Полный текст (373 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وهماز: صيغة مبالغة من الهامز. نقل الإمام الطبري من أقوالهم في تأويلها:
* أنه الذي يهمز الناس ويضربهم بيده، لا باللسان.
* وقيل هو المغتاب يطعن في أعراض الناس بما يكرهون.
وقال الزمخشري في الكشاف: هماز، عياب طعان، وعن الحسن: يلوى شدقيه في أقفية الناس.
ويأتي في تفسيرنا لسورة الهمزة، بعد، استقراء كامل لمواضع استعمال القرآن للهمز واللمز، وتدبر لسياق الآيات فيهما. وهو يهدى إلى أن الهمز الطعن والتجريح في الغيبة، أما اللمز فيكون مواجهة صريحة.
والنميمة: الإيقاع بين الناس قصد الفتنة والتوريش بينهم بما يلقى العداوة والبغضاء. وأصل النم في العربية: وسواس همس الكلام وأثر الريح في التراب. ومنه جاءت النمنمة لنقش الكتابة وزخرفتها. وأحسبه نقل إلى دلالته المجازية على الإيقاع والتوريش والفتنة، بملحظ من اعتماد النميمة عادة، على زخرف القول والوسوسة به همساً، للإيقاع.
وبهذا الحس الأصيل للنميمة، نفهم ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ في الآية، دون تقييد لنميم بمن ينقل حديث الناس بعضهم إلى بعض، أو المشي بينهم بالكذب كما نقل "الإمام الطبري" في تفسيره. بل نؤثر إطلاقه، كي يدخل فيه كل سعي بين الناس بالشر: بكذب القول أو صدقة، بنقل حديث بعضهم إلى بعض، أو إهاجة أحقاد بينهم وإيقاظ فتنة نائمة.....
ومناع للخير: مبالغة من مانع. وظاهر السياق أن المراد بالخير عمومه المطلق نقيضاً للشر، دون تحديد له بمنع المال الذي ألفت العربية أن تعبر عنه بالشح. والخير كما يكون ببذل الما، يكون بالتراحم والدعوة إلى عمل صالح، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.....
وفي تفسير آية الضحى ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ - بالجزء الأول - تدبر لآيات الخير في القرآن الكريم، هدى إلى أنه قلما يستعمله بمعناه المادي في بذل
стр. 247
المال، ونعم الدنيا، إلا بقرينة من صريح السياق مالإنفاق والوصية، في آيتى:
﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة ٢١٥)
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة ١٨٠)
وإنما يغلب الاتجاه به إلى نقيض الشر، كالذي في آيات:
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (البقرة ٢٦٣)
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران ١٠٤)
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ﴿آل عمران ١١٠)
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (البينة ٧)
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة ٢٦٩)
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء ٧٣)
والعتل: الجلف الجافي الغليظ، ومن الاستعمال الحسي للمادة في اللغة: العتلة، واحدة العتل: حديدة كأنها رأس فأس، والهراوة الغليظة، والناقة لا تلقح. وعتله: جره عنيفاً.
وبملحظ من الغلظة في الاستعمال الحسي، جاءت دلالة العتل على الجافي الغليظ.
وفي القرآن الكريم من المادة آيتا:
﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ (الدخان ٤٧)
﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (القلم ١٣)
نفهمهما بالدلالة اللغوية على الغلظة والخشونة، مع ما في اللفظ نفسه من حس الجفوة.
стр. 248
ثم يعيطيهما السياق القرآني ملحظاً من رهبة الزجر في قسوة الأخذ بآية الدخان، ومن الضعة والخسة واللؤم، في عتل زنيم، بآية القلم، بعد وصفه بأنه:
﴿حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ .
أما ﴿زَنِيمٍ﴾ فلم تأت مادة ولا صيغة، إلا في آية القلم. ومن معانيها في اللغة: اللئيم المعروف بلؤمه وشره. ومنه قيل للدعي المستلحق بقوم ليس منهم، زنيم. وربما كان فيه أيضاً ملحظ من لالة الزنمة، وهي شيء يقطع من أذن البعير فيترك معلقاً. قاله "الراغب".
وقد فسرها ابن عباس، في مسائل ابن الأزرق، بولد الزنا، واستشهد له بقول الشاعر:
*زنيم تداعاه الرجال زيادة*
ونقل فيه "الطبري" معنى الفاحش اللئيم، والملصق بالقوم وليس منهم، واستشهد له بقول حسان:
*وأنت زنيم نيط في آل هاشم*
وقول آخر:
زنيم ليس يعرف من أبوه بغى الأم ذو حسب زنيم
وخصه قوم، منهم الزمخشري في (الكشاف) "بالوليد بن المغيرة المخزومي، كان دعياً في قريش، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة" مع كلام طويل في الزنا وخبث النطفة. ونقله "أبو حيان" ومعه: أن الوليد كان له ستة أصابع في يده. فكأنها الزنمة. ثم علق قائلاً: "والذي يظهر أن هذه الأوصاف ليست لمعين، وإنما تصدق على عامة من يتصف بها".
ونضيف: إن لفظ ﴿كُلَّ﴾ في صدر هذه الأوصاف: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ
стр. 249
مَهِينٍ﴾ يخرج بها من الخصوص إلى العموم المستفاد صراحة من ﴿كُلَّ﴾ .
وتفسيره بالفاحش اللئيم، أولى من تفسيره بولد الزنا: فالقرآن الكريم في محقه للزنا، إنما يقصر اللعنة على الزاني والزانية، لا على أولادهما. والعربية حين استعملت الزنين لولد الزنا، لحظت فيه معنى لؤم الأصل وخبث المنبت.
﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .
واضح أن فتنة المال وجاه العدد، كانا مدعاة الشر والأثرة والغلظة والبغي. لكن من المفسرين من ربط الآية بالخطاب في صدر الآيات قبلها ﴿وَلَا تُطِعْ﴾ قالوا: "كأنه نهاه أن يطيعه من أجل أنه ذو مال وبنين".
وإليه ذهب الزمخشري فتأوله: ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كان ذا مال وبنين.
وهذا تأول بعيد ينبو عنه الحس، فما كان ﷺ ، في عظمة خلقه وكرم سجاياه وشرف نبوته، مظنه أن يطيع ﴿كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ من أجل أنه ذو مال وبنين!
وإنما النهي عن طاعة المكذبين وكل حلاف لئيم، فيما يعرضون من مساومات، والحنث في الإيمان دأبهم وعادتهم، وتحذير المصطفى ﵊، من أن يؤخذ بما قد يبدون من إدهان، احتيالاً على الموقف الصعب، وقصد الفتنة والشر، مستظهرين بما لهم من مال وبنين.
* * *
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .
جحداً لنبوة المصطفى ﵊، وتكذيباً بآيات الله تعالى، وإمعاناً في البغي والإثم والتجبر والضلال.
﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ .
الآية على وجه الوعيد بالإذلال والإهانة والتحقير، صدعاً لكبرياء المغتر بماله وبنيه.
والسمة العلامة، والوسم علامة يعرف بها الموسوم. ولعل أصل استعماله اللغوي
стр. 250
من الوسم وهو أثر الكي، والاسم علامة مميزة لتعريف الأشخاص. وفي المصطلح النحوي، يأتي الاسم قسيم الفعل والحرف.
وأكثر ما تدور المادة على العلامة المميزة، حسياً معنوياً.
والخرطوم الأنف أو مقدمه. وشاع استعماله في الحيوان، الفيل، واستعمال الأنف للإنسان. وإذ كان الأنف أبرز ما في الوجه، نقل إلى الدلالة المجازية على الرفعة والتكريم، أو الخسة والتحقير، فقالوا الأنوف والأنف، من الأنفة بمعنى العزة والكبرياء. وكنوا عن المترفع بمثل قولهم: ـشم الأنف، وأنفه في السماء. كما كنوا عن الإذلال بمثل قولهم: أنفه راغم، وأنفه في التراب.
وفي القرآن الكريم، استعمل الأنف للإنسان على أصل معناه اللغوي في القصاص بآية المائدة ٤٥:
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ .
والعدول عن الأنف إلى الخرطوم في آية القلم، فيه ملحظ التحقير والهبوط بآدمية ذلك المفتون الشرير الجافي اللئيم، إلى دمنية البهائم والدواب.
ومن هذا، يبدو ضعف ما قيل في تأويله، بأن معناه: سنسود وجهه أو نضرب بالسيف على أنفه - وأيدوا هذا التأويل بما حل بالوليد بن المغيرة يوم دبر! - أو نسم على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره!
نقل هذه التأويلات "الإمام الطبري" بعد أن ذكر اختلاف أهل التأويل فيه:
حقيقة هو أم مجاز؟ وإذا كان حقيقة فهل هو في الدنيا أو في الآخرة؟.
ورد الخرطوم إلى الأنف، يضيع به سر البيان في تحقير المغرور الخبيث، والهبوط بآدميته إلى البهيمية. أما ما نقلوا عن "النضر بن شميل" من أنه تأوله في معنى "سنحده على شرب الخمر"، ففيه شطط وبعد كما ذكر "أبو حيان".
ووجه الشطط فيه أن حد الخمر لم يكن قد شرع بعد لتؤدى الآية معناها من الزجر
стр. 251
والوعيد والتحقير، ومن المسلمين من حدوا على شرب الخمر بعد أن حرمت، لا ينفرد به هذا العتل الزنيم الكافر، ليكون في إنذاره به فرط تحقير وإذلال وإهانة!
* * *
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
البلاء المحنة، والإبتلاء الإمتحان.
والجنة في الآية، على معناها الأول قبل أن تأخذ دلالتها الإسلامية على دار النعيم في الآخرة. وترجع دلالة المادة في الأصل اللغوي إلى معنى الخفاء، يبدو بوضوح في الجنين مختفياً في رحم أمه، والجنون خفاء العقل، والجن جنس خفي من المخلوقات، نقيض الإنس.
وبملحظ الستر في الخفاء، قيل جن عليه الليل. والمجن ما يتخذ درعاً ساترة للوقاية.
وقيل للأرض المغطاة بالشجر والزرع جنة، ثم نقلت الجنة إلى المصطلح الإسلامي في جنة الآخرة. وهو الاستعمال الغالب للفظ جنة وجنات في القرآن الكريم - نحو مائة وعشرين مرة - على أنها جاءت بدلالتها الأولى على الجنة المعروفة في الدنيا، مفردة في تسع آيات، ومثناة في خمس آيات، واثنتى عشرة مرة بصيغة الجمع، لجنات الدنيا.
والسياق هو الذي يحتكم في تحديد هذه الدلالة.
والصرم: القطع، ومنه حصد الزرع وجني الثمر، ثم أخذ دلالته المجازية على
стр. 252
الهجر. والصريم: المقطوع، والمحصود. ونقلوا أنه الرماد الأسود بلغة خزيمة، ورملة معروفة في اليمن.
والإصباح: الدخول في وقت الصبح أول النهار. والاستثناء معروف.... وظاهر السياق في الآية، على أن أصحاب الجنة أقسموا ليحصدن زرع جنتهم ويقطفن كل ثمارها، ولا يبقون منها شيئاً. لكن من المفسرين من تأولوه في الآية بأن أصحاب الجنة لو يقولوا: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ حين أقسموا ليصرمنها مصبحين.
وظاهر النص، أن خطيئتهم التي أخذوا بها، هي التصميم على صرم جنتهم خفية، والاستئثار بكل خيرها لا يؤدون حق مسكين فيه.
والتخافت: أن يتحدث بعضهم إلى بعض في خفوت، قصداً إلى الحيلولة دون سماع أحد لما يتخافتون به.
والحرد: المنع، من حردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الناقة إذا منعت درها. لحظ فيه أن ذلك لا يكون إلا عن نفور، فجاءت دلالة الحرد على النفور.
والتلاوم: من صيغ المفاعلة، وذلك بأن يلوم بعضهم بعضاً.
والعربية تستعمل الأوسط والوسط في معنى العدل، ملحوظاً فيه أنه توازن بين طرفين متباعدين.
والتسبيح ذكر الله، ونفهمه في آية القلم: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ بمعنى: لولا تذكرون الله فتؤدوا حقه وتشكروا له نعمته.
والطغيان: تجاوز الحد، وأصل استعماله في طغيان الماء، ثم نقل بهذا الملحظ إلى دلالته على الجبروت وتجاوز الحد، على ما سبق تدبره في تفسير آية النازعات خطاباً لموسى ﵇: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ بالجزء الأول من هذا الكتاب.
* * *
وتسوع مفسرون في تفصيل قصة أصحاب الجنة المذكورين في سورة القلم، وخلاصتها أن هذه الجنة كانت لرجل صالح، حدودا قومه وبلده فقيل إنه من أهل اليمن، من صوران صنعاء، وقيل من أهل الحبشة، وقيل من أهل الكتاب.
стр. 253
كما حددوا زمنه فقالوا: إنه كان بعد رفع عيسى ﵇! وقد كان حصاد جنته وثمرها قوت سنته، ويتصدق بالباقي على المحتاجين، ويترا ما يخطئه المنجل من حصاد، وما يخطئه المنجل منة حصاد، وما يخطئه القطاف من العنب، وما يبقى تحت التخل. وكان بنوه يضيقون بذلك ويحاولون حمله على بما يملك. . فلما مات قالوا: إن فعلنا ما كان أبونا يفعل، ضاق علينا الأمر عيال. وأقسموا فيما بينهم، حين آن الحصاد، أن يتسللوا إلى جنتهم ليجنوا ثمرها وأكلها لا يبقون منه شيئاً لمحتاج، وفيما هم نائمون، طاف طائف - قيل في رواية إنه الشيطان، وفي أخرى إنه جبريل - اقتلع الشجر ومضى فطاف به حول البيت العتيق تبركاً، ثم وضعه حيث الطائف، وليس في أرض الحجاز بلدة غيرها فيها الماء والشجر وترك الجنة صريماً جرداء خلاء.
فلما أصبحوا، تنادوا ليغدوا على حرثهم، وانطلقوا إلى جنتهم يتخافتون: ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. فما إن رأوها حصيداً قفزاً، رشدهم وأدركوا أنهم ضالون. ولما ذكرهم أوسطهم بما تهاونوا به حين نسيان الله والتفريط في حق نعمته، أقبل بعضهميلوم بعضاً، وتضرعوا لهم ما كان من طغيانهم وظلمهم: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ .
والقرآن الكريم يقدم لنا في هذه السورة المكية المبكرة، مقلاً مما سوى الوحي من قصص الأولين: لا يتعلق فيها بذكر الأشخاص والأزمنه إلا ما كان من جوهر القصة وموضع العبرة, وهو إذ يضرب المثل بأصل الذين أنعم الله عليهم فبغوا وظلموا أنفسهم ونسوا الله فحق عليهم العقاب، يحدد لنا من أي قوم كانوا، من الحبشة أو من اليمن. ولم يذكر عددهم
стр. 254
زمن القصة: هل كان بعد عيسى ﵇ أو قبله. كما اكتفى بطائف على الجنة وأصحابها نائمون. دون أن يشير من قرب أو بعد، إلى ما يسيغ الروايات الغريبة التي تقول في ﴿طَّائِفِ﴾ إنه شيطان، أو أنه جبريل اقتلع شجر ونخيلها وحمله فطاف به حول الكعبة ثم غرسه في موضع بلدة الطائف!
لأن نستأنس في فهم آيات القلم، بآية يونس في مثل الحياة الدنيا:
﴿..... حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢٤.
* * *
ضمير الجمع في ﴿بَلَوْنَاهُمْ﴾ عائد على المكذبين وكل حلاف مهين....
