على ظاهرها إذا كان ليس هناك برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها، وهذه طريقة الأشعرية.
وقوم آخرون ممن يتعاطون البرهان يتأوَّلونها، وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافًا كثيرًا، وفي هذا الصنف أبو حامد (١) معدودٌ هو وكثيرٌ من المتصوفة ...» (٢).
ومن أمثلة التفسير الفلسفي ما كتبه ابن سينا (ت:٤٢٨) في تفسير بعض سور القرآن على المنهج الفلسفي الذي كان يعتنقه، ومن تفسيراته تفسيره لسورة الصمد، قال في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]: «الهو المطلق: هو الذي لا تكون هويته موقوفة على غيره، فإن كل ما كان هويته موقوفة على غيره مستفادة منه، فمتى لم يعتبر غيره لم يكن هو هو.
وكل ما كان هويته مستفادة من ذاته؛ فسواء اعتبر غيره أو لم يعتبر، فهو هو. لكن كل ممكن فوجوده من غيره، وكل ما كان وجوده من غيره فخصوصية وجوده منه لعلة، وذلك هو الهوية، فإذن كل ممكن فهويته من غيره، فالذي يكون هويته لذاته هو واجب الوجود» (٣).
في هذا المثال ترى ابن سينا (ت:٤٢٨) كيف حشد عبارات فلسفية في تفسير أول ألفاظ هذه السورة (هو)، وهي عبارات تحتاج إلى فكٍّ وحلٍّ ليُفهم مقصوده منها، فهي مصطلحات فلسفية خاصة، وليست مما يعتمد على لغة العرب أو على تفسير السلف، أو على أمور تتصل بالشريعة (٤).
стр. 212
وهذا العمل عنده يعني أن الشريعة والفلسفة متَّحدان وهو كذلك عند غيره من الفلاسفة الذين لا يرون تناقضًا بين الفلسفة والشريعة، فتراهم يُحرِّفون الشريعة لتتطابق بطريقتهم مع الفلسفة، وأنت تعلم أن الشريعة من الفلسفة براءٌ.
ولهم في التوفيق بين الدين وآراء الفلاسفة طرق ليس هذا محلها.
سادسًا: الأمثلة التي ذكرها شيخ الإسلام في انحرافات التفسير:
قال شيخ الإسلام: «فتفسير الرافضة كقولهم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]: هما أبو بكر وعمر، و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]؛ أي: بين أبي بكر وعلي في الخلافة، و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: هي عائشة، و ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]: طلحة والزبير، و ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩]: علي وفاطمة، و ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] الحسن والحسين، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]: في علي بن أبي طالب، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ ـ ٢]: علي بن أبي طالب، و ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]: هو علي، ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، وهو تصدُّقه بخاتمه في الصلاة، وكذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]: نزلت في علي لما أصيب بحمزة.
ومما يقارب هذا من بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] أن الصابرين رسول الله، والصادقين أبو بكر، والقانتين عمر، والمنفقين عثمان، والمستغفرين علي (١).
стр. 213
وفي مثل قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]: أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾: عمر، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: عثمان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: علي.
وأعجب من ذلك قوله بعضهم: ﴿وَالتِّينِ﴾ [التين: ١]: أبو بكر، ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ [التين: ١]: عمر، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]: عثمان، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: ٣]: علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] كل ذلك نعت للذين معه، وهي التي يسميها النحاة خبرًا بعد خبر.
والمقصود هنا أنها كلها صفات لموصوف واحد وهم الذين معه، ولا يجوز أن يكون كل منها مرادًا به شخص واحد، وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصرًا في شخص واحد كقوله: إن قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] أريد بها علي وحده، وقول بعضهم: إن قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] أريد بها أبو بكر وحده، وقوله: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] أريد بها أبو بكر وحده ونحو ذلك».
ذكر شيخ الإسلام في هذه الأمثلة قاعدة في ضابط معرفة الانحراف في تفسير الألفاظ بأشخاص مُعَيَّنين ، وهما ضابطان مهمَّان لمن يقرأ في التفسير:
стр. 214
الضابط الأول: تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال:
وهذا الضابط مهم جدًّا، ولا يُتوصل إلى معرفته وضبطه إلا بمعرفة أصول التفسير؛ إذ الجاهل قد يقع في الخطأ ولا يعلم به.
ومعرفة ما يرتبط باللفظ من مدلولات جائزة يخرج عن هذا الانحراف؛ إذ قد يُفسَّر اللفظ بجزء من معناه أو بلازم معناه، أو يفسَّر بشخص يكون على سبيل التمثيل، وليس على سبيل القصد الأول كما هو الحال في هذه التفسيرات المنحرفة.
والمقصود أن بعض التفاسير التي قد تكون صورتها على هذا السبيل يمكن توجيهها وقبولها على وجه من الصواب ما دام بينها وبين اللفظ شيء من العلاقة التي لا يأباها اللفظ ولا السياق.
أما ما ذكره شيخ الإسلام من الأمثلة فليس هناك ما يربط اللفظ المفسَّر باللفظِ المفسِّر البتة، بل فيه خروج باللفظ من مدلوله، وخروج بالسياق عن معناه المراد به، والسياق بهذا التفسير يكون مفكَّكًا غير مترابط، وما قال من قال بهذا التفسير المنحرف إلا بسبب اعتقاده الفاسد.
الضابط الثاني: جعل اللفظ العام منحصرًا في شخص واحد:
قد سبق أن طرح شيخ الإسلام موضوعًا مرتبطًا بهذه المسألة عند حديثه عن تفسير اللفظ العام بمثال له (١)، وقد قال: «والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين أن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ.
стр. 215
والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرًا ونهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنْزلته، وإن كانت خبرًا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنْزلته».
وعلى هذا فإن من زعم أن آية نزلت في شخص معين، ولا يدخل معه غيره، فذلك دليل بطلان زعمه؛ لأن ذلك يدل على عدم العمل بالآية، وأن تفسيرها قد توقف عند ذلك المعين فقط.
