Полный текст (373 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
سورة الليل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) ﴾ .
صدق الله العظيم
стр. 282
السورة مكية مبكرة، والمشهورفي ترتيب نزولها أنها تاسعة السور، نزلت بعد سورة الأعلى، ثم نزلت بعدها على الترتيب سورتا الفجر والضحى.
وقد ربطها بعضهم بسورة الشمس التي قبلها في ترتيب المصحف، قالوا: "ولما ذكر فيما قبلها، أي الشمس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل به الفلاح وما تحصل به الخيبة، ثم حذر النار وذكر من يصلاها ومن يتجنبها".
وهذا الربط قديلفت إلى ملحظ في ترتيب السورة في المصحف ووضعها بعد الشمس. وأما من حيث النزول فإن سورة الشمس نزلت بعد الليل لا قلبها، فهي السورة السادسة والعشرون على المشهور في ترتيب النزول، فبينها وبين سورة الليل قبلها، ست عشرة سورة.
وقيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق وإنفاقه ماله على المسلمين، وأمية بن خلف وبخله وكفره. وفي قول آخر إنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري، ورووا قصة النخلة التي عرض الرسول ﷺ ، على أحد المنافقين، أو اليهود، أن يبيعها بنخلة في الجنة فأبى، واشتراها أبو الدحداح.
والعبرة على كل حال بعموم اللفظ، والسياق صريح التوجيه إلى عامة الناس ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .
وتقارب سور (الليل والفجر والضحى) في النزول، يجلو الظاهرة الأسلوبية التي يعمد فيها البيان القرآني إلى جلاء المعنويات بماديات من النور والظلمة في مختلف درجاتهما على مدى اليوم الواحد، من غشية الليل وتجلي النهار، وإشراق الضحى وسجو الليل، وتألق الفجر ومسرى الليل وتنفس الصبح.
ويتتابع الوحي من بعد ذلك فيؤصل هذه الظاهرة البيانية فيما يجلو من معوويات الهدى والضلال، بحسبات النور والظلمات.
* * *
стр. 283
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ .
الغشية في اللغة الغطلء، والغاشية الغشاء الذي يغلف القلب. واستغشى ثوبه وبثوبه، تغطى به لكي لا يرى ولا يسمع، ومن غشية النعاس المعطلة للحس والإدراك، جاءت غشية الإغماء فقيل الإغماء أغشى عليه إذا فقد وعيه وحسه كأنما عليهما غطاء. وكذلك يقال للغافل: على بصره أو على سمعه غشاوة، أي غطاء يحجب الرؤية ويعمي البصيرة ويعطل السمع والإدراك.
والغواشي الأهوال، أو الظلمات تلقى لفاعها الأسود. ومنه جاءت الغاشية اسماً للقيامة أو للنار تغشى المعذبين.
وفي الاستعمال القرآني، جاءت الغاشية على معناها في استغشاء الثياب حاجزاً دون السمع والبصر، كناية عن الصد، في آية نوح ٧:
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ . ومعها آية هود ٥.
وفي النور الدافق والجلال الغامر بآية النجم: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ .
وجاءت الغشية في النعاس في آيتى.
(آل عمران ١٥٤، والأنفال ١١)
وفي الإغماء بآيتى (الأحزاب ١٩، ومحمد ٢٠)
وفي الغشاوة على القلب والسمع والبصر بآيتى
(البقرة ٧، والجاثية ٢٣)
وكثر مجئ الغشية في الحديث عن يوم القيامة:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ؟
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وفي الوعيد بعذاب الآخرة في آيات:
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (العنكبوت ٥٥)
стр. 284
﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (إبراهيم ٥٠)
﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف ٤١)
كما جاءت في غشية الموج، وغشية الظلمات وتراكمها في آيات:
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾
(النور ٤٠)
﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (يونس ٢٧)
وآيات (لقمان ٣٢، طه ٧٨، الرعد ٣، الأعراف ٥٤، الشمس ٤)
وآية الليل، والغشية فيها غطاء من ظلمات داجية.
* * *
والتجلي لغة الظهور والإنكشاف. ومن الاستعمال الحسي للمادة: الجلا انحسار مقدم الشعر، والجلاء الكحل يجلو البصر، وجلوة العروس عرضها مجلوة في زينتها.
وجلا السيف والمرآة صقلهما وأزال ما قد يكون غطاهما من صدأ وغبار.
ومن دلالة الانحسار جاء الجلاء عن مكان، وجلا الهم عنه أذهبه.
ومن ملحظ الكشف: جلا الأمر أوضحه وبينه فانجلى وتجلى، والجلى الأمر البين، والتجلي الإشراق والتألق.
وفي الاستعمال القرآني: جاءت المادة في خمية مواضع، إحداها آية الحشر في الجلاء عن الأرض: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ ٣.
والمرات الأربع الباقية في تجلي النور الإلهي بآية الأعراف ١٤٣:
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾
وأمر الساعة، بآية الأعراف ١٨٧:
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾
وفي إشراق النهار، آيتى الشمس: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ .
стр. 285
والليل: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ .
والآية لم تذكر مفعول ﴿يَغْشَى﴾ وقد تأولوه إما على تقدير: يغشى النهار كله، كقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ .
أو يغشى الشمس، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾
وقيل الأرض وجميع ما فيها. يغشاها الليل بظلامه.
ومثله وقوف من وقف عند ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ليتأول سبب التجلي "إما بزوال ظلمة الليل، وإما بنور الشمس".
ونرى أن القرآن الكريم في إمساكه عن ذكر متعلق ليغشى أو تحلى، يصرفنا عن تأويل محذوف أو مقدر، لنلتفت إلى أن الغشية والتجلي، من الليل والنهار، هما المقصودان بالتنبيه والالتفات، بما أعنى عن ذكر مفعول أو متعلق ...
* * *
وسورة الليل مبدوءة بواو القسم، وهو عند المفسرين للإعظام، على أصل استعماله في اللغة. والذي أطمئن إليه، هو أن البيان قد يعدل عن هذا الأصل لملحظ بلاغي في التعبير، كمثل عدوله في الاستفهام والأمر والنهي عن أصل استعمالها الأول، إلى تقرير أو إنكار، أو زجر ووعيد، أو سخرية وتوبيخ، أو تعجيز وإفحام ... على ما هو مألوف ومقرر في علم البيان.
لكن المفسرين لم يلتفتوا إلى احتمال أن يكون القسم بالواو هنا، وفي نظائرها من الآيات المستهلة بالواو، قد جاء على غير استعماله اللغوي الأول، لملحظ بياني، وإنما هو عندهم جميعاً على أصله من الإعظام والتعظيم، ومن ثم شغلوا بتأول وجه العظمة في الليل والنهار.
نقل الطبري عن قتادة: "أن الله أقسم بهما لعظم شأنهما، فهما آيتان عظيمتان يكورهما الله على الخلائق".
وقال "أبو حيان" في البحر المحيط: "أقسم بالليل الذي فيه كل حيوان يأوى إلى مأواه، وبالنهار الذي تنتشر فيه".
والتفت "ابن القيم" إلى اختلاف أحوال الليل والنهار في أقسام القرآن، وتأويله بأن
стр. 286
الله سبحانه يقسم باللسل في جميع أحواله، إذ هو من آياته الدالة عليه.
وزاده الفخر الرازي تفصيلاً فقال: "أعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذي يأوى فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكامنها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان نهاراً كله لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما".
ولا يكاد يخرج عنه ما ذكره الشيخ محمد عبده في سورتى الليل والضحى، من (تفسير جزء عم) .
وهذا الكلام في المصلحة من تعاقب الليل والنهار، هو من قبيل الحكمة التي تتحقق في كل ما خلقه الله، وما من شيء خلق عبثاً. والقرآن حين يقصد إلى أن يلفت إلى آيتى الليل والنهار، فإنه يجلو وجه هذه الحكمة بمثل آيات:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ؟ (القصص ٧١، ٧٢)
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (الروم ٢٣)
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (الفرقات ٤٧)
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (الإسراء ١٢)
стр. 287
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (يونس ٦)
وأنظر معها آيات: (الأنعام ٩٦، يونس ٦٧، النمل ٨٦، آل عمران ١٩٠، الجاثية ٥) .
وليس على هذا النحو من بيان الحكمة، تأتي آيات القسم بالواو بالليل وبالنهار التي عنى المفسرون بتأويل ما في خلقهما من حكمة وما في تعاقبهما من مصلحة.
