← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1390

الذريعة الى مكارم الشريعة

الراغب الأصفهاني

Полный текст (233 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهم المؤمن والفاسق والكافر، وهم المذكورون في قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) . ومن وجه آخر: مصطفي، ومسترذل. والمصطفي: الأبرار، وهم ثلاثة أضرب: ظالم ومقتصد وسابق. وهم المذكورون فى قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) . وهم أيضًا - أعني الأبرار - ثلاثة أضرب: أنبياء: للمشاهدة والهداية لقوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) . وحكماء: وهم الأولياء للمراقبة والرعاية لقوله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) . وعوام: للمجاهدة والكفاية وهم المذكورون في قوله تعالى: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) . وهم أيضًا ضربان: عبد بالطبع، وإن كان ملكًا، وملك بالطبع، وإن كان عبدًا مسترقًا، والملك من فضل بالفضائل النفسية التي بها يصير الإنسان بحيث يصح أن يوصف بأنه ربَّاني وإلهي وملكي، ويصلح أن يكون خليفة الله في أرضه. والعبد من قال النبي ﷺ فيه: " تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس فلا انتقش، وإذا شيك فلا انتقش ".

стр. 72

وقال بعض الحكماء: ما من إنسان إلا وفيه خلق من أخلاق بعض الحيوانات وبعض النبات، ليكون الإنسان مشاركًا لها في الجنسية، وإن كان مباينًا لهما في النوعية، فمن الناس غشوم كالأسد، وعابث كالذئب، وخب كالثعلب، وشره كالخنزير، وخاضع كالكلب، وجامع كالنمل، ووقح كالذباب، وبليد كالحمار، وألوف كطير الوفا، وصنع كالسرقة، وأنف كالأسد والنمر، وغيور كالديك، وهادل كالحمام. ومنهم حسن المنظر والخبر كالأترج، ومنهم بخلاف ذلك كالعفص والبلوط، ومنهم قبيح المنظر وحسن المخبر كالجوز واللوز، ومنهم حسن المنظر قبيح الخبر كالحنظل والدفلى. والمؤمن الخير هو فىِ الحيوانات كالنحل يأخذ أطياب الأشجار فلا يقطف ثمرًا، ولا يكسر شجرًا، ولا يؤذي بشرًا. ثم يعطي الناس ما يكثر نفعه، ويحلو طعمه، ويطيب ريحه، وفي الأشجار هو كالأترج يطيب حملًا، ونورًا، وعودًا، وورقًا، ورائحة وطعما. والمنافق والشرير هو في الحيوانات كالقمل والأرضة، وفي الأشجار كالكشوت، مثل الكشوت فلا أصل ولا ورق، ولا نسيم ولا ظل ولا زهر، يفسد الثمار، وييبس الأشجار، وكالثمرة التي قل ورقها وكثر شوكها، وصعب مرتقاها.

стр. 73

الفصل الثاني في العقل والعلم والنطق وما يتعلق بها وما يضادها

стр. 74

فضيلة العقل العقل أول جوهر أوجده اللَّه تعالى، وأشرفه، بدلالة ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: " أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت اكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب ". ولو كان على ما توهمه قوم أنه عرض لما صح أن يكون أول مخلوق، لأنه محال وجود شيء من الأعراض قبل وجود جوهر يحمله، وقال ﵊: " لا دين لمن لا عقل له، لا يعجبنكم إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة عقله ". ومن هذا الوجه الذي أشار إليه النبي ﷺ قالت الحكماء: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه. وبالعقل صار الإنسان خليفة اللَّه، ولو توهم مرتفعًا لارتفعت الفضائل عن العالم فضلا عن الإنسان. وبما غرسه اللَّه تعالى منه في الإنسان اهتدى من وفقه اللَّه تعالى إلى تزكية نفسه المذكورة في قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) وحصل به حرث الآخرة المذكورة في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) وثمرة حرث الآخرة على التفصيل سبعة أشياء:

стр. 75

بقاء بلا فناء، وقدرة بلا عجز، وعلم بلا جهل، وغنًى بلا فقر، وأمن بلا خوف، وراحة بلا شغل، وعز بلا ذل. وإلى العقل أشار بقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) . فمعنى نور السموات والأرض أي منور السموات والأرض، والنور هو العقل، وقد تقدم وجه ضرب هذا المثل. والعقل يقال على ضربين: أحدهما: بغير إضافة وهو المذكور بأنه أول مخلوق، والثاني: بالإضافة إلى آحاد الناس، فيقال: عقل فلان. وهو من الأول بمنزلة الضوء من الشمس. أنواع العقل العقل عقلان: غريزي، وهو القوة المتهيئة لقبول العلوم، ووجوده في الطفل كوجود النخلة في النواة، والسنبلة في الحبة. ومستفاد: وهو الذي تتقوى به تلك القوة، وهذا المستفاد ضربان: ضرب يحصل للإنسان حالًا فحالًا بلا اختيار منه فلا يعرف كيف حصَّله ومن أين حصَّله. وضرب باختيار منه فيعرف كيف حصله ومن أين حصَّله وحصوله بقدر اجتهاده في تحصيله. ولكون العقل غريزيًّا ومستفادًا. قال أمير المؤمنين علي ﵁: " العقل عقلان: مطبوع ومسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع " كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع، وإلى الأول أشار النبي ﷺ بقوله: " ما خلق اللَّه تعالى خلقًا أكرم عليه من العقل "، وإلى الثاني أشار بقوله ﷺ لعلي ﵁: " إذا تقرب الناس إلى خالقهم بأبواب البر، فتقرب إليه أنت بعقلك تسبقهم بالدرجات والزلفى عند اللَّه والناس في الدنيا والآخرة " وقال: " ما اكتسب أحد شيئًا أفضل من عقل يهديه إلى

стр. 76

هدى أو يرده عن ردى ". ولاختلاف النظرين قال قوم: العقل مبدع، وقال قوم: هو مكتسب، وكلا القولين صحيح من وجه ووجه. والعقل الغريزي للنفس بمنزلة البصر للجسد، والمستفاد لها بمنزلة النور، وكما أن البدن متى لم يكن له بصر فهو أعمى، كذلك النفس متى لم يكن لها بصيرة، أي العقل الغريزي فهي عمياء، وكما أن البدن متى لم يكن له نور من الجو لم يفد بصره، كذلك النفس متى لم يكن لها نور من العلم مستفاد لم تجد بصيرتها، ولذلك قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) . وقد جعل للعقل نظر وإدراك ورؤية وإبصار، وجعل له أضداده من العمى وغيره، قال اللَّه تعالى: (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨) وقال: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) وقال: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. ولما كان فقدان البصيرة أشنع من فقدان البصر - لأن بارتفاع البصيرة ارتفاع النفع بالبصر - قال تعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) فذمهم بفقدان البصيرة تنبيهًا أن فقدانها اختياري، إذ هو بتركهم استفادة العلم، وأن أكثر فقدان البصر ضروري، وقال تعالى: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) فلولا أن العين أريد بها البصيرة لما قال: (عَنْ ذِكْرِي) " لأن الذكر لا يدرك بحاسة العين. وقال ابن عباس ﵂ لمن عيَّره بفقدان البصر: "إنا نصاب في أبصارنا وأنتم تصابون في بصائركم" وكيف لا يكون فقدان البصيرة أعظم ضررًا من فقدان البصر، وقد تقدم أن البدن بمنزلة فرس والنفس بمنزلة راكبه، وضرر عمى الراكب نفسه أشد عليه من ضرر عمى فرسه.

стр. 77

المكتسب من العقل الدنيوي والأخروي العقل المكتسب ضربان: أحدهما: التجارب الدنيوية والمعارف الكسبية. والثاني: العلوم الأخروية والمعارف الإلهية. وطريقهما متنافيان، وقد ضرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم اللَّه وجهه - لذلك ثلاثة أمثلة فقال: " إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا ترجح إحداهما إلا بنقصان الأخرى، وكالمشرق والمغرب كل من قرب من أحدهما بعد عن الآخر، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى "، ولذلك نرى أقوامًا أكياسًا في تدبير الدنيا وسياستها بلهاء في تدبير أمور الآخرة، وقومًا بلهاء في أمور الدنيا أكياسًا في أمور الآخرة، حتى قال ﵊: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ". وقال لمن نسب بعض الصالحين إلى بعض البله: " أكثر أهل الجنة البله ". ولاختلاف طريقهما قال الحسن ﵀: " لقد أدركنا أقوامًا لو رأيتموهم لقلتم: مجانين، ولو رأوكم لقالوا: شياطين ". ولقلة الاعتداد بالمعارف الدنيوية قال رجل لمن وصف نصرانيا بالعقل: مه، إنما العاقل من وحَّد اللَّه تعالى وعمل بطاعته، وقال تعالى حكاية عن أهل النار: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) . ومن تصور اختلاف الطريقين - أعني طريق الدنيا وطريق الآخرة - لم تعرض له الشبهة التي عرضت لقوم قالوا: لو أن هاهنا حقا لما جهله الذين لم يلحق شأوهم في تدبير الدنيا ودقائق الصناعات وواضعو الحكم والسياسات، وذلك أنه كما أن من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما لا يوجد إلا في المغرب، أو يظفر سالك طريق الغرب بما لا يوجد إلا في الشرق، كذلك من المحال أن يظفر سالك طريق معارف الدنيا