وإذا تأملت بعض تفسيرات الرافضة في هذا الباب وجدتهم يأتون إلى آيات لا علاقة لها بالموضوع الذي يريدون إثباته فيحملون الآية عليه، كما فعلوا في تفسير ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ بأنه علي بن أبي طالب، أو يأتون إلى آيات نزلت في شأن لا علاقة لها بالتفسير الذي يفسرون به؛ كتفسيرهم ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ بأنهما أبو بكر وعمر، أو يذكرون سبب النُّزول ـ وهو مكذوب ـ في علي ﵁، ولا يستجيزون دخول غيره معه، كما مرَّ في بعض النقول عن الطوسي (ت:٤٦٠).
ويدخل معهم بعض المتصوفة والعباد الذين يفسرون بهذه الطريقة العجيبة، وقد ذكر شيخ الإسلام بعض أمثلة لهم، فهؤلاء كلهم قد خرجوا باللفظ العام إلى تخصيصات لا يدل عليها الدليل، ولا يصلح أن تكون هي المرادة وحدها في التنْزيل، لكنه الجهل أو التعصب، وقانا الله شرَّهما.
مسألة: قد يقول قائل: ما الفرق بين ما نجده من تفسيرات للسلف فيها حمل للعموم على أشخاص، فيقولون: إنها نزلت في فلان، مع ملاحظة أن الشخص المذكور أو حاله إنما كان بعد نزول الآيات أو بعد وفاة الرسول ﷺ ، وهذا مشكل من هذه الجهة؟.
الجواب: إنه قد سبق الإشارة إلى شيءٍ من جواب هذه المسألة، وأوضِّح الفرق هنا فأقول:
١ - إنه ليس في عبارة من فسَّر من السلف دلالة على التخصيص، بل
стр. 216
هو يذكره على سبيل المثال فحسب، وهو من باب تنْزيل الآيات على ما يناسبها من الأشخاص والأحوال، لذا يمكن أن يدخل معه غيره ممن يصدق فيه الوصف العام المذكور في الآية.
٢ - إنَّ ما يذكرونه مما تدلُّ عليه الآية دلالة واضحة حيث إنه داخل في عموم معنى اللفظ، بخلاف هذه التفسيرات التي لا تدل على التفسير بالمثال، كالتمثيل المذكور في آية سورة الفتح ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩].
٣ - إن السياق لا ينبو عن تفسيرات السلف التمثيلية بخلاف التفسيرات التي لا تمتُّ بأي صلة؛ كالتفسيرات التي ذكرها عمن فسَّر التين والزيتون بتلك التفسيرات العجيبة، أو من فسر يدا أبي لهب بأن المقصود منهما أبو بكر وعمر حاشاهما عن ذلك.
تنبيه:
مما يحسن التنبُّه له أنه لا يجوز حمل القرآن على أسباب ثبت أنها مكذوبة؛ كالسبب المذكور في نزول آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، فهذا السبب لو كان صحيحًا لما كان دالاً على تخصيص علي ﵁ بهذه الخصيصة التي يزعمها الرافضة بل يجوز حملها على غيره على سبيل العبرة بعموم اللفظ؛ كما هو الحال في تفسير الآية النازلة على سبب.
لكن هذه الواقعة المذكورة مكذوبة لا يجوز التفسير بها، ولو كانت ثابتة بعد نزول الآية مثلاً، ثم ذُكِرت مثالاً للآية أو استُشهِد بها في تفسير الآية لاحتمل قبولها من جهة دلالة المعنى العام لإيتاء الزكاة عليها، لكن هذه الحادثة غير مقبولة بأي وجه من هذه الوجوه التي يُقبل فيها التمثيل أو الاستشهاد لكونها كذبًا.
ويدخل في ذلك تفسيرات غلاة الصوفية الذين يفسرون القرآن بغير
стр. 217
ما دل عليه ظاهر الشريعة، وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام فقال: «ويفسرون القرآن بما يوافق باطنهم الباطل كقوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾: فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله.
وقولهم: إن العذاب مشتق من العذوبة.
ويقولون: إن كلام نوح في حق قومه ثناء عليهم بلسان الذم.
ويفسرون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بعلم الظاهر، بل ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلا يعلمون غيره، ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ فلا يسمعون من غيره ولا يرون غيره، فإنه لا غير له فلا يرون غيره.
ويقولون في قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾: إن معناه: قدّر ذلك لأنه ليس ثم موجود سواه فلا يتصور أن يعبد غيره، فكل من عبد الأصنام والعجل ما عبد غيره؛ لأنه ما ثَمَّ غيرٌ. وأمثال هذه التأويلات والتفسيرات التي يَعلم كل مؤمن وكل يهودي ونصراني علمًا ضروريًا أنها مخالفة لما جاءت به الرسل؛ كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين.
وجماع القول في ذلك أن هذا الباب نوعان:
أحدهما: أن يكون المعنى المذكور باطلاً؛ لكونه مخالفًا لما علم فهذا هو في نفسه باطل، فلا يكون الدليل عليه إلا باطلاً؛ لأن الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنه حق.
والثاني: ما كان في نفسه حقًا، لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يُرَدْ بها ذلك فهذا الذي يسمونه إشارات، وحقائق التفسير لأبي عبد الرحمن فيه من هذا الباب شيء كثير.
وأما النوع الأول: فيوجد كثيرًا في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين
стр. 218
للمسلمين في أصول دينهم، فإن من عَلِمَ أن السابقين الأولين قد رضي الله عنهم ورضوا عنه عَلِمَ أن كل ما يذكرونه على خلاف ذلك، فهو باطل.
ومن أقرَّ بوجوب الصلوات الخمس على كل أحد ما دام عقله حاضرًا = عَلِمَ أن من تأوَّلَ نصًّا على سقوط ذلك عن بعضهم؛ فقد افترى.
ومن عَلِمَ أن الخمرَ والفواحشَ محرمةٌ على كل أحد = ما دام عقله حاضرًا = عَلِمَ أن من تأوَّل نصًّا يقتضي تحليل ذلك لبعض الناس أنه مفترٍ.