المماثلة بينهم في البلاء وبين أصحاب الجنة، نقل "أبو حيان" قول من قالوا: النازل بقريش المماثل لأمر الجنة، هو الجدب الذي أصابهم سبع سنين حتى وأكلوا الجلود" أو أن "تشبيه بلاء قريش ببلاء أصحاب الجنة، هو أن أهل الجنة عزموا على الإنتفاع بثمرها وحرمان المساكين فحرمهم الله تعالى، وأن خرجوا إلى "بدر" حلفوا على قتل الرسول ﷺ وأصحابه، فإذا فعلوا ورجعوا إلى مكة فطافوا بالكعبة وشربوا الخمور، فقلب الله عليهم بأن قتلوا".
بدر قد كان في السنة الثانية للهجرة، بعد نزول سورة القلم بنحو خمس. واضح أن المفسرين نظروا في تأوويلها، إلى واقع التاريخ بعد نزولها. النص، على أي حال، صريح في ردع كل الطغاة المتجبرين الذين المال وجاه العدد وأخذتهم العزة بالإثم والطغيان، دون أن يتعلق مالقى المشركون "في بدر" في العام الثاني للهجرة، من هزيمة ساحقة.
* * *
стр. 255
وقوله تعالى:
﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
يلفت إلى مناط العبرة فيما تلت الآيات من أمر أصحاب الجنة، ويتجه بها إلى العظة، والإنذار بما يحيق بالطاغين الظالمين من عذاب معجل في الدنيا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
والذي أطمئن إليه، والله أعلم، أن الضمير في ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لمن ﴿بَلَوْنَاهُمْ﴾ من الطغاة المكذبين الذين نزلت القصة عبرة لهم ومثلاً، وليس لأصحاب الجنة الذين أقروا بظلمهم وتابوا وأنابوا، ورغبوا إلى الله. ويؤنس إلى هذا الوجه في فهم الآية، أن القرآن الكريم بعد أن تلا ما كان من بغي أصحاب الجنة وعقابهم ثم توبتهم وضراعتهم، أمسك عن ذكر مصيرهم، فأمرهم متروك إلى علم الله ورحمته. فاتجه النذير إلى من تصدوا لرسول الله ﷺ بالتكذيب والتحدي، وارتبط بالآية قبله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ كما ارتبط بالآيات بعدها:
* * *
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ؟
وفيها يبين القرآن الكريم عاقبة المتقين بعد الذي ساق من عبرة أصحاب الجنة، ونذير للطغتة الظالمين، فيعمد إلى الأسلوب الاستفهامي الذي يخرج عن أصل معناه اللغوي في طلب الجواب، إلى الرفض والإنكار: أن يجعل الله المسلمين كالمجرمين. وهو إنكار يحمل من التقرير لمثوبة المتقين المسلمين ومآب العصاة المجرمين، بقدر ما يحمل من الردع لذوي العقول والبصائر.
والخطاب في الآيات للمشركين المجرمين من عتاة قريش، إنكاراً لسفه عقولهم وهزؤاً بضلال حكمهم ألهم كتاب يدرسون فيه إن لهم ما يتخيرون من دنياهم
стр. 256
وأحراهم؟ أم لهم أيمان وعهود موثقة على الله سبحانه، بالغة إلى يوم القيامة، إن لهم ما يحكمون؟
أي غرور غرهم بالخالق، أن يبقى عليهم ما آتاهم من نعمة يبتليهم بها فكفروا وجحدوا؟ وأي وهم تورطوا فيه، أنهم ما أوتوا الجاه والمال والبنين إلا لكونهم أهلاً للإكرام؟
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ .
ثم يتجه الخطاب إلى المصطفى ﷺ :
﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ .
بضمن أن لهم إلى يوم القيامة ما يحكمون؟
وتمضي كل هذه الأسئلة لا تنتظر جواباً، وإنما حسب القرآن الكريم أن يواجههم بها على هذا الأسلوب البياني، غضاً من شأنهم وصدعاً لغرورهم وتحقيراً لكبرهم. وعدم انتظار الجواب عنها، فيه تعجيز لهم وإفحام، وفيهه كذلك عبرة بالغة لكل ذي سمع وبصر.
* * *
ويبدو لي، والله أعلم أن الأمر بالإتيان في الآية:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ .
يتعلق به ظرف الزمان في الآية بعدها:
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ .
أي: فليأتوا بشركائهم، إن كانوا صادقين، يوم يكشف عن ساق....
نذيراً صادعاً ووعيداً رادعاً.....
ومن أغبر ما روى في تأويل ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أنها ساق الرحمن!
نقل "الطبري" في ذلك حديث أبي الزعراء عن عبد الله (بن مسعود) : "يتمثل الله للخلق يوم القيامة حتى يمر المسلمون، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله
стр. 257
لا نشرك به شيئاً.... فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه إذا اعترف إلينا عرفناه. قال فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول، سبحانه: قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون".
ونقل "الزمخشري" من حديث ابن مسعود: "يكشف الرحمن عن ساقه فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقاً واحداً كأن فيها سفافيد"
وقد تعلقت المشبهة بهذا التأويل، فهل أعوزهم من بيان العربية أنها ألفت مثل هذا الاستعمال المجازي: الكشف عن الساق، أو التشمير عنها، كناية عن التأهب والفزع وقت الشدة والحرب؟ قال الشاعر:
كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر البوارح
وقال حاتم الطائي:
أخو الحرب إن غضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
وقال ابن قيس الرقيات:
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدى عن خدام العقيلة العذراء
وقال الراجز:
قد شمرت عن ساقها فشدوا
وجدت الحرب بكم فجدوا
وأي شدة أفظع هولاً على الكافرين من يوم الحساب، حين يدعون إلى السجود تعجيزاً وتحسيراً وتقريعاً قد فاتت: أضاعوها ظلماً وبغياً حين كانوا يدعون في حياتهم الدنيا إلى السجود وهو سالمون قادرون؟
ولا ضرورة لأن يحمل عجزهم عن السجود في الآخرة، على العجز الجسدي
стр. 258
فينكلف لتأويله بأن "أصلابهم تعقم، أي ترد عظاماً بلا مفاصل لا تنثنى عند الرفع والخفض" أو أن "فقار ظهورهم تدمج فتصير فقرة واحدة، وقد كانوا في الدنيا سالمى الأصلاب والمفاصل". "أو أن الخلق يبقون في الموقف أربعين عاماً ثم يتجلى الله فيخرون سجداً إلا المنافقين فإنه يصير فقار أصلابهم مثل صياصي البقر.... ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد".
فذلك، ومثله كثير، مما لا يحتمله منهجنا في الأخذ بنص الآيات البينات، لفظاً وسياقاً.
والأولى أن يحمل العجز عن السجود على فوات أوان التعبد ومهلة التكليف.
ونظيره ما في آيات الفجر، في سياق الحديث عن مصير الطغاة والمفسدين في الأرض، وجزاء من ينكصون عن احتمال تبعات التكليف ويأكلون التراث أكلاً لما ويحبون المال حباً جماً:
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ .
* * *
﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ؟
الحديث المشار إليه في الآية، هو ما تلا النبي ﷺ من كلمات ربه. ويحتمل أن يكون ما جاء في سورة القلم من حديث الآخرة. وهو ما ذهب إليه "أبو حيان".
والاستدراج: الأخذ على إمهال درجة درجة، وقد فسره الإمام الطبري: وذلك بأن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم متعوا به بخير لهم عند الله فيتمادوا في طغيانهم ثم يأخذهم بغتة وهو لا يشعرون.
стр. 259
والذي نطمئن إليه، والله أعلم، هو أن يكون استدراجهم إلى ما يأتي من التحدي بالمعاجزة، ثلزمهم بها الحجة على إعجاز القرآن، بعد أن أملى لهم فقالوا فيه ما وسعهم أن يقولوه. ونستأنس لهذا الفهم بآيات الأعراف:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
١٨٢-١٨٤.
أملى لهم: أمهله وأرخي له في عنانع، لتكون الحجة ألزم والعقاب أفدح. وبغتة الأخذ، تأتي من قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
والأجر: جزاء العمل. وسياق الآية أنه من الأجر المادي، بشاهد من النص ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ . وغرم مصدر ميمى من الغرم.
