← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13899

شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية

مساعد الطيار

Полный текст (320 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويمكن أن يُزاد عليه في هذا العصر التفسيرات العصرية المنحرفة، والتفاسير التي تعتمد على العلوم الكونية والتجريبية، أو ما يُسمى بالإعجاز العلمي. فهذه الطوائف تشترك في أنَّها تأتي إلى القرآن، وقد استقرَّت عندها معلومات تريد أن تجد لها ما يسندها منه، فتراهم يتشبَّثون بغرائب التأويل؛ لئلاَّ ينخرم ما قعَّدوه، وألا يظهر بطلان ما أصَّلوه. إن معاني القرآن هي أشرف المعاني، وقد بيَّنها الصحابة والتابعون وأتباعهم، ولما خرجت البدع المخالفة للسنة ذهب أهلها يستدلون لها بالقرآن، فوقعوا بين أمرين: الأول: أن يدل القرآن على خلاف ما ذهبوا إليه، فعمدوا إلى مثل هذه الآية وحرَّفوها إما لتناسب معتقدهم، وإما لإبطال استدلال أهل السنة بها. الثاني: أن يأتوا إلى الآية ويحملونها لمجرد الشبهة على ما لم تدلّ عليه مطلقًا، ولولا وجود هذا المعتقد، لما حملوها على هذا المحمل. وهذان الصنفان يرجع إليهما كثير من الأخطاء التي وقع فيها أهل البدع في الماضي والحاضر، وهذا ما نبَّه إليه شيخ الإسلام في هذا الفصل، حيث جعل الذين وقع منهم الخطأ في المعاني راجعًا إلى صنفين: قد يكون خطؤهم في الدليل والمدلول، أو يكون خطؤهم في الدليل لا المدلول. الصنف الأول: من يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به: فالقرآن له معنى صحيح واضح أريد به، وهؤلاء يسلبونه هذا المعنى الواضح، وينفونه عنه بسبب البدعة التي يعتقدونها. فالمعتزلة والإباضية ـ مثلاً ـ يعتقدون عدم رؤية الربِّ في الجنة، فجاؤوا إلى الآيات التي تدلُّ على الرؤية فنفوا عنها ذلك، وسلبوا منها دلالة الرؤية.

стр. 177

فقوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ ـ ٢٣] صريح في ثبوت رؤية الباري سبحانه، لكن المعتزلة لا يثبتون الرؤية، فكيف يفسرون هذه الآية؟. لقد فسروها بتفسيراتٍ؛ منها ما ذكره الأخفش المعتَزلي (ت:٢١٥) في معاني القرآن، قال: «يعني ـ والله أعلم بالنظر إلى الله ـ إلى ما يأتيهم من نِعمِه ورزقِه، وقد تقول: والله ما أنظر إلا الله وإليك؛ أي: أنتظر ما عند الله، وما عندك» (١). ومنها ما قال هود بن محكِّم الإباضي (من علماء القرن الثالث): «قال الله : ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ أي: ناعمة. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ أي تنتظر الثواب، وهي وجوه المؤمنين ...» (٢). ولو لم تكن هذه العقيدة موجودة عندهم لما نفوا الرؤية الواضحة الصريحة في هذه الآية، وحملوا الآية على ما لم يُرد بها. وخطأهم في هذه الآية في الدليل والمدلول، فالدليل وهو قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لا يدل على المدلول الخطأ وهو نفي الرؤية.

стр. 178

فنفي الرؤية ـ وهو المدلول ـ غير صحيح من جهة الشرع، لذا لا يمكن أن يكون له دليل، فأي استدلال بدليل، فإنه يعني وقوع الخطأ في فهم الدليل، ثم في تفسيره، وهو المدلول. وذهب المرجئة ـ وتبعهم الأشاعرة ـ إلى أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وهو التصديق، وإذا وُجِدَ التصديق انتفى ضدُّه، وقد أثَّر مفهوم الإيمان على تفسيراتهم، ومن أمثلةِ ذلك ما وقعَ فيه ابن عطيَّةَ (ت:٥٤٢) في رأيه في كفرِ العنادِ والجحودِ، ومن ذلك ما ذكرَ في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، قال: «وظاهر قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ حصولُ الكفرِ عنادًا، وهي مسألةٌ قولينِ (١)، هل يجوزُ أن يقعَ أم لا؟ ... قال القاضي أبو محمد ﵀: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكونَ بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطربًا، وحُكمه حكمُ المستلَبِ في وجوه عذابهم» (٢). وقال في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ

стр. 179

يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]: «و ﴿يَجْحَدُونَ﴾، حقيقته في كلام العرب: الإنكارُ بعد المعرفةِ، وهو ضدُّ الإقرار ...» (١). ثمَّ قال: «وكفر العنادِ جائزُ الوقوعِ بمقتضى النَّظرِ، وظواهرُ القرآنِ تعطيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وغيرها ...» (٢)، ثُمَّ قالَ: «وأنا أستبعدُ العنادَ مع المعرفةِ التامَّةِ» (٣). فانظر كيف سلب ابن عطية (ت:٥٤٢) ما دل عليه القرآن مع أنَّ نصَّ القرآن وظاهره يدلُّ على أنهم علموا علمًا يقينيًا، ولكنهم لم يؤمنوا. وهذا الخطأ ـ أيضًا ـ في الدليل وفي المدلول، فنفي كفر الجحود ـ وهو المدلول ـ غير صحيح من جهة الشريعة، فظاهر الآيات تؤيِّد وقوعه، لذا فإنه لا يمكن أن يوجد دليل يدلُّ عليه، فالنفي الذي وقع من ابن عطية (ت:٥٤٢) خطأ في الدليل وفي المدلول. ويمكن أن يقال ههنا قاعدة: كل مدلول باطل في ذاته ـ أي لا يدل عليه الشرع ـ فالخطأ فيه يقع من جهة الدليل والمدلول معًا، لأن الدليل الشرعي لا يمكن أن يدل على معنى باطل. ومن أمثلة ما وقع فيه الصوفية في الخطأ في الدليل والمدلول ما ورد عن بعضهم من أنه فسر قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] من أنه الرقصُ، وبنى على ذلك جواز الرقص للرجال، كما يفعله الصوفية. وهذا خطأ، فالرقص من حيث هو لا يجوز للرجال، لذا فربطه بالقرآن خطأ محضٌّ.

стр. 180

الصنف الثاني: من يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به: إن هذا الصنف أثر من آثار الصنف الأول، فغالب ما يقع فيه سلب لمعنى من معاني القرآن أنه يقع فيه حَمْلٌ على معنى غير مراد، والله أعلم. فالمعتزلة لما نفوا الرؤية، حملوا قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] على معانٍ باطلة لم يدل القرآن عليها، ولا هي من مراداته؛ كمن جعل ناظرة من الانتظار، ومن جعل «إلى» جمعٌ بمعنى الآلاء. والأمثلة على حمل القرآن على ما لم يدل عليه ولم يُرد به كثيرة جدًّا، ويكفي أن تأخذ تفسيرًا من تفاسير الرافضة، فإنك ستجد أمثلة بالعشرات، وسترى كيف يقع حمل القرآن على ما لم يُرد به. ومن أمثلة ذلك ما ورد في تفسير شيخ الطائفة الطوسي الرافضي (ت:٤٦٠)، فقد ذكر تفسير أهل السنة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]، وأن المراد بأولي الأمر: الأمراء أو العلماء، ثمَّ قال: «... وروى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله أنهم الأئمة من آل محمد ﷺ ، فلذلك أوجب طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك. ولا يجوز إيجاب طاعة أحد مطلقًا إلا من كان معصومًا مأمونًا منه السهو والغلط، وليس ذلك بحاصل في الأمراء والعلماء، وإنما هو واجب في الأئمة الذين دلت الآية على عصمتهم وطهارتهم، فأما من قال: المراد به العلماء فقول بعيد ...» ثمَّ قال: «ولذا قال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، ولأنه إذا كان قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى الرسول ﷺ في هذا الباب» (١).

