا ما يرتبط منها بالأخبار؛ كالأخبار الغيبية عمومًا.
ومن أمثلة ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤]، فقد ورد في تفسيرِ السَّلفِ أنَّه بيتٌ في السماء، بحذاء الكعبةِ، تعمرهُ الملائكةُ، يدخلُه منهم سبعونَ ألف ملَكٍ، ثمَّ لا يعودونَ إليه، ويقال له: الضُّرَاحُ، وهذا قولُ عليٍّ (ت:٤٠) ﵁.
ووردَ هذا التفسيرُ عن ابن عباسٍ (ت:٦٨) من طريق عطيَّةَ العوفي (ت:١١١)، وجعله بحذاء العرشِ، ولم يذكر اسمه (٢).
وورد عن مجاهد (ت:١٠٤) من طريق ابن أبي نجيح: أنه بيت في السماء، يقالُ له: الضُّراحُ.
وعن عكرمة (ت:١١٧): بيتٌ في السماءِ، بحيالِ الكعبةِ.
وعن الضحاكِ (ت:١٠٥) من طريق عبيد المكتب: يزعمونَ أنه يروح إليه سبعونَ ألف ملكٍ من قبيلةِ إبليس، يقال لهم: الحِنُّ.
стр. 164
وقد روى قتادة (ت:١١٧)، وابن زيدٍ (ت:١٨٢) عن النبيِّ ﷺ مرسلاً أنه بيتُ اللهِ في السماءِ، وأنه يدخله في اليوم سبعونَ ألفَ ملَكٍ لا يعودونَ إليه. وزادَ قتادةُ (ت:١١٧): تحته الكعبةُ، لو خَرَّ لخَرَّ عليها.
وفي الصحيح من حديثِ المعراجِ أنَّ رسول اللهِ ﷺ رأى إبراهيمَ ﵇ في السماءِ السابعةِ، مُسندًا ظهرَه إلى البيتِ المعمورِ، وأنه يدخله سبعونَ ألفَ ملَكٍ لا يعودونَ إليه (١).
وقد ذكر ابن حجرٍ (ت:٨٥٢) أنه قد ورد عن الحسنِ ومحمد بن عباد بن جعفر أنَّ البيت المعمور: الكعبةَ، وقال: «والأول أكثرُ وأشهرُ» (٢).
وإذا حللَّتَ هذه الأقوالَ فإنكَ ستجدُ الآتي:
أنَّ الحديثَ الواردَ عن النبيِّ ﷺ في البيتِ المعمورِ ليسَ فيه إشارةٌ إلى الآيةِ؛ أي أنَّ النبي ﷺ لم يقصدْ تفسيرَ الآيةِ مباشرةً، ولكنَّ هذا الأثرَ يُستفادُ منه في بيانِ المرادِ بالقسمِ في هذه الآيةِ، لأنَّ القسمَ بالبيتِ المعمورِ قد يحتملُ الكعبةَ؛ لأنها بهذه الصِّفةِ، فهي معمورةٌ بالطائفينَ والقائمينَ والركَّعِ السجودِ.
ولكن تواردَ جمهورِ السَّلفِ على أنه البيتُ الذي في السماءِ، مع ما في هذا الحديثِ من ذكر له يجعلُ القولَ الصوابَ أنَّ المرادَ به بيتُ السماءِ.
ومن هنا فالبيتُ الذي في السماء من علمِ الغيبِ، فما المقبول من وصفِه فيما وردَ في الآثار؟
١ - أنه بيتٌ في السماء السابعة (٣).
٢ - أنَّ إبراهيمَ مسندٌ ظهره إليه.
стр. 165
٣ - أنه يدخله سبعونَ ألفَ ملكٍ، ثمَّ لا يعودونَ إليه.
وهذه الأوصافُ ثابتةٌ عن النبيِّ ﷺ ، وقد ورد عن السَّلفِ أنه في السماء، دون تحديدها، وأنه يدخلهُ سبعونَ ألفَ ملكٍ ثم لا يعودونَ إليه.
وزادَ عندهم من أوصافِه:
٤ - أنه بحذاءِ الكعبةِ، عن عليٍّ، وعكرمةَ.
