← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1390

الذريعة الى مكارم الشريعة

الراغب الأصفهاني

Полный текст (233 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الصلاة من فرغ لها قلبه وأقامها بحدودها ووقتها وسننها ". ومما هو من مكارم الشريعة قوله ﷺ : " الحياء من الإيمان "، وقال: " لايجتمع شح وإيمان في قلب عبد "، وقوله ﷺ : " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف المؤمن من نفسه، وبذل السلام "، وقوله ﵊: " أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله "، وقوله ﷺ لأناس من أصحابه: " ما إيمانكم، " فقالوا: نصبر على البلاء، ونشكر في الرخاء، ونرضى بالقضاء. فقال ﷺ : " مؤمنون ورب الكعبة ". في أنواع الجهل: الإنسان في الجهل على أربع منازل: الأول: من لا يعتقد اعتقادًا لا صالحًا ولا طالحًا، فأمره في إرشاده سهل، إذ كان له طبع سليم، فإنه كلوح أبيض لم يشغله نقش، وكأرض بيضاء لم يلق فيها بذر، ويقال له باعتبار العلم النظري: غُفل، وباعتبار العلم العملي: غُمر، ويقال له: سليم الصدر. والثاني: معتقد لرأي فاسد لكنه لم ينشأ عليه ولم يترب به، واستنزاله عنه سهل وإن كان أصعب من الأول فإنه كلوح يحتاج فيه إلى محو وكتابة، وكأرض يحتاج فيها إلى تنظيف، ويقال له: غاو وضال. والثالث: معتقد لرأي فاسد قد (ران على قلبه) ، وتراءت له صحته فركن إليه لجهله وضعف نحيزته، فهو ممن وصفه اللَّه تعالى بقوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) فهذا ذو داءٍ أعيا الأطباء فما كل داءٍ له

стр. 107

دواء، فلا سبيل إلى تهذيبه وتنبيهه، كما قيل لحكيم يعظ شيخًا جاهلًا: ما تصنع، فقال: أغسل مسحًا لعله يبيض. والرابع: معتقدًا اعتقادًا فاسدًا عرف فساده، أو تمكن من معرفته، لكنه اكتسب دنية لرأسه، وكرسيًّا لرئاسته، فهو يحامي عليها فيجادل بالباطل ليدحض به الحق، ويذم أهل العلم ليجر إلى نفسه الخلق، ويقال له: فاسق ومنافق، وهو من الموصوفين بالاستكبار والتكبر في نحو قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) وقوله: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) فنبَّه تعالى أنهم ينكرون ما يقولونه ويفعلونه لمعرفتهم ببطلانه، ولكن يستكبرون عن التزام الحق وذلك حال إبليس فيما دعي إليه من السجود لآدم ﵇. والجنون: هو عارض يغمر العقل. والحمق: قلة التنبه لطريق الحق، وكلاهما يكونان تارة خلقة وتارة يكونان عارضًا، وقد عظم الحمق ما لم يعظم الجنون. وقد قصد الشاعر (ذلك) في قوله: لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها وقد ذكرت حكاية هي وإن لم تصح فنافع ذكرها، وهي أن عيسى ﵇ أتي بأحمق ليداويه فقال: أعياني مداواة الأحمق، ولم يعيني مداواة الأكمه والأبرص. ومما يفرق به بينهما أن المجنون: يكون غرضه الذي يريده ويؤمه فاسدًا ويكون سلوكه إلى غرضه صوابًا، والأحمق: الذي يكون غرضه الذي يريده صحيحًا وسلوكه إليه خطأ، وبهذا يعرف المجنون: إذا رئي بإرادته قبل سلوكه إلى مراده، والأحمق: لا يعرف بمراده بل بسلوكه. ولهذا متى صحت إرادة المجنون صح فعله حتى تتعجب كثيرًا من فلتات صوابه، والأحمق لا يكاد يصيب في شيء من مسالكه. وأما البله: فقلة التنبه على الأمور، ويضاده الكيس، وفد تقدم أن البله والكيس قد يقالان تارة باعتبار الأمور الدنيوية، وتارة يكونان بالأمور الأخروية. فمن كان في

стр. 108

إحداهما كيِّسًا كان في الأخرى أبلهًا، وقد قال الصديق ﵁: " أكيس الكيس التقي، وأحمق الحمق الفجور ". وأما الرقيع.: فالذي يلصق بقلبه كل محال كأنه رقع بذلك. والأرعن: الذي يأتي بما يخرج عن الصواب، تشبهًا برعن الجبل وهو الحيد منه. والأحمق: هو الناقص العقل من قولهم: انحمقت السوق، أي: نقصت. والغمارة: قلة التجربة في الأمور العملية، مع تخيل سليم، وقد يكون الإنسان غمرًا في شيء غير غمر في شيء آخر. والخرق: يقال في الجاهل بالعلوم العملية، وذلك هو أن يفعل أكثر مما يجب، أو أقل، أو على غير النظام المحمود، وفساد كل عمل لا يعدو هذه الوجوه الثلاثة، ويضاده الحذق. والغي: اتباع الهوى وترك ما يقتضيه العقل. والضلال: أن يقصد لاعتقاد الحق، أو فعل الجميل، أو قول الصدق، فظن بتقصيره وسوء تصوره فيما كان باطلًا أنه حق، فيعتقده، أو فيما كان كذبًا أنه صدق فيقوله، أو فيما هو قبيح أنه جميل ففعله. والجهل: عام في كل ذلك. والخب: استعمال الدهاء في الأمور الدنيوية، صغيرها وكبيرها. والجربزة: مثله لكن تقال فيما تقتضي الأمور الدينية. والدهاء: مثله لكن يقال في الأمور العظام إذا أدرك غاياتها؛ ولهذا قالوا: الدهاة في الإسلام أربعة فذكروا المتوجهين في الاحتيالات (في الأمور الدنيوية) الذين بلغوا بها أمورًا كبارًا. ومن الجهل: الكفر؛ وهو عناد الإنسان للحق على سبيل التكذيب له لا بيقين، وأصله: ستر ما جعله اللَّه تعالى للإنسان بفطرته وصبغته من المعارف بما يستعمله

стр. 109

ويتحراه من عناده الحق، ومن ترك النظر، والإخلال بتزكية النفس المعني بقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) . كون العلوم مركوزة في نفوس الناس نفس الإنسان معدن الحكمة والعلوم، وهي مركوزة فيها بالفطرة، مجعولة لها بالقوة، كالنار في الحجر، والنخلة في النواة، والذهب في الحجارة، وكالماء تحت الأرض، لكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري، ومنه ما يعاين تحت الأرض، لكن لا يتوصل إليه إلا بدلو ورشاء، ومنه ما هو كامن يحتاج في استنباطه إلى حفر وتعب شديد، فإن عني به أدرك وإلا بقي غير منتفع به، كذا العلم في نفوس البشر، منه ما يوجد من غير تعلم بشري وذلك حال الأنبياء، فإنه تفيض عليهم المعارف من جهة الملأ الأعلى، ومنه ما يوجد بأدنى تعلم، ومنه ما يصعب وجوده كحال أكثر عوام الناس. ولكون العلوم مركوزة في النفوس قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) . فنبَّه أنهم أقروا أن اللَّه هو الذي يربيهم ويغذيهم ويرزقهم ويكملهم من الطفولية. فهذا إقرار نفوسهم كلهم بما ركز في عقولهم. فأما الإقرار باللسان فلم يحصل من كلهم، وكذا المعني بقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) أي: لو اعتبرت أحوالهم لكانت نفوسهم وجوارحهم تنطق بذلك؛ وعلى هذا قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) . فبين أن الدين الحنيف وهو المستقيم قد فطر الناس عليه، أي: خلقهم عالمين به، وأن المعاندين وإن قصدوا تبديله وإزالة الناس عنه لم يقدروا عليه، وعلى ذلك قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) وقال تعالى فيمن

стр. 110

قويت فيه الصبغة والفطرة: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) فسمي ذلك كتابا، وقال ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة "، وأما الشهادة المأخوذة عليهم فالناس فيها ضربان: ضرب: أجالوا خواطرهم فيها حتى أدركوا حقائقها فصاروا كمن حملوا الشهادة فنسوها، ثم تذكروها، ولذلك قال تعالى في غير موضح: (لَعَلَّهُم يَتَذَكرونَ) (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) . وضرب: أهملوا أنفسهم ولم يشتغلوا بتذكر ما حملوا من الشهادة، كما قال تعالى: (وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) فهم في الجهالة يتسكعون، وعلى هذا حثنا الله تعالى على التذكر بقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ) وقال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) أي: يسرنا القرآن ليكون سببًا تتوصلون به إلى تذكر ما سبق من عهدكم، والتذكر على أضرب: الأول: أن يكون في اللسان عن صورة ما حصل في القلب. والثاني: أن لمجون بالقلب كصورة حصلت عن شيء معهود إما بالبصر أو بالبصيرة أو غيره من المشاعر. والثالث: أن يكون عن صورة متضمنة بالفطرة في الإنسان، وهو المشار إليه بهذه الآيات، ومن هذا الوجه قال الحكماء: التعلم ليس يجلب إلى الإنسان شيئا من خارج في الحقيقة، وإنما يكشف الغطاء عما حصل في النفس فيبرزه بجلائه، فمثله كمثل الحافر المستنبط الماء من تحت الأرض، وكالصيقل الذي يبرز الجلاء في المرآة، وهذا ظاهر لمن نظر بعين عقله. حصر أنواع المعلومات أنواع العلم ثلاثة: نوع يتعلق باللفظ، ونوع يتعلق باللفظ والمعنى، ونوع يتعلق بالمعنى دون اللفظ. فأما ما يتعلق باللفظ فهو ما يقصد به تحصيل الألفاظ بوسائط المعاني، وذلك ضربان: أحدهما: حكم ذوات الألفاظ، وهو علم اللغة.