وقد أمر الله رسوله، أن يترك له أمر هؤلاء الطغاة المكذبين، الذين يجحدون داعي الحق، وما كان الرسول ﵊ يسألهم أجراً على ما يهديهم إليه من خير الدنيا والآخرة، فيثقلهم المغرم. وما كان عندهم علم بالغيب، ليجادلوه فيما يتلو من وحي ربه:
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
صاحب الحوت هو يونس ﵇ (الصافات ١٣٩) وقصته طويلة، نقتصر فيها على ما جاء في القرآن الكريم، ولا يكاد في جملته يخرج عما في سورة القلم حيث تلفت الآيات إلى جوهر القصة ومناط العبرة، والخطاب فيها إلى المصطفى ﷺ ، تقوية له على ما يحتمل من أذى المكذبين، ورياضة له على الصبلا لحكم ربه عن رضى وتسليم، لا عن غيظ مكبوت وضيق مكظوم.
* * *
ثم تختم سورة القلم بهاتين الآيتين:
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ
стр. 260
إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ .
تأييداً للمصطفى ﵊، يرتبط بما بدأت به السورة من مثل هذا التأييد الإلهي:
﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
صدق الله العظيم
стр. 261
سورة العصر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) ﴾
صدق الله العظيم
стр. 262
السورة مكية مبكرة، والمشهور في ترتيبها أنها الثالثة عشرة في النزول. نزلت بعد الشرح وقبل العاديات.
* * *
والمعنى الأصلي للعصر لغة: الضغط لاستخلاص العصارة. استعملته العربية حسياً في عصر العنب ونحوه لاعتصار خلاصته. ومنه المعصرة آلة العصر، والمعصرة مكانه. والعواصر ثلاثة أحجار كانوا يعصرون بها.
وسميت السحب الممطرة معصرات لما تعتصر من المطر، وأعصر القوم أمطروا.
كما أطلق الإعصار على الريح الشديدة تسوق السحب.
واستعمل العصر مجازياً في الحبس بملحظ من الضغط. ومنه القتال المعصر التي ادركت وبلغت سن الحجر. كما استعمل مجاتزياً في استخلاص المال على وجه العطية أو بالضغط وقيل لكريم النسب: كريم العصر لما فيه من طيب الخلاصة والعنصر.
ومن هذه الدلالة اللغوية الأصلية على الضغط والإعتصار، سمي الدهر عصراً، بملحظ من استخلاصه عصارة الإنسان بالضغط والتجربة والمعاناة.
كما سمى وقت الأصيل إلى غروب الشمس عصراً، ملحوظاً فيه مع الدلالة الزمنية أنه تصفية للنهار. وفي المصطلح الديني الإسلامي، سميت صلاة العصر لوقوعها في هذا الوقت من النهار، كما سميت سائر الصلوات الخمس باسماء أوقاتها.
* * *
والذي في القرآن الكريم من المادة:
الْعَصْرِ، بمعناه اللغوي الأول في اعتصار الخمر بآية يوسف ٣٦:
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ .
والمعصرات، للسحب الممطرة في آية النبأ ١٤:
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ .
ومعهما آية يوسف ٤٩:
стр. 263
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .
والإعصار في آية البقرة ٢٦٦.
والعَصْرُ، في سورة العصر.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في العصر:
قيل هو الدهر، أو الوقت بعينه من النهار. وعليهما اقتصر "الإمام الطبري" في تفسيره، ثم اختار الدهر.
وقيل أنه صلاة العصر، على حذف المضاف، أو هو عصر النبوة. وقد ساق "الرازي" هذه الأقوال في العصر دون ترجيح بينها، إلا أن يفهم ضمنياً من إيرادها على الترتيب المذكور آنفاً.
ويبدو أن "الزمخشري" يختار القول بأنها "صلاة العصر لفضلها، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقول الرسول ﷺ : "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله". ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجارتهم ومكاسبهم آخر النهار، واشتغالهم بمعايشهم".
نقله أبو حيان في (البحر المحيط) .
وعبارة الزمخشري أوجز وأقرب، من قول الشيخ محمد عبده: "وكان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر، ويتحادثوا ويتذكروا في شئونهم، وقد يكون في حديثهم ما لا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضاً فيتوهم الناس أن الوقت مذموم، فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب، وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة".
وهذا، توسع في أحد الوجوه التي ساقها الفخر الرازي في تفسيره الكبير، والنيسابوري في غرائب القرآن.
والراجح عند "ابن قيم الجوزية" أنه الدهر، قال: "وأكثر المفسرين على أنه
стр. 264
الدهر. وهذا هو الراجح. وتسمية الدهر عصراً أمر معروف".
وهو ما نطمئن إليه - كما اطمأن الإمام الطبري - مستأنسين بسياق الآية في السورة، إذ اللفت إلى ما يعتصر الزمن من خلاصة الإنسان، بالضغط والمعاناة، فيكشف عن خيره أو شره.
* * *
والسورة تبدأ بواو القسم وهو عندهم على أصل استعماله اللغوي، لتعظيم المقسم به. ولم يتعلق "الطبري" هنا بفكرة العظمة التي سيطرت على جمهرة المفسرين بعده، فراحوا يتأولون وجه العظمة في العصر على اختلاف الأقوال في تفسيره.
جمع الرازي ستة وجوهٍ في عظمة العصر بمعنى الدهر، وثلاثة أوجه في عظمته بمعنى الوقت المعين من النهار، وستةً في صلاة العصر، ثم بين وجه عظمته إن كان مراداً به عصر النبوة.
وقد نقلت آنفاً، تأويل الشيخ محمد عبده للقسم بوقت العصر. ولا نعلم أن هذا الوقت في المألوف والعادة وقت اجتماع الناس وتذاكرهم وتحدثهم. بل لعل وقت المساء أولى بهذا. ثم إن احتمال التحدث بما لا يليق وما يؤذي، لا يمكن في تصورنا أن يختص به وقت العصر دون غيره من الأوقات، وإنما هو مما يحتمل وقوعه في أي وقت من ليل أو نهار!
* * *
ومن حيث آثرنا مع الطبري وابن القيم، وأكثر المفسرين، أن يكون العصر بمعنى الدهر والزمن، نكتفي هنا بعرض ما قالوه في عظمة العصر بهذا المعنى.
ولا تكاد أقوالهم تخرج عما استوفاه الفخر الرازي من وجوه عظمة العصر أي الدهر. قال:
"إن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء والصحة والسقم والغنى والفقر، بل فيه ما هو أعجب من كل عجيب، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم فإنه مجزأ مقسم بالسنة والشهر واليوم، ومحكوم عليه بالزيادة
стр. 265
والنقصان، وكونه ماضياً ومستقبلاً فكيف يكون معدوماً؟ ولا يمكنه - يعني العقل - أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة، والماضي والمستقبل معدومان، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود؟
"إن بقية عمر المرء لا قيمة لها، فلو ضيعت ألف سنة، ثم ثبت في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في هذه اللمحة. فكان الدهر والزمان من جملة أصول النعم.
"إن الزمان أعلى وأشرف من المكان، فكان القسم بالعصر قسماً بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته.
" إنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان.
" إنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عين الخسران. فكأن المعنى: والعصر العجيب أمره حيث يفرح الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح، مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر".
والتفت "ابن القيم" إلى مكان العبرة فيه، قال: "فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم، منتظم لمصالح العالم على أكمل ترتيب ونظام، وتعاقبهما مع اعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة، واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد، وانتشار الحيوان وسكونه، وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها، آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته. فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها، على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم، على المعاد، وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد".
وأضاف "النيسابوري" من إشارياته: "أن آخر النهار يشبة تخريب العالم وإماتة الأحياء كما أن أول النهار يشبه بعث الأموات وعمارة العالم. وفيه إشارة إلى أن عمر
стр. 266
الدنيا ما بقى إلا بقدر ما بين العصر إلى المغرب، فعلى الإنسان أن يشتغل بتجارة لا خسران فيها فإن الوقت قد ضاق وقد لا تدرك ما فات".