стр. 181

وظاهر من هذا التفسير أنه أثر من آثار اعتقاد إمامة آل بيت علي ﵁ من نسل الحسين ﵁ فقط، وأن هؤلاء الأئمة معصومون من الخطأ، ومن ثمَّ فإن اتباعهم بإطلاقٍ شرعٌ ودينٌ. وكون هذه الآية مخصوصة بأئمة البيت لا دليل عليه، وما استدلَّ به إنما يروج عند أصحابه لا غير، وليس في الآية ما يدلُّ على حملها على هذا المحمل البتة. وهذا من الخطأ في الدليل وفي المدلول، فوجود أئمة معصومين لا صحَّة له البتة، والزعم بأنَّ الله أمر بإطاعة أهل البيت ـ لأجل أنهم أهل البيت ـ دون غيرهم = لم يأتِ فيه شيء صحيح، لذا فحمل هذه المعاني التي لم يرد فيها نصٌّ في الشرع على القرآن خطأ محض. ولولا المفهوم الخاص لأئمة آل البيت عند الرافضة، وادعاء العصمة لهم لما وقع هذا التحريف للآية، لذا لا تجد مثل هذا التحريف في الآية إلا عند الرافضة ومن سار على سبيلهم من الإسماعيلية. وقد كان من آثار هذه العقيدة (الإمامة) عند الرافضة أن حملوا آيات على أنها فضائل لعلي وآل بيته ﵃، وأنها نزلت بشأنهم، وبالمقابل نزعوا أي فضيلة تخص أبا بكر الصديق ﵁ في الآيات، مع وضوح فضله فيها، وكونها من الظاهر الذي لا يكاد ينكر، لكنهم يحرفون معناها إلى ما يوافق عقيدتهم في الصحابة الكرام، وإليك المثال: في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، قال الطوسي الرافضي (ت:٤٦٠): «وليس في الآية ما يدل على تفضيل أبي بكر؛ لأن قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ مجرد الإخبار أن النبي ﷺ خرج ومعه

стр. 182

غيره، وكذلك قوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ خبر عن كونهما فيه، وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ لا مدح فيه أيضًا؛ لأنَّ تسمية الصاحب لا تفيد فضيلة، ألا ترى أن الله تعالى قال في صفة المؤمن والكافر: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ [الكهف: ٣٧]، وقد يسمون البهيمة بأنها صاحب الإنسان كقول الشاعر: وصاحبي بازل شمول وقد يقول الرجل المسلم لغيره: أرسل إليك صاحبي اليهودي، ولا يدلُّ ذلك على الفضل. وقوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾ وإن لم يكن ذمًّا، فليس بمدح، بل هو نهي محضٌّ عن الخوف. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؛ قيل: المراد به النبي ﷺ ، ولو أريد أبو بكر معه لم يكن فيه فضيلة؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك على وجه التهديد؛ كما يقول القائل لغيره إذا رآه يفعل القبيح: لا تفعل، إن الله معنا، يريد أنه مطلع علينا، عالم بحالنا. والسكينة قد بيّنا أنها نزلت على النبي ﷺ بما بيّناه من أن التأييد بجنود الملائكة كان يختص بالنبي ﷺ ، فأين موضع الفضيلة للرجل لولا العناد. ولم نذكر هذا للطعن في أبي بكر، بل بيَّنا أن الاستدلال بالآية على الفضل غير صحيح» (١). فيالله العجب من هذا الكلام والتحريف الذي يُستعمل فيه كل تخريج غريب، يُغالب به ظاهر الآية ونصَّها، فمجرد الاحتمال حجة، وليس هذا فقط بل هو احتمال باطل متهافت، فهل مقام الغار مقام تهديد لأبي بكر،

стр. 183

سبحانك ربي هذا بهتان عظيم، ونشهدك على حبِّ أبي بكر وبغض من يبغضه. أما إذا جاء الأمر لعلي ﵁ وله من الفضائل الصحيحة ما لا يُنكر، وهو غنيٌّ عن تلك الفضائل المكذوبة ـ لم تجد مثل هذه التخريجات، بل إن الآيات التي يُستدلُّ بها في كثيرٍ من الأحيان لا تخصُّه وحده، لكنهم يخصونها به، ويرونها فضيلة له، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، ذكر الطوسي (ت:٤٦٠) فيمن نزلت هذه الآية أربعة أقوال: الأول: نزلت في أبي بكر، ونسبه إلى الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج. الثاني: نزلت في الأنصار، ونسبه إلى السدي. الثالث: نزلت في أهل اليمن، وذكر أنه روي عن النبي ﷺ ، وأن الطبري اختاره. الرابع: أنها نزلت في أهل البصرة ومن قاتل عليًّا، ونسبه إلى أبي جعفر وأبي عبد الله وعمار وحذيفة وابن عباس. ثم قال الطوسي (ت:٤٦٠) معلقًا على القول الرابع: «... فروي عن أمير المؤمنين أنه قال يوم البصرة: والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم، وتلا هذه الآية، ومثل ذلك روي عن حذيفة وعمار وغيرهما. والذي يقوِّي هذا التأويل أن الله تعالى: وصف من عناه بالآية بأوصاف؛ وجدنا أمير المؤمنين مستكملاً لها بالإجماع؛ لأنه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى

стр. 184

الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد شهد النبي ﷺ لأمير المؤمنين بما يوافق لفظ الآية في قوله يوم ندبه لفتح خيبر بعد فرار من فرَّ عنها واحدًا بعد واحدٍ (١): «لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارٌ غير فرَّار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه»، فدفعها إلى أمير المؤمنين، فكان من ظفره ما وافق خبر الرسول ﷺ . ثمَّ قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، فوصف من عناه بالتواضع للمؤمنين والرفق بهم، والعزة على الكافرين، والعزيز على الكافرين هو الممتنع من أن ينالوه مع شدة نكايته فيهم ووطأته عليهم، وهذه أوصاف أمير المؤمنين التي لا يُدانَى فيها ولا يُقارب. ثمَّ قال: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ فوصف ـ جلَّ اسمه ـ من عنا بهذا الجهاد، وبما يقتضي الغلبة فيه، وقد علمنا أنَّ أصحاب رسول الله بين رجلين: رجلاً لا عناء له في الحرب ولا جهاد. والآخر له جهاد وعناء، ونحن نعلم قصور كل مجاهد عن منزلة أمير المؤمنين في الجهاد، فإنهم مع منزلتهم في الشجاعة وصدق البأس لا يلحقون منزلته ولا يقاربون رتبته؛ لأنه المعروف بتفريج الغمم، وكشف الكرب عن وجه رسول الله ﷺ ، وهو الذي لم يحم قط عن قرن، ولا نكص عن هول، ولا ولَّى الدبر، وهذه حالة لم تسلم لأحد من قبله ولا بعده، فكان بالاختصاص بالآية أولى؛ لمطابقة أوصافه لمعناها. فأما من قال إنها نزلت في أبي بكر، فقوله بعيد من الصواب؛ لأنه ـ تعالى ـ إذا وصف من أراد بالآية بالعزة على الكافرين، وبالجهاد في سبيله مع اطراح اللوم؛ كيف يجوز أن يظن عاقل توجيه الآية إلى من لم يكن له حظ في ذلك الموقف؛ لأن المعلوم أن أبا بكر لم يكن له نكاية في

стр. 185

المشركين، ولا قتيل في الإسلام، ولا وقف في شيء من حروب النبي ﷺ موقف أهل البأس والفناء، بل كان الفرار شيمته، والهرب ديدنه، وقد انهزم عن النبي ﷺ في مقام بعد مقام، فانهزم يوم أُحد، ويوم حنين، وغير ذلك، فكيف يوصف بالجهاد في سبيل الله ـ على ما يوصف في الآية ـ من لا جهاد له جملة (١)، وهل العدول بالآية عن أمير المؤمنين مع العلم الحاصل بموافقة أوصافه إلى غيره إلا عصبية ظاهرة، ولم يذكر هذا طعنًا على أبي بكر ﵁، ولا قدحًا فيه؛ لأن اعتقادنا فيه أجمل شيء بل قلنا: أليس في الآية دلالة على ما قال (كذا)» (٢). ولا أدري لماذا لم يناقش من قال بأنها نزلت في الأنصار، أو نزلت في أهل اليمن؟! ولماذا اختار إبطال كونها نزلت في أبي بكر؟! ثم يزعم ـ بعد هذا ـ أنه لا يطعن في أبي بكر، وأن اعتقاده فيه أجمل شيء؛ سبحان الله، والحمد لله الذي لم يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا. وإني لأعجب من هؤلاء القوم، ألا يمكن أن تثبت فضائل علي ﵁ إلا بتنقُّص صحابة رسول الله ﷺ الآخرين؟! ولولا ما يعتقده من أمر الولاية لعلي لما ذهب إلى مثل هذا الكلام الذي يظهر منه روح العصبية، ولَعَلِمَ أن الآية عامة في كل من ينطبق عليه هذا الوصف، ويا ليته بيَّن كيف يُطلق لفظ القوم الدال على المجموع على شخص واحد؟! ومن الأمثلة التي وقع فيها الخطأ في الدليل دون المدلول، ما ذكره القرطبي عن بعض المتصوفة أنه فسر قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ

стр. 186

قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، قال: «هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا، فشبَّهها الله بالنهر، والشاربَ منه بالمائل والمستكثر منها. والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها. والمغترف غرفة بيده بآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة». هذا الكلام ـ وهو المدلول ـ لو ذُكِرَ مجرَّدًا عن الآية، ولم يُزعم أنها تدلُّ عليه لكان كلامًا حسنًا مقبولاً، فهو ـ من حيث هو ـ كلام صحيح يوافق الحقَّ، لكن كون الآية دلت عليه غير صحيح مطلقًا. وهذا النوع كما يكثر عند الصوفية، فإنه يكثر اليوم عند الوُعَّاظِ، وعند متطلِّبي الفوائد التربوية، ومن يحرص على تنْزيل الآيات على الواقع، ومن يتتبع تنْزيل القرآن على المكتشفات العلمية المعاصرة. فكل هؤلاء قد يذكرون في كلامهم ما هو صحيح في ذاته، غير مخالفٍ لشيء من الشريعة، لكن يقع الخطأ في كون الآية تدلُّ على المسألة التي يذكرونها. فالمنازعة هنا في صحَّة دلالة الآية على هذه الفائدة أو تلك، وليس في صحة الفائدة في ذاتها، والله أعلم. وأختم هذا المبحث بنقل كلام آخر لشيخ الإسلام في هذا الموضوع، قال: «... وأغرب من هذا ما قاله لي مرة شخص من هؤلاء الغالطين في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾، قال: المعنى: وما يعلم تأويل (هو)؛ أي: اسم (هو) الذي يقال فيه: هو هو، وصنَّف ابن عربي كتابًا في (الهو).

стр. 187

فقلت له ـ وأنا إذ ذاك صغيرٌ جدًّا ـ: لو كان كما تقول؛ لكُتِبت في المصحف مفصولة (تأويل هو)، ولم تُكتب موصولة. وهذا الكلام الذي قاله هذا معلوم الفساد بالاضطرار، وإنما كثير من غالطي المتصوفة لهم مثل هذه التأويلات الباطلة في الكتاب والسنة. وقد يكون المعنى الذي يعنونه صحيحًا؛ لكن لا يدل عليه الكلام، وليس هو مراد المتكلم. وقد لا يكون صحيحًا؛ فيقع الغلط تارة في الحكم، وتارة في الدليل؛ كقوله بعضهم: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾؛ أي: أن رأى ربه استغنى. والمعنى: إنه ليطغى أن رأى نفسه استغنى. وكقول بعضهم: فإن لم تكن تراه؛ يعني: فإن فَنِيتَ عنك رأيت ربك. وليس هذا معنى الحديث، فإنه لو أريد هذا لقيل: فإن لم تكن؛ تَرَهْ، وقد قيل: تراه. ثم كيف يصنع بجواب الشرط، وهو قوله: فإنه يراك. ثم إنه على قولهم الباطل تكون كان تامة؛ فالتقدير: فإن لم تكن؛ أي: لم تقع ولم تحصل. وهذا تقدير مُحَالٌ، فإن العبد كائنٌ موجودٌ ليس بمعدوم. ولو أريد فناؤه عن هواه، أو فناء شهوده للأغيار = لم يعبر بنفي كونه، فإن هذا مُحَالٌ. ومتى كان المعنى صحيحًا، والدلالة ليست مرادة، فقد يسمى ذلك إشارة. وقد أودع الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي (حقائق التفسير) من هذا قطعة» (١).

стр. 188

ثالثًا: الوجه الثاني من سببي الخطأ في الاستدلال: قوم فسَّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه ، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنَزَّل عليه، والمخاطب به، وكان نظرهم إلى اللفظ أسبق. يدخل في هذا المقام أصناف من المتأوِّلين للقرآن، يجتمعون فيه، وإن كانت الأسباب بينهم مختلفة، ومن هذه الأسباب: ١ - عدم اعتبار المصطلحات الشرعية. ٢ - عدم الاعتماد على الملابسات التي تحدِّد المدلول العربي المراد، ولا على الوارد عن السلف في ذلك. ٣ - الدعوة إلى تفسير القرآن من قِبَلِ أي قارئ عربي كائنًا من كان لكون القرآن نصًا عربيًا أدبيًا. وهؤلاء كلهم جرَّدوا القرآن عن ملابساته، وجعلوه لفظًا عربيًّا مجرَّدًا، فتأوَّلوه على هذا التأوُّل، فوقعوا في الخطأ من هذه الجهة. وهنا ملحظ مهمٌّ جدًّا، وهو أن اللغة لا يمكن أن تستقل بفهم القرآن، وإن كانت من أكبر مصادره وأكثرِها؛ لكونه نزل قرآنًا عربيًّا. كما أن هناك ملحظ دقيق آخر، وهو أنَّ هؤلاء الذين ذهبوا إلى هذا الفعل من الاعتماد على اللغة دون غيرها من المصادر يدخلون في زمرة من اعتقد معانٍ فأراد حمل القرآن عليها، حيث إنهم جعلوا اللغة التي وصلت إليها أفهامهم حكمًا على نصوص القرآن، وما من شكٍّ أن الأفهام ـ مهما بلغت ـ لا يمكن أن تستوعب المعاني، فالحكم على المعنى من خلال معلومهم من اللغة دون غيرها تحكُّمٌ ظاهرٌ، خصوصًا إذا ظهر في عباراتهم ما يدلُّ على ردِّ قول السلف أو ازدرائه.

стр. 189

كما يلاحظُ أيضًا أنَّ قومًا من المبتدعة ذهبوا إلى تقرير بدعِهم بمجازات جائزة في اللغة من حيث الورود، غير أن الخلاف معهم في جوازها في موضع الاختلاف، كما في تفسير اليد في مثل قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] بأنها النعمة، وذلك وارد في اللغة من حيث إطلاق اليد على النعمة، وإنما الاختلاف معهم في عدم صحة هذا الإطلاق هنا، وأن الصحيح حمل اليد على ظاهرها حملاً يليق بذات الله وجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل. وأعود للتمثيل للأسباب السابقة، فأقول: أولاً: عدم اعتبار المصطلحات الشرعية: إذا تنازع اللفظَ الحقيقةُ الشرعيةُ والحقيقة اللغويةُ؛ قدِّمتِ الحقيقةُ الشرعيةُ؛ لأنَّ الشارعَ مَعْنِيٌّ ببيان الشرع لا ببيان اللغة. وتركُ المصطلح الشرعي ـ مع إرادته ـ يدخل في فعل من لم ينظر في الخطاب إلى المخاطب ولا إلى المنزَل عليه. ويظهر في مثل هذا النوع أنَّ لاعتقاد المعاني السابقة أثرًا في اختيار المعنى اللغوي دون المعنى الذي ينازَع عليه أهل السنة، وبسط مثل الموضوعات محله كتب الاعتقاد. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما وقع من الاختلاف بين طوائف الأمة في مسمى الإيمان، فالإيمان في الشرع: قول وعمل واعتقاد، وذهبت المرجئة إلى أنه التصديق فقط دون غيره من المعاني؛ لأنَّه كذلك في اللغة. وهؤلاء ـ وإن كانوا قد اعتقدوا ثمَّ قصروا المعنى على المدلول اللغوي ـ اعتمدوا على المعنى اللغوي دون نظر إلى مراد المتكلم على الحقيقة. وليس المراد هنا ذكر التفصيل في الردِّ، وإنما الذي يتعلق بالأمر هنا التنبيه الجملي على خطأ حمل الإيمان على مجرد التصديق دون سائر

стр. 190

المعاني التي دلّ الشرع على دخولها فيه كما هو مبسوط في كتب الاعتقاد. ثانيًا: عدم الاعتماد على الملابسات التي تحدِّد المدلول العربي المراد: التعبير بالملابسات أوسع من التعبير بسبب النُّزول، فهو يشمله ويشمل قصص الآي، وغيرها من الملابسات المتعلقة بالنُّزول؛ كعادات العرب، وعقائدهم، وشرائعهم. ومن ذلك ما وقع في تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت:٢١٠): «... ومجازها: أي اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين» (١). وهذا الذي ذهب إليه أبو عبيدة يجعل الأمر على التمثيل لا الحقيقة، فالبيوت ليست البيوت المسكونة، وإنما هي تمثيل لمن يسأل من لا علم له، ولا يسأل من عنده علمٌ، فهو كمن يأتي البيت من ظهره دون بابه المعروف. وهذا الذي قاله جائزٌ من جهة العربية، وهو محتملٌ لو كان الكلام مجرَّدًا عن سياقه، أما سياقه فيدلُّ على معنى آخر، وهو أن البيوت على الحقيقة، وهي البيوت المسكونة، وعلى هذا جاء تفسير السلف. والآية تحكي عادة وشريعة جاهلية كانوا يعملون بها، فعن البراء ﵁، قال: «نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قِبَلِ أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قبل بابه فكأنه عُيِّرَ بذلك، فنَزلت ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾» (٢).

стр. 191

فالذي شهِد التنْزيل ـ وهو البراء ـ يبيِّن أن المراد بالبيوت البيوتُ المسكونةُ، ولا مجال مع تفسيره هذا إلى القول بهذا المجاز البعيد الذي قاله أبو عبيدة (ت:٢١٠). وقد كان من آثار هذا الأسلوب أنه كلما ابتعد التفسير عن عصر السلف ظهر عند بعض المفسرين أو المشاركين في التفسير تكثير المحتملات من جهة العربية دون النظر إلى ملابسات النُّزول، ولا إلى الوارد عن السلف في ذلك. ومن أراد أمثلة ظاهرة على وقوع مثل هذا الأمر في تفسير الآيات، فليطَّلع على مثل تفسير الماوردي (ت:٤٥٠)، وغرائب التفسير وعجائب التأويل للكرماني (ت: بعد ٥٠٠)، وتفسير ابن عادل الحنبلي (ت:٨٨٠)، وغيرها ممن يُعنى بنقل الغرائب دون تمحيص لها وردٍّ عليها. ومن الكتب التي لها باعٌ في باب تكثير المحتملات من جهة العربية دون النظر إلى ملابسات النُّزول، ولا إلى الوارد عن السلف = أمالي الشريف المرتضى (ت:٤٣٦) (١)، فهو يُكثِر من ذكر المحتملات اللغوية، ولو كانت ضعيفة بل شاذَّة غير معتبرٍ بملابسات النُّزول، بل يكتفي بورود

стр. 192

الاحتمال على النصَّ، وانظر ما قاله في هذه الآية السابقة من احتمالات بعيدة عن سياق الآية وملابساتها. أورد الشريف المرتضى خمسة احتمالات في معنى جملة ﴿وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، وهي: ١ - أنها عادة في التطير عند الجاهليين وذلك أن الرجل منهم إذا قصد حاجة فلم تُقض له، ولم ينجح فيها رجع فدخل من مؤخر البيت ولم يدخل من بابه، فدلهم الله على أن هذا من فعلهم لا برَّ فيه، وأمرهم من التُّقَى بما ينفعهم ويقربهم إليه. ٢ - ذكر السبب المذكور عن البراء وغيره الذي يجعل البيوت حقيقة في البيوت المسكونة، وهو مذكور في الفقرة السابقة. ٣ - ذكر جواب أبي عبيدة، وهو مذكور في الفقرة السابقة. ٤ - جواب الجبائي المعتزلي، وهو أن الله ضرب المثل لمن أتى الأمر من غير جهته وأن هذا ليس من البر ... وأمر إتيان الأمور من وجوهها ... (١). ٥ - أن تكون البيوت كناية عن النساء، ويكون المعنى: وأتوا النساء من حيث أمركم الله، والعرب تسمي المرأة بيتًا ... وإذا تأمَّلت هذه الأقوال التي ذكرها ـ سِوَى القول الثاني ـ ظهر لك جليًّا بُعدها عن الصواب، ونزعها الآية عن سياقها وملابساتها، والذهاب بها إلى معنى عربي غير مرادٍ، فما علاقة السياق ـ مثلاً ـ بإتيان النساء من حيث أمر الله، تأمَّل وانظر، هل تجدُ علاقة؟!

стр. 193

ثالثًا: الدعوة إلى تفسير العربي كائنًا من كان لكون القرآن نصًا عربيًا أدبيًا: هذه الدعوة جاءت في هذا العصر، وهي وإن كانت متأخِّرة عن عصر شيخ الإسلام إلا أنها تدخل في هذا الباب، حيث يزعم أصحاب هذه الدعوة أنهم عرب يفهمون الخطاب العربي، ولا حاجة لهم بقول من تقدَّمهم، بل شطح أمين الخولي فزعم أنه يجوز للعربي من دون نظر إلى معتقده أن يدرس القرآن دراسة أدبية، لا لأنه يملك أدوات التفسير بل لأنه عربي يتذوَّق العربية فقط. يقول أمين الخولي: «... وهذا الدرس الأدبي للقرآن في ذلك المستوى الفني، دون نظر إلى أي اعتبار ديني، هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلاً، العربية اختلاطًا؛ مقصدًا أول ...» (١). ويدخل في هذه الدعوة كل من زعم اليوم أنه عربي يستطيع فهم القرآن بعربيته، ويرى أنه ليس بحاجة إلى قول فلان أو علان من المفسرين، فهم رجال كما أنه رجل. وهذه دعوة متهافتة، فكم من قول شاعر ذهب إدراك مراده على وجهه بسبب جهل ملابسات قوله، فما بالك بكتاب الله الذي له أكثر من مصدرٍ في تفسيره، واللغة أحدها، وهي لا تستقلُّ بفهمه. وأولئك الذين يزعمون ـ اليوم ـ أنهم يفسرون القرآن أو يتذوقونه بعربيتهم يُخفون أو يَخفى عليهم ـ مقدمات وآراء يعتقدونها؛ يحملون ألفاظ القرآن عليها، ويحرفونها إليها. وقبل أن أختم الحديث هنا عن هذا الموضوع أُشير إلى جملة علوم العربية ومنْزلتها من التفسير، فأقول:

стр. 194

١ - إنَّ القرآن نزل بلسان عربيٍّ مبينٍ، ففهمه لا يمكن أن يكون خارج إطار هذه اللغة الشريفة. ٢ - إنَّ هذه اللغة الشريفة مصدرٌ من مصادرِ التفسير، وهي من أوسع مصادر التفسير المعتمدة، وقد اعتمد عليها في تفسير القرآن مفسرو السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، كما اعتمد عليها اللغويون المعاصرون لأتباع التابعين، واعتمد عليها كل من جاء بعدهم من المفسرين واللغويين، ولم يخرج عن هؤلاء الذين تعرضوا لكتاب الله سوى قوم من الباطنية نحوا بكلامهم في كتاب الله إلى الرمز والإلغاز الذي ليس من صفة هذه الشريعة السمحة الميسرة للعالمين. ٣ - أن علوم العربية (النحو والصرف واللغة والبلاغة) تختلف الحاجة إليها من علم إلى علم في بيان كلام الله سبحانه، وأعظمها شأنًا في ذلك علم مفردات اللغة الذي لا يمكن أن تخلو آية من الحاجة إليه بخلاف غيره من العلوم العربية. ٤ - يلاحظ في علم النحو أمور؛ منها: الأول: إن علم النحو من العلوم التي دخلها ريحُ اعتقادِ المعنى وحمل ألفاظ القرآن عليه، ذلك أنَّ النحويين قعَّدوا قواعد جعلوها أصولاً، صاروا يحتكمون إليها، ويحكمون بها على قراءات القرآن، وعلى تفسيرات السلف، فصاروا ـ بهذا العمل ـ أشبه بطريقة المعتزلة وغيرهم من المتكلمين الذين قعَّدوا قواعد عقلية يحتكمون إليها، ويحكمون بها على القرآن. الثاني: كثرة المحتملات النحوية التي يوردها المعربون لآيات القرآن، حتى إنهم ليذكرون ـ في بعض الأحيان ـ أعاريب شاذة وضعيفة؛ إما للتكثُّرِ بها، وإما لنُصرة المذهب، وإما لغير ذلك من الأسباب. وقد سجَّل بعض العلماء ملاحظتهم على ذلك؛ فمن ذلك ما قاله