стр. 111

والثاني: حكم لواحق الألفاظ وذلك شيئان: شيء يشترك فيه النظم والنثر وهو علم الاشتقاق، وعلم النحو، وعلم التصريف، وشيء يختص به النظم وهو علم العروض وعلم القوافي. وأما النوع المتعلق باللفظ والمعنى فخمسة أضرب: علم البراهين، وعلم الجدال، وعلم الخطابة، وعلم البلاغة، وعلم الشعر. وأما النوع المتعلق بالمعنى فضربان: علمي، وعملي. فالعلمي: ما قصد به أن يعلم فقط، وذلك معرفة الباري تعالى، ومعرفة النبوة، ومعرفة الملائكة، ومعرفة يوم القيامة، ومعرفة العقل، ومعرفة النفس، ومعرفة مبادئ الأمور، ومعرفة الأركان، ومعرفة الآثار العلوية من الفلك والنيرين والنجوم، ومعرفة طبائع النبات ويقال له: علم الفلاحة، ومعرفة طبائع الحيوانات، ومعرفة طبائع الإنسان ويقال: علم الطب. وأما العملي: وهو ما يجب أن يعلم ثم يعمل به ويسمى تارة السنن والسياسات، وتارة الشريعة، وتارة أحكام الشرع ومكارمه، وذلك حكـ العبادات، وحكم المعاملات، وحكم المطاعم وحكم المناكح، وحكم المزاجر. والطرق التي يستفاد منها العلوم أربعة أضرب: الأول: المستفاد من بديهة العقل ومصادمة الحس وذلك يحصل لكل من لم يكن موقوف الآلة وإن اختلفت أحوالهم في ذلك. الثاني: المستفاد من جهة النظر إما بمقدمات عقلية أو بمقدمات محسوسة. الثالث: المستفاد بخبر الناس إما بسماع من أفواههم أو بالقراءة من كتبهم، ولا يكون الخبر علمًا إلا إذا كانت المظنة عن الخبر به مرتفعة. الرابع: ما كان عن الوحي إما بلسان ملك مرئي، كما قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ)

стр. 112

وإما بسماع كلامه تعالى من غير مصادفة عين كحال موسى ﷺ ، وإما بإلقاء في الروع في حال اليقظة، كما قال ﷺ : " إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر "، وإما بالمنام وهو المعني بقوله ﷺ : " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة "، وينطوي على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) . ما يعرف به فضيلة العلم فضيلة العلم تعرف بشيئين: أحدهما: بشرف ثمرته، والآخر: بوثاقة دلالته، وذلك كشرف علم الدين على علم الطب فإن ثمرة علم الدين الوصول إلى الحياة الأبدية، وثمرة علم الطب الوصول إلى الحياة الدنيوية المنقطعة، وعلم الدين أصوله مأخوذة عن الوحي، وأصول الطب أكثرها مأخوذ من التجارب، ورب علم يوفي على غيره بأخذ الوجهين، وذلك الغير يوفي عليه بالوجه الآخر كالطب مع الحساب فللطب شرف الثمرة، إذ هو يفيد الصحة، وللحساب وثاقة الدلالة، إذ كان العلم به ضروريا غير مفتقر إلى التجربة، وليس يجب أن يحكم بفساد علم لخطأ وقع من أربابه كصنع العامة إذا وجدوا من أخطأ في مسألة ما حكموا على صناعته بالفساد، وإذا رأوا من أصاب في مسألة حكموا على صناعته بالصحة، وذلك عادتهم في الطب والتنجيم، فيعتبرون الصناعة بالصانع خلاف ما قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: " يا حار، ملبوس عليك الحق، إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله "، وليس يدرون أن الصناعة مبنية على شيء روحاني، والمتعاطي لها يباشرها بجسم وطبع يضامها العجز، فهو خليق بوقوع الخطأ منه، ثم إن الإنسان قد ينتحل ما لا يحسنه، ويتذرع بدعوى ما لم تجز آلته، ثم كثير ممن يتخصص بصناعة يدعي لصناعته ما ليس في طبعها ككثير من المنجمين المدعين ما لا يوجد في التنجيم، فإذًا لا اعتبار بدعاوى الناس.

стр. 113

استحسان معرفة أنواع العلوم حق الإنسان ألا يترك شيئًا من العلوم أمكنه النظر فيه، واتسع العمر له إلا ويخبر بشمه عرفه وبذوقه طيبه، ثم إن ساعده القدر على التغذي به والتزود منه فبها ونعمت، وإلا لم يبصر - لجهله بمحله وغباوته عن منفعته - إلا معاديًا له بطبعه. فمن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرَّا به الماء الزلالا ومن جهل شيئًا عاداه، فالناس أعداء ما جهلوا، بل قال اللَّه تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) . وقد حكي عن بعض فضلاء القضاة أنه رئي بعدما طعن في السن وهو يتعلم أشكال الهندسة، فقيل له في ذلك. فقال: وجدته علمًا نافعًا فكرهت أن أكون لجهلي به معاديًا له. ولا ينبغي للعاقل أن يستهين بشيء من العلوم، بل يجب أن يجعل لكل واحد حظه الذي يستحقه، ومنزلته التي يستوجبها، ويشكر من هداه لفهمه، وصار سببا لعلمه، فقد حكي عن بعض الحكماء أنه قال: يجب أن نشكر آباءنا الذين ولدوا لنا الشكوك؛ إذ كانوا أسبابًا لما حرك خواطرنا للنظر في العلم، فضلًا عن شكر من أفادنا طرفًا من العلم، ولولا مكان فكر من تقدمنا لأصبح المتأخرون حيارى قاصرين عن معرفة مصالح دنياهم فضلًا عن مصالح أخراهم. فمن تأمل حكمة اللَّه تعالى في أقل آلة يستعملها الناس كالمقراض حيث جمع بين سكينين، مركبًا على وجه يتوافى حداهما على نمط واحد للقرض أكثر تعظيم اللَّه وشكره، وقال: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا) . معاداة بعض الناس لبعض العلوم العلم طريق إلى اللَّه تعالى ذو منازل، وقد وكل اللَّه تعالى بكل منزل فيها حفظة كحفظة الرباطات والثغور في طريق الحج والغزو، فمن منازله معرفة اللغة التي عليها بني الشرع، ثم حفظ كلام رب العزة، ثم سماع الحديث، ثم الفقه، ثم علم الأخلاق والورع، ثم علم المعاملات، وما بين ذلك من الوسائط، من معرفة أصول البراهين والأدلة، ولهذا قال اللَّه تعالى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ)

стр. 114

وقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) وكل واحد من هؤلاء الحفظة إذا عرف مقدار نفسه ومنزلته، ووفَّى حق ما هو بصدده فهو في جهاد يستوجب من اللَّه تعالى أن يحفظ مكانه ثوابًا على قدر عمله. لكن قل ما ينفك كل منزل منها من شرير في ذاته، وشره في مكسبه، وطالب لرئاسته، وجاهل معجب بنفسه، يصير لأجل تنفيق سلعته صادفًا عن المنزل الذي فوق منزلته من العلم وعائبًا له، فلهذا ترى كثيرًا ممن حصل في منزل من منازل العلم دون الغاية عائبًا لما فوقه، وصارفًا عنه من رامه، فإن قدر أن يصرف عنه الناس بشبهة مزخرفة فعل، وإلَّا نفر الناس عنه بوجه آخر، فهو ممن قال اللَّه تعالى فيهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) . ولا أرى من هذا صنيعة إلا من الذين وصفهم اللَّة تعالى بقوله: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) . وذكر الترمذي ﵀ هذه المسألة، وقال: إذا كان من يقطع على الناس طريق مكاسبهم الدنيوية يستحقون ما ذكره اللَّه تعالى بقوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) . فما الظن بما يستحقه من العقوبة من يقطع الطريق على المسافرين إلى اللَّه،. وحكي عن عيسى ﷺ أنه قال: يا علماء السوء قعدتم على باب الجنة فلم تدخلوها، ولم تدعوا غيركم يدخلها، (مثلكم كمثل الصخرة وقفت في طريق الماء لا هي تشرب الماء ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع) ، وكشجرة الدفلى يروق من نظر إليه ويقتل من أكله. الحث على تناول البلغة من كل علم والاقتصار عليه من كان قصده الوصول إلى جوار اللَّه تعالى فليتوجه نحوه، كما قال تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) وكما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: " سافروا تغنموا ". فحقه أن يجعل أنواع العلوم كزاد موضوع في منازل السفر، فيتناول منه في كل منزل قدر البلغة، ولا يعرج على تقصِّيه واستفراغ ما فيه، فتقصِّي الإنسان نوعًا واحدًا من

стр. 115

العلوم على الاستقصار يستفرغ عمرًا، بل أعمارًا، ثم لا يدرك قعره ولا يسبر غوره. وقد نبهنا الباري سبحانه على أن نفعل دْلك بقوله: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) وقال علي كرم اللَّه وجهه: " العلم كثير فخذوا من كل شيء أحسنه " وقال الشاعر: قالوا خذ العين من كل فقلت لهم ... في العين فضل ولكن ناظر العين فقد قيل: حل طبعك بالعيون والفقر فالشجرة لا يشينها قلة الحمل إذا كانت ثمرتها نافعة، ويجب ألا يخوض الإنسان في فن حتى يتناول من الفن الذي قبله على الترتيب بلغته، ويقضي منه حاجته، فازدحام العلم في السمع مضلة للفهم، وعلى هذا قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) أي: لا يجاوزون فنًّا حتى يحكموه علمًا وعملًا. ويجب أن يقدم الأهم فالأهم من غير إخلال بالترتيب، فإن كثيرًا من الناس ثكلوا الوصول بتركهم الأصول. وحقه أن يكون قصده من كل علم يتحراه التبلغ به إلى ما فوقه حتى يبلغ النهاية، والنهاية من العلوم النظرية معرفة الله تعالى على الحقيقة المصدوقة، والعلوم كلها خدم لها وهي حرة. وقد روي أنه رئي صورة حكيمين من القدماء المتألقين في بعض مساجدهم، وفي يد أحدهما رقعة فيها: إن أحسنت كل شيء فلا تظن أنك أحسنت شيئًا حتى تعرف اللَّه تعالى، وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء. وفي يد الآخر: كنت قبل أن أعرف اللَّه تعالى أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت بلا شرب. بل قد قال الله تعالى ما أشار به إلى ما هو أبلغ من حكمة كل حكيم: (قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ) أي: اعرفه حق المعرفة، ولم يقصد بذلك أن يقول ذلك قولًا باللسان اللحمي، فذلك قليل الغناء ما لم يكن عن طوية خالصة ومعرفة حقيقية، وعلى