كما ذكر "من أعجايب الدهر الدالة على كمال قدره خالقها: أن الدهر موجود يشبه المعدوم ومتحرك يضاهى الساكن...... وأن عمر الإنسان كبعض منه:
* إذا ما مر يوم بعضى *
و"لشيء أنفس من العمر. وفي تخصيص القسم به إشارة إلى أن الإنسان يضيف المكاره والنوائب إليه، ويحيل شقاءه وخسرانه عليه، فإقسام الله تعالى به دليل على شرفه، وأن الشقاء والخسران إنما لزم لعيب فيه - أي الإنسان - لا في الدهر، ولذلك قال ﷺ : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر".
* * *
وترى أنهم حملوا لفظ العصر كل هذه التأويلات الفلسفية والإشارية مما لا نتصور أن القرآن الكريم لفت إليه بلفظ ﴿وَالْعَصْرِ﴾ . وفي البيان القرآني من آيات الليل والنهار ما يجلو الحكمة فيهما بما يفهمه الناس بأيسر ملاحظة وتأمل، ونكتفي هنا بآيتى القصص:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ٧١، ٧٢.
وندع استقراء آيات الليل والنهار، إلى ما يأتي من تفسيرنا لسورة "الليل" وأسلوب القرآن في بيان الآيات وضرب الأمثال للناس، يجعلنا لا نطمئن إلى أن ىية العصر ذكرت هذا اللفظ، وأرادت به كل هذه التأويلات الفلسفية والإشارية.....
وأولى من هذا كله أن نقف عند لفظ "العصر" لترى وجه العدول فيه عن لفظ "الدهر" الذي قال المفسرون في حكمته وعظمته ما قالوا.
стр. 267
والفاصلة بكلا اللفظين، العصر والدهر، مرعية، عند من يتعلقون بهذه الصنعة البديعية ويقفون عند الملحظ الشكلي.
وقد قال الرازي في وجه إيثار العصر بذكر: "ولعله تعالى لم يذكر الدهر لعلمه أن الملحد مولع بذكره وتعظيمه".
على حين يذهب النيسابورى إلى أن وجه الإقسام بالعصر هنا "لشرف الدهر" ويروى الحديث: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر".
* * *
ونخلص من هذا كله لنتدبر آية العصر بعيداً عن فلسفة المتكلمين وتأويلات الإشارببن، فنرى في استقراء مواضع استعمال القرآن لمادة "عصر" ما يهدي إلى ملحظ إطلاق العربية العصر على الدهر، بما يعتصر من خلاصة الإنسان بالضغط والإبتلاء.
وبهذا الملحظ المألوف لدى العرب في عصر المبعث، والعربية لغتهم، تأتي كلمة العصر في سياقها من السورة، لافتة إلى إبتلاء الإنسان بالعصر الذي يصهره بالمعاناة ويعصره بالتجربة والإبتلاء.
والواو هنا في موضعها الذي تطرد به الظاهرة الأسلوبية في اللفت إلى حسى مدرك، توطئة إيضاحية لبيان معنوي غير محسوس ولا مدرك، وهو ما شرحناه بمزيد تفصيل في تفسير سور (الضحى، والعاديات، والنازعات) في الجزء الأول من هذا النفسير، ونغرض له مرة أخرى فيما يلي من تفسير سورتى (الليل، والفجر) .
وبهذا اللفت الموجه إلى ضغطة العصر إبتلاءً، تأتي الآية بعده:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ .
وللمفسرين في الإنسان قولان: إنه لعموم الجنس، أو: إن (ال) للعهد مراداً بالإنسان جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب، ف راوية عن ابن عباس. وقيل نزلت في أبي لهب، وفي خبر مرفوع أنها نزلت في أبي جهل.....
"وذلك لأنهم كانوا يقولون: إن محمداً لفي خسر، فأقسم تعالى بالضد
стр. 268
مما يتوهمون".
ولا نقف عندما اختلفوا فيه، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية. والسياق على ظاهره لا يخص الإنسان بفلان أو بآخر. والتعميم فيه مستفاد صراحة من الإطلاق ثم استثناء ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا الاستثناء ينقطع إذا ما كان الإنسان خاصاً بالمعهودين الذين ذكروهم، وليس فيهم من يخرج بالإستثناء مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
"وإنما استثنى الذين آمنوا من الإنسان، لأن الإنسان بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد" كما قال الإمام الطبري "وللجنس بعامة" كما قال الزمخشر، أو "اسم جنس يعم" كما ذهب أبو حيان، ويوشك أن يكون هذا هو ما اطمأن إليه ابن القيم في (التبيان) .
* * *
وبقى أن نتدبر موضع الإنسان هنا، لنلمح سر الدلالة لهذا اللفظ، لا يقوم مقامه هنا لفظ آخر كالناس أو الإنس، على القول بترادفها.
فاستقراء هذه الألفاظ في كل مواضع استعمالها القرآني. يشهد بأن لكل منها ملحظاً خاصاً في الدلالة، إلى جانب الملحظ الدلالي المشترك فيها جميعاً بحكم تقارب مادتها اللغوية في الأصل:
فالناس لعامة الجنس:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات ١٣)
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد ١٧)
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر ٢١)
ويأتي لفظ الإنس في القرآن في ثمانية عشر موضعاً، كلها مع الجن، فشهد ذلك بأن دلالة الإنسية، بما تعني من نقيض الوحشية، هي المتعينة في الإنس.
стр. 269
أما "الإنسان" فإلى جانب كونه من الناس، ومن الإنس نقيض الجان (الحجر ٢٦ والرحمن ١٤) يتميز بدلالة خاصة على الإنسانية. وتتضح هذه الدلالة باستقراء آيات الإنسان في القرآن وعددها خمس وستون آية، في سياق الأهلية لاحتمال تبعات التكليف، والابتلاء بالخير والشر، والتعرض للغواية، وما بلابس ذلك من غرور وطغيان.
والإنسان في القرآن الكريم، لا الإنس، هو الذي أختص بالعلم، وبالبيان والجدل، كما أنه الذي يتلقى الوصية ويحمل الأمانة.
فشهد ذلك بأن الإنسان ليس مجرد فرد من الإنس أو الناس، وإنما مناط الإنسانية فيه معنوية ترقى به من مجرد الإنسية البشرية، إلى حيث يحتمل تبعات التكليف والإدراك والرشد، وأمنه الإنسان.
وللراغب الأصفهاني ملحظ دقيق في اشتقاق لفظ الإنسان، يربطه باجتماعيته التي تجعلخ يأنس إلى الجماعة. وهو ملحظ يقبله حس العربية في الإنس والإنسان معاً، ثم تتخصص الإنسية بدلالتها على نقيض التوحش، وتأخذ الإنسانية دلالتها على خصائص الإنسان وأهليته لاحتمال الإنسانية، على ما هدى إليه استقراء آيات الإنس والإنسان في البيان القرآني.
وبهذه الدلالة الخاصة، يأتي لفظ "الإنسان" في سورة العصر، في سياق ما يحتمل من تبعات التكليف ومسئولية الإنسان الفردبة والاجتماعية.
والخُسر لغة نقيض الربح، استعمل مادياً في التجارة الخاسرة أو الصفقة المغبونة، ومنه جاء بمعنى النفص والجور والضعف والخيانة والغدر، ثم نقل إلى المجال الديني بمعنى الضلال عن الحق وهو أفدح الخسر.
ووردت المادة في القرآن الكريم في أربعة وستين موضعاً، منها ثلاثة في الخسر بمعناه المادي في التعامل التجاري مع الوزن والكيل:
стр. 270
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين ٣)
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن ٩)
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء ١٨١)
وجات المادة في الخسر المعنوى، في إخوة يوسف:
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (يوسف ١٤)
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة ٣٠)
والغالب لأن يأتي الخسر بالمعنى الديني، في سياق النذير بسوء العقبى وعذاب الآخرة: للكافرين، والضالين، والمنافقين، والمكذبن بآيات الله وبلقائه والمشركين، والظالمين، والمبطلين، والذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، ومن يتخذ الشيطان ولياً، ومن يبتغي غير الإسلام ديناً، والذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم....