стр. 195

أبو حيان (ت:٧٤٥): «ينبغي أن يُحمَل [أي: القرآن] على أحسنِ إعرابٍ، وأحسنِ تركيبٍ، إذ كلامُ اللهِ تعالى أفصحُ الكلامٍ، فلا يجوزُ فيه جميعُ ما يُجَوِّزُه النُّحاةُ في شعرِ الشَّمَّاخِ والطِّرِّمَّاحِ وغيرهما، من سلوكِ التَّقاديرِ البعيدةِ، والتَّراكيبِ القلقةِ، والمجازاتِ المُعقَّدةِ» (١). وقال ابن القيم (ت:٧٥١): «لا يجوزُ أن يُحمل كلامُ الله ويفسَّرَ بمجرَّدِ الاحتمالِ النَّحويِّ الإعرابيِّ الذي يحتملُه تركيبُ الكلام، ويكونُ الكلامُ به له معنى ما، فإنَّ هذا المقامَ غلط فيه أكثرُ المعربين للقرآنِ، فإنَّهم يفسِّرون الآية ويعربونها بما يحتملُه تركيب تلك الجملةِ، ويُفهمُ من ذلك التَّركيبِ أيُّ معنًى اتَّفقَ، وهذا غلطٌ عظيمٌ يقطعُ السَّامعُ بأنَّ مرادَ القرآنِ غيرُه. وإن احتملَ ذلك التَّركيبُ هذا المعنى في سياقٍ آخرَ وكلامٍ آخرَ، فإنَّه لا يلزمُ أن يحتملَه القرآنُ؛ مثلُ قولِ بعضهم في قراءة من قرأ ﴿وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، بالجرِّ: إنَّه قَسَمٌ. ومثلُ قول بعضِهم ـ في قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]ـ: إنَّ المسجد مجرورٌ بالعطفِ على الضميرِ المجرورِ في «به». ومثل قول بعضهم ـ في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ﴾ [النساء: ١٦٢]ـ: أنَّ المقيمين مجرورٌ بواو القسم، ونظائرُ ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وأوهى بكثيرٍ. بل للقرآنِ عُرْفٌ خاصٌّ، ومعانٍ معهودةٌ، لا يُناسِبُه تفسيرُه بغيرِها، ولا يجوزُ تفسيرُه بغيرِ عرفِه والمعهودِ من معانيه، فإنَّ نسبة معانيه إلى المعاني، كنسبةِ ألفاظه إلى الألفاظِ، بل أعظمُ.

стр. 196

فكما أنَّ ألفاظَهُ ملوكُ الألفاظِ وأجلُّها وأفصحُها، ولها من الفصاحة أعلى مراتِبها التي يعجزُ عنها قدر العالمين، كذلك معانيه أجلُّ المعاني وأعظمُها وأفخمُها، فلا يجوزُ تفسيرُه بغيرِها من المعاني التي لا تليقُ به، بل غيرُها أعظمُ منها وأجَلُّ وأفخمُ، فلا يجوزُ حملُه على المعاني القاصرةِ بمجرَّدِ الاحتمالِ النَّحويِّ الإعرابيِّ. فتدبَّرْ هذه القاعدة، ولتكنْ منك على بالٍ، فإنَّكَ تنتفعُ بها بمعرفة ضَعْفِ كثيرٍ من أقوالِ المفسِّرينَ وزيفها، وتقطع أنها ليست مرادَ المتكلم ـ تعالى ـ بكلامِه» (١). وهذا الموضوع فيما يتعلق بالعربية ومنْزلتها من علوم التفسير مما يحتاج إلى ترتيب المعلومات التي يُعنى بها المفسر، وهو بحاجة إليها؛ لأنَّ كثيرًا من المعلومات المتعلقة بعلوم العربية لا فائدة فيها من جهة التفسير، وإنما فائدتها في تلك العلوم أصالةً، وهذا موضوع يحتاج إلى بحث مستفيض يبين فيه علاقة هذه العلوم العربية بالتفسير من جهة، وبالقرآن من جهة أخرى. رابعًا: نقد بعض التفاسير المخالفة لمنهج السلف، وبيان المنهج العقدي العام لها: ذكر شيخ الإسلام ـ في هذا الفصل ـ نوعين من التفاسير: الأول: تفاسير نقلية، وهي التي تنقل تفسير السلف صِرفًا، وبيّن أن هذه لا يقع فيه خطأ من جهة الاستدلال، وقد مضى الحديث فيها. الثاني: تفاسير أهل البدع على مراتبهم في ذلك، وهذه التفاسير يقع فيها الخطأ من جهة الاستدلال، وقد سبق بيان وجه الخطأ.

стр. 197

وسيكون الحديث هنا عن هذه التفاسير، وذكر شيءٍ من أمثلةٍ للمعتقدات التي ذكرها شيخ الإسلام؛ ليتبين أثر ذلك المعتقد على تحريف التفسير. ١ - تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصمِّ (ت:٢٠١)، وهو من متقدمي المعتزلة من أهل القرن الثاني، وقد أشار شيخ الإسلام إلى تقدُّم زمنه بقوله: «شيخ إسماعيل بن علية (ت:٢١٨) الذي كان يناظر الشافعي (ت:٢٠٤)». وقد بقيت نقولات من تفسيره عند الرازي (ت:٦٠٤) في تفسيره مفاتيح الغيب، حيث كان حريصًا على نقل أقوال المعتزلة ومناقشتها (١). ٢ - كتاب محمد بن عبد الوهاب؛ المعروف بأبي علي الجبائي (ت:٣٠٣)، وهو من المقدَّمين عند المعتزلة، وله آراء وأتباع، وكتابه في التفسير يسمى (التفسير الكبير) (٢). ومن هذا الكتاب نقول عند الطوسي الرافضي المعتزلي (ت:٤٦٠) في كتابه التبيان في تفسير القرآن، وعند الرازي (ت:٦٠٤) في تفسيره مفاتيح الغيب. ٣ - كتاب القاضي عبد الجبار الهمذاني (ت:٤١٥) المسمى بالتفسير الكبير (٣).

стр. 198

وهذا الكتاب ليس له ذكرٌ في كتب التفسير، وقد طُبِع للقاضي عبد الجبار (ت:٤١٥) كتاب (متشابه القرآن)، وكتاب (تنْزيه القرآن عن المطاعن)، وهما كتابان متعلقان بالقرآن، لكنهما غير كتابه الكبير في التفسير. ٤ - كتاب علي بن عيسى الرماني (ت:٣٨٤) الجامع لعلم القرآن. وهذا الكتاب بقيت منه نقول في بعض كتب التفسير، كتفسير الماوردي (ت:٤٥٠) النكت والعيون، وتفسير الطوسي الرافضي (ت:٤٦٠) التبيان في تفسير القرآن، كما أنه قد بقيت قطعة مخطوطة منه. وهو تفسير تظهر فيه صبغة الاعتزال واضحة جليَّة، فما تكاد تمرُّ آية فيها نصر لمذهبهم ـ فيما يرى ـ إلا انتصر له وبيّنه، وما من آية يرى فيها ردًّا على خصوم المعتزلة إلا ذكره. ويتصف هذا الكتاب بحسن التنظيم، مع العناية الفائقة بالمذهب الاعتزالي وبالفروق اللغوية، ويكثر فيه طريقة السؤال والجواب: (فإن قيل ... فالجواب). ٥ - كتاب الزمخشري (ت:٥٣٨) المسمَّى (الكشاف عن حقائق التنْزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، وهو التفسير المطبوع كاملاً من تفاسير المعتزلة، وقد فاق أسلافهم في قدرته على دسِّ اعتزالياته بعبارات ظاهرها السلامة، وباطنها الاعتزال، حتى لقد فات على بعض الفضلاء دقَّة النظر في عباراته، فأوردها في مقام الاحتجاج أو ذكرها دون أن يلحظ عليها ما فيها من اعتزال؛ كما أشار شيخ الإسلام إلى ذلك. ٦ - كتاب أبي جعفر الطوسي (ت:٤٦٠) المسمَّى (التبيان في تفسير القرآن)، وهو مطبوعٌ، ومادته العقدية مستقاة من كتب المعتزلة، وما يتعلق بالإمامة فهي مستقاة من كتب الإمامية الرافضة ككتب شيخه محمد بن