стр. 116

ذلك قوله ﵊: " من قال: لا إله إلا اللَّه، مخلصًا دخل الجنة ". ويجب أن لا يتعرى علمه عن مراعاة العمل فيه بنفع، ألا ترى أنه ما أخلي ذكر الإيمان في عامة القرآن من ذكر العمل الصالح، نحو قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وإلى ذلك أشار قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) وقيل: كثرة العلم من غير العمل مادة الذنوب، وقيل: العلم أس والعمل بناء، والأس بلا بناء باطل، وقال حكيم لرجل يستكثر من العلما دون العمل: يا هذا إذا أفنيت عمرك في جمع السلاح فمن تقاتل به، وقد قال الشاعر ما يصلح أن يكون إشارةُ إلى هذا المعنى: فعلام إن لم أشف نفسًا حرة ... يا صاحبي أجيد حمل سلاحي. أحوال الناس في استفادة العلم وإفادته كما أن الإنسان في مقتنياته أربعة أحوال: حال استفادة: فيكون مكتسبًا، وحال ادخار لما اكتسبه: فيكون به غنيا عن المسألة، وحال إنفاق على نفسه: فيصير به منتفعًا، وحال إفادة لغيره: فيصير به سخيا، كذا أيضًا له في العلم أربعة أحوال: حال استفادة، وحال تحصيل، وحال استبصار، وحال تبصير وتعليم. ومن أصاب مالًا فانتفع به، ونفع مستحقيه كان كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة، وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب، وهذا أشرف المنازل. ثم بعده من استفاد علمًا فاستبصر به. فأما من أفاد غيره علمه ولم ينتفع هو به فهو كالدفتر يفيد غيره الحكمة وهو عادمها، وكالمسن يشحذ ولا يقطع، وكالمغزل يكسو ولا يكتسي، وكذبالة المصباح تحرق نفسها وتضيء لغيرها، ومن استفاد علمًا ولم ينتفع به هو ولا غيره فإنه: كالنخل يشرع شوكًا لا يذود به ... عن حمله كف جان وهو منتهب

стр. 117

ما يجب على المتعلم أن يتحراه حق المترشح لتعلم الحقائق أن يراعي ثلاثة من الأمور: الأول: أن يطهر نفسه من رديء الأخلاق تطهير الأرض للبذر من خبائث النبات، وقد تقدم أن الطاهر لا يسكن إلا بيتًا طاهرًا، وأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب. الثاني: أن يقلل من الأشغال الدنيوية ليتوفر زمانه على العلوم الحقيقية: فما صاحب التطواف يعمر منهلًا وربعًا إذا لم يخل ربعًا ومنهلا وقد قال اللَّه تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) والفكرة متى توزعت تكون كجدول تفرق ماؤه، فيتنشفه الجو وتشربه الأرض، فلا يقع به نفع، وإن جمع بلغ المزدرع فانتفع به. والثالث: ألا يتكبر على معلمه ولا على العلم، فالعلم حرب للمتعالي كالسيل حرب للمكان العالي، ولهذا قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إيَّاك بعضه على خطر، وكأنما إيَّاه عني من قال: خدم العلا فخدمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام ما لم تخدم ومتى لم يكن المتعلم من معلمه كأرض دمثة نالت مطرًا غزيرًا فتلقته بالقبول لم ينتفع به. فحقه أن يضرع له، كما قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) أي: لمن له بنفسه علم يستغنى به، أو تذلل لاستماع العلم واقتباسه ممن عنده العلم، وقال بعض العلماء في قوله ﷺ : " اليد العليا خير من اليد السفلى " إشارة إلى فضل المعلم على المتعلم، وفي تبين فضل المعلم حث للمتعلم على الانقياد له. وكما أن من حق المريض أن يكل إلى الطبيب الناصح الذي وقف على دائه ليطلب الطبيب دواءه وغذاءه، فإنه إن اشتهى لم يشته إلا ما فيه داؤه ولم يجتوِ إلا ما فيه شفاؤه: فمن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرًّا به الماء الزلالا كذلك من حق التعلم إذا وجد ناصحًا أن يأتمر له، ولا يتأمر، عليه ولا يراده فيما

стр. 118

ليس بصدد تعلمه، وكفى على ذلك تنبيهًا ما حكى اللَّه تعالى عن العبد الصالح أنه قال لموسى ﷺ حيث قال له: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فنهاه عن مراجعته وليس ذلك نهيا عما حث اللَّه تعالى عليه بقوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) وإنما هو نهي عن نوع من العلم الذي لم تبلغه منزلته بعد، والحث إنما هو على سؤال عن تفاصيل ما خفي عليه من النوع الذي هو بصدد تعلمه، وحق من هو بصدد تعلم علم من العلوم أن لا يصغي إلى الاختلافات المشككة والشبه الملتبسة ما لم يتهذب في قوانين ما هو بصدده، لئلا تتولد له شبهة تصرفه عن التوجه فيه فيؤدي ذلك به إلى الارتداد، ولذلك نهى اللَّه تعالى من لم يكن قد تقوَّى في الإسلام عن مخالفة الكفار فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) وقال تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) ومن أجل ذلك كره للعامة أن يجالسوا أهل الأهواء والبدع " لئلا يغووهم، فالعامي إذا خلا بذوي البدع كالشاة إذا خلا بها السبع، وقال بعض الحكماء: إنما حرم اللَّه تعالى في الابتداء لحم الخنزير، لأنه أراد تعالى أن يقطع العصمة بين العرب وبين الذين كانوا يشككونهم في دينهم باجتماعهم معهم من اليهود والنصارى، فحرم على المسلمين ذلك، إذ هو معظم مأكولاتهم، وعظم الأمر في تناوله ومسه لينتهي المسلمون عن الاجتماع معهم في المؤاكلة والأنس، وقال ﷺ في المؤمن والكافر: " لا تتراءى ناراهما " لذلك فأما الحكيم فإنه لا بأس بمجالسته إياهم فإنه جار مجرى سلطان ذي عدة وأجناد وعتاد لا يخاف عليه العدو حيث ما توجه، ولهذا جوز له الاستماع إلى الشبهة، بل أوجب عليه أن يتتبع بقدر جهده كلامهم ويسمع شبههم ليجاهدهم ويدافعهم، والعالم أفضل المجاهدين (الذابين عن الدين) ، فالجهاد جهادان جهاد بالبنان وجهاد بالبيان، ولما تقدم سمَّي اللَّه تعالى الحجة سلطانًا في غير موضع من كتابه كقوله تعالى حكاية عن موسى ﷺ : (إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) .

стр. 119

ما يجب أن يتحراه المعلم مع المتعلمين منه حق المعلم أن يجري متعلميه مجرى بنيه فإنه في الحقيقة لهم أشرف من الأبوين، كما قال الإسكندر وقد سئل: أمعلمك أكرم عليك أم أبوك، فقال: بل معلمي؛ لأنه سبب حياتي الباقية ووالدي سبب حياتي الفانية، وقد نبَّه النبي ﷺ على ذلك بقوله: " أنا لكم مثل الوالد " فحق معلم الفضيلة أن يقتدي بالنبي ﷺ ؛ إذ هو في إرشاد الناس خليفته فيشفق عليهم إشفاقه ويتحنن عليهم تحننه، كما قال تعالى في وصفه ﷺ : (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) وأي عالم لم يكن له من يفيده العلم صار كعاقر لا نسل له فيموت ذكره بموته، ومتى استفيد علمه كان في الدنيا موجودًا، وإن فقد شخصه كما قال أمير المؤمنين علي كرم اللَّه وجهه: " العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم فىِ القلوب موجودة "، وقال بعض الحكماء في قوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) أنه سأله نسلًا يورثه علمه لا من يورثه ماله فأعراض الدنيا أهون عند الأنبياء من أن يشفقوا عليها، وكذا قوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي) أي: خفت أن لا يراعوا العلم، وعلى هذا قال ﵊: " العلماء ورثة الأنبياء "، وكما أن من حق أولاد الأب الواحد أن يتحابوا ويتعاضدوا ولا يتباغضوا، كذلك من حق بني العلم الواحد، بل الدين الواحد أن يكونوا كذلك، فأخوة الفضيلة فوق أخوة الولادة، ولذلك قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) وقال تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) وحق العالم أن يصرف من يريد إرشاده عن الرذيلة إلى الفضيلة بلطف في المقال وتعريض في الخطاب، فالتعريض أبلغ من التصريح لوجوه: أحدها: أن النفس الفاضلة لميلها إلى استنباط المعنى يميل إلى التعريض شغفًا

стр. 120

باستخراج معناه بالفكر، ولذلك قيل: رب تعريض أبلغ من تصريح. الثاني: أن التعريض لا تنتهك به سجوف الهيبة ولا يرتفع به ستر الحشمة. والثالث: أنه ليس للتصريح إلا وجه واحد، وللتعريض وجوه، فمن هذا الوجه يكون أبلغ، ومن هذا الوجه حذف أجوبة كثير من الشروط المقتضية للثواب والعقاب نحو قول اللَّه تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) . والرابع: أن للتعريض عبارات مختلفة فيمكن إيراده على وجوه مختلفة، ولا يمكن إيراد التصريح إلا على وجه واحد، إذ ليس له إلا عبارة واحدة. والخامس: أن صريح النهي داعٍ إلى الإغراء، ولذلك قال من قال: فإن اللوم إغراء، وقال الشاعر: دع اللوم إن اللوم يغري وإنما ... أراد صلاحًا من يلوم فأفسدا وقال النبي ﷺ : " لو نهي الناس عن فت البعر لفتوه وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء " وكفى ذلك لشهادة ما كان من أمر آدم ﷺ وحواء في نهي اللَّه تعالى إياهما عن أكل الشجرة. ومن حق المعلم مع من يفيده العلم أن يقتدي بالنبي ﷺ فيما علمه الله تعالى حيث قال: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) فلا يطمع في فائدة من جهة من يفيد علمًا ثوابًا لما يوليه، وليعلم أن من باع علمًا بعرض دنيوي فقد صادم الله تعالى في حكمه، وذلك أن الله تعالى جعل المال خادمًا للمطاعم والملابس جعلها خادمة للبدن، وجعل البدن خادمًا للنفس، وجعل النفس خادمًا للعلم، فالعلم مخدوم غير خادم، والمال خادم غير مخدوم. فمن جعل العلم ذريعة إلى اكتساب المال فقد جعل ما هو مخدوم غير خادم خادمًا لما هو خادم غير مخدوم.