غير ملتفتين إلى أن هذا التأويل حين يصدق على الليل مطلق الليل والنهار مطلق النهار، فإن الليل والنهار في سورة الليل مقيدان بالغشية والتجلي. وفي آيات أخرى يأتي القسم، بالواو، بالليل إذا سجى، وإذا عسعس، وإذا يسر، وإذا وقب، وإذا أدبر. وبالفجر، والصبح إذا أسفر، وإذا تنفس، والضحى.
ولابد أن يكون لكل قيد منها ملحظ في الدلالة يختص به.
وإذا لم يتعلق البيان في آيتى (الليل) بغير غشية الليل وتجلي النهار، نلمح السر البياني فيما تلفت إليه الواو من تقابل واضح محسوس ومدرك، بين غشية الليل بظلماته، وتجلي النهار بضيائه.
ومثله في الوضوح، التفاوت بين خلقه الذكر والأنثى:
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ .
تأولها المفسرون على احتمال أن تكون (ما) بمعنى من، فيكون القسم بمن خلق الذكر والأنثى، أو أن يكون ﴿مَا خَلَقَ﴾ في موضع المصدر، أو على توهم المصدر، فيكون المعنى: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، ونظروا له بقول الشاعر:
تطوف العفاة بأبوابه كما طاف بالبيعة الراهب
بجر الراهب على توهم النطق بالمصدر، أي كطواف الراهب بالبيعة.
والجر هنا أقرب عندي إلى أن يحمل على المجاورة.
ولا يبدو لي وجه لهذا التنظير، وفي الآية "ما" وليست في الشاهد من قول الشاعر.
стр. 288
ثم اختلفوا في المقصود بالذكر والأنثى:
ففي تفسير الرازي والبحر المحيط، أنهما آدم وحواء، أو هما كل ذكر وأنثى من بني آدم، أو من كل حيوان على اختلاف أنواعه، ذكره وأنثاه.
والتفت ابن القيم إلى التقابل بين المقسم به في آيتى (الليل) واتجه به إلى بيان وجه الإعظام، قال:
"قابل بين الذكر والأنثى، كما قابل بين الليل والنهار. وكل ذلك من آيات ربوبيته، فإن إخراج الليل والنهار بواسطة الأجرتم العلوية، كإخراج الذكر والأنثى في الأجرام السفلية".
على أنه عاد فربط بين هذه المتقابلات على وجه آخر، هو أنه سبحانه "أقسم بزمان السعي وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى، على اختلاف السعي وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى، على اختلاف السعي كما اختلف الليل والنهار والذكر والأنثى، وسعيه وزمانه مختلف وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه".
وهذا على قربه، لا يبدو متصلاً بما ذره آنفاً من أجرام علوية وسفلية.
* * *
ونركز اهتمامنا على تدبر ما يسيطر على السورة كلها من ملحظ التقابل والتفاوت، يبدأ باللفت إلى ما هو حسي مدرك في تفاوت ما بيت غشية الليل وتجلي النهار، وخلقه الذكر والأنثى، توطئة إيضاحية لبيان تفاوت مماثل في سعي الناس: بين من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى، ثم تفاوت الثواب والعقاب في الأخرى: بين الأشقى يصلى ناراً تلظى، والأتقى الذي يجنبها بما ابتغى وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى.
فعلى نحو ما يتفاوت الليل إذا يغشى بظلماته، والنهار إذا تجلى بضيائه يتفاوت سعي الناس في الدنيا بين ذلال وهدى:
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .
والسعي في اللغة المشى، لحظ فيه أن الساعي يبتغي عملاً أو يتجه إلى مقصد يدأب فيه، فكان السعي بمعنى العمل مع القصد والدأب.
стр. 289
وفي الاستعمال القرآني للمادة، نجد الدلالة الأولى للسعي بمعنى المشي والحركة، على الحقيقة أو التخييل والمجاز، في آيتى (طه) عن عصا موسى ألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ وحبال السحرة وعصيهم ألقوها ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وفي آيتى التحريم والحديد، في نور المؤمنين ﴿يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يوم القيامة.
كما نجد دلالة السعي على العمل مع الدأب في آيات:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ (الأنبياء ٩٤)
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (الإسراء ١٩)
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف ١٠٤)
ودلالة القصد أوضح في آيات:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (البقرة ١١٤)
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (المائدة ٣٣، ٦٤)
وواضح أن السعي في آية الليل، هو من العمل الكسبي مع القصد والدأب، ومثله السعي في آيات (الإنسان ٢٢، النجم ٤٠، الغاشية ٩) .
وأصل الشت في اللغة التفرق والاختلاف، مادياً ومعنوياً، وقد سبق استقراء آياته في القرآن، في تفسير آية الزلزلة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ فهدى إلى أن اشتاتا تأتي بدلالة التفرق المقابل للتجمع. أما شتى، فمن الاختلاف والتباين.
* * *
ولا نحتاج إلى تأول مقصد القرآن الكريم بتباين سعيكم، فقد تولت الآيات بعده بيانه:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ .
стр. 290
وهذا هو تفاوت السعي، يأتي بعد أن مهد له اللفت إلى التفاوت المدكوك بالحس، بين غشية الليل وتجلي النهار، بين خلقة الذكر وخلقة الأنثى.
والحسن في اللغة الجمال، ويغلب استعماله في الماديات نقيضاً وفي المعنويات مقابلاً للسوء. والحنى ضد اليوأى، صيغتا تفضيل للدلالة على غاية الحسن الذي لا حسن بعده، والسوء الذي لا يماثله سوء.
وفرق الراغب فب (المفردات) بين الحسن والحسنة والحسنى، فقال إن الحسن يستعمل ي الأعيان وفي الأحداث، وكذلك الحسنة إذا كانت وصفاً، أما إذا كانت اسماً ففي الأحداث. والحسنى لا تستعمل إلا في الأحداث.
وأكثر ما جاء في القرآن من الحسن، فللمستحسن من جهة العقل والبصيرة والشرع، لا من جهة الحسن.
وقد تأول المفسرون الحسنى بحسن العاقبة، وبالإيمان بوحدانية الله وبما يخلفه الله تعالى على المنفق.
وهي وجوه متقاربة، وربما كان حسن العاقبة يؤديها جميعاً، إذ فيه معنى الإيمان بالله، والتصديق بالخلف.
ولم تحدد الآيات ماذا أعطى التقى، ومن اتقى، وبم بخل البخيل، وعم وعمن استغنى؟
ونذهب مع أبي حيان في فهم حذف مفعولي أعطى "بأن المقصود الثناء على المعطى دون تعرض للمعطى والعطية، وظاهرة بذل المال في واجب ومندوب ومكرمة".
فالإعطاء في الآية، مقابل بالبخل، وكل بخل في القرآن يتعلق بالمال وبما آتى الله من فضل، باستقراء مواضع وروده في المصحف وعددها أحد عشر موضعاً، ستة منها متلوة بغنى الله، والله الغني وأنتم الفقراء، ولله ميراث السموات والأرض، فإن الله هو الغني الحميد.
стр. 291
وإنه لكذلك، الإعطاء للمال والبخل به، في آيتى الليل:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾
بشاهد من النص بعدهما:
فيمن بخل: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ .
وفيمن أعطى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ .
وإعطاء المال أو البخل به، إنما يكونان فيما يجب أن ينفق فيه المال من وجوه الخير، وأداء حق الله فيه إلى من يستحقونه، زكاة وصدقة وبراً، على ما هو بين من تدبر الاستعمال القرآني للمال والأموال.
* * *
وللمفسرين في مفعول ﴿اتَّقَى﴾ ثلاثة أقوال:
ففي قول عن ابن عباس أنه: "اتقى البخل".
ويرد عليه أن لفظ ﴿أَعْطَى﴾ قبله يفيد هذا المعنى، كما أن السياق بعده، يأتي بالبخل وبالتكذيب في مقابل الإعطاء والإتقاء، مما يبعد أن يكون اتقى بمعنى اتقى البخل.
والقولان الآخران هما: اتقى الله، أو اتقى الحساب والعذاب.
والوجهان متقاربان، فمن اتقى الله عذابه في الآخرة، ولا يتقى الحساب والعذاب إلا من اتقى الله.
والوقاية في الأصل الحفظ مما يضر ويؤذى، ومنه في القرآن آية (النحل ٨١) وجاءت التقوى في تجنب الإثم والمعصية، ابتغاء مرضاة الله ووقاية من غضبه وعذابه. ويهدى تدبر استعمال القرآن للاتقاء، أنه يذكر المفعول دائماً مع فعل الأمر. وقد جاء ثلاث مرات خطاباً للواحد والمتقي هو الله، وخطاباً للجمع (اتقوا) نحو سبعين مرة: خمس منها في اتقاء النار، وعذاب الآخرة، ويوم ترجعون فيه إلى الله، لا تجزى نفس عن نفس شيئاً.