ويؤذن السياق فيها بأن الخسر يتعلق بالنفس والمال والأهل والعمل، فهو خسر الدنيا والآخرة، وأكثر ما يكون الخسر يوم القيامة حيث يدرك الضالون أنهم خسروا الدنيا والآخرة.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر ٧٨)
﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الشورى ٤٥)
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الزمر ١٥)
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة ٥)
стр. 271
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المجادلة ١٩)
وأنظر معها آيات: (المؤمنون ١٠٣، والتوبة ٦٩) .
وجاء "الأخسرون" أربع مرات للذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وبالآخرة هم كافرون:
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (هو ٢٢)
ومعها: (النمل ٥، الكهف ١٠٣، الأنبياء ٧٠، هود ٤٧)
أما المصدر منه فجاء بصيغة خسران ثلاث مرات، موصوفاً فيها بالمبين:
﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (النساء ١١٩)
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج ١١)
ومعما آية الزمر ١٥.
وبصيغة الخسار، ثلاث مرات كذلك، في قوم نوح: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ والظالمين: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ الإسراء ٨٢. والكافرين ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ فاطر ٣٩.
ومرة واحدة بصيغة تخسير في آية هود:
﴿يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ٦٣.
وأما صيغة خسر فجاءت مرتين: آية العصر، وآية الطلاق:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ ٩.
والخسر فيها هلاك ما حق، عن ضلال وعتو، والعبرة فيها لأولي الألباب.
وهذا الاستقراء يتيح لنا أن نقول إن الخسر يأتي في القرآن بالمعنى الديني في الضياع
стр. 272
وسوء العقبى، مع ملحظ من معناه الأصلي في الصفقة الخاسرة لمن يشترون دنياهم بأخراهم فيخسرون الآخرة والأولى.
مل لم يعين السياق غير ذلك، كما في آيات المطففين والرحمن والشعراء، مع الوزن والكيل وبخس الناس أشياءهم.
وهذا الاحتياط هو ما فات "الراغب" حين قال في (المفردات) : "وكل خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير، المتعلق بالإيمان، دون الخسران المتعلق بالقنيات الجنيوية والتجارات".
* * *
ونفهم الخسر في آية العصر، بما يؤنس إليه سياق النكوص عن تبعات التكليف والتفريط في مسئولية الإنسان.
فلا نستريح إلى تأويل الزمخشري بأن المعنى "أن الناس في خسران من تجارتهم، إلا الصالحين وحدهم لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوت، ومن عداهم تحروا خلاف تجارتهم فوقعوا في الخسارة، والشقاوة".
كما لا نتعلق بما ساقه "الفخر الرازي" من احتمال "أن الإنسان لا ينفك عن خسر" لأن الخسر تضييع رأس المال، ورأس ماله عمره: إن أنفقه في المعصية فلا شك في الخسران، وإن أنفقه في المباحات فالخسران أيضاً حاصل لأنه كان متمكناً أن يعمل فيه عملاً يبقى أثره دائماً، وإن أنفقه في الطاعات فلا طاعة إلا يمكن الإتيان بها على وجه أحسن لأن مراتب الخشوع غير متناهية، كما أن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية".
وصريح النص في الآية بعد الخسر، يؤذن بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وبالصبر، ليسوا في خسر أبداً.
وحرف "في" يأخذ موضعه في هذا البيان المعجز، بما يفيد من معنى الظرفية، في الغمر والإحاطة والإغراق.
стр. 273
وليس تنكير "خسر" من المبالغات كما ذهب النيسابورى.
وإنما التنكير، فيما يفهم من السياق، على أصله البياني من الإطلاق غي المحدود بقيد أو عهد. وقد يحتمل كذلك معنى التهويل، على ما قال الرازي. ووجهه عنده، أنه "خسر عظيم لا يدرك كنهه إلا الله".
* * *
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
الإيمان نقيض الكفر، وفي دلالته اللغوية الأصلية حس الأمن والأمانة. والصلاح ضد الفساد، وتستعمل الصالحات في المجال الديني، نقيضاً للسيئات. وواضح هنا أن على الإنسان مسئوليته فرداً بالإيمان وعمل الصالحات، ومسئوليته عن الجماعة بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
ويقترن العمل الصالح بالإيمان في القرآن الكريم نحو خمس وسبعين مرة، مع الوعد والبشرى بأن من يعمل صالحاً وهو مؤمن، فلا يخاف ظلماً ولا هضماً، ولا كفران لسعيه، له جزاء الحسنى، وحياة طيبة.
والذين يؤمنون بالله ويعملون الصالحات، وقليل ما هم، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم الدرجات العلى، ولهم أجرهم عند ربهم، أجر كريم، عظيم كبير، غير منون. ولهم مغفرة ورزق كريم، وليستخلفنهم الله في الأرض، ويزيدهم من فضله، وسبجعل لهم الرحمن وداً، وهو خير البرية، وأصحاب الجنة، طوبى لهم وحسن مآب.
ويأتي العمل الصالح مسنداً إلى رسل الله، كما يأتي الصالحون مع النبيين والشهداء في آيات (النساء ٦٩، الأنبياء ٧٢، ٨٦) وفي دعاء يوسف (١٠١) وإبراهيم (الشعراء ٨٣) وسليمان (النمل ١٩) .
وعطف النهي عن الشرك على العمل الصالح في آية الكهف ١١٠:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .
كما جاء مقابلاً للكفر في آية الروم ٤٤:
стр. 274
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ .
وفي هذا الاستقراء إيذان صريح بأن عمل الصالحات قرين الإيمان، ومنه نقول في آية العصر إن الإيمان ينبغي أن يقترن بعمل الصالحات، لكي ينجو الإنسان من الخسر.
لكن من المفسرين من لم يأخذوها بمثل هذه البساطة واليسر، بل أثاروا فيها عدداً من المسائل. منها جدل للمتكلمين لا يعنينا هنا في تفسيرنا البياني، كالذي ثار بين المعتزلة والأشعرية من خلاف حول تسمية الأعمال بالصالحات: هل لكونها في نفسها مشتملة على وجوه الصلاح؟ أو لأن الله سبحانه أمر بها؟
ومنها ما يتصل بموضوعنا في أسرار التعبير، كالوقوف عند عطف عمل الصالحاتعلى الإيمان، احتج به من ثال بأن العمل غي داخل في مسمى الإيمان بالله: "إذ لو كان ذاخلاً فيه لكان تكريراً ولا يمكن أن يقال إن هذا التكرير واقع في القرآن، ولا يحتج له بمثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ.....﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ لأن هذا حسن فيه إعادة ما هو أشرف أنواع الكلى، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع الإيمان، فبطل هذا التأويل".
ورد عليهم بما في سورة العصر نفسها من عطف التواصي بالحق وبالصبر على عمل الصالحات، فكان جوابهم: "لا نمنع التكرير لأجل التأكيد. ولكن الأصل عدمه".
ونتدبر القرآن الكريم فيهدينا استقراء آياته المحكمات - على ما قدمنا - إلى أنه كثيراً ما يعطف العمل الصالح على الإيمان، فلا يكون هذا تكريراً للتأكيد، بقدر ما هو إيذان بأن الإيمان بفترن بالعمل الصالح.
فعمل الصالحات في ىية العصر، إذا عده بعضهم داخلاً في الإيمان - وآية الروم تؤنس إليه - فليس العطف تكريراً لمجرد التأكيد، وهو مألوف في العربية، وإنما يكون
стр. 275
فيه تنبيه إلى قيمة عمل الصالحات وموضعها من الإيمان، فكأنه من التخصيص بعد التعميم.
وليس لقائل أن يقول في البيان المعجز: "لانمنع التكرير للتأكيد ولكن الأصل عدمه" ... إذ أن هذا القرآن هو الأصل والحجة!
* * *
وبالإيمان وعمل الصالحات تتعين مسئولية الإنسان فرداً، مع مسئوليته عن الجماعة:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
الحق هنا نقيض الباطل.
والعربية قد استعملته حسياً في الطعنة لا زيغ فيها. والمحقق من الثياب المحكم النسيج، والحق من الإبل الذي اشتد وأستحق أن يركب.