стр. 121

وجوب منع الجهلة عن حقائق العلوم والاقتصار بهم على قدر أفهامهم واجب على الحكيم والعالم النحرير أن يقتدي بالنبي ﷺ فيما قال: " يا معشر الأنبياء، أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ونكلم الناس على قدر عقولهم "، وأن يتصور ما قال أمير المؤمنين طي بن أبي طالب - كرم اللَّه وجهه - حيث قال لكميل بن زياد، وأومأ بيده إلى صدره فقال: " إن هاهنا علومًا جمَّة لو وجدت لها حملة بلى أصيبت لقنًا غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا، فستظهر بنعمة اللَّه تعالى على عباده، وبحجته على كتابه، أو منفادًا لأهل الحق لا بصيرة له يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة "، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب اللَّه ورسوله "، وقال ﷺ : " ما أحد يحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان ذلك فتنة على بعضهم "، وقال عيسى ابن مريم ﷺ : " لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، وكن كالطبيب الحاذق يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع، وقد قيل تصفح طلاب حكمك كما تتصفح خطاب حرمك، وبهذا ألم أبو تمام فقال: وما أنا بالغيران من دون جيرتي ... إذا أنا لم أصبح غيورًا على العلم وقيل لبعض الحكماء: ما بالك لا تطلع أحدًا على حكمة يطلبها منك، فقال: اقتداءً بالباري - جلَّ وعلا - حيث قال: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)

стр. 122

فبين أنه إنما منعهم لما لم يكن فيهم خير، وبين أن في إسماعهم ذلك مفسدة لهم وسأل جاهل حكيمًا عن مسألة من الحقائق فأعرض عنه ولم يجبه، فقال له: أما سمعت قول النبي ﷺ : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة " فقال: بلى سمعته، أترك اللجام هاهنا وأذهب فإذا جاء من ينفعه ذلك وكتمته فليلجمني به، وقال بعض الحكماء في قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) أنه نبه به على هذا المعنى وذلك أنه لما منعنا من تمكين السفيه من المال الذي هو عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر تفاديًا أنه ربما يؤديه إلى هلاك دنيوي فلأن يمنع من تمكينه من حقائق العلوم التي إذا عرفها السفيه أدته إلى ضلال وإضلال، وهلاك وإهلاك - أحق وأولى فإنه: إذا ما اقتنى العلم ذو شرة ... تضاعف ما ذم من مخبره وصادف من علمه قوة ... يصول بها الشر في جوهره وكما أنه واجب على الحكام إذا وجدوا من السفهاء رشدًا أن يرفعوا عنهم الحجر ويدفعوا إليهم أموالهم، لقوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فواجب على الحكماء إذا وجدوا من المسترشدين قبولًا أن يبذلوا العلوم لهم بقدر استحقاقهم، فالعلم قنية يتوصل بها إلى الحياة الأبدية، كما أن المال قنية يتوصل بها في المعونة على الحياة الدنيوية، وباذل العلم لمن لا يستحقه يستوجب عقوبة، ومانعه عن أهله يستوجب عقوبات، ولذلك قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) . وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون من تقيد من العامة بقيد الشرع بحسب حاله لا يصرف عما هو بصدده فيؤدي ذلك إلى انحلاله عن قيده، ثم لا يمكن أن يقيد بقيد الخواص فيرتفع السد الذي بينه وبين الشرور.

стр. 123

ومن كان اشتغاله بعمارة الأرض من بين تجارة أو مهنة فحقه أن يقتصر به من العلم على مقدار ما يحتاج إليه من هو في مرتبته في عبادة اللَّه العامية، وأن تملأ نفسه من الرغبة والرهبة الوارد بهما القرآن ولا تولد له الشُّبه والشكوك. فإن اتفق لبعضهم اضطراب نفس إما: بانبعاث شبهة تولدت له، أو ولدها له ذو بدعة دفع إليه فتاقت نفسه إلى معرفة حقيقتها، فحقه أن يختبر أولًا، فإن وجد ذا طبع للعلم موافق وفهم ثاقب وتصور صائب خُلِّيَ بينه وبين التعلم، وسوعد عليه بما يوجد من السبيل إليه، وإن وجد شريرًا في طبعه أو ناقصًا في فهمه منع أشد المنع، ففي اشتغاله بما لا سبيل له إلى إدراكه مفسدتان: ١ - تعطله عما يعود بنفع منه إلى العباد والبلاد. ٢ - واشتغاله بما يثير منه شبهة، وليس فيه له منفعة، وقد كان بعض الأمم المتقدمة إذا ترشح أحد منهم ليتخصص بمعرفة الحكم وحقائق العلوم والخروج من جملة العامة إلى الخاصة اختبر، فإن لم يوجد خيرًا في خلقه أو وجد غير متهيأ للتعلم منعه أشد المنع، وإن وجد خيرًا ومتهيأ للتعلم شورط على أن يقيد بقيد في دار الحكمة. ويمنع أن يخرج حتى يحصل له العلم أو يأتي عليه الموت، ويزعمون أن من شرع في حقائق العلوم، ثم لم يبرع فيها تولدت له الشبهة وكثرت فيصير ضالّا مضلًّا فيعظم على الناس ضرره وبهذا النظر قيل: نعوذ باللَّه من نصف متكلم. وجوب ضبط المتصدين للعلم ومضرة إهمال ذلك لا شيء أوجب على السلطان من مراعاة المتصدين للرياسة بالعلم، فمن الإخلال بها ينتشر الشر ويكثر الأشرار، ويقع بين الناس التباغض والتنافر، وذلك أن السواس أربعة: الأنبياء: وحكمهم على الخاصة والعامة ظاهرهم وباطنهم. والولاة: وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم. والحكماء: وحكمهم على بواطن الخاصة. والوعاظ: وحكمهم على بواطن العامة. وصلاح العالم بمراعاة أمر هذه السياسات لتخدم العامة الخاصة، وتسوس الخاصة العامة، وفساده في عكس ذلك، ولما تركت مراعاة المتصدي للحكمة والوعظ،

стр. 124

وترشح قوم للزعامة في العلم من غير استحقاق منهم لها فأحدثوا بجهلهم بدعًا استغروا بها العامة، واستجلبوا بها منفعة ورياسة، ووجدوا من العامة مساعدة لمشاكلتهم لهم، وقرب جوهرهم منهم، فكل قرين إلى شكله كأنس الخنافس بالعقرب، وفتحوا بذلك طرقًا منسدة، ورفعوا بها ستورًا مسبلة، وطلبوا منزلة الخاصة فوصلوا إليها بالوقاحة وبما فيهم من الشرة، فبدَّعوا العلماء وكفروهم اغتصابًا لسلطانهم ومنزاعة في مكانهم، فأغروا بهم أتباعهم حتى وطؤوهم بأخفافهم وأظلافهم فتولد من ذلك البوار والجور العام. ذكر من يصلح لوعظ العامة لا يصلح الحكيم لوعظ العامة لا لنقص في الحكيم، بل لنقص في العامي فلن ترى الشمسَ أبصارُ الخفافيش، وأيضًا فبين الحكيم والعامي من تنافي طبعيهما وتنافر شكليهما من النفار قريب مما بين الماء والنار والليل والنهار، وقد قيل لسلمة بن كهيل ما لعلي ﵁ رفضته العامة وله في كل خير ضرس قاطع، فقال: لأن ضوء عيونهم قصر عن نوره، والناس إلى أشكالهم أميل، وبهذا النظر لما قال جاهل لحكيم: إني أحبك، فقال له: نعيت إليَّ نفسي، فقيل له: ولم ذلك، فقال: لأنه إن صدق فليس ميله إليَّ إلا لنقيصة بدت من نفسي لنفسه فأنست بها، وعلى هذا قول الشاعر: لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير عاقل فحق الواعظ أن تكون له مناسبة إلى الحكماء ليقدر على الاقتباس عنهم والاستفادة منهم، ومناسبة إلى الدهماء حتى يقدروا بها على الأخذ منه كالوزير للسلطان الذي يجب أن يكون فيه أخلاق الملوك، وتواضع السوقة ليصلح أن يكون واسطة بينه وبينهم، وكالنبي الذي جعله الله من البشر وأعطاه قوة الملك ليمكنه أن يأخذ عن الملك ويمكن البشر أن يأخذوا عنه، وإلى هذا أشار تعالى بقوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا) تنبيهًا أنه ليس في وسعهم التلقي عن الملك ما لم يتجسم فيصير في صورة رجل. فإذن حق الواعظ أن تكون له نسبة إلى الحكيم ونسبة إلى العامة يأخذ منه ويعطيهم، كنسبة الغضاريف إلى اللحم والعظم جميعًا، ولولاها لما أمكن العظم أن يكتسب الغذاء من اللحم، وهذا مما إذا تؤمل اطلع منه على حكمة عجيبة وصنعة غريبة.