стр. 199

محمد بن النعمان (ت:٤١٣) المسمى بالمفيد (١)، وغيره من أئمة الرافضة. وهذا الكتاب فيه تنظيم للمعلومات، ويغلب عليه النقل، فقد نقل عن مفسري المعتزلة كالجبائي (ت:٣٠٣)، والرماني (ت:٣٨٤)، والبلخي وأبي مسلم الأصفهاني (٢). ونقل عن الفراء (ت:٢٠٧)، والزجاج (ت:٣١١)، والطبري (ت:٣١٠)، وعن الطبري (ت:٣١٠) نقل كثيرًا من أقوال السلف في التفسير. وهو يسمي أهل السنة بـ (العامَّة)، كعادة الرافضة في هذه التسمية لأهل السنة. والمقصود هنا أنَّ أبا جعفر الطوسي (ت:٤٦٠) قد أدخل في تفاسير الإمامية تفسيرات المعتزلة على سبيل القبول لها، وكذا سار على ذلك من جاء بعده من الرافضة؛ كالطبرسي (ت:٥٤٨) في تفسيره (مجمع البيان) (٣)، وهو مطبوع متداول. وهذا يعني أنهم أخذوا بأصول المعتزلة العقلية في أصولهم الخمسة، وما يندرج تحتها من مسائل كلامية، دون كلام المعتزلة في الإمامة؛ حيث إن جمهور المعتزلة ـ خصوصًا متأخروهم ـ على إمامة الأئمة الأربعة على ترتيبهم في الخلافة. وقد بقي الرافضة على ما عندهم من أصول نقلية مكذوبة في حقِّ آل البيت، وهو ما يسمى عندهم بـ (الإمامة) (٤)، فلم يُعملوا فيها العقل، فكانوا

стр. 200

متناقضين فكريًّا في الجمع بين طرفي النقيض (١). أمثلة لبعض أصول المعتزلة والرافضة التي حملوا ألفاظ القرآن عليها: قال شيخ الإسلام: «وأصول المعتزلة خمسة؛ يسمونها هم: التوحيد، والعدل، والمنْزلة بين المنْزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... وقد وافقهم على ذلك متأخرو الشيعة؛ كالمفيد، وأبي جعفر الطوسي، وأمثالهما». أولاً: أصول المعتزلة التي وافقتهم عليها الرافضة (٢): الأصل الأول: التوحيد: وقد ذكر شيخ الإسلام بعض ما يندرج تحت هذا الأصل، فقال: «وتوحيدهم هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات، وغير ذلك.

стр. 201

قالوا: إن الله لا يُرى، وإن القرآن مخلوق، وإنه ليس فوق العالم، وإنه لا يقوم به علم ولا قدرة، ولا حياة ولا سمع ولا بصر، ولا كلام، ولا مشيئة، ولا صفة من الصفات». المثال الأول: في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥] قال الرماني (ت:٣٨٤): «ويقال: هل الصفة بلن يكفروه مجازٌ؟ الجواب: قال أبو علي (١): نعم؛ إذ الصفة لله جل وعزَّ بأنه شاكر مجازٌ، وحقيقته أنه يثيب على الطاعة ثواب الشاكر على النعمة، فلما استعير للثواب الشكر، استعير لنقيضه من منع الثواب الكفر. وإنما الشكر في الأصل: إظهار النعمة من المنعم عليه بالقيام بحقها، والكفر ستر النعمة من المنعم عليه بتضييع حقها» (٢). ففسر أبو علي الجبائي (ت:٣٠٣) الصفة بلازم معناها، وجعله هو المعنى المراد، وهذا تفسير للشيء بخلاف ظاهره، بل الصواب أن صفات الله على الحقيقة، ويدخل فيها ما يذكرونه من هذه اللوازم، لكن ليست هي المرادة دون غيرها كما هو الحال في تفسير المعتزلة في هذا الموطن. الأصل الثاني: العدل: ذكر شيخ الإسلام بعض ما يندرج تحته من مسائل الاعتقاد، فقال: «وأما

стр. 202

عدلهم فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها، ولا هو قادر عليها كلها؛ بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعًا، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته». مثال: في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩]، قال الرماني (ت:٣٨٤): «ويقال: لم وجب في الآية الإضافة بمعنى «مالك»، ولم يجب بمعنى «خالق»؟ الجواب: لأنه على طريقة «هذه الأبْنِيةُ لِرَبِّكَ»؛ بمعنى أنه مالك لها. ولا يطلق هذه الصفة بمعنى صانع لها، لأنه لا يدخل فيه معاصي العباد؛ لإيجابها الذمَّ، وإنما الآية مدح وتعظيمٌ لله تعالى» (١). فانظر كيف أدخل نفي خلق أفعال العباد في هذه الآية، وليس في الآية حجة عليها، ولا هي متعلقة بهذه المسألة من قريب ولا من بعيد، بل افترض الإشكال وأجاب عنه بكلام غير صحيح (٢). الأصل الثالث: المنْزلة بين المنْزلتين: وهذا الأصل يدخلون فيه العاصي في أصحاب الخلود في النار،

стр. 203

فيقولون: الفاسق في منْزلة بين المنْزلتين، ومآله إلى النار، ومن أمثلة ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، قال الرماني (ت:٣٨٤): «ويقال: إذا كان الذين اسودت وجوههم كفارًا، والذين ابيضت وجوههم مؤمنين؛ لأنهم في رحمة الله خالدين فيها، فما تنكر على ذلك ألا يصحَّ المنْزلة بين المنْزلتين؟ الجواب: لا يجب ذلك من قِبَلِ أن الفاسق يخرج عن هاتين الحالتين إلى حال الغُبرة أو نحوها من الألوان التسعة في المنظر، أو يكون ممن يسود وجهه ويدخل في الكفار على التغليب لأعظم الصفتين كما يُغلَّب المذكَّر على المؤنث، وليس في ذكر اليوم بأنه يسود فيه وجوه ويبيض فيه وجوه ما يدلُّ على أنه لا تغبَّرُّ فيه وجوه كما أنه ليس في ... (١) يعفو فيه السلطان عن قوم ويعاقب قومًا ما يدل على أنه ليس هناك من لا يستحقُّ واحدًا من الأمرين» (٢).

стр. 204

الأصل الرابع: إنفاذ الوعيد: يرى المعتزلة أن آيات الوعيد نافذة، وليس يجوز فيها غير ذلك، ولا يرون أن العصاة تحت المشيئة؛ لذا يرون المنْزلة بين المنْزلتين، ثمَّ يخرجون بعد ذلك إلى تخليد صاحب الكبيرة في النار. في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، قال الرماني (ت:٣٨٤): «وقد تضمنت الآية النهي عن الاختلاف في الحق مع التحذير من الاغترار بمن فعله من الناس بما له من شدة العقاب بالخلود في النار» (١). وقد رتَّبوا على ذلك أن نفوا شفاعة الرسول ﷺ لأهل الكبائر، في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] قال الرماني (ت:٣٨٤): «يقال: هل في الآية دلالة على بطلان مذهب المرجئة؟ الجواب: نعم؛ لأن من أخزاه الله فليس من أهل الجنة، وقد بيّن الله ذلك في قوله: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠، آل عمران: ١٩٢، المائدة: ٧٢]، ولو سأل سائل إخراجهم من النار لكان لهم أنصر الأنصار. ويقال: ما وجه الحديث عن النبي ﷺ يخرج قوم من النار بالشفاعة مع دلالة الآية؟ الجواب: فيه قولان: الأول: أنه لولا الشفاعة لواقعوا كبيرة يستوجبون بها الدخول فيها فيخرجون بالشفاعة على هذا الوجه، كما يقال: أخرجني من السلعة؛ إذ لولا مشورته لدخل فيها بابتياعه لها.

стр. 205

الثاني: لولا الشفاعة لدخلوها بما معهم من الصغيرة، ثم أخرجوا عنها إلى الجنة» (١). الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] قال الرماني: «ويقال: هل يجب في إنكار المنكر حمل السلاح؟ الجواب: نعم إن احتيج إليه بحسب الإمكان؛ لأن الله جلَّ ثناؤه قد أمر به، فإذا لم ينجع فيه الوعظ والتخويف، ولا التناول بالأيدي والنعال وجب حمل السلاح؛ لأن الفريضة لا تسقط مع الإمكان إلا بزوال المنكر الذي لزم فيه الجهاد» (٢).