٥ - أنه بحذاء العرشِ، عن ابنِ عباسٍ.
٦ - أنَّ اسمه الضُّراحُ، عن عليٍّ، ومجاهدٍ.
٧ - أنَّ الذين يدخلونه يقال لهم: الحِنُّ، وهم من قبيلةِ إبليسَ، تفرَّدَ به الضحاكُ (ت:١٠٥).
أمَّا ما انفردَ بروايتِه التابعيُّ، وهو الضحاكُ (ت:١٠٥)، فإنه لا يقبلُ بسبب هذا الانفرادِ.
وأمَّا ما وردَ في الوصفينِ (٤، ٥)، واسم هذا البيتِ (٦)، فإنَّك إذا جعلتَ ما وردَ عن الصَّحابيِّ في هذا الأمرِ الغيبيِّ في حكمِ المرفوعِ، قَبِلْتَها، وإلاَّ توقَّفتَ على الثابتِ صراحةً، وهي الأوصاف التي وردتْ في الحديثِ.
لكنْ يُعزِّرُ أمرَ قبولِ أقوالهم تعدُّدُ القائلينَ بها، مع احتمال عدم أخذ الآخِرِ عن الأول، خصوصًا إذا أضفتَ ما نسبه ابن كثيرٍ (ت:٧٧٤) إلى السُّدِّيِّ (ت:١٢٨)، والربيع بن أنسٍ (ت:١٣٩)، وغير واحدٍ من السلفِ، فإنَّ تواردَ أقوالِهم على أمرٍ من الأمورِ يدلُّ على أصلِه، وهذه قاعدةٌ علميَّةٌ مفيدةٌ جدًا في العلمِ، وخصوصًا في التفسيرِ، لكثرةِ ما يردُ من اختلافٍ في أسباب النُّزولِ وغيرها، فإنه بجمعِ ما وردَ من الخلاف يتبيَّنُ الأصلُ المشترَكُ بين الأقوالِ، فيحكمُ به، وإن اختُلفِ في إثباتِ بعضِ تفاصيلِه، كما هو الحالُ في هذا المثالِ.
وهذه القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام في دراسة الأخبار واضحةٌ جدًّا
стр. 166
في كلامه، ومعزَّزة بالمثال كما هو الحال عنده في أنواع الاختلاف.
وقد ذكر مثل هذا التفصيل في كتابه منهاج السنة، فقال: «والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها، وحسب الأقوال أن منها المقبول ومنها المردود الموقوف، فمن عُلِمَ من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قُبِلَ مرسلُه، ومن عُرِفَ أنه يرسل عن ثقة وغير الثقة كان إرساله رواية عمن لا يعرف حاله، فهذا موقوف.
وما كان من المراسيل مخالفًا لما رواه الثقات كان مردودًا.
وإذا جاء المرسل من وجهين = كلٌّ من الراويين أخذ العلم عن شيوخ الآخر فهذا مما يدل على صدقه؛ فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب = كان هذا مما يعلم أنه صدق.
فإن المخبر إنما يؤتى من جهة تعمد الكذب ومن جهة الخطأ، فإذا كانت القصة مما يعلم أنه لم يتواطأ فيه المخبران، والعادة تمنع تماثلهما في الكذب عمدًا والخطأ؛ مثل أن تكون القصة طويلة فيها أقوال كثيرة رواها هذا مثل ما رواها هذا؛ فهذا يعلم أنه صدق.
وهذا ما يعلم به صدق محمد ﷺ وموسى ﵇، فإن كلاً منهما أخبر عن الله وملائكته وخلقه للعالم وقصة آدم ويوسف وغيرهما من قصص الأنبياء ﵉ بمثل ما أخبر به الآخر مع العلم بأنَّ واحدًا منهما لم يستفد ذلك من الآخر، وأنه يمتنع في العادة تماثل الخبرين الباطلين في مثل ذلك، فإن من أخبر بأخبار كثيرة مفصلة دقيقة عن مخبر معين لو كان مبطلاً في خبره لاختلف خبره لامتناع أن مبطلاً يختلق ذلك من غير تفاوت، لا سيما في أمور لا تهتدي العقول إليها، بل ذلك يبين أن كلا منهما أَخبر بعلمٍ وصدقٍ.