стр. 125

الحال التي يجب أن يكون الواعظ عليها حق الواعظ أن يتعظ ثم يعظ، ويُبصر ثم يُبَصِّر، ويهتدي ثم يهدي، ولا يكون كدفتر يفيد ولا يستفيد، وكمسن يشحذ ولا يقطع، بل يكون كالشمس التي تفيد القمر الضوء ولها أفضل مما تفيده، وكالنار التي تحمي الحديد ولها من الحمى أكثر مما تفيد، ويجب أن لا يجرح مقاله بفعاله، ولا يكذب لسانه بحاله، فيكون ممن وصفهم اللَّه تعالى بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) ونحو ما قال علي كرم اللَّه وجهه: " قصم ظهري رجلان: جاهل متنسك وعالم متهتك، فالجاهل يغر الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه "، والواعظ ما لم يكن مع مقاله فعاله لا ينتفع به وذلك أن عمله يدرك بالبصر، وعلمه مدرك بالبصيرة، وأكثر الناس أصحاب الأبصار دون البصائر، فيجب أن تكون عنايته بإظهار عمله الذي يدركه جماعتهم أكثر من عنايته بالعلم الذي لا يدركه إلا البصير منهم. ومنزلة الواعظ من الموعوظ كمنزلة المداوي من المداوى، فكما أن الطيب إذا قال للناس: لا تأكلوا هذا فإنه سم قاتل، ثم رأوه آكلًا له عد سخرية وهزأ، كذلك الواعظ إذا أمر بما لا يعمله، وبهذا النظر قيل: يا طبيب طب نفسك، بل قد قال تعالى: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إلى غير ذلك من الآيات، وأيضًا فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطابع من المطبوع فكما أنه محال أن ينطبع الطين بما ليس منتقشًا في الطابع كذلك محال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس بموجود في نفس الواعظ. فإذا لم يكن الواعظ إلا ذا قول مجرد من الفعل لم يتلق عنه الموعوظ إلا القول دون الفعل، وأيضًا فإن الواعظ يجري من الناس مجرى الظل من ذي الظل، فكما أنه محال أن يعوج ذو الظل والظل مستقيم، كذلك من المحال أن يعوج الواعظ والموعوظ مستقيم، وأيضًا فكل شيء له حالة يختص بها فإنه يجري غيره بإرادة منه أو غير إرادة، كالماء الذي يحيل ما يتلقاه من العناصر إلى

стр. 126

نفسه بقدر وسعه إلي نفسه، وكذلك النار والأرض والهواء فالواعظ إذا كان غاويًا جر بغيه غيره إلى نفسه، ولهذا حكى اللَّه تعالى عن الكفار قوله: (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا) وقال أيضًا: (فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) . فمن ترشح للوعظ ثم فعل فعلًا قبيحًا اقتدى به غيره فقد جمع بين وزره ووزرهم، كما قال تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) وقال تعالى: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) وقد قال ﷺ : " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها يوم القيامة "، بل قد قال اللَّه تعالى: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) . صعوبة المعيار الذي تدرك به حقائق العلوم كما أن للدراهم والدنانير ميزانًا قد عرف أهلها صحته فلكل علم ميزان نحو: الحساب للمعدودات، والهندسة للممسوحات، والعروض للشعر، والنحو للألفاظ العربية، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) وأوصى الذين أعطاهم الموازين فقال: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) وقال تعالى: (أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) فكل شاكٍ أو منازع غيره في مقدار فحقه أن يعتمد ميزانه إن عرفه ويقلد أربابه إن لم يعرفه، فإن من ترك ذلك وأخذ يخرص ويحزر ويظن ويخمن لم يزل شكه ولم يسقط خلافه، فالخرص قلما يصدق والظن قلما يوافق ويحقق، ولذلك عبر بالخرص عن الكذب، فقال تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) وقال تعالى: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) وقال تعالى في ذم الظن: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) ومعلوم أن ميزان الدين الذي صوابه يوصل إلى الثواب العظيم وخطؤه يفضي إلى العذاب الأليم أصعب الموازين وأشرفها وأولاها بالمعرفة، وكثير في زماننا ممن تحلى بعلم الكلام وترشح فيه للجدال والخصام ورام الزعامة فيه قبل أوانها،

стр. 127

وطلب تحقيق موزوناته بغير ميزانها، أخذ كل واحد منهم يخرص خرصًا ويظن ظنًا ويسلك بظنه طريقًا غير نهج، فإذا وقع بينهم خلاف جعل كل واحد منهم ميزانه خرصه، واتبع فيما اعتقده ظنه، فإذا تحاكموا إلى ما اتخذوه ميزانًا صار خلافهم في الميزان أكثر من خلافهم في الموزون فهم في ذلك كمن غص بطعام فاستغاث بماء فشرق به. لا جرم أن كثيرًا من مناظراتهم لا تولد إلا شبهة ولا تثمر إلا حيرة، ولا يقوم عنها اثنان بثاطة مدت بماء: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) . كراهية الجدال للعوام وذمه على كل حال إباحة تعاطي الجدال للعامة الذين لم يتدربوا في تحصيل القوانين، ولم يتهذبوا في سبيل البراهين يجري مجرى حل قيد الشياطين ورفع سد يأجوج ومأجوج فإنه يثير سلطان قوتهم السبعية منخلعة من يد قائد العقل وقيد الشرع، فالجدال مكروه للعلماء الألباء فكيف للجهال الأغبياء؟! ألا ترى أنه تعالى قال لنبيه ﷺ : (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فلم يطلق له جدال مخالفيه حتى قيده بالأحسن هنا مع وصفه ﷺ بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) وقال تعالى في ذم الجدال: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) وقال: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ. وللجدال مع كونه مكروهًا شرائط وقوانين فمن تعطَّاه ولم يكن متدربًا فيها كان

стр. 128

خصيمًا جدلًا، والخصومة عديمة الفائدة قليلة العائدة فإن الجدال مع ما فيه قد يوقظ الفهم ويثير الأنفة لاقتباس العلم، والخصومة لا تثمر إلا العداوة وإنكار الحق؛ فلهذا جعلها اللَّه تعالى شرًّا من الجدال فقال تعالى: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) وقال: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) أي: جيد الخصومة مبين، ولم يذكر الخصام في موضع إلا عابه، وأيضًا فالمتجادلان يجريان مجرى فحلين تعاديا، وكبشين تناطحا، ورئيسين تحاربا، وكل واحد منهما يجتهد أن يكون هو الفاعل (وصاحبه هو المنفعل، وأن يكون هو الطابع) وصاحبه المنطبع، والقائل كالمؤثر، والسامع كالمتأثر، (ومتى لم يخضع المتأثر لقبول أثر المؤثر) لم يتولد منهما خير بوجه، وقال حكيم: المجادل المدافع يجعل في نفسه عند الخوض في الجدال أن لا يقنع بشيء، ومن لا يقنعه إلا أن لا يقنع فما إلى إقناعه سبيل، ولو اتفق عليه الحكماء بكل بينة، بل لو اجتمع عليه الأنبياء بكل معجزة، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. ما يجب أن يعامل به الجدل المماحك إذا ابتليت بمجادل مهاوش ومساجل مناوش قصده اللجاج لا الحجاج ومراده مباهاة العلماء ومماراة السفهاء، كما قال النبي ﷺ : " من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء "، وقد قال الشاعر في مثله: تراه معدًا للخلاف كأنه ... يرد على أهل الصواب موكل فحقك أن تفر منه فرارك من الأسود والأساود فإن لم تجد من مزاولته بدًّا فقابل

стр. 129

إنكاره الحق بإنكارك الباطل، ودفاعه الصدق بدفاعك الكذب معتبرًا في ذلك قول اللَّه تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ) وقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) وقوله حكاية عن المنافقين: (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) وقوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وتتبلغ معه بذلك، وإياك وأن تعرج معه إلى بث الحكمة وأن تذكر له شيئًا من الحقائق ما لم تتحقق أن له قلبًا طاهرًا لا تعافه الحكمة فقد قال ﷺ : " لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب " وإن لكل تربة غرسًا ولكل بناء أسًّا وما كل رأس تستحق التيجان، ولا كل طبيعة تستحق إفادة البيان. وإن كان لا بد فاقتصر معه على إقناع يبلغه فهمه، فقد قيل: كما أن لب الثمار معد للأنام فالتبن مباح للأنعام، كذلك لب الحكمة معد لذوي الألباب وقشورها مبذولة للأنعام، وكما أنه من المحال أن يشم الأخشم ريحانًا فمحال أن يفيد الحمار بيانًا، واعلم أن سبيل إنكار الحجة والسعي في إفسادها أسهل من سبيل المعارضة بمثلها والمقابلة لها، ولهذا يتحرى الجدل الخصيم أبدًا بالدفاع لا المعارضة بمثلها، وذلك أن الإفساد هدم وهو سهل والإتيان بمثله بناء وهو صعب، فإن الإنسان كما يمكنه قتل النفس الزكية وذبح الحيوانات وإحراق النبات، ولا يقدر على إيجاد شيء منها يمكنه إفساد حجة قوية بضرب من الشبه المزخرفة ولا يمكنه الإتيان بمثلها، ولأجل ما قلنا دعا الله الناس في الحجج إلى الإتيان بمثلها لا إلى السعي في إفسادها، فقال تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) وقال: (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) فرضي أن يأتوا بما فيه مشابهة له وإن كان ذلك مفترى، وقال إبراهيم ﷺ : (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) . واللَّه الموفق. الوجوه التي من أجلها تقع الشبه ويتولد الخلاف السبب الموقع للشبه والمولد للخلاف على القول المجمل سببان: المعنى واللفظ. فأما ما كان من جهة المعنى: فإما أن يكون من جهة الناظر أو من جهة المنظور فيه وهو الحجة، أو من جهة الآلة التي تستعمل في النظر فإن الناظر في الشيء المعتبر له جارٍ