стр. 206

ثانيًا: الأصل الذي خالفت فيه الرافضة المعتزلة (الإمامة): يقول شيخ الإسلام: «وقد وافقهم ـ أي المعتزلة ـ على ذلك متأخرو الشيعة؛ كالمفيد، وأبي جعفر الطوسي وأمثالهما. ولأبي جعفر هذا تفسير على هذه الطريقة؛ لكن يضم إلى ذلك قول الإمامية الاثني عشرية؛ فإن المعتزلة ليس فيهم من يقول بذلك، ولا من ينكر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي». وهذا يعني أنهم لم يأخذوا من المعتزلة القول بإمامة الأئمة الأربعة؛ لأن عندهم من أصولهم ما يخالف هذه الإمامة، فهم يذهبون إلى إنكار إمامة الثلاثة، ويرون أن الإمامة في علي ﵁ وفي أبنائه من الحسين فقط ـ تأمَّل ـ دون غيره من أولاده! وقد جرَّهم هذا إلى تحريف معاني الآيات، والكذب في النُّزول، وتخصيص الآيات العامة في علي ﵁ وفي أبنائه الذين زُعِمت لهم الإمامة، كما جرَّهم ذلك إلى الاعتداء الفاحش على أفضل القرون بما لا يرضى به مسلم في أهل قبيلته فكيف بالصحابة الكرام. وليس المقام مقام احتجاج وردٍّ، بل المراد ذكر أمثلة لذلك الانحراف، وسأذكرها من تفسير الطوسي (ت:٤٦٠) الذي أشار إليه شيخ الإسلام. ومن الأمثلة ـ وهي كثيرةٌ جدًّا ـ: ١ - في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة ٦٧]، ذكر أقوالاً في سبب نزولها، وذكر منها: «الرابع: قال أبو جعفر وأبو عبد الله: إن الله تعالى لما أوحى إلى النبي ﷺ أن يستخلف عليًّا كان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعًا له على القيام بما أُمِر بأدائه» (١).

стр. 207

٢ - في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، قال الطوسي (ت:٤٦٠): «واستدل بهذه الآية جماعة على فضل أبي بكر، فإنه لا خلاف أنه كان من المبايعين تحت الشجرة، وقد ذكر الله أنه رضي عنهم، وأنه أنزل السكينة عليهم، وأنه علم ما في قلوبهم من الإيمان، وأثابهم فتحًا قريبًا. والكلام على ذلك مبني على القول بالعموم، ومن أصحابنا ـ يعني: الإمامية ـ من قال: لا صيغة للعموم ينفرد بها، وبه قال كثير من المخالفين، فمن قال بذلك كانت الآية عنده مجملة لا يُعلم المعني بها، وقد بايع النبيَّ جماعةٌ من المنافقين بلا خلاف، فلا بدَّ من تخصيص الآية على كل حال، على أنه تعالى وصف من بايع تحت الشجرة بأوصاف قد علمنا أنها لم تحصل في جميع المبايعين، فوجب أن يختص الرضا بمن جمع الصفات؛ لأنه قال: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا﴾ [الفتح: ١٨]، ولا خلاف بين أهل النقل أن الفتح الذي كان بعد بيعة الرضوان ـ بلا فصل ـ هو فتح خيبر، وأن رسول الله ﷺ عند ذلك قال: «لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرَّارٌ غير فرار، ولا يرجع حتى يفتح الله على يده»، فدعا عليًّا فأعطاه الراية، وكان الفتح على يده، فوجب أن يكون هو المخصوص بحكم الآية، ومن كان معه في ذلك الفتح لتكامل الصفات فيهم، على أن ممن بايع بيعة الرضوان طلحة والزبير (١)، وقد وقع منهما من قتل علي ما خرجا به عن الإيمان، وفسقا عند جميع المعتزلة (!) ومن جرى مجراهم (٢).

стр. 208

ولم يمنع وقوع الرضا في تلك الحال من مواقعة المعصية فيما بعد، فما الذي يمنع من مثل ذلك في غيره؟ وليس إذا قلنا: إن الآية تختص بالرجلين كان طعنًا عليهما، بل إذا حملناها على العموم دخلا، وكل متابع معهما، فكان ذلك أولى» (١). خامسًا: دخول الفلاسفة والرافضة والقرامطة في التأويلات بسبب تأويلات أهل الكلام: يقول شيخ الإسلام: «ثم إنه بسبب تطرف هؤلاء وضلالهم (٢) دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه» (٣). التطرف الذي وقع عند المعتزلة في باب التأويل، قد جرَّ ـ كما ذكر شيخ الإسلام ـ غيرهم إلى فتح باب التأويل إلى حدود لا يقضي منها العالم عجبه. فالتأويل ـ بلا ضوابط شرعية ـ لا قيد له؛ لذا فإنَّ كل طائفة تحتجُّ على الأخرى بمبدأ التأويل الذي أجازت لنفسها استخدامه. وهذا التأويل العقلي أو المذهبي غير المنضبط بالشرع = لا تخلو منه طائفة من طوائف المسلمين سوى ما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم ممن انضبط بالكتاب والسنة، وأخذ بفهم الصحابة والتابعين لهما، وجعلها الحكم على فهم من جاء بعدهم. وبما أن شيخ الإسلام قد ذكر بعض تأويلات الرافضة، فإني سأذكر

стр. 209

نصين من نصوص الطائفتين الأخريين لتتم الأمثلة بذلك. مثال من تفاسير القرامطة الإسماعيلية: للقرامطة الإسماعيلية تفاسير معدودة، وهي تنحو منحى الرمز والتلغيز، وتعمد إلى تأويل الشرائع بتأويلات تُخرجهم عن الالتزام بشرائع الإسلام، ومن تفاسيرهم المطبوعة تفسير بعنوان (مزاج التسنيم) لإسماعيل بن هبة الله الإسماعيلي، قال في كلامه على قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠]: «﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ يعني: بما ألقاه إليهم من الفوائد. ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ يعني: عذق تلك الصور المجتمعة من صور أهل دعوته. ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ يعني: في ضمنه، وذلك حين أقامه خليفة له لكون النص هو الأمر للصور في جميع أهل المراتب تجتمع بالمنصوص عليه، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ وهو داعي البلاغ في حضرة يوسف الذي كان أصله فيها داعي البلاغ كذلك في الأدوار المتقدمة. ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ يعني: المستفيدون كأصولهم. ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ يعني: مُدَّعون ما ليس لكم من درجات المفيدين المطلقين بغير أمر من صاحب الترتيب لتلك المراتب في دعوته في الحديث والقديم بحسب ما ارتقم في ذاته في تلك المحارات، والملهم له بذلك ما يتصل بصورته من تحريك العمود النوراني بتدبير صاحب الزمان» (١). فانظر في مثل هذا النصِّ الذي يفهمه القارئ بلا تعقيد؛ كيف تعقَّد بهذه الرموز والتلغيزات؟! فقد حشاه بمصطلحات الباطنية الإسماعيلية

стр. 210

كصاحب الزمان، والعمود النوراني، ومراتب الدعوة، وداعي البلاغ ... إلخ من مصطلحات الإسماعيلية التي لا تخفى على من قرأ في تراث هؤلاء القوم، والله المستعان. مثال من تفاسير الفلاسفة: وأما الفلاسفة فقد وصل بهم التأويل إلى تأويل أحوال الآخرة، وأنه ليس ثمة جنة ولا نار، وغاية ما يثبتونه المعاد الرُّوحاني، ونقاش ذلك مبسوط في كتب العقائد (١)، والمراد هنا التمثيل بقول أحد أئمتهم في هذا المجال، ومن ذلك ما ذكره الفيلسوف ابن رشد الحفيد في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) من أنَّ الشريعةَ على ثلاثةِ أقسامٍ: ١ - ظاهرٌ لا يجوزُ تأويله ... ٢ - وظاهرٌ يجبُ على أهلِ البرهانِ تأويلُه، وحملهم إياه على ظاهره كفرٌ، وتأويل غير أهل البرهانِ له، وإخراجه عن ظاهره كفرٌ في حقِّهم أو بدعة، ومن هذا الصِّنفِ آيةُ الاستواء وحديث النُّزول ... ٣ - والصنف الثالث من الشرع مترددٌ بين هذين الصنفينِ، يقع فيه شكٌ، فيلحقُه قومٌ ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوزُ تأويله، ويلحقه آخرونَ بالباطنِ الذي لا يجوزُ حمله على الظاهرِ ... (٢). ثمَّ قال: «فإن قيل: فإذا تبين أن الشرع في هذا على ثلاث مراتب، فمن أي المراتبِ الثلاثِ هو عندكم ما جاء في صفات المعاد وأحواله؟ فنقول: إنَّ هذه المسألة الأمر فيها بيِّنٌ أنها من الصنفِ المختلَفِ فيه، وذلك أنا نرى قومًا ينسبون أنفسهم إلى البرهان يقولون: إن الواجب حملها