وهذا مما يعلمه الناس من أحوالهم، فلو جاء رجل من بلد إلى آخر وأخبر عن حوادث مفصلة حدثت فيه تنتظم أقوالاً وأفعالاً مختلفة، وجاء من
стр. 167
عَلِمْنَا أنه لم يواطئه على الكذب، فحكى مثل ذلك = عُلِمَ قطعًا أن الأمر كان كذلك، فإن الكذب قد يقع في مثل ذلك؛ لكن على سبيل المواطأة، وتلقي بعضهم عن بعض، كما يتوارث أهل الباطل المقالات الباطلة؛ مثل مقالة النصارى والجهمية والرافضة ونحوهم، فإنها وإن كان يُعلَم بضرورة العقل أنها باطلة، لكنها تلقاها بعضهم عن بعض فلما تواطأوا عليها جاز اتفاقهم فيها على الباطل.
والجماعة الكثيرون يجوز اتفاقهم على جحد الضروريات على سبيل التواطؤ؛ إما عمدًا للكذب، وإما خطأً في الاعتقاد، وأما اتفاقهم على جحد الضروريات من دون هذا وهذا = فممتنع» (١).
مسألة الموضوعات في كتب التفسير:
هذا الموضوع من الموضوعات المهمة، وهو موضوع مرتبط بالوضع في الحديث النبوي، ولا يصلح بحثه من دون التعريج على هذا الموضوع.
ويلاحظ أن شيخ الإسلام ذكر صنفين من الوضاعين:
الأولون: أهل البِدع والغلو؛ كالرافضة الذين وضعوا فضائل في عاشوراء، وفي عليٍّ وآله ﵃.
والآخرون: بعض أهل الزهد الذين وضعوا أحاديث في فضائل
стр. 168
الأعمال.
وقد أشار إلى بعض كتب التفسير التي تحوي شيئًا من هذه الموضوعات، وهي: تفسير الثعلبي (ت:٤٢٧)، وتفسير الواحدي (ت:٤٦٨)، وتفسير الزمخشري (ت:٥٣٨)، وهذه الكتب الثلاثة تروي حديثًا في فضائل السور عن أُبَي بن كعب (ت:٣٢) فيه فضل سور القرآن سورةً سورة، وهو حديث موضوع كما نصَّ على ذلك جمع من العلماء، منهم ابن الجوزي (ت:٥٩٧) في كتابه الموضوعات، قال: «... وقد فرَّق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره، فذكر عند كل سورة منه ما يخصُّها، وتبعه أبو الحسن الواحدي ...
وهذا حديث في فضائل السور مصنوع بلا شكٍّ ...
وبعد هذا فنفس الحديث يدل على أنه مصنوع، فإنه قد استنفد السور، وذكر في كل واحد ما يناسبها من الثواب بكلام ركيك في نهاية البرودة، لا يناسب كلام رسول الله ﷺ » (١).
وفي هذا الموضوع مجموعة من الوقفات:
الأولى: أنَّ تحرير الموضوعات في التفسير يحتاج إلى دراسة تقويمية خاصة.
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: في العلوم التي لا أثر لها في التفسير؛ كفضائل السور.
القسم الثاني: فيما له أثر مباشر في التفسير؛ كتخصيص كثير من الآيات في علي وآل بيته ﵃ عند مفسري الرافضة (٢)، وقد سَرَتْ بعض مروياتهم في قليل من التفاسير السُّنِّية؛ خصوصًا تفسير الثعلبي (ت:٤٢٧) (٣).
стр. 169
وأحب أن أشير هنا إلى أمور:
١ - أن وجود بعض الروايات في بعض التفاسير المسندة؛ كتفسير الطبري (ت:٣١٠) ليس عيبًا في المفسِّر، فهو يروي بالإسناد الذي يَصِلُه.