стр. 130

مجرى وزان وحججه كالميزان والمنظور فيه كالموزون، فمتى كان الناظر غير تام العقل كان أعمى البصيرة فيجري مجرى وزان أعمى البصر فلا سبيل له إلى الوزن، ومتى لم يكن أعمى البصيرة لكنه غير عارف بقوانين البراهين والحجج والأدلة كان جاريًا مجرى وزان عدم الميزان فأخذ يخمن، والمخمن قلما ينفك من غلط، بل ما وقع منه من الصواب فغير معتد به، إذ لا أصل له تسكن إليه النفس، ومتى لم يكن أعمى البصيرة ولكنه لا يعرف أي حجة يستعمل فيما هو بصدده فيطلب المعقول من جهة المحسوس، والمحسوس من جهة المعقول كان جاريًا مجرى وزان بصير لكنه يزن الدنانير بصنج الدراهم والدراهم بصنج الدنانير. وأما ما كان من جهة اللفظ فإما أن يكون واقعًا من جهة مفردات اللفظ، أو من جهة مركباته، فإن كان من مفردات اللفظ فإما أن يكون من حيث إن اللفظ مشترك بين معنيين كالعين واليد ونحوهما، أو يكون اللفظ عامًّا موضوعًا موضع خاص أو خاصًّا موضوعًا موضع عام، أو يكون اللفظ مستعملًا على سبيل المثل والإشارة والرمز أو يكون اللفظ مستعملًا لشيء لم تتقرر صورة ذلك الشيء في نفس السامع فيخيل إليه وهم فاسد كاعتقاد كثير من الناس اعتقادات فاسدة في الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار والميزان والصراط والكرسي. وأما ما كان من جهة التركيب فإما أن يكون من جهة الكمية، وذلك بأن يكون اللفظ أكثر مما يجب أو أقل مما يجب أن يكون، وإما من جهة الكيفية وذلك أن يقدم ما حقه أن يؤخر، أو يؤخر ما حقه أن يقدم كقول الشاعر (الفرزدق: وما مثله في النفس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه ومن أجل ما وقع في الألفاظ من الشبه قال الحكماء: يجب أن يكون نظر الإنسان في المعنى إلى اللفظ أكثر من نظره من اللفظ إلى المعنى فإن اللفظ في الحقيقة لا يدل على المعنى إلا بواسطة صورة ذلك المعنى في القلب، ومتى لم تثبت صورة المعنى في القلب لم يفهم من اللفظ المعنى ألبتة.

стр. 131

بيان جميع اختلافات الناس في الأديان والمذاهب جميع الاختلافات بين أهل الأديان والمذاهب على أربع مراتب: الأولى: الاختلاف بين أهل الأديان النبوية وبين الخارجين عنها من الثنوية والدهرية وذلك في حدوث العالم، وفي الصانع وفي التوحيد. والثانية: الاختلاف بين أهل الأديان النبوية بعضهم مع بعض وذلك في الأنبياء كاختلاف المسلمين والنصارى واليهود. والثالثة: الخلاف المختص في أهل الدين الواحد بعضهم مع بعض في الأصول التي يقع فيها التبديع والتفجير كالاختلاف في كثير من صفات اللَّه تعالى وفي القدر وكاختلاف المجسمة. الرابعة: الاختلاف المختص بأهل المقالات في فروع المسائل كاختلاف الشافعية والحنفية. فالاختلاف الأول: يجري مجرى متنافيين في مسلكيهما كآخذ طريق المشرق، وآخذ طريق المغرب، وكآخذ ناحية الشمال، وآخذ ناحية الجنوب. والثاني: يجري مجرى آخذ نحو المشرق، وآخذ يمينه أو شماله، فهو وإن كان أقرب من الأول فليس يخرج أحدهما عن أن يكون ضالّا ضلالًا بعيدًا، وإيَّاهما قصد بقوله تعالى: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) . والثالث: جارٍ مجرى آخذين وجهة واحدة، ولكن أحدهما سالك للمنهج، والآخر تارك للمنهج، وهذا التارك للمنهج ربما يبلغ وإن كان يطول عليه الطريق.

стр. 132

والرابع: جارٍ مجرى جماعة سلكوا منهجًا واحدًا لكن أخذ كل واحد شعبة غير شعبة الآخر، وهذا هو الاختلاف المحمود بقوله ﷺ : " الاختلاف في هذه الأمة رحمة " ونحوه نظر من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب، ولأجل الفرق الثلاث أمرنا أن نستعيذ باللَّه تعالى ونتضرع إليه بقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) وقال: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) وجميع الخلاف الواقع في هذه الأمة اثنان وسبعون على ما ورد في الخبر لا زائدًا ولا ناقصًا، وقد روي الخبر في ذلك على وجهين: أحدهما: " ستفترق أمتي على اثنين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة "، وفي الخبر الآخر: " كلها في الجنة إلا واحدة " وهم الزنادقة وهذان خبران لا يمتنع أن يكونا صحيحين، ولكن على نظرين ومعنيين، وقد ذكر ذلك وبين في رسالة مفردة. وصلى اللَّه وسلم على سيدنا محمد خير خلقه. النطق والصمت النطق أشرف ما خص به الإنسان، فإنه صورته المعقولة التى بها باين سائر الحيوان، ولهذا قال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) ولم يقل: وعلمه البيان، إذ جعل قوله: (عَلَّمَهُ) تفسيرًا لقوله: ((خَلَقَ الْإِنْسَانَ تنبيهًا أن خلقه تعالى إيَّاه هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعًا عنه لكانت الإنسانية مرتفعة، ولذلك قيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، وقيل: المرء مخبوء تحت لسانه، وقال الشاعر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

стр. 133

أي: إذا توهم ارتفاع النطق الذي هو اللسان والقوة الناطقة التي هي بالفؤاد لم يبق إلا صورة اللحم والدم، فإذا كان الإنسان هو الإنسان بذلك فلا شك أن من كان أكثر منه حظا كان أكثر منه إنسانية. والصمت من حيث ما هو صمت مذموم فذلك من صفة الجمادات فضلًا عن الحيوانات، وقد جعل اللَّه تعالى بعض الحيوانات بلا صوت، وجعل لبعضها صوتًا بلا تركيب، ومن مدح الصمت فاعتبارًا بمن يسيء في الكلام فيقع منه جنايات عظيمة في أمور الدين والدنيا. كما روي أن الإنسان إذا أصبح كفرت أعضاؤه لسانه فتقول: اتق اللَّه فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، فأما إذا اعتبرا بنفسيهما فمحال أن يقال في الصمت فضلٌ فضلًا أن يخاير بينه وبين النطق، وقد سئل حكيم عن أفضلهما: فقال: الصمت أفضل حتى يحتاج إلى النطق وسئل آخر فقال: الصمت عن الخنا أفضل من الكلام بالخطا وعنه أخذ الشاعر فقال: الصمت أحسن بالفتى ... من منطق في غير حينه والفرق بين الصمت والسكوت، والإنصات والإصاخة أن: الصمت: أبلغ لأنه قد يستعمل فيما لا قوة فيه للنطق، وفيما له قوة النطق، ولهذا قيل لما لا نطق له: الصامت والمصمت. والسكوت: يقال لما له نطق فترك استعماله. والإنصات: سكوت مع استماع، ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له في الحقيقة: إنصات، وعلى ذلك قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) فقوله: (وَأَنْصِتُوا) بعد قوله: (فَاسْتَمِعُوا) يدل أن الإنصات بعد الاستماع ذكر خاص بعد عام. والإصاخة: الاستماع إلى ما يصعب إدراكه؛ كالسر والصوت من المكان البعيد.

стр. 134

الصدق ومدحه والكذب وذمه أصلهما في القول، ولا يكونان بالقصد الأول من القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، فأما بالعرض فقد يدخل في أنواع الكلام من الاستفهام والأمر والدعاء، وذلك أن يقول القائل: أزيد في الدار، في ضمنه إخبار بكونه جاهلًا بحال زيد، وكذلك إذا قال: واسني، في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني؛ في ضمنه أنه يؤذيه، وكلاهما - أعني الصدق والكذب - يستعمل في الاعتقاد أيضًا كقولهم: صدق ظننه واعتقاده وكذبا، ويستعملان أيضًا في أعمال الجوارح نحو: صدقوهم القتال وكذبوهم، وحد صدق التام هو مطابقة القول الضمير والخبر عنه، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًا، بل إما أن لا يوصف بالصدق والكذب، أو يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على نظرين مختلفين؛ كقول الكافر: إذا قال من غير اعتقاد محمد رسول اللَّه، فإن هذا يصح أن يقال فيه: إنه صدق لكون الخبر عنه كذلك، ويصح فيه أن يقال: إنه كذب لمخالفة قوله ضميره؛ ولهذا كذبهم اللَّه تعالى حيث قال: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) وكذلك إذا قال من لم يعلم كون زيد في الدار: إنه في الدار، يصح أن يقال: صدق وأن يقال: كذب باعتبار نظرين مختلفين؛ ولهذا قال ﷺ : " من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ "، وفي لفظ آخر: " فقد كذب على اللَّه "، والمتوسم لا قصد له، فإذا قال: زيد في الدار؛ لا يقال: أنه صدق ولا كذب. والصدق أجدر أركان بقاء العالم حتى لو توهم مرتفعًا لما صح نظامه وبقاؤه، وهو أصل المحمودات وركن النبوات، ونتيجة التقوى، ولولاه لبطلت أحكام الشرائع؛ ولذلك قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) والاختصاص بالكذب انسلاخ عن الإنسانية فخصوصية الإنسان النطق، ومن عرف بالكذب لم يعتمد نطقه، ومن لم يعتمد نطقه لم ينفع، وإذا لم ينفع نطقه صار هو والبهيمة سواء، بل يكون شرًّا من البهيمة، فإن البهيمة وإن لم تنفع بلسانها فإنها لا تضر، والكاذب يضر ولا ينفع،