وأما النوع الثاني: فهو الذي يشتبه كثيرًا على بعض الناس، فإن المعنى يكون صحيحًا لدلالة الكتاب والسنة عليه، ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دلَّ عليه، وهذان قسمان:
أحدهما: أن يقال: إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله، فمن قال: المراد بقوله: ﴿تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾: هي النفس.
وبقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: هو القلب.
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: أبو بكر. ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾: عمر. ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: عثمان. ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: علي = فقد كذب على الله؛ إما متعمدًا، وإما مخطئًا.
والقسم الثاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسًا هو الذي تسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل؛ كانقسام القياس إلى ذلك، فمن سمع قول الله تعالى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ وقال: إنه اللوح المحفوظ أو المصحف، فقال: كما أنَّ اللوح المحفوظ الذي كُتِبَ فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين = كان هذا معنًى صحيحًا واعتبارًا صحيحًا، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف.
стр. 219
قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾، وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾، وأمثال ذلك.
وكذلك من قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا جنب»، فاعتبر بذلك أن القلب لا يدخله حقائق الإيمان إذا كان فيه ما ينجسه من الكِبْرِ والحسدِ = فقد أصاب.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾، وأمثال ذلك ...» (١).
سابعًا: تفسير الزمخشري وابن عطية والطبري:
تفسير الزمخشري (ت:٥٣٨):
قال شيخ الإسلام: «ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحًا، ويدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله.
وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التي يعلم أو يعتقد فسادها ولا يهتدي لذلك».
ذكر شيخ الإسلام صنيع الزمخشري (ت:٥٣٨) في تفسيره الموسوم بالكشاف عن حقائق التنْزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل حيث بناه على
стр. 220
مذهب المعتزلة، وقد ذكر شيخ الإسلام هذا عنه في موطن آخر فقال: «وأما الزمخشري فتفسيره بالبدعة وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن، وأنكر أن الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد وغير ذلك من أصول المعتزلة، وأصولهم خمسة يسمونها التوحيد والعدل والمنْزلة بين المنْزلتين وإنفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن معنى التوحيد عندهم يتضمن نفي الصفات ولهذا سمى ابن التومرت أصحابه الموحدين وهذا إنما هو إلحاد في أسماء الله وآياته.
ومعنى العدل عندهم يتضمن التكذيب بالقدر، وهو خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات والقدرة على شيء، ومنهم من ينكر تقدم العلم والكتاب، لكن هذا قول أئمتهم، وهؤلاء منصب الزمخشري، فإن مذهبه مذهب المغيرة بن علي وأبي هاشم وأتباعهم، ومذهب أبي الحسين، والمعتزلة الذين على طريقته نوعان: مسايخية وخشبية.
وأما المنْزلة بين المنْزلتين فهي عندهم أن الفاسق لا يسمى مؤمنًا بوجه من الوجوه كما لا يسمى كافرًا فنَزَّلوه بين منْزلتين.
وإنفاذ الوعيد عندهم معناه أن فساق الملة مخلدون في النار لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك كما تقوله الخوارج.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتضمن عندهم جواز الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وهذه الأصول حشا بها كتابه بعبارة لا يهتدي أكثر الناس إليها، ولا لمقاصده فيها مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين» (١).
وهذه الطريقة التي سلكها الزمخشري (ت:٥٣٨) في تقرير عقيدته تدلُّ على ذكاء وفطنة، فقد كان يذكر من الكلام ما يكون في ظاهره مقبولاً، لكنه
стр. 221
في باطنه يظهر فيه أثر من آثار الاعتزال، ومن الأمثلة التي أوردها الزمخشري (ت:٥٣٨) ما يأتي:
١ - ابتدأ الزمخشري (ت:٥٣٨) تفسيره بقوله: «الحمد لله الذي أنزل القرآن كلامًا مؤلَّفًا منظَّمًا»، وهذه العبارة سليمة في ظاهرها ليس فيها ما يُشكِل، لكنَّ معتقد المعتزلة في أن المتصف بهذه الأوصاف هو المُحدَث؛ لذا فهذه الأوصاف تدلُّ على أن القرآن مخلوق عند الزمخشري (ت:٥٣٨)، فبدلاً من التعبير بقوله: «الحمد لله الذي خلق القرآن» ذكر هذه الأوصاف للقرآن التي يوافقه عليها المخالفون له، لكن النتيجة عنده تخالف النتيجة عند مخالفيه، فهذه الأوصاف عنده لا يتصف بها إلا المخلوق، بخلافه أهل السنة الذين يرون أن القرآن كلام الله، وأن وصفه بهذه الأوصاف لا يخرجه عن كونه صفة لله سبحانه.
٢ - قال في تفسير الإيمان في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]: «فإن قلت: ما الإيمان؟
قلت: أن يعتقد الحق، ويُعرب عنه بلسانه، ويُصدِّقه بعمله. فمن أخلَّ بالاعتقاد ـ وإن شَهِدَ وعَمِلَ ـ فهو منافق، ومن أخلَّ بالشهادة فهو كافر، ومن أخلَّ بالعمل فهو فاسق» (١).
هذا التعريف للإيمان لا يختلف عن تعريف أهل السنة والجماعة، لكنه لما شرح تعريفه هذا جعل من أخل بالعمل فاسقًا، وليس في ذلك ما يُشكل، لكن المشكل في هذه العبارة هو معنى الفاسق عنده، ومآل الفاسق وحكمه (٢).
стр. 222
٣ - قال في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]: «... ﴿فَقَدْ فَازَ﴾: فقد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يُفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد» (١).
وهذه العبارة ظاهرها السلامة كما ترى، لكنه بطَّنها نفيَ رؤية الباري ، فجعل غاية الفوز دخول الجنة فقط، وإنما غاية الفوز رؤية الباري، ودخول الجنة من لوازم ذلك الفوز المطلق، لكنه لما لم يكن يرى الرؤية، حُمِل كلامه على إرادة نفيها بهذه العبارة التي لو كان قائلها ممن يثبتون الرؤية لما ثُرِّب عليه للعلة التي ذكرت.