٢ - أن من زعم أن هذه الروايات قد تكون مدسوسة في تفسير أحد الأئمة فإن زعمه فيه نظر، بل فيه اتهام الأئمة بالغفلة (١).
الثانية: أنَّ هذا الوضع لم يكن مؤثِّرًا بدرجة كبيرة تشكِّل ظاهرةً في التفاسير المعتمَدة من التفاسير المسندة وغيرها؛ كتفسير الطبري (ت:٣١٠)، وابن أبي حاتم (ت:٣٢٧)، والبغوي (ت:٥١٦)، وابن عطية (ت:٥٤٢)، وابن كثير (ت:٧٧٤)، وغيرهم من المحققين.
الثالثة: أن بعض التفاسير اشتهرت بوجود الموضوعات فيها، ومن أشهرها تفسير الثعلبي وتفسير النقاش.
ومثل هذه التفاسير بحاجة إلى دراسة؛ خاصَّة من هذا الجانب، ثمَّ هناك دراسة أخرى تُتَابع أثر هذه الروايات التي ذكروها على تفاسير اللاحقين لهم.
стр. 170
فكم من كتاب من كتب المتأخرين ـ كتفسير ابن عادل (ت:٨٨٠) ـ كثُرت فيه الأقوال، فما كان فيه عند أصحاب القرن الرابع ثلاثة أقوالٍ ـ مثلاً ـ صار عند المتأخرين فيه سبعة أقوالٍ، وهكذا دواليك، وهذه فكرة تحتاج إلى متابعة ودراسة تستقرئُ هذه الزيادات، وتعرف مصدرها الذي صدرت عنه، وتنظر في أثرها على التفسير.
نقد شيخ الإسلام لبعض المفسرين:
نقد شيخ الإسلام ثلاثة كتبٍ في روايتها للحديث الموضوع في فضل كل سورة، وقد أشار إلى صيانة البغوي (ت:٥١٦) لتفسيره من هذه الأحاديث الباطلة لعلمه بالحديث، وقد ذكر شيخ الإسلام نقده للثعلبي (ت:٤٢٧) وتلميذه الواحدي (ت:٤٦٨)، ومدحه للبغوي (ت:٥١٦) في كتابه منهاج السنة النبوية، فقال: «وأما ما نقله من تفسير الثعلبي، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أن الثعلبي يروي طائفة من الأحاديث الموضوعات؛ كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة عن أبي أمامة في فضل تلك السورة، وكأمثال ذلك، ولهذا يقولون: هو كحاطب ليل.
وهكذا الواحدي تلميذه، وأمثالهما من المفسرين ينقلون الصحيح والضعيف، ولهذا لما كان البغوي عالمًا بالحديث؛ أعلم به من الثعلبي والواحدي، وكان تفسيره مختصر تفسير الثعلبي = لم يذكر في تفسيره شيئًا من الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبي، ولا ذكر تفاسير أهل البدع التي ذكرها الثعلبي، مع أن الثعلبي فيه خير ودين؛ لكنه لا خبرة له بالصحيح والسقيم من الأحاديث، ولا يميز بين السنة والبدعة في كثير من الأقوال» (١).
ويمكن إجمال القول فيهم كما يأتي:
أولاً: الثعلبي (ت:٤٢٧):
ـ لم يكن عالمًا بالحديث.
стр. 171
ـ يروي الأحاديث والروايات الباطلة.
ـ كان حاطب ليل لا يميِّز بين الصحيح والضعيف.
ـ أنه ذكر تفاسير بعض أهل البدع.
ـ كان ـ في نفسه ـ ذا خير ودين.
ـ وقد ذكر في موطن آخر من كتبه أنه ناقلٌ لا يكاد يُنشِئ قولاً من نفسه، قال: «... فأما البغوي، فقال: فصَلِّ حمدًا لله.
وهو ينقل ما ذكره الثعلبي في تفسيره في مثل هذا الموضع.
والثعلبي يذكر ما قاله غيره، سواءً قاله ذاكرًا أو آثرًا، ما يكاد يُنشِئ من عنده عبارة» (١).