стр. 135

وقد قال تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) . واعلم أن كل كلام خرج على وجه المثل للاعتبار دون الإخبار فليس بكذب في الحقيقة، ولهذا لا يتحاشى المحّجوزون من التحدث به كقولهم في الحث على مداراة العدو والتلطف في خدمة الملوك أن سبعًا وذئبًا وثعلبًا اجتمعوا فقالوا: نشترك فيما نتصيد فصادوا عيرًا وظبيًا وأرنبًا، فقال السبع للذئب: اقسم، فقال الذئب: هو مقسوم العير لك والظبي لي والأرنب للثعلب، فوثب السبع فأدماه، ثم قال للثعلب: اقسم، فقال: هو مقسوم العير لك لغذائك، والظبي لمقيلك، والأرنب لعشائك، فقال السبع: من علمك هذه القسمة المليحة، فقال: علمني الثوب الأرجواني الذي على الذئب، وعلى المثل حمل قوم قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) وقوله تعالى: (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) فقالوا: يصح هذا لما كان مثلًا وإن لم تجرِ العادة بوجود الحبة هكذا. ما يحسن ويقبح من الصدق والكذب ذهب كثير من المتكلمين إلى أن الصدق يحسن لعينه والكذب يقبح لعينه، وقال كثير من الحكماء والمتصوفة: إن الكذب يقبح لما يتعلق به من المضار الحاصلة منه، والصدق يحسن لما يتعلق به من المنافع الحاصلة منه وذلك أن الأقوال من جملة الأفعال. وشيء من الأفعال لا يحسن لذاته، بل إنما يحسن ما يحسن لما يتعلق به من المنافع، ويقبح ما يقبح لما يتعلق به من الضرر الموفي على ما فيه من النفع وبالعكس، ألا ترى أن أعظم ما يجري في العالم القتل والغصب، وقد يقع كل واحد منهما على وجه يحسن وعلى وجه يقبح، وكذا المقال من الصدق والكذب، ولذلك قل ﷺ : " لا يحسن الكذب إلا في ثلاث: إصلاح ذات البين، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها، وكذب الرجل في الحرب فإنها خدعة "، وقد روي عنه ﷺ : " إذا أتاكم عني حديث يدل

стр. 136

على هدى أو يرد عن ردى فاقبلوه، قُلته أو لم أقله، وإن أتاكم عني حديث يدل على ردى أو يصد عن هدى فلا تقبلوه، فإني لا أقول إلَّا حقا " (١) قالوا: والكذب يكون قبيحًا بثلاث شرائط: أن يكون الخبر بخلاف المخبر عنه، وأن يكون الخبر قد اختلقه قبل الإخبار به، وأن يقصد إيراد ما في نفسه، لا نفعًا أعظم من ضرر ذلك الكذب مع شرط أن لا يمكن الوصول إلى ذلك النفع بغيره، ومع أنه إذا ظهر كان للكاذب عذر واضح عاجلًا وآجلًا، قالوا: ولا يلزم على هذا أن يقال: جوزوا الكذب فيما يرجى منه نفع دنيوي، فإن المنفعة الدنيوية ولو كانت ملك الدنيا بحذافيرها لا تعادل الضرر الحاصل من أدنى كذب، وإنما هذا الذي قلناه يتصور في نفع أخروي يكون الإنسان فيه عاجلًا وآجلًا معذور كمن سألك عن مسلم استتر في دارك وهو يريد قتله، فيقول:هل فلاف في دارك، فتقول: لا، فهذا يجوز، لأن نفع هذا الكذب موفي على ضرره وهو فيه معذور، ولا خلاف أن في المعاريض حيث يضطر الإنسان إليها تجوز، ولذلك قيل: في المعاريض مندوحة عن الكذب، ولم يزل الأنبياء والأولياء يفزعون إليها كقول النبي ﷺ لمن سأله: من أين أنت، فقال: " من الماء "، وقول إبراهيم ﷺ : (إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) . وقوله: " هذه أختي "، وقوله: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) . وأما الصدق: فإنما يحسن حيث يتعلق به نفع ولا يلحق ضررًا بأحد، فمعلوم قبح قول من يقعد ويقول: السماء فوقي والأرض تحتي من غير أن يريد أن يجعل هذا مقدمة دليل أو إفادة معنى يعلقه به، وكذا تقبح النميمة والغيبة والسعاية وإن كان ذلك صدقًا، ولذلك قيل: كفى بالسعاية ذمًّا أنه يقبح فيها الصدق. وأقبح الكذب مع قبح كله أو جُلّه ما لا يتعلق به رجاء نفع عاجل أوآجل، ويجلب إلى المقول له ضررًا كرجل يأتيك من بلد بعيد فيقول لك: إن ملك ذلك البلد يرغب فيك، ويتشوق إليك، ويسألك أن تأتيه لينيلك مالًا وجاهًا، فإذا وردت عليه لم تجد لذلك القول حقيقة، بل وجدت ذلك الملك حنقًا عليك.

стр. 137

أنواع الكذب والسبب الداعي إليه الكذب إما أن يكون اختراعًا لقصة لا أصل لها، أو زيادة في القصة أو نقصانًا يغيران المعنى، أو تحريفًا بتغيير عبارة. فما كان اختراعًا يقال له: الافتراء والاختلاق، وما كان من زيادة أو نقصان فمَينٌ، وكل من أورد كذبًا في غيره، فإما أن يقوله بحضرة المقول فيه أو بغير حضرته، وأعظم الكذب ما كان اختراعًا بحضرة المقول فيه، وهو المعبر عنه بالبهتان، وكل من أورد حديثًا فإما أن يخبر به عن علم أو عن غلبة ظن أو عن ظن وتخمين واهٍ فما يقال عن علم فمحمود بلا شك، وما كان عن غلبة ظن فقد يحسن وقد يقبح، وما كان عن ظن واهٍ فمذموم، ولذلك قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) . واعلم أن الداعي إلى الكذب محبة النفع الدنيوي وحب الترأس، وذلك أن المخبر يرى أن له فضلًا على المخبر بما علمه فهو يتشبَّه بالعالم الفاضل في ذلك فيظن أنه يجلب بما يقوله فضيلة ومسرة، وهو يجلب به نقيصة وفضيحة، ففضيحة كذبة واحدة لا توازي مسرات دهره، فالكذب عار دائم وذل دائم، وحق الإنسان أن يتحرى الصدق ويتعوده ولا يترخص في أدنى كذب، فمن استحلاه عسر عليه فطامه، وقد قال بعض الحكماء: كل ذنب يرجى تركه بتوبة أو إنابة ما خلا الكذب فإن صاحبه يزداد على الكبر، فقد رأينا شارب خمر أقلع، ولصًّا نزع، ولم نرَ كذابًا رجع، وعوتب كذاب في كذبة فقال: لو تغرغرت به وتطعمت حلاوته لما صبرت عنه، والله الهادي. الذكر الحسن من المدح والثناء محبة الذكر الحسن أشرف مقاصد أبناء الدنيا، وهي في جبلة الناس من خصائصهم، ولا توجد في غيره من الحيوان كما قال الشاعر: ... ... ... ... ... ... حب الثناء طبيعة الإنسان

стр. 138

ولولا الكلف به لما ظهرت العدالة من أكثر الناس، ومن لا يخوفه الهجاء ولا يسره الثناء فلا يردعه عن سوء الأفعال إلا نار أو سيف، وقد قيل: الذي ينفر عن القبيح ويحث على الجميل أربعة أشياء: العقل، ثم الحياء، ثم المدح والهجاء، ثم الترغيب والترهيب، وقد قيل: من لم يردعه الذم عن سيئة ولم يستدعه المدح إلى حسنة فهو جماد أو بهيمة، ولأجله تنازع الناس الرياسة والمنازل الرفيعة، وليس الثناء في نفسه بمحمود ولا مذموم، وإنما يحمد ويذم بحسب المقاصد، فمن قصده طلب ما يستحق به الثناء على الوجه الذي يستحب، فذلك محمود، وهو طريقة إبراهيم الخليل ﷺ حيث قال: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) أي: اجعلني بحيث أفعل ما إذا مدحت به يكون مادحي صادقًا، ومن هذا الوجه ندب الإنسان إذا مدح أن يقول: اللَّهم اجعلني خيرًا مما يظنون، والمذموم منه أنه يميل إليه من غير تجربة لفعل ما يقتضيه وذلك من أعظم الآفات لمن تحراه، فإنه يفتح باب الحسد، والحسد يفتح باب الكذب، والكذب رأس كل مذموم، وقد توعد الله تعالى من طلب المحمدة من غير فعل حسنة تقتضيها، فقال تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) . وبالنظر إلى ما تقدم قال ﷺ : " من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن "، وقال: " المؤمن إذا مدح في وجهه ربا الإيمان في قلبه "، وبالنظر إلى ما تأخر سمع النبي ﷺ رجلًا، وقد أثنى على آخر فقال ﷺ : " قطعت مطاه لو سمعها ما أفلح " فالفاضل يكره الثناء عليه في وجهه سيما إذا كان من مادح مُطر وجليس مغر، وممن يهدف قبل أن يعرف، وممن إذا وجد قادحًا قدح وإذا وجد مادحًا مدح. وأما ثناء الإنسان على نفسه فشناعة وفظاعة، فقد قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقّا، فقال: مدح الرجل نفسه، وقد قال معاوية ﵀ لرجل: من سيد قومك، فقال: أنا، فقال: لو كنته لما قلته، وإنما لم يستقبح ما كان من يوسف ﷺ حيث قال: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) لأنه قصد بذلك التنبيه على استغلاله بما سأل أن يفوض إليه،

стр. 139

وقد أحسن ابن الرومي حيث اعتذر عن مدح نفسه قصد الدلالة على مكانه، فقال: وعزيز عليَّ مدحي لنفسي ... غير أني جشمته للدلال وهو عيب يكاد يسقط فيه ... كل حر يريد إظهار آل وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وسلم. الشكر الشكر هو: تصور المنعم عليه النعمة وإظهارها، قيل: وهو مقلوب عن الكشر وهو الكشف، ويضاده الكفر وهو من كفر الشيء، أي: تغطته ومنه دابة شكور، أي: مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها، وقيل: أصله من عين شكري، أي: ممتلئة فالشكر هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، ومن هذا الوجه قيل: هو أبلغ من الحمد؛ لأن الحمد، لا يقتضي الامتلاء، ومن وجه ذكر الشيء بصفاته المحمودة والشكر ذكره بصفاته وبنعمه. فالشكر على ثلاثة أضرب: شكر بالقلب: وهو تصور النعمة، وشكر باللسان وهو الثناء على المنعم، وشكر بسائر الجوارح وهو مكافأته بقدر استحقاقه، وهو أيضًا باعتبار الشاكر، والمشكور ثلاثة أضرب: شكر الإنسان لمن فوقه وهو بالخدمة والثناء والدعاء، وشكره لنظيره وهو بالمكافأة، وشكره لمن هو دونه وهو بالثواب، وقد وصف اللَّه تعالى نفسه بالشكر لصالحي عباده، وشكر العبد لربه هو معرفة نعمته وحفظ جوارحه بمنعها عن استعمال ما لا ينبغي، ومعناه بالفارسية أسبياس دارم خداي را، أي: أنا حارس له على جوارحي، وشكر المنعم في الجملة واجب بالعقل كما هو واجب بالشرع، وأوجبها شكر الباري تعالى، ثم شكر من جعله سببًا لوصول خير إليك على يده، ولهذا قال ﵊: " لا يشكر اللَّه من لم يشكر الناس "، وقال ﵊: " اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على