стр. 292
ومرتان في اتقاء فتنة، واتقاء ما بين ايديكم.
والمتقى في بقية الآيات، هو الله سبحانه.
وأما الفعل الماضي والمضارع، فقد يمسك فيهما عن ذكر المفعول به، وحين يصرح به فالمتقى هو الله .
وهذا الاستقراء يؤذن بأن الاتقاء في القرآن يغلب أن يكون اتقاء الله واتقاء حسابه وعقابه.
ومن المهم أن نشير إلى أن التقوى، كاخشوع، من أفعال القلوب. بمعنى أنها لا تكون إلا في القلب ومن القلب، فالعبرة بتقوى القلوب، وهو ما يبدو بوضوح في مثل آيات:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج ٣٢)
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج ٣٧)
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الحجرات ٣)
﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (المجادلة ٩)
وجاءت التقوى نقيضاً للفجور في:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس ٨)
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص ٢٨)
* * *
والصدق في الأصل: مطابقة القول للواقع أو لما في الضمير. ويستعمل في صدق الفعل، وصدق النية والعقيدة. وأكثر ما يكون التصديق في القرآن الكريم بمعناه الديني في التصديق بالله وآياته ورسله وكلماته، ولقائه....
و"الحسنى" جامعة لكل ما قال المفسرون في تأويلها: الخلف في الدنيا والآخرة، والجنة والثواب، والتوحيد.....
وإن كان الأولى إطلاقها لتعم فلا تختص بوجه من هذه الوجوه.
стр. 293
واليسر ضد العسر، وقد سبق استقراء آياتهما في (سورة الشرح) بالجزء الأول من هذا الكتاب.
وفسروا الآية بأنها التهيئة للحالة التي هي أيسر على المصدق بالحسنى، في الدنيا والآخرة.
وقال الزمخشري: "سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر، كما سمى طريقة الشر العسرى لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما طريقى الجنة والنار، أي: فسنهديهما في الآخرة للطريقين".
والتيسير لليسرى هو وعد الله للباذلين المعطين المتقين، ولم تأت "اليسرى" في القرآن إلا مع التيسير مسنداً إلى الله ﷻ ، وذلك في آيتين:
آية الأعلى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ خطاباً للمصطفى ﵊.
وآية الليل في ﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ . تأتيه البشرى بمثل ما يشر به المصطفى ﵊، من تيسير إلهي لليسرى.
أما العسرى فلم تأت بهذه الصيغة إلا في آية (الليل) ، وإن جاء العسر مقابلاً لليسر في آيات (البقرة ١٧٥، والطلاق ٧، والشرح ٥، ٦) كما جاءت صيغتا وعسر وعسير، صفة ليوم القيامة بخاصة، في آيات (القمر ٨، المدثر ٩، الفرقان ٢٦) وهذا الاختصاص يجلو حس البيان القرآني للعسر الذي استعملته العربية في قديمها الجاهلي اسماً لقبيلة من الجن أو أرض يسكنونها. ثم قيل العسر للشكس الشرس، وللأنثى عسر ولادها.
واعتسار الفرس ركوبه قبل ترويضه.
وغير مقبول قول من قال إن "العسرى" جاءت في آية الليل لمجرد رعاية الفاصلة، فما يجوز في البيان العالي التعلق بملحظ شكل في اللفظ لا يقتضيه المعنى.
وقال "الزمخشري" في التيسير للعسرى: فسنخذله ونمنعه الإلطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشد، ولمح "أبو حيان" في هذا التأويل "دسيسة اعتزال".
وقلما يفرق المعجميون في الدلالة بين العسر والعسرى حين تسوقونهما سرداً في مصادر
стр. 294
الفعل عسر. مع أن العربية من صيغ المصدر لملحظ خاص في الدلالة، كالرأي والرؤيا والرؤية: مصادر رأى، والوجود والوجد والموجدة والوجدان: مصادر وجد، والسعي والمسعى والسعاية: مصادر سعى.
نرى أن استعمال العسرى، كاستعمال اليسرى، ليس ملحوظاً فيه المصدرية كالعسر واليسر، وإنما الملحوظ فيهما، بصيغة الفعلى، أقصى اليسر وأشد العسر، أو هما اليسر الذي لا يسر مثله، والعسر الذي ما بعده عسر. ونظيرهما في القرآن من غير المادة: البطشة الكبرى، والنار الكبرى.
واستعمال التيسير مع العسرى، مبالغة في الوعيد والنذير لمن بخل واستغنى. وقد نظر له "الراغب" في (المفردات) بقوله تعالى:
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والآية وعيد للذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله. (التوبة ٣٤)
ومثلها آيات: (النساء ١٣٨، والتوبة ٣، ولقمان ٧، والجاثية ٨، وآل عمران ٢١، والانشقاق ٢٤) .
وفيها التبشير بعذاب أليم، للمنافقين، والكفار، والمستكبرين، والباغين.
كالتيسير للعسرى: مبالغة في الردع والنذير لمن بخل واستغنى.
* * *
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ .
سبق استقراء الغنى في القرآن، في تفسير آية الضحى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ ، وقد هدى إلى الفرق بين الغنى والثراء، إذ يغلب أن يكون الغنى غنى النفس وإن لم يوجد المال، ولا يكون الثراء إلا بالمال، ما لم يستعمل مجازياً.
والردى في اللغة الهلاك، ومن استعمالاته الحسية ألأولى: الرداة الصخرة، ورداه وأرداه رماه بها وصدمه، وتردى في البئر سقط، ثم استعمل في مطلق الهلاك.
стр. 295
و ﴿تَرَدَّى﴾ في القياس الصرفي مطاوع الفعل أردى، بمعنى أهلك وأوقع في الردى وفي القرآن الكريم: يأتي الفعل الثلاثي لازماً غير متعد في آية:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (طه ١٦)
وجاء الفعل الرباعي متعدياً، في آيات:
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (فصلت ٢٣)
﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (الصافات ٥٦) و (الأنعام ١٣٧)
وجاء التردى، بصيغة اسم الفاعل "المتردية" في آية (المائدة ٥) وفعلاً ماضياً في آية الليل.
وهذا هو كل ما في القرآن من المادة.
وبه نستأنس في فهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ بأنه التردى في مهواة الهلاك.
وقول الطبري: "إنه التردى في جهنم لأن ذلك هو المعروف من التردى" أقرب إلى المعنى والسياق من قول قوم، فيما نقل أبو حيان "بأنه التردى بالأكفان" أخذوه من الرداء، ونظروا له بقول "مالك بن الريب":
وخطا بأطراف الأسنة مضجعى ورداً على عينى فضل ردائيا
وقول الآخر:
نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط
وهذا التأويل بعيد من سياق النذير في آية الليل، لأن التردى برداء الكفن لا يختص به كافر دون مؤمن.
стр. 296
وفي التوجية الإعرابي للآية، جوزوا أن تكون (ما) فيها نافية، وأن تكون استفهامية.
والنفي عندنا أولى، لما فيه من ملحظ التقرير لعدم غنى المال عن البخيل المكذب، إذا تردى.
* * *
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ .
الهدى الإرشاد إلى الطريق المستقيم، وأكثر ما يجيء في القرآن الكريم، نقيضاً للضلال والكفر.
والآخرة والأولى في الاستعمال اللغوي النهاية والبداية، أو المصير والمبتدأ، ملحوظاً فيهما الإتيان في الآخر، وفي الأول.
وتأتي الآخرة والأولى في المصطلح الديني بمعنى الحياتين الآخرة والدنيا. والأول والآخر من أسماء الله تعالى الحسنى.
وفي آية الليل، فسر "الطبري" الآخرة والأولى، بأن "لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطى منهما من أردنا من خلقنا ونحرم من شئنا. وإنما عنى بذلك جل ثناؤه أنه يوفق لطاعته من أحب من خلقه فيكرمه بها في الدنيا ويهيئ له الكرامة والثواب في الآخرة. ويخذل من شاء خذلانه من خلقه عن طاعته، فيهينه بمعصيته في الدنيا ويخزيه بعقوبته في الآخرة".
وأقتصر فيهما الزمخشري في (الكشاف) على ثواب الدارين للمهتدى.
ومثله "أبو حيان" في (البحر المحيط) .
ونقل الرازي قول من قالوا في تأويل الآية: "إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة فليس يضرنا ترككم الإهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم، بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعاكم من المعاصي، إذ لنا الدنيا والآخرة".