وبملحظ من صدق النفاذ، أطلق على العدل والحزم والصدق والأمر المقضى والموت.
والحق، واحد الحقوق. وتحقق الخبر صح وصدق. ومن ثم شاع استعماله في نقيض الباطل. ونقل بهذا الملحظ إلى المحال الديني اسماً من أسماء الله الحسنى، وكثر استعماله بمعنى الوحي ورسالات الدين.
وفي القرآن الكريم وردت المادة بصيغة الفعل الثلاثي تسع عشرة مرة، فيما حف من قول الله وعذابه ووعيده على الكافرين، ومرتين على البناء للمجهول في آيتى الانشقاق:
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ .
وجاء المضارع من الرباعي أربع مرات، كلها مسندة إلى الله تعالى:
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾
(الأنفال ٨، ومعها: الأنفال ٧، ويونس ٢٤، والشورى ٢٤)
وجاء فعل الاستحقاق مرتين في آية الدين (المائدة ١٠٧) ولا يخلوسياقها من ملحظ الحرمة الدينية في أداء الشهادة.
стр. 276
أما صيغة الحق فجاءت نحو مائتين وسبع وعشرين مرة، كلها في المعنى الديني، إما مقابلة للباطل، أو اسماً من أسماء الله الحسنى، أو للوحي والدين. ويوصف بالحق وعد الله، وقوله، وكلماته.
ولا يخرج عن هذا السياق الديني، ما فرض الله على ذوي المال من حق معلوم لمن يستحقونه، وما شرع من حقوق في الميراث والزواج والطلاق، بما لهذه الحقوق من حرمة دينية تجعلها من حدود الله.
وسمى يوم القيامة: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ .
وذلك كله مما يضفى على كلمة "الحق" مهابة وجلالاً، ويؤكد حرمتها في التواصي بالحق.
والتواصي: أن يوصى بعضهم بعضاً.
والأصل اللغوي للمادة يعطي معنى قوة الإرتباط والإتصال: فالوصاة والوصية جريدة النخل يحزم بها. ووصت الأرض أتصل نباتها. ومن جاءت الوصية فيما يعهد به الموصى ليصل إلى من ينبغي أن يتلقاه: أوصاه ووصاه، عهد إليه. وتواصى القوم بأمر أوصى به أولهم آخرهم. والوصية ما يتركه الآباء وذوي القربى....
وفي القرآن الكريم جاء الفعل وصى وأوصى، اثنتى عشرة مرة، فيما أوصى به سبحانه رسله وعباده. وغلب مجئ الوصية بمعناها المعروف فيما يوصي به الراحلون عن الدنيا، مع حرمة دينية يسبغها القرآن على الوصية بالحق في حدود ما أمر به الله.
أما التواضي فجاء في القرآن خمس مرات، كلما بصيغة الفعل الماضي. وإحداها في سياق الاستفهام الإنكاري لموقف أمم خلت من رسل الله إليهم، وكأنهم تواصوا بالتكذيب:
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الذاريات ٥٣)
والأربع الباقيات في مسئولية الإنسان عن الجماعة، بآية العصر:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وآية البلد.
стр. 277
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ .
والسورتان مكيتان، ففيهما تقرير لما هو من أصول الدعوة الإسلامية.
* * *
والصبر في العربية نقيض الجزع.
ومن استعماله في الحسيات: عصارة شجر مر، واللبن إذا اشتدت حموضته إلى المرارة، والحجارة الغليطة المجتمعة.
وبملحظ من الشجة والمرارة، قيل للحرب الشديدة وللداهية: أم صبور. والصبارة شدة البرد.
والبر الحبس، والقتل صبراًُ أن يحبس المرء ويرمى حتى يموت.
ثم كثر استعماله في الصبر على الشدائد والمكاره. والصبور الحليم الذي لا يعاجل العصاه بالنقمة، بل يضبط أمره فيعفو أو يمهل.
ولم يذكر القرآن الكريم في آيتى العصر والبلد متعلق الصبر الذي يتواصى به المؤمنون، وقد فسره الإمام الطبري بالصبر على العمل بطاعة الله. وقال الومخشري في الكشاف: هو الصبر عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى ما يبلو به الله عباده. وقريب منه ما جاء في البحر المحيط لأبي حيان. وفصله الفخر الرازي فقال فيما قال:
"إن التواصي بالصبر يدخل فيه حمل النفس على مشقة التكليف في القيام بما يجب وفي اجتناب ما يحرم. إذ الإقدام على المكروه والإحجام عن المراد كلاهما شاق شديد.... ودلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي بالصبر".
وكلها اقوال متقاربة مقبولة، ولا يكاد يخرج عنها ما في تفسير الشيخ محمد عبده لسورة العصر.
* * *
ونستقرئ آيات الصبر في القرآن، فنجد الأمر الإلهي للمصطفى بالصبر، في نحو
стр. 278
عشرين موضعاً. ويتعلق فيها بما يحتمل ﷺ ، من أعباء تبليغ رسالته، ما يلقى من تكذيب وأذى بالقول أو بالفعل.
وأمر الله المؤمنين بأن يستعينوا بالله، وبالصبر والصلاة، في آيات:
(البقرة ٤٥، ١٥٣، والأعراف ١٢٨) كما أمرهم بالصبر في الجها والثبات عند لقاء العدو:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . (آل عمران ٢٠٠)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال ٤٦)
ووصف أنبياء بالصبر في آيتى (الأنبياء ٨٥، ص ٤٤) ، وجاء الصبر مسنداً إلى أولي العزم من الرسل (الأحقاف ٣٥) ورسل من قبلك (الأنعام ٣٤) وأئمة يهدون بأمر الله (السجدة ٢٤) والمؤمنين والفائزين بنعيم الآخرة:
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد ٢٤)
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت ٣٥)
وآيات الصبر في القرآن الكريم لا تتجه إلى غير هذه الصفوة من الرسل والمؤمنين، إلا أن تجئ نذيراً للخاسرين كالذي في آيات:
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (إبراهيم ٢١)
﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الطور ١٦)
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ! (البقرة ١٧)
стр. 279
وقريب منها صبر المشركين على آلهتهم، وعلى ضلالهم وكفرهم، في مثل آيات: (فصلت ٢٤، الفرقان ٤٢، ص ٦) .
ومما يتعلق به صبر المؤمنين:
الابتلاء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة ١٥٥)
والمصائب: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ (الحج ٣٥)
و ﴿فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (البقرة ١٧٧)
وفي الجهاد ولقاء العدو، وهو من أكثر مما يتعلق به صبر المؤمنين:
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ .
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ وهو سبحانه: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
* * *
والسكوت عن ذكر متعلق الصبر الذي يتواصى به الذين آمنوا وعملوا الصالحات، في ىية العصر - وآية البلد - يعطيه دلالة الإطلاق والتعميم في حدود ما ورد في القرآن الكريم مما يصبر عليه المؤمنين من تكاليف الإيمان، والإبتلاء، وفي السراء والضراء وحين البأس، وفي الجهاد ولقاء العدو.
وتلك هي مسئولية الإنسان الإجتماعية، تلزمه ديناً أداء حق الجماعة من التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
* * *
وموقف القرآن من هذه التبعية، يقطع برفض السلبية التي يتصور فيها الإنسان أنه يكفي لنجاته من الخسر، أن يؤمن بخالقه ويعمل صالحاً، دون أن يقضي حق الجماعة.
وبعيداً عن جدل علماء الكلام، نقول إن الإيمان وعمل الصالحات يجدى على الجماعة بصلاح أفرادها، وتحرجهم من اقتراف ما يسئ إلى أخوانهم وأمتهم. ولكن الإنسان مظنه أن يتوهم أن الإيمان يكفي فيه النطق بالشهادتين وأداء العبادات واجتناب
стр. 280
الكبائر، ومن هنا كانت عناية القرآن الكريم بتقرير المسئولية الاجتماعية، أصلاً من أصول الدين.