ـ معرفة الفضل لصاحبه، ولو كان عنده خطأٌ علميٌّ، وهو ما عبَّر عنه شيخ الإسلام بأن الثعلبي (ت:٤٢٧) كان فيه خير ودين. وكم هو عزيز هذا النقد المتوازن اليوم، فإنك لا تكاد ترى في من ينقد العلماء وطلبة العلم إلاَّ الحطَّ من منزلتهم، وعدم معرفة ما لهم من الفضل، وكم من عالمٍ غمرت حسناتُه سيئاته، لكن النقاد لا يرون إلا السيئات، والله المستعان.
ثانيًا: الواحدي (ت:٤٦٨):
ـ كان ينقل الصحيح والضعيف بدون تمييز.
ـ لم يكن له بصر بالحديث.
ـ كان أبعد من السلامة من البِدع من شيخه الثعلبي (ت:٤٢٧).
ـ كان بصره بالعربية أكثر من بصر شيخه الثعلبي (ت:٤٢٧).
والملاحظ أنه كان ـ في كتابه البسيط ـ مكثرًا من النقل جدًّا في علوم
стр. 172
العربية، ولم يكن من أصحاب التحرير، وهذا ظاهر في كتابه حيث ينقل الصفحات الطوال من كتاب تهذيب اللغة للأزهري (ت:٣٧٠)، وكذا من الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (ت:٣٧٧)، وغيرهما من علماء اللغة والنحو.
وقد تكلم شيخ الإسلام على هذين التفسيرين من جهة نقلهما للآثار الباطلة في غير ما موطن، منها قوله: «وإذا كان تفسير الثعلبي وصاحبه الواحدي ونحوهما فيها من الغريب الموضوع في الفضائل والتفسير ما لم يجز معه الاعتماد على مجرد عزوه إليها، فكيف بغيره؛ كتفسير أبي القاسم القشيري، وأبي الليث السمرقندي، وحقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي الذي ذكر فيه عن جعفر ونحوه ما يعلم أنه من أعظم الكذب.
مع أن هؤلاء المصنفين أهل صلاح ودين وفضل وزهد وعبادة، ولكنهم كما قال مالك: أدركت في هذا المسجد سبعين شيخًا؛ كل له فضلٌ وصلاح ودين، ولو ائتمن أحدهم على بيت مال لأدَّى فيه الأمانة، يقول أحدهم: حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ ما نأخذ عن أحد منهم شيئًا» (١).
ثالثًا: البغوي (ت:٥١٦):
ـ اختصر تفسيره من تفسير الثعلبي (ت:٤٢٧).
ـ صان تفسيره من الأحاديث الموضوعة التي ذكرها الثعلبي (ت:٤٢٧)؛ لأنه كان له بصر بعلم الحديث.
ـ صان تفسيره من الأقوال الباطلة المبتدعة.
رابعًا: الزمخشري (ت:٥٣٨):
ـ يروي الحديث الموضوع في فضائل كل سورة.
وسيأتي كلام لشيخ الإسلام على هذا التفسير من جهة الاعتقاد في مبحث لاحق إن شاء الله.
стр. 173
مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة الاستدلال
١ - أن أكثر الخطأ في الاستدلال من جهتين لا توجدان في تفسير السلف:
أحدهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، وكان نظرهم إلى المعنى أسبق.
وهم صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به.
وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به.
وهؤلاء قد يكون خطؤهم في الدليل والمدلول.
وقد يكون خطؤهم في الدليل لا المدلول.
ويدخل في هذا طوائف من المبتدعة؛ كالخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة والصوفية وغيرهم.
والثانية: قوم فسَّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنَزَّل عليه، والمخاطب به، وكان نظرهم إلى اللفظ أسبق.
٢ - ذكر ضمن ذلك المنهج العقدي العام لبعض التفاسير وأثرها على التفسير إجمالاً.
وعموم هذا الفصل جاء تنظيرًا بلا أمثلة، بخلاف الفصل السابق الذي نصَّ على أمثلةٍ لكثير من قضاياه.