٤ - ومن الأمثلة التي لم يكن فيها لبس في ظهور التأويل عنده ما ورد من تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، قال: «ومعنى سماع الله له: أنه لم يَخْفَ عليه، وأنه أعد كفاءةً من العقاب»، وهذا التفسير لسماع الله ليس صوابًا، بل فيه نفي للمعنى الحقيقي لصفة السماع، وتفسير لها بلازمها على أنه هو المعنى الحقيقي لها، وذلك خطأ في التأويل.
تفسير ابن عطية (ت:٥٤٢):
قال شيخ الإسلام (ت:٧٢٨) في تفسير ابن عطية (ت:٥٤٢) الموسوم بالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: «وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيرًا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري وهو من أجلِّ التفاسير
стр. 223
وأعظمها قدرًا، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة؛ لكن ينبغي أن يعطي كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب».
في هذه العبارة تحدث شيخ الإسلام عن تفسير ابن عطية (ت:٥٤٢)، ووازن بينه وبين تفسير الزمخشري (ت:٥٣٨)، فجعله أتبع للسنة من تفسير الزمخشري (ت:٥٣٨)،وذلك حقٌّ، فابن عطية (ت:٥٤٢) أشعريٌّ، والأشاعرة أقرب إلى السنة (منهج السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم) من المعتزلة، لكن هذا ليس من المدح المطلق، بل فيه عدل في الحكم على العلماء، والميزان في ذلك القرب من الحق والبعد عنه (١).
ثمَّ نبَّه على وقوع ابن عطية (ت:٥٤٢) في خلل من جهة ترك تفسير السلف إلى أقوال بعض أئمة الأشاعرة كابن فورك (ت:٤٠٦) (١) والجويني (٢) وغيرهم ممن ينعتهم بالمحققين.
وترك كلام السلف إلى أمثال هؤلاء منقصة في التأليف، كما عدَّه شيخ الإسلام (ت:٧٢٨)، لذا أعقب ذلك ببيان قاعدة عامة في الخلل الذي يقع في التعامل مع أقوال السلف = بقوله: «فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا».
стр. 227
ومن الأمثلة في تفسير ابن عطية (ت:٥٤٢):
١ - في قوله تعالى: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، قال: «أجمع أهل السنة أن الله ﵎ يُرى يوم القيامة؛ يراه المؤمنون، قاله ابن وهب عن مالك بن أنس ﵁ (١).
والوجه أن يُبيَّن جواز ذلك عقلاً، ثُمَّ يُستند إلى ورود السمع بوقوع ذلك الجائز، واختصار تبيين ذلك: أن يُعتبر بعلمنا بالله ، فمن حيث جاز أن نعلمه لا في مكان، ولا متميِّزًا، ولا متقابلاً، ولم يتعلق علمنا بأكثر من الوجود، جاز أن نراه غير مقابلٍ ولا محاذي ولا مكيَّفًا ولا محدودًا، وكان أبو عبد الله النحوي يقول: مسألة العلم حلقت لِحَى المعتزلة ـ ثم ورد الشرع بذلك، وهو قوله : ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ...» (٢).
يظهر من هذا النصِّ أن مسائل الاعتقاد عند ابن عطية (ت:٥٤٢) إنما تُبيَّن بالعقل أولاً ـ وذلك طريق المعتزلة في تقرير العقائد ـ ثمَّ بعد بيانها بالعقل يُلتفت إلى ما ورد في السمع، وكأنه فضلة في هذا الباب، فأي شيءٍ أوضح من أنه ذهب إلى تقرير أصوله العقدية بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم؟!
وقد قال في هذه المسألة: «... والرؤية إنما يثبتها بأدلة قطعية غير الآية، فإذا ثبتت حسُن تأويل أهل السنة في هذه الآية وقَوِيَ» (٣).
стр. 228
والأدلة القطعية عنده هي الأدلة العقلية، فإذا ثبتت بالدليل العقلي جاء بعد ذلك تأويل الآية، وحملها على ما أجازه الدليل العقلي عنده.
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، قال: «وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ الآية. خلق: ابتدع وأخرج من العدم إلى الوجود، وبالحق: أي: لم يخلقها باطلاً لغير معنى، بل لمعانٍ مفيدة ولحقائق بينة، منها ما يحسه البشر من الاستدلال بها على الصانع، ونزول الأرزاق وغير ذلك.
وقيل: المعنى: بأن حُقَّ له أن يفعل ذلك.
وقيل: بالحق؛ معناه بكلامه، في قوله للمخلوقات: ﴿كُنْ﴾، وفي قوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾.
قال القاضي أبو محمد ﵀: إن المخلوقات إنما إيجادها بالقدرة لا بالكلام، واقتران (كن) بحال إيجاد المخلوقات فائدته إظهار العزة والعظمة ونفوذ الأوامر وإعلان القصد، ومثال ذلك في الشاهد أن يضرب إنسان شيئًا فيكسره، ويقول حال الكسر بلسانه: انكسر، فإن ذلك إنفاذ عزم، وإظهار قصد ـ ولله المثل الأعلى ـ لا تشبيه، ولا حروف، ولا صوت، ولا تغيُّر، أمره واحد كلمح بالبصر، فكأن معنى الآية على هذا القول: وهو الذي خلق السموات والأرض بقوله: كن؛ المقترنة بالقدرة التي بها يقع إيجاد المخلوق بعد عدمه، فعبَّر عن ذلك بالحق» (١).