стр. 297
ورأى فيه ما يخل بالتكليف.
كما نقل ما ذكرنا من تأويل الطبري، وصرح بأن هذا الوجه من التأويل أوفق لقوله.
ونرى أن قصر معنى الآية في تفسير الزمخشري على "ثواب الدارين" يمنعه العموم المستفاد من صريح السياق في البشرى والنذير معاً.
ودون خوض في مشكلة الجبر والاختيار، نطمئن في الآية إلى أن الله سبحانه إليه المصير كما له المبتدأ. وهو تعالى يهيئ لخلقه في الدنيا طريق الحق والهدى، وبقدر ما يستجيبون لداعى الهدى أو يصدون عنه، تكون النهاية والمصير إلى الخالق في الآخرة.
ونلتفت إلى ملحظ بياني في الآية، هو العدول عما هم مألوف من تقديم الأولى على الآخرة. وليس التعلق برعاية الفاصلة هو الذي اقتضى تقديم الآخرة هنا على الأولى، وإنما اقتضاه المعنى في سياق البشرى والنذير، إذ الآخرة خير وأبقى وعذابها أكبر وأشد وأخزى وأبقى، وأن الآخرة هي دار القرار.
وكذلك قدمت الآخرة على الأولى في سياق البشرى للمصطفى ﵊، بآية الضحى:
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ .
كا قدمت الآخرة على الأولى في سياق الوعيد لفرعون إذ أدبر وتولى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ بآية النازعات.
* * *
وفي مثل هذا السياق من الوعيد، تتقدم الآخرة على الأولى في آية الليل، متلوة بهذا النذير:
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ .
واللظى في العربية اللهب الخالص، والتلظى تسعر النار واحتدام توقدها.
وفي الاستعمال القرآني جاءت "لظى" للجحيم في آية المعارج ١٥:
стр. 298
﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ .
والإنذار بنار تلظى، في آية الليل، عام كالعموم المستفاد من الآية قبله:
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .
ثم تأتي الآية بعده فتخص من يصلاها، وهو - كما في آية المعارج - من كذب وتولى:
﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ .
قيل في تفسير ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ : "معنها لا يصطلي بها إلا الأشقى".
وهو ما لا يطمئن إليه حس العربية في استعمالها الصلى للشي في النار أو بها: صلى اللحم صلياً ألقاه في النار وضواه. وصلى النار وبالنار: قاسى حرها ولهيبها. وينقل مجازياً إلى: صلى نار الحرب.
أما الاصطلاء فقلما يستعمل إلا في التماس الدفء من النار، على وجه التخصيص.
وهذا الفرق بين الصلى والاصطلاء، هو ما يهدي إليه البيان القرآني، حين يستعمل الاصطلاء في الدفء بخاصة، في قول موسى لأهله حين آنس ناراً:
﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (القصص ٢٩، النمل ٧)
على حين يأتي الصلى والتلية، في التعذيب بالنار ومقاساة حرها ولهيبها، باستقراء مواضع استعمالهما بالقرآن الكريم، وعددها ثلاثة وعشرون.
ويختص الصلى فيها جميعاً، فعلاً ومصدراً واسم فاعل، بنار الجحيم.
وعيداً للكافرين والمكذبين والمغرورين المفتونين بالمال والجاه والبنين، فهم صالو الجحيم، يصلون سعيراً، وسقر، والنار الكبرى، وناراً ذات لهب، جهنم يصلونها وبئس القرار، فبئس المهاد، فبئس المصير.
وبهذا كله نستأنس في فهم ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ فلا يكون بمعنى الاصطلاء
стр. 299
الذي يحمل دلالة الاستدفاء، وإنما هو الصلى بمعنى الشي والتعذيب باللهب المستعر في الجحيم.
* * *
والشقاء لغة نقيض السعادة. وأصل استعماله في الشدة والعسر، والشاقى من الجبال الحاد الميل الطويل.
وحين تستعمل العربية الشقاء في التعب، فإن ذلك يكون بملحظ من الشدة والعسر، دون أن يترادف الشقاء والتعب، وهو ما نبه إليه "الراغب" بقوله في المفردات: كل شقاوة تعب، وليس كل تعب شقاوة.
ويأتي الشقاء في الاستعمال القرآني خاصاً بمحنة الضلال، إما بصريح اللفظ كما في آيتى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (طه ١٢٣)
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ (المؤمنون ١٠٦)
وإما بدلالة السياق كما في الآيتين:
﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (هود ١٠٥، ١٠٦)
وليس بعيداً من معنى الضلال، عصيان أمر الله، في قوله تعالى خطاباً لآدم وزوجه:
﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ وآيات مريم:
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ .
﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ .
وجاءت صيغة "أشقى" في ثلاث آيات، آية الشمس:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ .
والإضافىة تقيده بالمضاف إليه، فهو أشقى ثمود وأضلها وأطغاها.
والأشقى، معرفة بأل، في آيتى الأعلى والليل، والسياق فيهما متشابه، وعدم
стр. 300
الإضافة فيهما يطلق "الأشقى" من كل قيد، فلا مجال لمفاضلة بين أي شقي، وهذا الأشقى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ ناراً تلظى ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ .
* * *
والأشقى في آية الليل: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ .
الكذب في العربية، عدم مطابقة القول للواقع أو لما في الضمير، ومنه الآية في إخوة يوسف: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ . ويستعمل في إخلاف الظن والرجاء.
والتكذيب نقيض التصديق. ولا يأتي التكذيب في الاستعمال القرآني، إلا بالمعنى الديني في التكذيب بالله وآياته وآلائه ورسالاته ورسله، ولقائه، واليوم الآخر.
والتولى: الإعراض والإدبار.
وقد جاء قريناً للكفر والتكذيب، مع مثل هذا الوعيد بالعذاب، في آيات:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ (الغاشية ٢٢)
ومعها آيات:
﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (القيامة ٣٢)
﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (طه ٤٨)
﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ (المعارج ١٥)
والإدبار فيها إعراض وصد عن الحق.
* * *
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ .
تنفرد الآية هنا بصيغة "الأتقى" معرفة بأل، وجاء أتقى مضافاً إلى ضمير المخاطبين، الناس، في آية الحجرات:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
فقيد بهذا الإضافة إلى ضمير الناس المخاطبين، لا على الإطلاق في "الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى".
стр. 301
وأصل الزكاة في اللغة النمو، ومنه زكا الثمر بمعنى طاب حين ينضج ويؤتي أكله.
ويستعمل في المعنويات بملحظ من الخير والبركة.
وزكى الشيء أو الشخص شهد له بالخير والصلاح والتقوى، ومنه في القرآن الكريم آية النجم ٣٢:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .
والتزكية أيضاً التهذيب والتطهير، ومنه في القرآن الكريم آيتا آل عمران ١٦٤، والجمعة ٢:
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ .
وقد نقلت الزكاة إلى المصطلح الشرعي فيما يؤتيه المؤمن من ماله فريضة، فيزكو المال ببركة الله وثوابه.
وتأتي صيغة الزكاة في القرآن الكريم خاصة بالفريضة، في كل مواضع ورودها وعددها اثنان وثلاثون موضعاً.
وفي المال أيضاً جاء فعل التزكية بآية التوبة ١٠٣:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ .
ومثله التزكى في آية الليل، مع إيتاء المال.
والإيتاء هو البذل.
وأصله في اللغة الإعطاء مع سهولة ويسر: فالأتى السيل. وتأتي الأمر سهل وتهيأ، مأتاه جهته التي يسهل إتيانه منها. وآتت الشجرة أكلها أعطته في يسر وسخاء، ومنه في القرآن الكريم آية البقرة ٢٦٥:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ .
ومعها آيات (الرعد ٣٥، وإبراهيم ٢٥، والكهف ٣٣) .
والملحظ اللافت في البيان القرآني، أنه إذ يعلق الزكاة مرة واحدة بفاعلين في آية المؤمنين ٤:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .
стр. 302
يجئ بها سائر الآيات مع الإيتاء، مصدراً.
﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ في آيتى (النور ٣٧، والأنبياء ٧٣)
واسم فاعل في آية النساء ١٦٢: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ .
وفعلاً ماضياً. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ في آيات (البقرة ١٧٧، والتوبة ١١، ١٨، والنور ٥٦) .
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ في آيات (البقرة ٤٣، ٨٣، ١١٠، ٢٧٧، والنساء ٧٧، والتوبة ٥، ١١، والحج ٤١، ٧٨)
﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ في (المائدة ١٢، والروم ٣٩) .
وكذلك الفعل المضارع وفعل الأمر، في كل مواضع استعمالها.