فبمثل هذا التقرير الحاسم في سورتى العصر والبلد، تتقرر مسئولية الإنسان الاجتماعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في آيات أخرى محكمات:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران ١٠٤)
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .... (آل عمران ١١٠)
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران ١١٤)
﴿......... الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة ١١٢)
ومعها آيات (الأعراف ١٥٧، التوبة ٧١، والحج ٤١، ولقمان ١٧) .
وكماى جعلنا القرآن الكريم مناط خيرية أمتنا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعن الذين تخلوا عن هذه التبعة الكبرى من كفار بني إسرائيل:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة ٧٩)
كما لعن الله المنافقين والمنافقات:
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة ٦٧)
وهيهات لشريعة وضعية أن ترقى بالإنسان إلى مثل هذا المستوى من احتمال مسئوليته الاجتماعية التي يجعلها الإسلام مناط الخير والإيمان. وعلصماً من الخسر والهلاك:
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
صدق الله العظيم
стр. 281
سورة الليل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) ﴾ .
صدق الله العظيم
стр. 282
السورة مكية مبكرة، والمشهورفي ترتيب نزولها أنها تاسعة السور، نزلت بعد سورة الأعلى، ثم نزلت بعدها على الترتيب سورتا الفجر والضحى.
وقد ربطها بعضهم بسورة الشمس التي قبلها في ترتيب المصحف، قالوا: "ولما ذكر فيما قبلها، أي الشمس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل به الفلاح وما تحصل به الخيبة، ثم حذر النار وذكر من يصلاها ومن يتجنبها".
وهذا الربط قديلفت إلى ملحظ في ترتيب السورة في المصحف ووضعها بعد الشمس. وأما من حيث النزول فإن سورة الشمس نزلت بعد الليل لا قلبها، فهي السورة السادسة والعشرون على المشهور في ترتيب النزول، فبينها وبين سورة الليل قبلها، ست عشرة سورة.
وقيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق وإنفاقه ماله على المسلمين، وأمية بن خلف وبخله وكفره. وفي قول آخر إنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري، ورووا قصة النخلة التي عرض الرسول ﷺ ، على أحد المنافقين، أو اليهود، أن يبيعها بنخلة في الجنة فأبى، واشتراها أبو الدحداح.
والعبرة على كل حال بعموم اللفظ، والسياق صريح التوجيه إلى عامة الناس ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .
وتقارب سور (الليل والفجر والضحى) في النزول، يجلو الظاهرة الأسلوبية التي يعمد فيها البيان القرآني إلى جلاء المعنويات بماديات من النور والظلمة في مختلف درجاتهما على مدى اليوم الواحد، من غشية الليل وتجلي النهار، وإشراق الضحى وسجو الليل، وتألق الفجر ومسرى الليل وتنفس الصبح.
ويتتابع الوحي من بعد ذلك فيؤصل هذه الظاهرة البيانية فيما يجلو من معوويات الهدى والضلال، بحسبات النور والظلمات.
* * *
стр. 283
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ .
الغشية في اللغة الغطلء، والغاشية الغشاء الذي يغلف القلب. واستغشى ثوبه وبثوبه، تغطى به لكي لا يرى ولا يسمع، ومن غشية النعاس المعطلة للحس والإدراك، جاءت غشية الإغماء فقيل الإغماء أغشى عليه إذا فقد وعيه وحسه كأنما عليهما غطاء. وكذلك يقال للغافل: على بصره أو على سمعه غشاوة، أي غطاء يحجب الرؤية ويعمي البصيرة ويعطل السمع والإدراك.
والغواشي الأهوال، أو الظلمات تلقى لفاعها الأسود. ومنه جاءت الغاشية اسماً للقيامة أو للنار تغشى المعذبين.
وفي الاستعمال القرآني، جاءت الغاشية على معناها في استغشاء الثياب حاجزاً دون السمع والبصر، كناية عن الصد، في آية نوح ٧:
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ . ومعها آية هود ٥.
وفي النور الدافق والجلال الغامر بآية النجم: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ .
وجاءت الغشية في النعاس في آيتى.
(آل عمران ١٥٤، والأنفال ١١)
وفي الإغماء بآيتى (الأحزاب ١٩، ومحمد ٢٠)
وفي الغشاوة على القلب والسمع والبصر بآيتى
(البقرة ٧، والجاثية ٢٣)
وكثر مجئ الغشية في الحديث عن يوم القيامة:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ؟
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وفي الوعيد بعذاب الآخرة في آيات:
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (العنكبوت ٥٥)
стр. 284
﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (إبراهيم ٥٠)
﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف ٤١)
كما جاءت في غشية الموج، وغشية الظلمات وتراكمها في آيات:
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾
(النور ٤٠)
﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (يونس ٢٧)
وآيات (لقمان ٣٢، طه ٧٨، الرعد ٣، الأعراف ٥٤، الشمس ٤)
وآية الليل، والغشية فيها غطاء من ظلمات داجية.
* * *
والتجلي لغة الظهور والإنكشاف. ومن الاستعمال الحسي للمادة: الجلا انحسار مقدم الشعر، والجلاء الكحل يجلو البصر، وجلوة العروس عرضها مجلوة في زينتها.
وجلا السيف والمرآة صقلهما وأزال ما قد يكون غطاهما من صدأ وغبار.
ومن دلالة الانحسار جاء الجلاء عن مكان، وجلا الهم عنه أذهبه.
ومن ملحظ الكشف: جلا الأمر أوضحه وبينه فانجلى وتجلى، والجلى الأمر البين، والتجلي الإشراق والتألق.
وفي الاستعمال القرآني: جاءت المادة في خمية مواضع، إحداها آية الحشر في الجلاء عن الأرض: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ ٣.
والمرات الأربع الباقية في تجلي النور الإلهي بآية الأعراف ١٤٣:
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾
وأمر الساعة، بآية الأعراف ١٨٧:
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾
وفي إشراق النهار، آيتى الشمس: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ .
стр. 285
والليل: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ .
والآية لم تذكر مفعول ﴿يَغْشَى﴾ وقد تأولوه إما على تقدير: يغشى النهار كله، كقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ .
أو يغشى الشمس، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾
وقيل الأرض وجميع ما فيها. يغشاها الليل بظلامه.
ومثله وقوف من وقف عند ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ليتأول سبب التجلي "إما بزوال ظلمة الليل، وإما بنور الشمس".
ونرى أن القرآن الكريم في إمساكه عن ذكر متعلق ليغشى أو تحلى، يصرفنا عن تأويل محذوف أو مقدر، لنلتفت إلى أن الغشية والتجلي، من الليل والنهار، هما المقصودان بالتنبيه والالتفات، بما أعنى عن ذكر مفعول أو متعلق ...
* * *
وسورة الليل مبدوءة بواو القسم، وهو عند المفسرين للإعظام، على أصل استعماله في اللغة. والذي أطمئن إليه، هو أن البيان قد يعدل عن هذا الأصل لملحظ بلاغي في التعبير، كمثل عدوله في الاستفهام والأمر والنهي عن أصل استعمالها الأول، إلى تقرير أو إنكار، أو زجر ووعيد، أو سخرية وتوبيخ، أو تعجيز وإفحام ... على ما هو مألوف ومقرر في علم البيان.
لكن المفسرين لم يلتفتوا إلى احتمال أن يكون القسم بالواو هنا، وفي نظائرها من الآيات المستهلة بالواو، قد جاء على غير استعماله اللغوي الأول، لملحظ بياني، وإنما هو عندهم جميعاً على أصله من الإعظام والتعظيم، ومن ثم شغلوا بتأول وجه العظمة في الليل والنهار.
نقل الطبري عن قتادة: "أن الله أقسم بهما لعظم شأنهما، فهما آيتان عظيمتان يكورهما الله على الخلائق".
وقال "أبو حيان" في البحر المحيط: "أقسم بالليل الذي فيه كل حيوان يأوى إلى مأواه، وبالنهار الذي تنتشر فيه".
والتفت "ابن القيم" إلى اختلاف أحوال الليل والنهار في أقسام القرآن، وتأويله بأن
следующие страницы →