وهذا التحرير الذي ذكره مبني على رأي الأشاعرة في كلام الله سبحانه، وأنه معنى واحد قائم بالنفس، وهو ما يعبرون عنه بالكلام النفسي، وفي هذا ما فيه من إنكار صفة الكلام لما يرونه من أنه يلزم منها قيام
стр. 229
الحوادث في الله، وهو منَزَّه عن ذلك، ولهذا تجد أن الخلل في كلام الله عندهم قد انجرَّ على مواضع كثيرة في التفسير، فمثلاً يقول في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [إبراهيم: ١]: «وقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ في موضع الصفة للكتاب، قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما: إن الإنزال لم يتعلق بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، لكن بالمعاني التي أفهمها الله جبريل ﵇ من الكلام» (١). ولا يخفى ما في هذا الكلام من الخلل العقدي ممن هو مطلع على عقائد الأشاعرة في كلام الله، والجدل في هذا محله كتب العقائد، والمراد هنا التمثيل، والله الموفق.
وبالجملة، ففي تفسير ابن عطية الأشعري مواضع كثيرة فيها خلل من جهة الاعتقاد، وقد وقع عنده انحراف في تفسيرها، بل قد يقع عنده مخالفة لظاهر الآية بسبب شبه اعتقادية، أو بسبب مدافعة ما يرد عليه مما يخالف مذهبه، وذلك ظاهر في مثل تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]، فظاهر الآية أنهم قد استيقنوا بالآيات الدالة على نبوة موسى ﵇، وعلموا علمًا يقينيًّا بنبوته، لكنهم جحدوا ذلك، فكفرهم كفر جحود.
أما ابن عطية ﵀ فلجلج في هذه الآية وشبيهاتها، ومنع وقوع كفر الجحود، لأنه ينافي أصلاً من أصوله، وهو أن المعرفة تقتضي الإيمان، فإذا وُجِدت المعرفة انتفى الكفر، قال: «وظاهر قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ حصولُ الكفرِ عنادًا، وهي مسألةٌ قولينِ (٢)، هل يجوز أن يقعَ أم لا؟
فجوَّزت ذلك فرقةٌ، وقالتْ: يجوزُ أن يكونَ الرجلُ عارفًا، إلاَّ أنَّه
стр. 230
يجحدُ عنادًا ويموتُ على معرفتِهِ وجحودِه، فهو بذلك في حكمِ الكافرِ المخلَّدِ، قالوا: وهذا حُكمُ إبليسَ، وحكمُ حييِّ بنِ أخطبٍ وأخيه، حسبَما رُوِيَ عنهما.
قال القاضي أبو محمد ﵀: وإن عُورِضَ هذا المثالُ، فُرِضَ إنسانٌ ويجوزُ (١) فيه ذلك.
وقالت فرقةٌ: لا يصِحُّ لوجهينِ:
أحدهما: أنَّ هذا لا يجوزُ وقوعُه من عاقلٍ.
والوجهُ الآخر: أنَّ المعرفةَ تقتضي أنْ يَحِلَّ في القلبِ، وذلكَ إيمانٌ، وحكمُ الكافرِ لا يلحقُه، إلاَّ بأن يَحِلَّ في القلبِ كفرٌ، ولا يصحُّ اجتماعُ الضِّدينِ في محلٍّ.
قالوا: ويشبهُ في هذا العارفُ الجاحدُ أن يُسلبَ عندَ الموافاةِ تلك المعرفةِ، ويحل بدلَها الكفرُ.
قال القاضي أبو محمد ﵀: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكون بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطربًا. وحُكمه حكمُ المستلبِ في وجوه عذابهم» (٢).
стр. 231
تفسير الطبري:
أشار شيخ الإسلام إلى تفسير الطبري (ت:٣١٠) إشارة عابرة، وأثنى عليه في مقام الحديث عن تفسير ابن عطية (ت:٥٤٢) وموقفه من تفسير السلف، فوصف تفسير الطبري (ت:٣١٠) بأنه من أجل التفاسير المأثورة، وأعظمها قدرًا، وذلك حقٌّ يعرفه من اطَّلع على تفسير الإمام ابن جرير الطبري (ت:٣١٠) الذي جعل المأثور من تفسير السلف أصلاً من أصوله التي يعتمدها في التفسير، بل لم يكن يرى الخروج عن أقوالهم، وإنما يتخيَّر المتخيِّر من بين أقوالهم حسب ما يظهر له من ترجيح على أسلوب علمي رصين متين.
ولما كان اعتماده على مأثور التفسير عن السلف كبيرًا = كان من أغنى المصادر بآثار السلف في التفسير، لكنه لم يجمد على المأثور دون أن يكون له ترجيحات ونقد للتفاسير، وقد اعتمد على قواعد علمية ترجيحية في تقديم الأقوال والقول بها، أو في نقد الأقوال التي لا يرى صحتها.
ولما كان هذا المنهج الذي سلكه الطبري سلِم من المخالفات العقدية بالجملة، وإن كان قد يذكر بعضها للردِّ عليها.
ثامنًا: تفسير أبي عبد الرحمن السلمي، وأقوال الصوفية:
قال شيخ الإسلام: «وأما الذين يخطؤون في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء وغيرهم يفسرون القرآن بمعاني صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي في حقائق التفسير (١)، وإن كان فيما ذكروه ما هو معان باطلة، فإن
стр. 232
ذلك يدخل في القسم الأول، وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعًا، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسدًا».
١ - أعاد شيخ الإسلام الحديث عن الخطأ في الدليل والمدلول، وقد سبق ذكره وذكر أمثلة له، لكن اللفتة التي أحب التنبيه عليها هي قوله: «من الصوفية والوعاظ والفقهاء»، وهؤلاء يدخلون إلى باب الاستنباط لاستنباط معاني تخدمهم في أغراضهم، فيقعون فيما ذكره شيخ الإسلام من الخطأ في الدليل، وهو كون الآية دالة على هذا المعنى، وليس خطؤهم في المدلول، وهو الكلام المُستنبط الذي يذكرونه تحت الآية المستنبط منها، فهو بذاته كلام صحيح لا خلاف فيه، وإنما النِّزاع في كون الآية دلَّت عليه.