وبكل هذه الآيات نستأنس في غهم الآية: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ بملحظ من دلالة الإيتاء على يسر الإعطاء وسماحة البذل.
وفي الصنعة الإعرابية قالوا: إن جملة ﴿يَتَزَكَّى﴾ على النصب في موضع الحال.
وأجاز الزمخشري ألا يكون لها موضع من الإعراب، لأنه جعل يتزكى بدلاً من صلة الموصول في ﴿الَّذِي يُؤْتِي﴾ .
وهو كما لاحظ "أبو حيان" إعراب متكلف.
والحالية عندنا أولى بالمقام.
* * *
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ .
تعلق بعض المفسرين بالصنعة البديعية في مجئ ﴿تُجْزَى﴾ على البناء للمجهول.
فحملوه على مجرد رعاية الفاصلة. قال أبو حيان:
"وجاء تجزى مبنياً للمفعول لكونه فاصلة، وكان أصله: نجزيه إياها أو نجزيها إياه".
وهذا ملحظ شكلي من الزحرف البديعي لا نقول بمثله في البيان الأعلى، وإنما جاء البناء للمجهول لمقتضى معنى، وهو أن البذل هنا لم يكن عن قصد جزاء لأحد أو من أحد، على الإطلاق، وإنما هو خالص لوجه الله تعالى.
стр. 303
وواضح من الآية أن هذا المال المبذول، لم يؤته الذي يتزكى جزاء على نعمة سبقت لأحد عنده، أو ابتغاء لأحد يجزيه بها على هذا البذل. لكن من المفسرين فيما نقل الإمام الطبري - من وجهها على خلاف هذا، فتأول الآية: وماله عند أحد فيما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها وجزاءها.
وليس الأولى، فصريح النص ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ﴾ لا يأذن بتأويله على قولهم:
وما له عند أحد.
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .
القراءة بنصب ابتغاء، هي قراءة الجمهور.
والنصب فيه عندهم، إما على الاستثناء، أو مفعولاً لأجله كما ذهب "الفراء" و"الزمخشري" في الكشاف. ويؤنس إليه غلبة مجئ ابتغاء، مفعولاً لأجله في الآيات التي استعملت هذه الصيغة على النصب.
وأما القراءة بالرفع، فتأولوه فيها على البدل من نعمة، وهي من الصنعة الإعرابية في موضع رفع، وحرف الجر قبلها زائد (البحر المحيط) .
والإبتغاء في اللغة، التماس بغية يجتهد في طلبها.
ويكون في الشر بملحظ من البغي والعدوان وتجاوز الحد. ومنه في القرآن الكريم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلهة (التوبة ٤٨، وآل عمران ٧) والعدوان (المؤمنون ٧، والمعارج ٣١)
وابتغاء عرض الحياة الدنيا (النساء ٣٤، والرعد ١٧) .,
ويكون الابتغاء في الخير، بملحظ من الجأب في التماسه والاجتهاد في طلبه، وهو ما يبدو بوضوح في آيات السعي في البر والبحر ابتغاء فضل الله ورزقه:
(النحل ١٤، والإسراء ١٢، ٦٦، والقصص ٧٣، والروم ٢٣، ٤٦، وفاطر ١٢، والجاثية ١٢، والمزمل ٢٠، والجمعة ١٠) .
كما يبدو ملحظ الدأب في العبادة، والجهاد، ابتغاء فضل الله ورضوانه في مثل آيات:
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح ٢٩)
﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ (الممتحنة ١)
стр. 304
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر ٨)
ومثله الدأب في الخير، إنفاقاً للمال وسعياً في معروف وإصلاح بين الناس ابتغاء مرضاة الله، كالذي في آيات:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء ١١٤)
ومعها آيات: (البقرة ٢٦٥، ٢٧٢، والرعد ٢٢) .
ولا مجال للخوض هنا فيما تعلق به المجسمة من لفظ "وجه" وما حلفت به كتب الكلاميين من تأويل له، وإنما نوجه همنا إلى التفسير البياني، فنقول:
الوجه في اللغة ما يستقبلك من كل شيء، وأكثر ما يستعمل حسياً للوجه المعروف من الجسم، ومنه في القرآن الكريم، آيتا يوسف ٩٣، ٩٦:
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ .
زآية الذاريات في حديث إبراهيم:
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ٢٩.
وآيات الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾
والتيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (المائدة ٧)
والقبلة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة ١٤٤)
والعربية تطلق الوجه، مراداً به الذات، من حيث كان الوجه هو الذي يميز الشخص ويحدد ملامحه. ومن جاء استعمال الوجوه لأعيان القوم.
وبملحظ من كون الوجه هو أول ما يستقبل الجسم، جاء الوجه بمعنى القصد والإتجاه.
стр. 305
وقد جاء "وجه" مضافاً إلى الله سبحانه في إحدى عشرة آية من القرآن الكريم، ثمان منها فيما ينفق المؤمنون إبتغاء وجه الله، وفي المتقين من عبادة يريدون وجهه تعالى.
وآيات:
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة ١١٥)
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن ٢٧)
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص ٨٨)
قيل في تأويلها إن لفظ وجه "في كل هذا زائد، والمعنى: فثم الله، كل شيء هالك إلا هو، وابتغاء الله.....".
وأنكره بعضهم وقالوا: "إنما الوجه من معنى القصد والتوجه".
ونقتصر هنا في التفسير البياني، على ما ألفته العربية في إطلاقها الوجه مقصوداً به الذات، وفيما جرى بيانها من مثل: وجه الحق، ووجه الأمر ووجه الرأى، ووجه النهار..... دون أي ملحظ ينم عن تجسيد!
* * *
وأشار الرازي في تفسيره إلى ما يتعلق به الملحدة في "ربه الأعلى" من اقتضاء أن يكون هناك رب آخر دونه في العلو.
وذلك من عقم الحس فيهم، يغيب عنه سر العربية في إطلاق هذه الصيغة دون قيد بمفضول، وإنما القصد إلى المضي بالعلو إلى نهايته القصوى، على ما التفتنا إليه في تدبر صيغ: الحسنى واليسرى والعسرى، والأشقى.
ونظيره في الإطلاق بغير حدود ولا قيود، قوله تعالى في سورة الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ لا يعني أن هناك رباً عالياً دونه، وإنما هو إطلاق للعلو إلى أقصى مداده، دون ملحظ من المفاضلة بين أعلى وعالٍ.
* * *
стр. 306
وأكثر المفسرين على أن فاعل "يرضى" المضمر، هو الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى.
ونؤثر أن نبقيه على إطلاقه، فيحتمل رضى الأتقى، ورضى الأعلى.
والبيان القرآني يأتي بهذين الوجهين من الرضى متلازمين، في مثل آية الفجر:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ .
وآيات: البينة في خير البرية، والمجادلة في حزب الله، والمائدة في الصادقين:
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ .
وفسروا رضى العبد عن ربه في آية الليل، بأنه لا يكره ما يجرى به قضاؤه تعالى.
(مفردات الراغب) .
وهذه العبارة تقصر عن جلال الآية: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .
ولن تكون غاية رضى الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى ابتغاء وجه ربه الأعلى، إلا أن يرضى عنه ربه، ولسوف يرضى.
وإنها لكما قال "ابن القيم" أعلى الغايات وأشرف المطالب.
* * *
وعلى هذا النسق من البيان المعجز، يتم الربط بين المقسم به في أول السورة:
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾
والمقسم عليه من تفاوت سعى البشر في الأولى، بين إعطاء خير وتقوى وتصديق بالحسنى، وبخل خاسر وتكذيب بالحسنى.
ثم التفاوت في الأخرى، بين مصير الأشقى الذي يصلى ناراً تلظى، والأتقى ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾
صدق الله العظيم
стр. 307
سورة الفجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) ﴾
صدق الله العظيم
стр. 308
السورة مكية مبكرة، ترتيبها العاشرة في النزول. نزلت بعد سورة الليل وقبل سورة الضحى.
والفجر ضوء الصباح أول ظهوره في سواد الليل، ومنه يطلق على وقت ظهور هذا الضوء.
وتقتصر معاجمنا على صيغة الفجر في هذا الاستعمال، فلا يقال أفجر فلان بمعنى دخل في الفجر، مثلما يقال أصبح وأضحى وأمسى المساء.
ولعل الاستعمال الحسي الأول للمادة، في تفجر الماء من الأرض. وتتصرف العربية في هذا الاستعمال فيأتي منه: فجَر وفجَّر وتفجر، كما تأتي صيغ اشتقاقية أخرى كالمتفجر والمفجر والمنفجر، وقريب من استعماله في الماء، التفجر والإنفجار في البراكين وشبهها.