стр. 211

على ظاهرها إذا كان ليس هناك برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها، وهذه طريقة الأشعرية. وقوم آخرون ممن يتعاطون البرهان يتأوَّلونها، وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافًا كثيرًا، وفي هذا الصنف أبو حامد (١) معدودٌ هو وكثيرٌ من المتصوفة ...» (٢). ومن أمثلة التفسير الفلسفي ما كتبه ابن سينا (ت:٤٢٨) في تفسير بعض سور القرآن على المنهج الفلسفي الذي كان يعتنقه، ومن تفسيراته تفسيره لسورة الصمد، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]: «الهو المطلق: هو الذي لا تكون هويته موقوفة على غيره، فإن كل ما كان هويته موقوفة على غيره مستفادة منه، فمتى لم يعتبر غيره لم يكن هو هو. وكل ما كان هويته مستفادة من ذاته؛ فسواء اعتبر غيره أو لم يعتبر، فهو هو. لكن كل ممكن فوجوده من غيره، وكل ما كان وجوده من غيره فخصوصية وجوده منه لعلة، وذلك هو الهوية، فإذن كل ممكن فهويته من غيره، فالذي يكون هويته لذاته هو واجب الوجود» (٣). في هذا المثال ترى ابن سينا (ت:٤٢٨) كيف حشد عبارات فلسفية في تفسير أول ألفاظ هذه السورة (هو)، وهي عبارات تحتاج إلى فكٍّ وحلٍّ ليُفهم مقصوده منها، فهي مصطلحات فلسفية خاصة، وليست مما يعتمد على لغة العرب أو على تفسير السلف، أو على أمور تتصل بالشريعة (٤).

стр. 212

وهذا العمل عنده يعني أن الشريعة والفلسفة متَّحدان وهو كذلك عند غيره من الفلاسفة الذين لا يرون تناقضًا بين الفلسفة والشريعة، فتراهم يُحرِّفون الشريعة لتتطابق بطريقتهم مع الفلسفة، وأنت تعلم أن الشريعة من الفلسفة براءٌ. ولهم في التوفيق بين الدين وآراء الفلاسفة طرق ليس هذا محلها. سادسًا: الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام في انحرافات التفسير: قال شيخ الإسلام: «فتفسير الرافضة كقولهم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]: هما أبو بكر وعمر، و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]؛ أي: بين أبي بكر وعلي في الخلافة، و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: هي عائشة، و ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]: طلحة والزبير، و ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩]: علي وفاطمة، و ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] الحسن والحسين، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]: في علي بن أبي طالب، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ ـ ٢]: علي بن أبي طالب، و ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]: هو علي، ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، وهو تصدُّقه بخاتمه في الصلاة، وكذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]: نزلت في علي لما أصيب بحمزة. ومما يقارب هذا من بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] أن الصابرين رسول الله، والصادقين أبو بكر، والقانتين عمر، والمنفقين عثمان، والمستغفرين علي (١).

стр. 213

وفي مثل قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]: أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾: عمر، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: عثمان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: علي. وأعجب من ذلك قوله بعضهم: ﴿وَالتِّينِ﴾ [التين: ١]: أبو بكر، ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ [التين: ١]: عمر، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]: عثمان، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: ٣]: علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] كل ذلك نعت للذين معه، وهي التي يسميها النحاة خبرًا بعد خبر. والمقصود هنا أنها كلها صفات لموصوف واحد وهم الذين معه، ولا يجوز أن يكون كل منها مرادًا به شخص واحد، وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرًا في شخص واحد كقوله: إن قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] أريد بها علي وحده، وقول بعضهم: إن قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] أريد بها أبو بكر وحده، وقوله: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] أريد بها أبو بكر وحده ونحو ذلك». ذكر شيخ الإسلام في هذه الأمثلة قاعدة في ضابط معرفة الانحراف في تفسير الألفاظ بأشخاص مُعَيَّنين ، وهما ضابطان مهمَّان لمن يقرأ في التفسير:

стр. 214

الضابط الأول: تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال: وهذا الضابط مهم جدًّا، ولا يُتوصل إلى معرفته وضبطه إلا بمعرفة أصول التفسير؛ إذ الجاهل قد يقع في الخطأ ولا يعلم به. ومعرفة ما يرتبط باللفظ من مدلولات جائزة يخرج عن هذا الانحراف؛ إذ قد يُفسَّر اللفظ بجزء من معناه أو بلازم معناه، أو يفسَّر بشخص يكون على سبيل التمثيل، وليس على سبيل القصد الأول كما هو الحال في هذه التفسيرات المنحرفة. والمقصود أن بعض التفاسير التي قد تكون صورتها على هذا السبيل يمكن توجيهها وقبولها على وجه من الصواب ما دام بينها وبين اللفظ شيء من العلاقة التي لا يأباها اللفظ ولا السياق. أما ما ذكره شيخ الإسلام من الأمثلة فليس هناك ما يربط اللفظ المفسَّر باللفظِ المفسِّر البتة، بل فيه خروج باللفظ من مدلوله، وخروج بالسياق عن معناه المراد به، والسياق بهذا التفسير يكون مفكَّكًا غير مترابط، وما قال من قال بهذا التفسير المنحرف إلا بسبب اعتقاده الفاسد. الضابط الثاني: جعل اللفظ العام منحصرًا في شخص واحد: قد سبق أن طرح شيخ الإسلام موضوعًا مرتبطًا بهذه المسألة عند حديثه عن تفسير اللفظ العام بمثال له (١)، وقد قال: «والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين أن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ.

стр. 215

والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرًا ونهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنْزلته، وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنْزلته». وعلى هذا فإن من زعم أن آية نزلت في شخص معين، ولا يدخل معه غيره، فذلك دليل بطلان زعمه؛ لأن ذلك يدل على عدم العمل بالآية، وأن تفسيرها قد توقف عند ذلك المعين فقط. وإذا تأملت بعض تفسيرات الرافضة في هذا الباب وجدتهم يأتون إلى آيات لا علاقة لها بالموضوع الذي يريدون إثباته فيحملون الآية عليه، كما فعلوا في تفسير ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ بأنه علي بن أبي طالب، أو يأتون إلى آيات نزلت في شأن لا علاقة لها بالتفسير الذي يفسرون به؛ كتفسيرهم ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ بأنهما أبو بكر وعمر، أو يذكرون سبب النُّزول ـ وهو مكذوب ـ في علي ﵁، ولا يستجيزون دخول غيره معه، كما مرَّ في بعض النقول عن الطوسي (ت:٤٦٠). ويدخل معهم بعض المتصوفة والعباد الذين يفسرون بهذه الطريقة العجيبة، وقد ذكر شيخ الإسلام بعض أمثلة لهم، فهؤلاء كلهم قد خرجوا باللفظ العام إلى تخصيصات لا يدل عليها الدليل، ولا يصلح أن تكون هي المرادة وحدها في التنْزيل، لكنه الجهل أو التعصب، وقانا الله شرَّهما. مسألة: قد يقول قائل: ما الفرق بين ما نجده من تفسيرات للسلف فيها حمل للعموم على أشخاص، فيقولون: إنها نزلت في فلان، مع ملاحظة أن الشخص المذكور أو حاله إنما كان بعد نزول الآيات أو بعد وفاة الرسول ﷺ ، وهذا مشكل من هذه الجهة؟. الجواب: إنه قد سبق الإشارة إلى شيءٍ من جواب هذه المسألة، وأوضِّح الفرق هنا فأقول: ١ - إنه ليس في عبارة من فسَّر من السلف دلالة على التخصيص، بل
следующие страницы →