ولو تأملت حال الوعاظ وبعض المربِّيْنَ اليوم لرأيت منهم ما يذكره شيخ الإسلام من إقحام القرآن في أغراضهم والاستدلال به على معانٍ صحيحة في ذاتها، لكن الآيات التي يوردونها لا تدلُّ على ما ذهبوا إليه من الاستدلال.
ومن الأمثلة على خطأ المتفقهة في الدليل لا المدلول، ما ذكره ابن عطية (ت:٥٤٢) من استدلال المهدوي (ت:٤٤٠) (١) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ
стр. 233
يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]، قال: «قال المهدوي: ودلَّت هذه الآية على أن السقف لربِّ البيت الأسفل، إذ هو منسوب إلى البيوت.
قال القاضي أبو محمد ﵀: وهذا تفقُّهٌ واهنٌ» (١).
ومن أمثلة التفقه الخطأ في الدليل والمدلول ما ذكره الماوردي (ت:٤٥٠) في استنباط بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قال: «وحُكِي أن إبراهيم ذبح أربعة من الطير، ودقَّ أجسامهن في الهاون لا روحهن (٢)، وجعل المختلط من لحومهن عشرة أجزاء على عشرة جبال، ثم جعل مناقيرها بين أصابعه، ثم دعاهن فأتين سعيًا، تطاير اللحم إلى اللحم، والجلد إلى الجلد، والريش إلى الريش، فذهب بعض من يتفقه من المفسرين إلى أن من وصَّى بجزء ماله لرجل أنها وصية بالعشر؛ لأن إبراهيم وضع أجزاء الطير على عشرة جبال» (٣).
٢ - تحدث شيخ الإسلام عن تفسير أبي عبد الرحمن السلمي (ت:٤١٢) في غير ما موطن من كتبه (٤)، وقد ذكر تصنيفًا للروايات التي ينقلها السلمي
стр. 234
(ت:٤١٢)، فقال: «وكتاب حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السُّلمي يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: نُقُولٌ ضعيفةٌ عمن نُقِلتْ عنه مثل أكثر ما نقله عن جعفر الصادق، فإن أكثره باطل عنه، وعامتها فيه من موقوف أبي عبد الرحمن، وقد تكلم أهل المعرفة في نفس رواية أبي عبد الرحمن حتى كان البيهقي إذا حدث عنه يقول: حدثنا من أصل سماعه (١).
стр. 235
والثاني: أن يكون المنقول صحيحًا لكن الناقل أخطأ فيما قال.
والثالث: نُقُولٌ صحيحةٌ عن قائلٍ مصيبٍ.
فكل معنى يخالف الكتاب والسنة فهو باطل وحجته داحضة.
وكل ما وافق الكتاب والسنة والمراد بالخطاب غيره إذا فسر به الخطاب فهو خطأ.
وإن ذكر على سبيل الإشارة والاعتبار والقياس فقد يكون حقًا وقد يكون باطلاً.
وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام» (١).
أمثلة من كتاب حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي:
١ - قال أبو عبد الرحمن السلمي: «قوله: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] قال عبد العزيز الكناني: أقسم الله تعالى بالطور، والطور الجبل، وهو النبي ﷺ ، كان في أمته كالجبال والأرض؛ استقرَّت به الأمة على دينهم إلى يوم القيامة، كما استقرت الأرض بالجبال ...
قوله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] قال عبد العزيز الكناني: أقسم بالكتاب المنزل عليه، فهو مسطور في اللوح المحفوظ.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: ٣] قال: في المصاحف.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤]: هو النبي ﷺ ، كان ـ والله ـ بيتًا بالكرامة معمورًا، وعند الله مسرورًا مشكورًا.
стр. 236
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥]: هو رأس النبي ﷺ ، كان ـ والله ـ سقفًا مرفوعًا، وفي الدارين مشهورًا، وعلى المنابر مذكورًا.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] وهو قلب محمد ﷺ ، كان ـ والله ـ بحرًا من حبِّ الله تعالى مملوءًا، فأقسم الله تعالى بنفس محمد ﷺ عمومًا، وبرأسه خصوصًا، وبقلبه ضياءً ونورًا، وبكتابه حجة على المصاحف مسطورًا، فأقسم الحبيب بالحبيب، فلا وراءها قسم» (١).
ولا يخفى ما في هذه التفسيرات لهذه الآيات من حمل الكلام على ما لم يُرد به أصلاً، وهو تحريف في معاني كلام الله.
٢ - قال أبو عبد الرحمن السلمي: «وقال بعضهم: كان أيوب قائمًا مع الحقِّ في حال الوجد، فلما كشف عنه البلاء وأظهره، وكشف ما به، قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾» (٢).
فانظر كيف جعل هذا المتصوف كشف الضر ضرًّا، وكأنه يريد أن يقول: إن حال الوجد الذي يلقاه أيوب حال ضرِّه كان نعمة، وأن الخروج منه ضرٌّ، فلما كشفها عنه، قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، وهذا فهم باطل، وهو من أعاجيب الصوفية.
وقد نقل أبو عبد الرحمن عن جعفر الصادق قريبًا من هذا، قال: «لما تناهى أيوب في البلاء واستعذبه؛ صار البلاء وطنًا له، فلما اطمأنت إليه نفسه، وسكن عنه البلاء = شكره الناس على صبره، ومدحوه عليه، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ لفقد الضر» (٣).
стр. 237
ومثل هذا لا يُعقل خروجه عن جعفر الصادق ﵀، إذ هو مخالف للفطرة والشرع، فكيف يكون فَقْدُ الضُّرِّ ضُرًّا؟!
٣ - ومن الكلام الباطل المخالف لشريعة محمد ﷺ ، ما رواه ـ مكذوبًا ـ عن جعفر الصادق، قال في قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]: «لو نظر العبد إلى السماء بحقيقة البصر والبصيرة لسكن إلى ضمان الله له رزقه، ولما تحرك من أجل رزقه» (١). فأول كلامه حقٌّ لا خلاف فيه، وآخر كلامه مخالف للشريعة، ولا يصحُّ صدوره من مثل هذا العالم الرباني، ولا شكَّ في كذبهم عليه فيه، فآفته من ناقليه عنه، وناسبيه إليه.