ومن هذه الدلالة الحسية جاءت الاستعمالات المجازية فيما هو انبعاث واضح، فإذا كان في النور والخير والجود والمعروف فهو الفجر، وإذا كان في الشر والفاحشة فهو فُجر، وفي الفسق والمعصية فجور، وأيام الفجار أربعة كان فيها قتال في الأشهر الحرم بين قريش وقيس عيلان في الجاهلية. وانفجرت الدواهي أتت من كل وجه.
وفي القرآن الكريم:
جاءت المادة في أربعة وعشرين موضعاً، منها عشر مرات أفعالاً، يغلب مجئ الفعل منها في تفجر الماء وتفجيره، وانفجاره على المطاوعة.
(البقرة ٦٠، ٧٤، والإسراء ٩٠، ٩١، والكهف ٣٣، يس ٣٤، القمر ١٢، الإنسان ٩، الإنفطار ٣)
ولم يأت الفعل في غير الماء غلآ مرة واحدة في الفجور في آية القيامة:
﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ٥.
ويقل استعماله اسماً في الماء، حيث لم يأت منه إلا في تفجير الأنهار بآية (الإسراء ٩١)
стр. 309
وتفجير عين بآية (الإنسان ٦) ووردت ست مرات في الفجور: مقابلاً بالتقوى في آية (الشمس ٨) وبصيغ فاجر وفجرة وفجار، مقابلة بالمتقين والأبرار، في آيات (نوح ١٧، عبس ٤٢، الإنفطار ١٤، المطففين ٧) .
وأما الفجر بدلالته على ضوء الصباح أول ظهوره في سواد الليل، أو على وقته، فجاء منه في القرآن ست آيات:
(القدر ٥، والبقرة ١٨٧، والإسراء ٧٨، والنور ٥٨) وآية الفجر.
وتدل آية البقرة على أن علامة مطلع الفجر، أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إيذاناً بإنبثاق النور في الظلمة، كما تدل آية الإسراء على أن الفجر بعد غسق الليل.
والغسق ظلام مختلط ببوادر النور في آخر الليل. أو بقايا الضوء بعد مغيب النهار وغروب الشمس.
من ثم لا نرى وجهاً لتفسير الفجر بأنه النهار كله كما في "الطبري" عن "ابن عباس" وإنما هو الفجر المعهود عند تبين الخيط الأبيض من سواد الليل، وقد رده "الراغب" إلى معنى الشق "كما في تفجير الأرض عيوناً وأنهاراً، ومنه قيل للصبح فجراً لكونه فاجر الليل، والفجور شق في ستر الديانة".
ونؤثر أن نرده كذلك إلى دلالة الإنبثاق والإنبعاث، يكون حسياً بشق متعمد، كما يكون تلقائياً كالإنفجار، ومعنوياً في الفجور والإنبعاث المجازي.
وتأوله عدد من المفسرين في سورة الفجر، على الإضافة إلى محذوف اختلفوا في تقديره: قيل، ورب الفجر، أو وقرآن الفجر، على ما نقل الإمام الطبري، ومثله عند النيسابورى والزمخشري.
وخصه قوم بفجر بذاته، اختلفوا كذلك في المراد به" قيل هو "فجر النحر لأنه يوم الضحايا والقرابين" أو هو "فجر المحرم لأنه أول يوم من كل سنة، أو عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه وفيها حياة الخلق" (الرازي) .
стр. 310
أو هو فجر ذي الحجة، لقوله تعالى بعده: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ كما في (التبيان) لابن قيم الجوزية.
وهم في ذلك كله متأثرين بفكرتهم في تعظيم المقسم به بهذه الواو، وذلك ما نعرض له بعد تدبر الآيات الداخلة مع الفجر في حيز المقسم به.
* * *
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
العشر والعشرة: أول العقود. وللعربية فيه استعمالات مختلفة الصيغ، ترد جميعاً إلى معنى العدد: فالعشر الجزء من عشرة أجزاء، والمعشار القسم منها والنصيب، والعشار الإبل أتى عليها عشرة أشهر من حملها. والعشار من يستحل قبض عشر المال وإنما الفرض فيه ربع العشر. والعشر أن ترد الإبل في اليوم العاشر، والمعشر الجماعة ذات العدد، والعشيرى أهل الرجل يتكثر بهم عدداً. والعشر أخص من العشيرة، فهو المعاشر يكون لعشيره رفيقاً وصاحباً فلا يبقى فراداً واحداً.
وفي القرآن الكريم:
جاء من المادة العشار بمعنى الحوامل من الإبل في آية التكوير:
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾
وجاء الفعل من المعاشرة في آية النساء: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ كما جاء العشير والعشيرة في آيات (الحج ١٣، والشعراء ٢١٤، والتوبة ٢٤، والمجادلة ٢٢) ومعشر في آيات (الأنعام ١٢٨، ١٣٠، والرحمن ٣٣) .
وجاء بدلالته على العدد في ثمانية عشر موضعاً، أحدها بلفظ معشار في آية سبأ ٤٥:
﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ .
ويبدو أن المعشار فيها بدلالة بيانية على مطلق التجزئة والتقليل.
على حين يستعمل العشر بدلالته الرقمية المحددة: الجزء من عشرة، ولم يأت في القرآن بهذه الصيغة.
وجاء العدد: عشرون، مرة واحدة في آية الأنفال:
стр. 311
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٦٥.
ودلالتها على النسبية أقرب من الدلالة الرقمية المحددة.
وجاءت عشر، أو عشرة، مفردة ومركبة، في ستة موضعاً، نتبدبرها جميعاً فنلمح ملحظاً دقيقاً في الاستعمال القرآني للعدد:
حين يأتي في سياق الأحكام أو الأنباء والأخبار، يحدد العدد دلالته الرقمية الحسابية كما في آيات:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة ٢٣٤)
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (القصص ٢٧)
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة ١٩٦)
﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (المائدة ٨٩)
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (الأعراف ١٤٢)
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (البقرة ٦٠)
وآيات (الأعراف ١٦٠، المائدة ١٢، التوبة ٣٦، يوسف ٤) .
على حين تحتمل دلالة العدد نطلق التعدد والكثرة، في سياق الترغيب والعبرة، أو الوعيد والتحدي كالذي في آيات:
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام ١٦٠)
﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ (طه ١٠٣)
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود ١٣)
وليس بين المفسرين، فيما أعلم، خلاف على أن عشراً في آية الفجر ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ بدلالتها الرقمية الحسابية، لكنهم اختلفوا في هذه الليالي العشر وذهبوا في تأويلها مذاهب شتى:
стр. 312
* فهي العشر الأولى من ذي الحجة، في قول جماعة ذكرهم الإمام الطبري بأسمائهم. وابن القيم في (التبيان) والزمخشري في (الكشاف) . وأيده النيسابورى بما جاء في فضل هذه الأيام: "ما من أيام العمل فيهن أفضل من عشر ذي الحجة".
* وقيل هي العشر الأولى من المحرم. نقله الطبري والنيسابورى.
* وعن مسروق ومجاهد، أنها عشر موسى التي أتمها لله تعالى (آية الأعراف) .
وقد أورد الفخر الرازي الأقوال الثلاثة سرداً دون ترجيح.
* واختار الإمام الطبري أن تكون ليالي عشراً هي العشرة الأخيرة من رمضان.
* واختار الشيخ محمد عبده أن تكون عشر ليال من أول كل شهر، كما اختار في الفجر أن يكون "لجنس ذلك الوقت المعروف".
وتنكير ليال عشر، إطلاق قد يراد به، والله أعلم، كل ليال عشر من أواخر شهر رمضان، كما اختار الإمام الطبري. ويؤنس إليه الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ في ليلة القدر: "فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان". ويكون اللفت بها - في آية الفجر - إلى نزول القرآن فيها هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
وعلى هذا الوجه ترتبط ليال عشر بما قبلها وما بعدها من الفجر الصادق البازغ، نوراً ينسخ ظلمة الليل إذا يسرى.
* * *
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ .
اللفظان يستعملان في العربية، بدلالة على العدد الزوجي والفردي.
ومعنى الشفع لغة، ضم الشيء إلى مثله. وملحظ الأزدواج واضح في استعمال الشفع حسياً في: الناقة الشافع وهي التي يتبعها ولد وفي بطنها آخر. والشفوع من النوق: التي تجمع بين محلبين في حلبة واحدة، والشفائع ألوان من الرعى، ينبت اثنين اثنين....