стр. 78

بمعارف طريق الآخرة، وقد نبَّه اللَّه تعالى على ذلك بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) وبقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) . ولا يكاد يجمع ين طريق معرفة الدنيا والآخرة معًا على التحقيق والتصديق إلا من رشحهم الله تعالى لتهذيب الناس في أمر معاشهم ومعادهم جميعًا، كالأنبياء وبعض الحكماء. ولما كان العقل هو الذي يردع الإنسان عن الذنب، واكتسابه على التمام والكمال في الورى عسير، لم ينفك أحد من ذنب يرتكبه، ولذلك قال النبي ﷺ : " ما منَّا نبي إلا أذنب أو هم " (١) . منازل العقل واختلاف أساميها بحسبها العقل: اسم عام لا يكون بالقوة وبالفعل، ولا يكون غريزيا ومكتسبًا، وهو في اللغة عبارة عن قيد البعير لئلا يند، وسمي هذا الجوهر به تشبيهًا على عادتهم في استعارة أسماء المحسوسات للمعقولات، وخص بناء المصدر به لما كان يستعمل مرة للحدث، ومرة للفاعل، نحو عدل، وصوم، وزور، ومرة للمفعول نحو خلق وأمر. لكن يتصور منه كونه سببًا لتقيد الإنسان به، وكونه مقيدًا له عن تعاطي ما لا يجمل، وكونه مقيدا به من بين الحيوان. والنُّهى: في الأصل جمع نُهْيَة أو اسم مفرد نحو جُعَل ومُرد، أو وصف نحو دليل خضع وسائق حُطَم وجعل اسمًا للعقل الذي انتهى من المحسوسات إلى معرفة ما فيه من المعقولات، ولهذا أجبل أربابه على تدبر معاني المحسوسات في نحو قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) وقال: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) . والحجر: أصله من الحجر، أي: المنع وهو اسم لا يلزمه الإنسان من حظر الشرع

стр. 79

والدخول في أحكامه، وعلى ذلك قوله تعالى: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) وسمي حجًّا من حجاه، أي قطعه، ومنه الأحجية، فكأنه سمي بذلك لكونه قاطعًا للإنسان عما يقبح. ْوأما اللُّبُّ: فهو الذي قد خلص من عوارض الشَّبه، وترشح لاستفادة الحقائق من دون الفزع إلى الحواس، ولذلك علق اللَّه تعالى في كل موضع ذكره بحقائق المعقولات دون الأمور المحسوسة، نحو قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) فوصفهم بهداية اللَّه إيَّاهم. وقد سمى اللَّه تعالى العلم نورًا والجهل ظلمة فقال: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) . وسماه روحًا في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) وسماه حياة والجهل موتًا في قوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا) وقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) وسماه ماءً بقوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا. والإيمان زبدة العقل والعمل، ولذلك قال في مواضع: (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) فعلق به ما علق بهما، وسمى العقل قلبًا، وذلك أنه لما كان القلب مبدأ تأثير الروحانيات والفضائل سميت به، ولذلك عظم الله تعالى أمره لاختصاصه بما قد أوجد لأجله وقال تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وقال: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) فنبه أن القلب إنما يكون في الحقيقة قلبًا إذا كان متخصصًا بما قد أوجد لأجله، وما أوجد لأجله هو المعارف الحقيقية. وقال ﷺ : " إن في البدن مضغة إذا صلحت صلح لها سائر البدن، وإذا فسدت فسد لها سائر البدن، ألا وهي القلب " ولما كان أشرف المعارف هو ما يتخصص به القلب قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ) فخصه بالذكر.

стр. 80

جلالة العقل وشرف العلم العقل حيث ما وجد يكون محتشمًا حتى إن الحيوان إذا رأى إنسانًا احتشمه بعض الاحتشام، وانزجر به بعض الانزجار، ولذلك تنقاد الإبل للراعي، وكذلك جماعة الرعاة إذا رأوا منهم من كان أوفر عقلًا أغزر فضلًا فيما هم بصدده انقادوا له طوعا. وكذلك العلماء إذا لم يعاندوا انقادوا ضرورة لأكثرهم علمًا، وأفضلهم نفسًا، وأوفرهم عقلا، ولا ينكر فضله إلا كل متدنس بالمعايب، متطلب لرئاسة، محافظ على غرض دنيوي، قد جعل عقله خادمًا لشهوته، فلمحافظته على رئاسته ينكر فضل الفاضل. ولفضيلة العقل الوافر كان كثير ممن كانوا يعاندون النبي ﷺ قصدوه ليقتلوه فما هو إلا أن وقع طرفهم عليه فتراءى لهم نور اللَّه تعالى معربًا عنه، فألقى في قلوبهم منه روعة، فهابوه، فمن مذعن له طائعًا، وخبيث لا ينكره بعد إلا جاحدا، ولهذا المعنى قال الشاعر: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تغنيك عن خبره وقد تقدم أن الإنسان لم يتميز عن الحيوان والبهائم إلا بالعقل، ولم يشرف إلا بالعلم، ومن شرف العلم أن كل حياة انفكت منه فهي غير معتد بها، بل ليست في حكم الموجودة، فإن الحياة الحيوانية لا تحصل ما لم يقارنها الإحساس فيلتذ بما يوافقه ويطلبه، ويتألم بما يخالفه فيهرب منه، وذلك أخس المعارف فمقتضى الحياة الإنسانية أنها إذا تعرَّت من المعارف المختصة بها أن لا يعتد بها، ولهذا سمى اللَّه تعالى الجاهل ميتًا في غير موضع من كتابه فقال: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) ولأجل أن الحياة تقارن العلم سمى الله تعالى العلم