٤ - في قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨]، أورد أبو عبد الرحمن السلمي تفسيرات للصوفية، منها:
«قال أبو عثمان: البلد الطيب مثل قلب المؤمن النقي، يخرج نباته بإذن ربه، تظهر على الجوارح أنوار الطاعات والزينة بالإخلاص، والذي خبث قلب الكافر لا يظهر منه إلا النكد والشؤم والظلم على الجوارح من إظهار المخالفات».
«وقال الجوزجاني: البلد الطيب هو القلب؛ يخرج نباته بإذن ربه، بظهور أنواع الطاعات على الجوارح، والذي خبُث من القلوب لا يظهر على الجوارح إلا بالمخالفات» (٢).
تأمل الفرق بين عبارة أبي عثمان، وعبارة الجوزجاني التي فيها الجزم
стр. 238
بأن البلد الطيب في الآية هو القلب، ولا شكَّ أن هذا الجزم غير صحيح، لكن أن يحمل المعنى على القلب على سبيل المقايسة والمشابهة، فذلك محتملٌ، والآية أعمُّ من ذلك.
٥ - ومن المكذوب على جعفر الصادق ﵁ وعن آله، ما ذكره أبو عبد الرحمن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، قال: «سمعت منصورًا يقول بإسناده عن جعفر ﵇، قال: البيت هاهنا محمد ﷺ ، فمن آمن به، وصدَّق برسالته دخل في ميادين الأمن والأمانة» (١).
ولا شكَّ أن من آمن بمحمد ﷺ دخل في ميادين الأمن والأمانة، لكن أن يكون المراد بالبيت محمدًا ﷺ ، فذلك ما لا يصحُّ، والسياق واضح في بطلان هذا القول العجيب، وما أكثر عجائب هؤلاء القوم في تفسيراتهم لكلام الله.
تاسعًا: مكانة تفسير من خالف السلف، وكيفية معرفة تلك المخالفة:
أشار شيخ الإسلام في نهاية هذا الفصل إلى قضية مهمة للغاية، وهي تتعلق بالموازنة بين تفسيرات السلف وتفسيرات الخلف، والموقف من تفسيرات الخلف المناقضة لتفسيرات السلف.
وقد ذكر أنه إذا كان للسلف في تفسير الآية قول، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر من أجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب السلف، فإنهم يصيرون مشاركين لأهل البدع الذين يعتقدون ثم يستدلون.
وهؤلاء لا يخلو حالهم في المخالفة من الآتي:
стр. 239
١ - أن يكون مجتهدًا مخطئًا، وهذا يُغفر له خطؤه.
٢ - أن يكون مبتدعًا، وهذا يأثم بابتداعه.
ثُمَّ إن القرآن قرأه جيل الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكانوا أعلم به ممن جاء بعدهم، كما أنهم أعلم بالحق الذي نزل على محمد ﷺ ، ولا يُعقل أن يكون من جاء بعدهم أهدى طريقًا منهم.
ومن خالفهم من غير هوى وقصدٍ للضلالة، فإنه لا يخلو أن يكون عنده شبهة عقلية أو سمعية، وهذا ظاهر من مخالفة كثير من الفرق التي تقصد الحق، لكنها لم تهتدِ إليه.
وإثبات علم السلف بمعاني القرآن والشريعة من الأمور المهمة التي نحتاجها اليوم، إذ ظهرت كتابات لا تعيرهم أدنى اهتمام، بل هي لا تعترف بصحيح السنة، وتعرض إلى نقدها بطرق عقلية عقيمة تدلُّ على نقص الباحث في مادة البحث، فضلاً عن نقصه العلمي بالشريعة وتاريخها.
وهذا أصل مهم للغاية يحسن تثبيته بالأدلة المقنعة لينقطع بذلك جدل المجادلين، وتخريفات المنحرفين الذين ما يفتؤون يخرجون في كل حين شيئًا من خواء عقولهم المريضة.
فالذين نزل بلغتهم القرآن، وشاهدوا أحوال النُّزول، وعرفوا أحوال من نزل عليه ﷺ ، وتدارسوه في حياته وبعد وفاته ألا يكونون أقدر على فهمه ممن جاء بعدهم؟!
بلى.
ثمَّ نقلوه لجيل التابعين الذي حملوا راية التفسير، ونقلوه لأتباع التابعين، الذين صار التفسير في جيلهم بين التفسير النقلي المحض، والتفسير الذي يدخله الاجتهاد، وعليهم يكاد يتوقف النقل، إذ لم يُنقل عن الطبقة التي بعدهم شيءٌ يُذكر في التفسير.
ومن جاء بعد أتباع أتباع التابعين فإما أن يكون ممن يتخيَّر من
стр. 240
أقوالهم، وإما أن يجتهد اجتهادًا سليمًا يسلك فيه طريقهم، ولا يناقض في اجتهاده أقوالهم.
ولقد كانت أسباب الاختلاف في هذه الأجيال الثلاثة أسبابًا علمية مقبولة، ولما ظهرت البدع، وصار هؤلاء المبتدعة يريدون تعزيز بدعهم بالاستدلال بالقرآن ازدادت شُقة الخلاف، وصار من أكبر أسباب الاختلاف بين المتأخرين الاختلاف في المعتقد، فحُرِّف كلام الله ليوافق مذاهبهم، والله المستعان.
وأما كيفية معرفة فساد أقوال هؤلاء فقد ذكر شيخ الإسلام طريقة ذلك، ورتبها على الآتي:
١ - معرفة القول الصواب الذي خالفه هؤلاء المبتدعة.
٢ - أن يتيقن أن قول السلف هو الحقُّ، وأن تفسير السلف يخالف تفسير المبتدعة.
٣ - أن يعرف أن تفسير المبتدعة مُحدثٌ مبتدع.
٤ - أن يعرف بالأدلة التي نصبها الله للحق فساد قولهم.