ومن هذا الازدواج، جاءت الشفاعة بمعنى الإنضمام للتقوية والتأييد والنصره
стр. 313
ولا تكون الشفاعة إلا ممن هو أقوى أو أعلى حرمة ومرتبة، لمن هو أدنى منه، على ما لحظ الراغب في (المفردات) .
والشفعة في الشريعة: حق المالك لدار أو عقار، للشريك أو الجار، مع دفع العوض.
واستعمل الشفع، بملحظ الأزدواج، في العدد الزوجي.
ونقيضه الوتر، أي العدد المفرد لم يشفع بعدد آخر.
ويقول العرب: ناقة مواترة، تضع إحدى ركبتيها في البروك ثم تضع الأخرى، ولا تبرك بهما معاً، والمواترة بين الأشياء أن تقع بينهما فترة، ومواترة الصوم أن تصوم على غير مواصلة، ووتر القوم أو جعل شفعهم وتراً.
وفي القرآن الكريم: جاءت مادة (ش ف ع) اسماً وفعلاً إحدى وثلاثين مرة.
كلها في الشفاعة باستثناء آية الفجر، وفيها الشفع مقابلاً للوتر.
أما الوتر فلم يجئ من مادته في القرآن إلا ثلاث آيات، إحداها في الترة بمعنى النقص، بآية محمد ٣٥:
﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ .
ومرة في تتابع الرسل على فترة بينهم:
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ (المؤمنون ٤٤)
وآية الفجر، وفيها الوتر مع الشفع.
قال الرازي: اضطرب المفسرون في تفسر الشفع والوتر وأكثروا فيهما. وقد جمع من تأويلاتهم:
قيل الشفع المخلوقات من حيث هي مركبات ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ والوتر هو الله من حيث هو الفرد الواحد. وعبارة "ابن القيم" في التبيان: كل شيء شفع والله وتر.
وقيل الشفع ولد آدم، والوتر آدم لأنه لم يأت عن والد. أو أن الوتر آدم وشفع بزوجه حواء.
стр. 314
وقيل: الشعائر المعظمة منها شفع ومنها وتر، في الأمكنة والأزمنه والأعمال: فالصفا شفع وعرفه وتر، والطواف وتر وركعتاه شفع، والصلاة منها شفع ومنها وتر.
وأقتصر "الراغب" من هذا الوجه على القول بأن الشفع يوم النحر من حيث إن له نظيراً يليه، والوتر يوم عرفه.
وقيل: العدد كله، شفع ووتر.
وقيل: الشفع درجات الجنة وهي ثمان، والوتر دركات النار وهي سبع.
وقيل: الشفع صفات الخلق، كالعم والجهل، والقدرة والعجز، والرغبة والكراهية، والحياة والموت ...
أما الوتر فهو صفة الخالق: وجود بلا عدم، حياة بلا موت، علم بلا جهل، قدرة ولا عجز، عزة ولا ذل.....
وقيل: الشفع كل نبي له اسمان، مثل: محمد وأحمد، عيسى والمسيح، ويونس وذي النون، إبراهيم والخليل....
والوتر كل نبي له اسن واحد مثل: نوح وهود وصالح....
وقيل: الشفع البروج عددها اثنا عشر، الوتر الكواكب السبعة....
وقيل: الشفع الأعضاء، والوتر القلب.....
وقد بلغ ما أورده الفخر الرازي مما اضطرب فيه المفسرون في الشفع والتر، عشرين وجهاً. وعنده "أن كل وجه من هذه الوجوه محتمل، والظاهر لا إشعار له بشيء منها على التعيين. فإن ثبت في شيء منها خبر عن الرسول ﷺ أو إجماع من أهل التأويل، حكم بأنه المراد، وإن لم يثبت فيجب أن يكون التأويل على طريقة الجواز لا على وجه القطع. ولقائل أن يقول: إني أحمل الكلام على الكل، لأن الألف واللام في الشفع والوتر تفيد التعميم".
ولا نعلم أن أهل التأويل، قد أجمعوا على وجه في المواد بالشفع والوتر، وإنما اضطريت أقوالهم تحمل الآية، كما يقول الإمام الطبري: "ما لم تدل عليه بخير
стр. 315
ولا عقل، وهو تعالى ذكره أقسم بالشفع والوتر. ولم يخصص نوعاً من الشفع ولا من الوتر دون نوع. وكل شفع ووتر فهم مما أقسم به".
أو كما قال الزمخشري: "أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل جدير بالتلهي عنه".
ونحتكم إلى النص القرآني فلا نراه يحتمل كل هذه الأقوال المضطربة والتأويلات المسرفة في التكليف، وإنما حسبنا منت الشفع والوتر دلالتها الصريحة، لغة ونصاً وسياقاً، على الأزدواج والإفراد، مع ملحظ فيهما من التقابل والتضاد. ودون تكلف في تأويلهما بما يتجه بهما نحو التعظيم، فإذا كانت الشعائر المعظمة شفعاً ووتراً، فكذلك كل الأشياء، العظيم منها والحقير، تحتمل أن تكون شفعاً ووتراً...... ومثله في التقابل، الفجر وسرى الليل.....
ولا وجه عندنا، بعد أن تدبرنا آيات القسم بالواو في القرآن الكريم، للوقوف به عند أصل استعماله اللغوي في التعظيم، والأولى أن يخرج عنه إلى الاستعمال البلاغي الذي لا يتعلق بما جاء على أصل الوضع اللغوي، بل يعدل عنه لملحظ بياني، هو في آيات الفجر: اللفت إلى انبثاق نور الفجر في ظلمة الليل الساري، توطئة إيضاحية بالحسى المدرك، إلى معنويات من الهدى والضلال.
* * *
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾
السرى في العربية: السير عامة الليل. وفي دلالته اللغوية الأولى معنى الخفاء.
وربما كان أصل استعماله الحسي في السرى، وهو عرق الشجر دب تحت الأرض. لحظ فيه الامتداد مع الخفاء، فاستعمل في السرى لما في السير مدى الليل من خفاء، واختص السرى بالليل تمييزاً له عن عامة السير.
والأصل أن الليل يسرى فيه. فإسناد السرى إلى الليل في آية الفجر، من الإسناد
стр. 316
المجازى، وهو في صنعة البلاغيين لعلاقة الزمان أي وقت السرى. لكنه في الفن القولي أعمق نفاذاً من ذلك الملحظ القريب المتبادر الذي تكتفي به الصنعة، إذ فيه تجسيم لليل وتشخيص وفاعلية، بحيث يتمثل كائناً حياً يسرى. وفيه كذلك إلباس للحدث بزمانه، فالليل نفسه يسرى كما يسرى فيه كل كل سار بليل.
وقد جاءت المادة في القرآن الكريم ثماني مرات كلها في سرى الليل، باستثناء آية مريم: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ ٢٤.
والمرات السبع في سرى الليل، كلها أفعال:
مرة للماضي في آية الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ .
وخمس مرات فعل أمر للوطٍ وموسى، ﵉ بآيات: هو ٨١، الحجر ٦٥، طه ٧٧، الشعراء ٥٢، الدخان ٢٣.
وآية الفجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ على إسناد السرى إلى الليل نفسه مجازاً. في (تفسير الطبري) عن مقاتل: هي ليلة المزدلفة والساري هو الحج.
وهذا، فيما نرى، تخصيص قد يمنعه عموم اللفظ.
وفسره أبو حيان: إذا يمضى، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ ومثله النيسابورى في الغرائب. وفسره ابن القيم في التبيان، بالإقبال أو بالإدبار.
ويبعده المفهوم من معنى السرى، يمتد من أول الليل إلى آخره، على وجه الاستغراق الذي يستوعب مداه.
وتأوله الشيخ محمد عبده بالظلمة! قال: "أقسم تعالى بالليل مراداً منه الظلمة، وكثيراً كا يطلق اسم الليل وتراد ظلمته".
ويمنعه أن الليل في آيات القسم به، لم يأت قط على إطلاقه، بل قيد هنا بـ: إذا يسرى، كما قيد في غير سورة الفجر، بـ: أذا سجى، وإذا يغشى، وإذا عسعس، وإذا أدبر..... وغير متصور أن يكون المراد منها جميعاً الظلمة، دون نظر إلى القيد في كل آية.