стр. 174
أولاً: كتب التفسير التي تخلو من الخطأ بسبب الاستدلال
سبق التنبيه على نقد شيخ الإسلام لكتب التفسير في مقدمة كتابه، حيث قال: «فإنَّ الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين».
وهذا الوصف يخرج منه الكتب المسنِدة التي تذكر تفسير السلف صرفًا، وقد عدَّ منها جملة من التفاسير النقلية التي اعتمدت منهج النقل عن السابقين دون التعرض للترجيح بينها، سوى ما كان من إمام المفسرين ابن جرير الطبري (ت:٣١٠).
وعلَّلَ سبب عدم وجود الخطأ من جهة الاستدلال؛ بأن هذا النوع من الخطأ إنما وقع بعد جيل الصحابة والتابعين، وهذه التفاسير إنما تنقل تفسير علماء التفسير من هاتين الطبقتين، بخلاف من جاء بعدهم ممن نقل عن أهل البدع، كما وقع للثعلبي (ت:٤٢٧)، حيث تجد في كتابه النقل عنهم.
وهذه الكتب من حيث وصولها إلينا على ثلاثة أقسام:
الأول: ما وصل إلينا، وهي: تفسير عبد الرزاق (ت:٢١١)، وتفسير الطبري (ت:٣١٠)، وجزء من تفسير ابن المنذر (ت:٣١٨)، وأغلب تفسير ابن أبي حاتم (ت:٣٢٧).
الثاني: ما وصل إلينا أجزاء من مروياته عبر كتب أخرى، وهي: تفسير عبد بن حميد (ت:٢٤٩)، وسفيان بن عيينة (ت:١٩٨)، وسنيد (ت:٢٢٦)، وابن مردويه (ت:٤١٠)، وأبو سعيد الأشج (ت:٢٥٧).
الثالث: ما فُقِدَ، وليس له أثر، وهي: تفسير وكيع (ت:١٩٧)، وأحمد بن حنبل (ت:٢٤١)، وإسحاق بن راهويه (ت:٢٣٨)، وبقي بن مخلد (ت:٢٧٦)، وابن ماجه (ت:٢٧٣).
стр. 175
ثانيًا: الوجه الأول من سببي الخطأ في الاستدلال:
قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، وكان نظرهم إلى المعنى أسبق.
إن هذه المسألة من المسائل العلمية المهمة جدًّا، وهي تصلح لأن يتفرَّع عليها بحث متكاملٌ، فكم من بِدعٍ تشرَّبها مسلمٌ، ثم راح يحمل ألفاظ القرآن عليها؛ لئلا تنخرم القاعدة التي يسير عليها.
وهذه المسألة الدقيقة تسري على جمهورِ الذين يرجعون إلى القرآن ـ وفي أذهانهم مقررات سابقة ـ لأجل الاستفادة منه تفسيرًا أو حكمًا أو فوائدَ أو إعرابًا، أو غير ذلك.
فمن دخله، وفي ذهنه معنى من المعاني؛ راح يبحث عن دليل يناسب المعنى الذي عنده؛ سواءً أكان ذلك عن قصدٍ، كما هو شأن أهل التحريف، أم كان من غير قصد، بحيث يغلب عليه ما في ذهنه من حيث لا يدري.
ويظهر لك هذا الأمر جليًّا في هذا العصر الذي كثُرت فيه الأهواء والآراء المبتدعة، والتفسيرات الغريبة، فالطبيب يدخل إليه بذهنية الطبيب ومعلوماته، فيصرف معاني الآيات إلى ما يرى أنه مناسب لموضوعاتٍ طبيةٍ عنده، والفلكي يصرف الآيات إلى ما استقر عليه علم الفلك عنده، وهكذا دواليك.
ولا يمكن التخلُّص من هذه المسألة الشائكة إلا بالتَّجرد من هذه المعلومات التي تُسلَّطُ على آيات القرآن ليُبحث عن ما يناسبها منه، ثمَّ أن تُتَعلَّم أصول التفسير التي لا ينبغي لأحد أن يتكلم في القرآن إلا بمعرفتها.