هذا خلاصة ما ذكره في هذه الفقرة، ويمكن أن يزاد عليه: معرفة الرأي المبتدع على وجهه وحقيقته، إذ كثيرٌ ممن يقرؤون التفسير لا يُحسنون معرفة المذاهب المخالفة، فيفوت عليهم شيء من أقوال المبتدعة، وتدخل عليهم وهم لا يشعرون.
وقد سبق التنبيه على منهج الزمخشري (ت:٥٣٨)، وكيف كان يُدخل اعتزالياته أثناء كلامه في تفسير الآية بحيث لا يُشعَر بها.
وقد رأيت بعض من يحقق تفسيرًا من التفاسير المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة لا يعرف سوى المخالفة في بعض صفات الذات الإلهية؛ كصفة اليد أو الوجه، أو بعض صفات الفعل؛ كالغضب والرحمة، ولا تراه يتعدى ذلك إلى موضوعات العقيدة المختلفة كالقول في كلام الله، والقول في الإيمان، والقول في القدر، وغيرها من مسائل العقيدة.
стр. 241
ومما يحسن التنبه له في هذا المقام أمور:
١ - أنَّ الانحراف كان قديمًا، لكن بعضه لم تظهر له آثارٌ كتابية؛ كعقيدة الخوارج وعقيدة أوائل الرافضة.
٢ - أنَّ هذه المعتقدات قد دخلها التَّطوُّر، فالخوارج في أول أمرهم ليسوا هم الخوارج بعد استقرار مذهبهم بأَخَرَةٍ، والرافضة الأوَّلون ليسوا كالرافضة المتأخرين، وكلتا هاتين الطائفتين قد تبنَّوا عقيدة المعتزلة، وأخذوا منها بنصيب وافر.
٣ - أنَّ بعض هذه الفرق قد تتفق في نهايات مسائل الاعتقاد، لكنها وصلت إليها بطرائق عقدية مختلفة، وهذا يعني أن اتفاقهم في النهايات لا يلزم منه اتفاقهم في البدايات وفي الاستدلالات.
٤ - أن انتساب أحد المفسرين لإحدى الفرق لا يلزم منه أن يكون ممن يقول بجميع أقوالها، فقد يخالف فيما هو مشهور من مقولات أصحابه.
٥ - أن بعض المسائل التفصيلية في الاعتقاد مما قد يقع فيه الخلاف بين أصحاب الفرقة الواحدة، فيحسن معرفة ذلك، لكي يُنسب القول إلى قائله.
وهذا يعني أن الانطلاق في تقرير المسائل العقدية في محيط الفرقة الواحدة لا يلزم منه الوصول إلى نتائج واحدة متفق عليها، وهذه هي طبيعة البحث العقلي المجرد عن الوحي.
وأخيرًا، فإنه يحسن بمن يريد أن يقرأ التفسير من كتبه المتعددة أن يكون عارفًا بالقول الصواب الذي عليه السلف، مُلِمًّا بأقوال هذه الفرق لكيلا يقع في أقوالهم وهو لا يشعر بذلك.
стр. 242
أحسن طرق تفسير القرآن
стр. 243
فصل
(١٠٨) فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟
فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمِل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، وما اختُصر في مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر.
(١٠٩) فإن أعياك ذلك، فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له؛ بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه» يعني: السنة.
(١١٠) والسنة أيضًا تنْزل عليه بالوحي كما ينْزل القرآن؛ لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.
(١١١) والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «بِمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله.
стр. 244
قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ .
قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي.
قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله»، وهذا الحديث في المساند والسنن بإسناد جيد.
(١١٢) وحينئذٍ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا (١) في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها؛ ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم؛ كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين؛ مثل: عبد الله بن مسعود، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال عبد الله ـ يعني: ابن مسعود ـ: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته، وقال الأعمش أيضًا: عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
(١١٣) ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».
стр. 245
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، أنبأنا وكيع، أنبأنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ: «نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس».
ثم رواه عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح؛ أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود أنه قال: «نِعْمَ الترجمان للقرآن ابن عباس».
ثم رواه عن بندار، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به كذلك. فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة.
وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعُمِّرَ بعده ابن عباس ستًا وثلاثين، فما ظنُّك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟
وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليٌّ عبدَ الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة ـ وفي رواية: سورة النور ـ ففسَّرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا.
(١١٤) ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: «بلِّغوا عَنِّي ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو.
(١١٥) ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.
стр. 246
(١١٦) ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم.
(١١٧) وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدَّتِهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم.
(١١٨) ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢].
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعَّف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته، إذ لو كان باطلاً لردَّه كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا
стр. 247
طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا﴾؛ أي: لا تُجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب.
فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن يُنبَّه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النِّزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيُشتغل به عن الأهم، فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضًا، فإن صحَّح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلاً فقد أخطأ.
(١١٩) كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالاً متعددةً لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنًى، فقد ضيَّع الزمان، وتكثَّر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.
стр. 248
فصل
(١٢٠) إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين؛ كمجاهد بن جبر، فإنه كان آية في التفسير؛ كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح، عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها.
(١٢١) وبه (١) إلى الترمذي، قال: حدثنا الحسين بن مهدي البصري، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا.
وبه إليه قال: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الأعمش، قال: قال مجاهد: لو كنتُ قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت.
(١٢٢) وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدًا سأل
стр. 249
ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اكتب حتى سأله عن التفسير كله، ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
(١٢٣) وكسعيد بن جبير (١)، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح. والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم.
(١٢٤) فتذكر (٢) أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالاً وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي.
(١٢٥) وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يُرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول
стр. 250
بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.
(١٢٦) فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام (١).
(١٢٧) حدثنا مؤمل (٢)، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار».
حدثنا وكيع (٣) حدثنا سفيان، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار».
وبه إلى الترمذي قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثني حسان بن هلال، قال: حدثنا سهيل أخو حزم القطعي، قال: حدثنا أبو عمران الجوني، عن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».