ثم توسع الشيخ في تأول وجه الإعظام والتفخيم لهذه الظلمة المقسم بها فقال: "ولما كان ظلام الليل واختلاط قطعة عظيمة منه بضوء القمر في الليلة الواحدة،
стр. 317
مقصوداً إلى تفخيم أمره بالقسم، خص الليالي التي يظهر فيها ضوء القمر مع تغلب الظلام فيها بعشر فقط، وإلا فقد يكون ظلام في أكثر من عشر من الشهر لكن زمنه قليل لا يليق ذكره بمقام التفخيم! وفي الفجر تفريجه كربه الليل من جهة، وتنبيه العامل إلى استقبال عمله من جهة أخرى، وفي ليالي القمر واستمالتها الأنفس للسمر وتيسير السير في السفر، ثم في قصر بقاء القمر وانتظار هجوم الظلمة وابتغاء الغنيمة (؟) مع الاستعداد للسكون عندما يرخى الليل ستاره، في كل ذلك رغبات للنفس ورهبات، وللهواجس غدوات وروحات، وللأماني فيه دبيب ووثبات، فهو جدير بأن يقسم به".
ولا يخفي ما في هذا التأويل من بعد التكلف وعسر الملحظ، وإلا فالعشر الوسطى من الشهر القمري أسنى وأبهى وأقوى استمالة للسمر! وإذا كانت قلة الظلام مما لا يليق ذكره بمقام التفخيم، فكيف يليق معهذكر الفجر تفخيماً له بما يخفف من كربة الظلام وما ينسخ من آية الليل! وفي أقسام القرآن قسم بالصبح إذا تنفس، وبالضحى وبالنهار إذا تجلى، كما فيها قسم بالليل إذا سجى وإذا عسعس، وإذا وقب، وإذا يغشى، وإذا أدبر!؟
ونعود فنقول إن مثل هذا القسم بالواو في القرآن الكريم ظاهرة أسلوبية عدل فيها البيان القرآني بالقسم عن أصل استعماله الأول للتعظيم، لملحظ بلاغي هو اللفت بالواو إلى واقع حسي مدرك لا مجال للمهاراة فيه، توطئة للإقناع بما هو موضع جدل أو ارتياب، من المعوويات والغيبيات غير المدركة.
وقد سبق بيان لهذه الظاهرة فيما تناولنا من سور الضحى والعاديات والنازعات في الجزء الأول، ثم في سورتى العصر والليل هنا. ونعرض ملحظنا فيها على آيات القسم بالواو في مستهل سورة الفجر، فنراها جميعاً لافتة لفتاً قوياً إلى صور مدركة من التقابل في الأضواء، ما بين نور الفجر وسرى الليل، وفي العدد، أياً كان المعدود، من شفع ووتر.
توطئة بيانية لما يتلو من آيات محكمات فيها تقابل بين الإبتلاء بالقوة وبالغنى والنعمة
стр. 318
أو بالفقر والحرمان، وما يظن معهما من إكرام أو إهانة، ثم التقابل في المصير ما بين عذاب الطاغين المغرورين، ونعيم النفس المطمئنة.
دون أن نتجشم عناء التأويل بما يفخم كل مقسم به ويعظمه، أو نخلط بين التفخيم والتعظيم والتشريف، والحكمة الإلهية في كل ما خلق الخالق، لا فيما أقسم به بالواو فحسب.
وبمثل هذا الأسلوب يبلغ البيان القرآني غايته من الإقناع والإلزام بالحجة. وعلى نحو ما يجلو معاني من الهدى والضلال، والإيمان والكفر، والحق والباطل، بحسيات مدركة من النور والظلمة، يجلو في سورة الفجر، بالضوء والظلمة في درجات متفاوتة، مغاني من الحق والباطل: فالفجر إذ ينبثق نوره فينسخ ظلمة الليل، والهلال إذ يبزغ وليداً إثر المحاق ويمضى رويداً في دحر الظلام، والليل إذ يسرى ما بين بدء الظلمة ومطلع الفجر، كل هذا بيان لافت إلى صراع الحق والباطل، وإلى انبثاق نور الهدى بعد أن غشيت ظلمة ليل طال، ضلت فيه أمم وطغى وأفسدوا في الأرض، مثلما نشهد في الواقع المحسوس مسرى اللسل ما بين إدبار النهار ومطلع الفجر. والقسم بالشفع والوتر في هذه الصورة البيانية، لافت إلى أن التقابل في آيات الفجر وليال عشر والليل إذا يسر، هو موضع التنبه والالتفات. ومن ثم لا نحمل هذه الآيات "ما لم تدل عليه بخبر ولا عقل" كما قال الإمام الطبري، ولا نخبط في متاهات التأويل التي "اضطرب فيها المفسرون"، كما قال الفخر الرازي، وأكثروا حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقع في الشفع والوتر وليال عشر: "وذلك قليل الطائل جدير بالتلهي عنه" بنص عبارة الزمخشري.
* * *
وشغل المفسرون بالبحس عن جواب القسم فاضطربوا فيه كمثل ما اضطربوا في الفجر وليال عشر والشفع والوتر.
فالزمخشري يذهب إلى أن الجواب محذوف تقديره: لتُعَذَّبنَّ، بدلالة قوله تعالى بعد آيات القسم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .
стр. 319
ونرى السياق أولى بالعظة والإعتبار.
والفخر الرازي، يرى أن الجواب هو: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ وما بينه وبين القسم معترض.
وابن القيم يفهم الجواب متضمناً، قال: "فلما تضمن القسم ما جاء بع إبراهيم ومحمد ﷺ (؟) كان في ذلك ما دل على المقسم به".
وقال أوب حيان في البحر: "والذي يظهر أن الجواب محذوف يدل عليه ما قبله من آخر سورة الغاشية وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ . وهو بنصه، ما في تفسير الشيخ محمد عبده.
وفي هذا الربط بين سورتى الفجر والغاشية وهو جر إليه أن سورة الغاشية تأتي قبل سورة الفجر مباشرة في ترتيب المصحف. ولكنها في ترتيب النزول متأخرة عنها، فالغاشية نزلت في أواخر العهد المكي، وترتيبها في النزول الثامنة والستون، فبينها وبن الفجر ثمان وخمسون سورة، على المشهور في ترتيب النزول.
ونفهم أن يكون ترتيب السور في المصحف لملحظ ذي شأن، لكنا لا نتصور ارتباط قسم بالفجر وليال عشر، بجواب عنه في سورة الغاشية، وكأن القسم ظل معلقاً بغير جواب، حتى نزلت به سورة الغاشية بعد ثمان وخمسين سورة!
ونطمئن إلى أن آيات القسم في سورة الفجر قد تم بها المقصود من اللفت إلى المقسم به، بما يغنى عن تأول جواب محذوف أو غر محذوف، وقد تمت آيات القسم بهذا السؤال الصادع:
﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ .
فلم يعد السياق في حاجة إلى تكملة أو جواب.
والحجْر: العقل.
стр. 320
ولعل أصل استعماله الحسي لغوياً في الحَجَر. أتخذ لصلابته حاجزاً فيما يراد منعه وحجزه، ومنه الحاجز: يمنع مسيل الماء إلى الوداي، والحجرة مكان يسور بالجدران ليحجز عن غير أهله، والمحجز: ما أحاط بالعين، والحمى لا يرعاه غير صاحبه.
والحِجْرُ: الثوب، بملحظ من إمكان ثنية لحفظ الأشياء وحملها.
وبمثل هذه الدلالة، يأتي الحجر في الحفظ المعنوي، فيقال: تربى في حجر فلان، اي في حفظه ورعايته، وسمى العقل حجراً بملحظ من حجزه صاحبه عما لا ينبغي ولا يليق. ومن الحجر على من لا حجر له يحجزه ويضبط أمره، لسفه أو جنون.
وفي القرآن الكريم:
جاءت المادة على أصل معناها اللغوي في الحجر بآيتى (البقرة ٦٠، والأعراف ١٦٠) :
﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ خطاباً لموسى ﵇.
وفي الحجارة، عشر مرات، إما على أصل استعمالها اللغوي، وإما على وجه التشبيه والمجاز، في آيات:
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (البقرة ٢٤ والتحريم ٩)
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ.....﴾ (البقرة ٧٤)
﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا.....﴾ (الإسراء ٥٠)
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.....﴾ (هود ٨٢)
ومعها (الفيل ٤، والأنفال ٣٢، والحجر ٧٤، والذاريات ٢٣) .
وجاءت مرة في (الحجرات) بمعنى الغرف والبيوت، ومرة في الحجور بآية النساء ٢٣: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ......﴾
وسميت ديار ثمود حجراً، لما كان الظن من مناعة مبانيها.
وجاء الحجر في المحتجز لأصحابه من أنعام ومرعى بآية الأنعام ١٣٨:
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ.....﴾
وبمعنى الحاجز المانع والحد الفاصل ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ في آيتى (الأنفال ٢٢، ٥٣)
следующие страницы →