أصناف من كان نظرهم إلى المعنى أسبق:
يدخل في هذا طوائف من المبتدعة؛ كالخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة والصوفية وغيرهم، كذا ذكر شيخ الإسلام،
стр. 176
ويمكن أن يُزاد عليه في هذا العصر التفسيرات العصرية المنحرفة، والتفاسير التي تعتمد على العلوم الكونية والتجريبية، أو ما يُسمى بالإعجاز العلمي.
فهذه الطوائف تشترك في أنَّها تأتي إلى القرآن، وقد استقرَّت عندها معلومات تريد أن تجد لها ما يسندها منه، فتراهم يتشبَّثون بغرائب التأويل؛ لئلاَّ ينخرم ما قعَّدوه، وألا يظهر بطلان ما أصَّلوه.
إن معاني القرآن هي أشرف المعاني، وقد بيَّنها الصحابة والتابعون وأتباعهم، ولما خرجت البدع المخالفة للسنة ذهب أهلها يستدلون لها بالقرآن، فوقعوا بين أمرين:
الأول: أن يدل القرآن على خلاف ما ذهبوا إليه، فعمدوا إلى مثل هذه الآية وحرَّفوها إما لتناسب معتقدهم، وإما لإبطال استدلال أهل السنة بها.
الثاني: أن يأتوا إلى الآية ويحملونها لمجرد الشبهة على ما لم تدلّ عليه مطلقًا، ولولا وجود هذا المعتقد، لما حملوها على هذا المحمل.
وهذان الصنفان يرجع إليهما كثير من الأخطاء التي وقع فيها أهل البدع في الماضي والحاضر، وهذا ما نبَّه إليه شيخ الإسلام في هذا الفصل، حيث جعل الذين وقع منهم الخطأ في المعاني راجعًا إلى صنفين: قد يكون خطؤهم في الدليل والمدلول، أو يكون خطؤهم في الدليل لا المدلول.
الصنف الأول: من يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به:
فالقرآن له معنى صحيح واضح أريد به، وهؤلاء يسلبونه هذا المعنى الواضح، وينفونه عنه بسبب البدعة التي يعتقدونها.
فالمعتزلة والإباضية ـ مثلاً ـ يعتقدون عدم رؤية الربِّ في الجنة، فجاؤوا إلى الآيات التي تدلُّ على الرؤية فنفوا عنها ذلك، وسلبوا منها دلالة الرؤية.
стр. 177
فقوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ ـ ٢٣] صريح في ثبوت رؤية الباري سبحانه، لكن المعتزلة لا يثبتون الرؤية، فكيف يفسرون هذه الآية؟.
لقد فسروها بتفسيراتٍ؛ منها ما ذكره الأخفش المعتَزلي (ت:٢١٥) في معاني القرآن، قال: «يعني ـ والله أعلم بالنظر إلى الله ـ إلى ما يأتيهم من نِعمِه ورزقِه، وقد تقول: والله ما أنظر إلا الله وإليك؛ أي: أنتظر ما عند الله، وما عندك» (١).
ومنها ما قال هود بن محكِّم الإباضي (من علماء القرن الثالث): «قال الله : ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ أي: ناعمة. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ أي تنتظر الثواب، وهي وجوه المؤمنين ...» (٢).
ولو لم تكن هذه العقيدة موجودة عندهم لما نفوا الرؤية الواضحة الصريحة في هذه الآية، وحملوا الآية على ما لم يُرد بها.
وخطأهم في هذه الآية في الدليل والمدلول، فالدليل وهو قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لا يدل على المدلول الخطأ وهو نفي الرؤية.
стр. 178
فنفي الرؤية ـ وهو المدلول ـ غير صحيح من جهة الشرع، لذا لا يمكن أن يكون له دليل، فأي استدلال بدليل، فإنه يعني وقوع الخطأ في فهم الدليل، ثم في تفسيره، وهو المدلول.
وذهب المرجئة ـ وتبعهم الأشاعرة ـ إلى أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وهو التصديق، وإذا وُجِدَ التصديق انتفى ضدُّه، وقد أثَّر مفهوم الإيمان على تفسيراتهم، ومن أمثلةِ ذلك ما وقعَ فيه ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) في رأيه في كفرِ العنادِ والجحودِ، ومن ذلك ما ذكرَ في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، قال: «وظاهر قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ حصولُ الكفرِ عنادًا، وهي مسألةٌ قولينِ (١)، هل يجوزُ أن يقعَ أم لا؟ ...