стр. 140

من شكرك، فإنه لا زوال لنعمة إذا شكرت، ولا دوام لها إذا كفرت " (١) وقال بعض أهل العلم: كل نعمة يمكن شكرها إلَّا نعمة الله تعالى فإن شكر نعمته نعمة منه، فيحتاج العبد أن يشكر الثاني كشكره الأول، وكذلك الحال في الثالث والرابع، وهذا يؤدي إلى ما لا يتناهى، ولذلك قال موسى ﷺ : " اللهم أمرتني بالشكر على نعمتك، وشكري إيَّاك نعمة من نعمك " ومن هذا أخذ الشاعر فقال: إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليَّ له في مثلها يجب الشكرُ فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمرُ ولهذا قيل: غاية شكر اللَّه تعالى الاعتراف بالعجز عنه، بل قد قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) وأيضًا فكل ما يفعل الله بعبده فهو منه نعمة وإن كان قد يعد ذلك بلية، ولذلك قال بعض الصالحين: يا من منعه عطاء وبلاؤه نعماء؛ ولأجل صعوبة شكره قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) ولم يثن بالشكر على أوليائه إلا على اثنين منهم، قال في إبراهيم: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) فخص اللَّه تعالى لفظ الأنعم الدال على أدنى العدد، وقال في نوح: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) . واعلم أن الشكر والصبر جماع الإيمان، كما روي في الخبر، وقد روي: " الصبر نصف الإيمان ". لكن قد قال بعض المتصوفة: الشكر أفضل من الصبر، فإن الصبر حبس النفس على مسالمة البلاء، والشكر أن لا تلتفت إلى البلاء، بل يراه من النعماء، فمن صبر فقد ترك إظهار الجزع، ومن شكر فقد تجاوز إلى إظهار السرور بما جزع له الصابر، وأيضًا فالصبر هو ترك للعمل السئ، والشكر إظهار الفعل الحسن، وليس من ترك قبيحًا كمن فعل حسنًا وجميلًا، وقابل تعالى الشكر بالمجازاة، فعل الحبيب بحبيبه، فقال تعالى: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وقابل الصبر

стр. 141

بالأجر؛ فعل المستأجر بأجيره، فقال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) وأين الأجر وإن كثر حتى صار بغير حساب من الجزاء، ثم قال في الصبر: (يُوَفَّى) ، فلم يسم فاعله، وقال في الشكر: ((وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) ، (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) فانظر إلى هذا اللطف في المقال قبل الانتهاء إلى الفعال ولم يذكر من أنبيائه بالشكر إلا اثنين كما تقدم ووصف جماعتهم بالصبر فقال: (كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) فجعل الصبر مبدأ والشكر منتهى؛ ولأن الصبر محمول عليه قهرًا والشكر مؤدى تطوعًا. الغيبة والنميمة الغيبة: أن يذكر الإنسان غيره بما فيه من عيب من غير أن يحوج إلى ذكره، وقد عظم اللَّه أمرها فقال: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) وقال تعالى: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) وقال ﵊: " لا يدخل الجنة قتات "، وروي: " النميمة تفطر الصائم وتنقض الوضوء "، وقلَّ من وجد عائبًا إلا كان معيبًا، وقال قتيبة لرجل رآه يغتاب آخر: لقد تلمظت بما يعافه الكرام، وحق الإنسان أن لا يتعودها فإن لها ضراوة، ولذلك عير إنسان آخر بالغيبة فقال: لو تلمظت بها لما صبرت عنها، ثم إن من اغتاب اغتيب، ومن عاب عيب، فبحثه عن عيوب الناس يحمل الناس على البحث عن عيوبه وكما يجب أن يتحراها بقوله يجب أن يتجنب من سماعها وسماع كل قبيح من الكذب، لئلا يعلق وضره ووسخه بفكرته فوضر كل كلمة عوراء لا يمكن تطهير القلب عنه إلا بزمان مديد وعلاج شديد، وسماع القبيح قد يصير سببًا لفساد الكبير المجيد وغواية العالم المستبصر، فضلا عن فساد الحدث الغر والناشئ الغمر، ولذلك قال تعالى في مدح قوم: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وقد أجاد من قال: وسمعَك صُن عن سماع القبيح ... كصَوْن اللسان عن النطق به وكقبح الغيبة والنميمة المسابة، قال أمير المؤمنين علي رضي اللَّه تعالى عنه: " ما تساب .

стр. 142

اثنان إلا غلب ألأمهما وإلا انحط الأعلى إلى رتبة الأسفل منهما "، وقد قيل: إذا سمعت كلمة تؤذيك فتطامن لها حتى تتخطاك. وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وسلم. الكلام المستقبح البذاء: الكلام القبيح، ويكون من القوة الشهوية طورًا؛ كالرفث والسخف، ويكون من القوة الغضبية طورًا، فمتى كان معه استعانة بالقوة الفكرة يكون فيه السباب، ومتى كان من مجرد الغضب كان صوتًا مجردًا لا يفيد نطقًا، كما ترى كثيرًا ممن فار غضبه وهاج هائجه. والرفث: فواحش الكلام في باب النكاح وأوصاف النساء وهو قبيح، قال بعضهم: إني لأستقبح من الرجل أن يكون وصافًا لبطنه وفرجه، ومن حق الإنسان أن يصون عن ذلك كله سمعه كما يصون عن التفوه به فمه؛ ولذلك قال تعالى في مدح قوم: ((وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وقال: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥) . والسباب ثلاثة: الأول: قدح في نسب المسبوب. والثاني: في نفسه أو بدنه لعاهة به أو آفة. والثالث: في شيء فعله أو فعل به. والسفه: التسرع إلى القول القبيح أو الفعل القبيح. المزاح والضحك المزاح: إذا كان على الاقتصاد محمود، فقد روي عنه ﷺ أنه قال: " إني لأمزح ولا أقول إلا حقًا "، وروي عنه ﷺ كلمات مازح بهن، وقال سعيد بن العاص

стр. 143

لابنه: اقتصد في مزاحك، فالإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجريء عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين. ولكن الاقتصاد فيه صعب جدا لا يكاد يوقف عليه، ولذلك تحرج عنه أكثر الحكماء حتى قيل: المزاح مسلبة للبهاء، ومقطعة للإخاء، وفعل لا ينتج إلا الشر. وأما الضحك فمن خصائص الإنسان، وذلك أنه يكون من التعجب، والتعجب لا يكون إلا عن فكرة، وبالفكرة يميز الإنسان عن البهائم والاقتصاد فيه، ومعرفة ما يحسن منه عسير كما هو في المزاخ. وقيل: إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب وتورث النسيان، وقيل: كثرة الضحك من الرعونة، وحكي عن عيسى ﷺ أنه قال: " إن اللَّه تعالى يبغض المضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب. وأما إيراد المضحكات على سبيل السخف فنهاية القباحة ". وقد قال ﷺ : " ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك القوم، ويلٌ له، ويلٌ له ". الحلف أقبح من الكذب اليمين الفاجرة فيها مع الكذب الاستهانة بالمقسم به، وحق المسلم أن يتحاشى من الاستعانة باليمين في الحق فكيف في الباطل، وأن يتحقق تقدير القسم ومما يراد به ليعلم أن الأغراض الدنيوية أوبخ أمرًا وأخس قدرًا من أن يفزع فيها إلى الحلف باللَّه، وتقدير ذلك قول القائل إذا قال: تاللَّه إن لي عليك كذا، أي: كون ذلك لي عليك حق كما أن وجود الله تعالى حق، وهذا كلام يتحاشى منه من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من تعظيم اللَّه، وقد قال اللَّه سبحانه: (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) وقال: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) وقال علي ﵁: " الحلف ينفق السلعة ويمحق البركة " ولم يخص

стр. 144

يمينًا من يمين. وأما قول النبي ﷺ : " من لم يحلف على ماله فلا مال له " فإنه وإن كان بنظر الفقهاء يتصور أنه مفسحة في الحلف صادقًا، فإنه بنظر الحكماء يحث على إيثار التعظيم للَّه وتقديمه على إيثار المال وتعريض بأن الذي فاته هو عرض حاضر لا الدين والمروءة. وحق العاقل إذا اضطر إليه أن يسلك سبيل التعريض فيه دون التصريح وما لا يضطر إليه تركه تعريضًا وتصريحًا، وإن بدر منه سهوًا حلف شفعه بالاستثناء، كما قال ﷺ : " من كان حالفًا فليقل: إن شاء اللَّه، فإنه يدفع الحنث، ويذهب الخبث، وينجز الحاجة، ويدفع اللجاجة ": وقيل: العاقل إذا تكلم أتبع كلامه مثلًا، والأحمق إذا تكلم أتبع كلامه حلفًا، وعلامة الكاذب جوده بيمينه على غير مستحلف، قال الشاعر المتنبي: وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم وقال بعض الحكماء: اللغو في الحلافة يدل على كذب أربابها، فإن ذلك لقلة الركون إلى قولهم، وكما جوز ﵊ الكذب حيث يضطر إليه جوز الحنث في اليمين، فقال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه ".

стр. 145

الفصل الثالث فيما يتعلق بالقوة الشهوية
следующие страницы →