قال القاضي أبو محمد ﵀: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكونَ بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطربًا، وحُكمه حكمُ المستلَبِ في وجوه عذابهم» (٢).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ
стр. 179
يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]: «و ﴿يَجْحَدُونَ﴾، حقيقته في كلام العرب: الإنكارُ بعد المعرفةِ، وهو ضدُّ الإقرار ...» (١). ثمَّ قال: «وكفر العنادِ جائزُ الوقوعِ بمقتضى النَّظرِ، وظواهرُ القرآنِ تعطيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وغيرها ...» (٢)، ثُمَّ قالَ: «وأنا أستبعدُ العنادَ مع المعرفةِ التامَّةِ» (٣).
فانظر كيف سلب ابن عطية (ت:٥٤٢) ما دل عليه القرآن مع أنَّ نصَّ القرآن وظاهره يدلُّ على أنهم علموا علمًا يقينيًا، ولكنهم لم يؤمنوا.
وهذا الخطأ ـ أيضًا ـ في الدليل وفي المدلول، فنفي كفر الجحود ـ وهو المدلول ـ غير صحيح من جهة الشريعة، فظاهر الآيات تؤيِّد وقوعه، لذا فإنه لا يمكن أن يوجد دليل يدلُّ عليه، فالنفي الذي وقع من ابن عطية (ت:٥٤٢) خطأ في الدليل وفي المدلول.
ويمكن أن يقال ههنا قاعدة: كل مدلول باطل في ذاته ـ أي لا يدل عليه الشرع ـ فالخطأ فيه يقع من جهة الدليل والمدلول معًا، لأن الدليل الشرعي لا يمكن أن يدل على معنى باطل.
ومن أمثلة ما وقع فيه الصوفية في الخطأ في الدليل والمدلول ما ورد عن بعضهم من أنه فسر قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] من أنه الرقصُ، وبنى على ذلك جواز الرقص للرجال، كما يفعله الصوفية.
وهذا خطأ، فالرقص من حيث هو لا يجوز للرجال، لذا فربطه بالقرآن خطأ محضٌّ.
стр. 180
الصنف الثاني: من يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به:
إن هذا الصنف أثر من آثار الصنف الأول، فغالب ما يقع فيه سلب لمعنى من معاني القرآن أنه يقع فيه حَمْلٌ على معنى غير مراد، والله أعلم.
فالمعتزلة لما نفوا الرؤية، حملوا قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] على معانٍ باطلة لم يدل القرآن عليها، ولا هي من مراداته؛ كمن جعل ناظرة من الانتظار، ومن جعل «إلى» جمعٌ بمعنى الآلاء.
والأمثلة على حمل القرآن على ما لم يدل عليه ولم يُرد به كثيرة جدًّا، ويكفي أن تأخذ تفسيرًا من تفاسير الرافضة، فإنك ستجد أمثلة بالعشرات، وسترى كيف يقع حمل القرآن على ما لم يُرد به.
ومن أمثلة ذلك ما ورد في تفسير شيخ الطائفة الطوسي الرافضي (ت:٤٦٠)، فقد ذكر تفسير أهل السنة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]، وأن المراد بأولي الأمر: الأمراء أو العلماء، ثمَّ قال: «... وروى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله أنهم الأئمة من آل محمد ﷺ ، فلذلك أوجب طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك.
ولا يجوز إيجاب طاعة أحد مطلقًا إلا من كان معصومًا مأمونًا منه السهو والغلط، وليس ذلك بحاصل في الأمراء والعلماء، وإنما هو واجب في الأئمة الذين دلت الآية على عصمتهم وطهارتهم، فأما من قال: المراد به العلماء فقول بعيد ...» ثمَّ قال: «ولذا قال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، ولأنه إذا كان قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى الرسول ﷺ في هذا الباب» (١).