стр. 81

روحًا في قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) . وقد ذكرنا أن حاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى المال، لأن العلم نافع لا محالة ونفعه دائم في الدنيا والآخرة، والمال قد ينفع وقد يضر، وإذا نفع فنفعه منقطع، فمن استفاد علمًا ثمَّ ضيعه أو تمكن من استفادته فأهمله فقد خسر خسرانًا مبينًا، كما قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) . الفرق بين العلم والعقل وبين العلم والمعرفة والدراية والحكمة العلم: إدراك الشيء بحقيقته، وهو ضربان: أحدهما: حصول صور المعلومات في النفس. والتاني: حكم النفس على الشيء بوجود شيء له هو موجود، أو نفي شيء عنه هو غير موجود له. نحو الحكم على زيد بأنه خارج أو ليس طائرًا، فالأول: هو الذي قد يسمَّى في الشرع وفي كلام الحكماء العقل المستفاد، وفي النحو المعرفة ويتعدى إلى مفعول، والثاني: هو الذي يسمى العلم دون العقل، ويتعدى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما من حيث إن القصد إذا قيل: علمت زيدا منطلقًا إثبات العلم بانطلاق زيد دون العلم بزيد. واعلم أن العقل والعلم بقياس أحدهما إلى الآخر على ثلاثة أوجه: أحدها: عقل ليس بعلم وهو العقل الغريزي. والثاني: علم ليس بعقل وهو المتعدي إلى المفعولين. والثالث: عقل هو علم وعلم هو عقل، وهو العقل المستفاد والعلم الذي يقال له: المعرفة، ولا يصح أن يتعدى العقل إلى مفعولين فيقال: عقلت زيدًا منطلقا كما يقال في " علمت " لكون العقل موضوعًا للعلم البسيط دون المركب، وسمي عقلًا من حيث إنه مانع لصاحبه أن تقع أفعاله على غير نظام، وسمي علمًا من حيث إنه

стр. 82

علامة على الشيء وهذا إذا اعتبر حقيقته مما يتبين به شرف اللغة العربية. وأما الفرق بين العلم البسيط - أعني المتعدي إلى مفعول واحد - وبين المعرفة، فهو أن المعرفة قد تقال فيما تدرك آثاره وإن لم تدرك ذاته، والعلم لا يكاد يقال إلا فيما يدرك ذاته، ولهذا يقال: فلان يعرف اللَّه، ولا يقال: يعلم اللَّه، لما كانت معرفته تعالى ليست إلا بمعرفة آثاره دون معرفة ذاته، وأيضًا فالمعرفة تقال فيما لا يعرف إلا كونه موجودًا فقط، والعلم أصله أن يقال فيما يعلم وجوده، وجنسه وكيفيته وعلته، ولهذا يقال: اللَّه تعالى عالم بكذا ولا يقال: عارف به، لما كان العرفان يستعمل في العلم القاصر. وأيضًا: فالمعرفة تقال فيما يتوصل إليه بتفكر وتدبر، والعلم قد يقال في ذلك وفي غيره ويضاد العرفان والإنكار، والعلم والجهل. وأما الدراية: فالمعرفة المدركة بضرب من الحيل وهو تقديم المقدمة وإجالة الخاطر واستعمال الروية، وأصله من دريت الصيد، والذرية تقال لما يتعلم عليه الطعن، وللناقة التي يسيبها الصائد ليأنس الصيد بها فيرمي من ورائها، والمددي يقال لما يصلح به الشعر، ولقرن الشاة، ولا يصح أن يوصف بذللث الباري تعالى، لأن معنى الحيل لا يصح عَليه، ولم يرد بذلك سمع فيتبع، وقول الشاعر: اللهم لا أدري ... وأنت الداري فهو من تعجرف الأعراب الأجلاف وأما الحكمة: فاسم لكل علم حسن وعمل صالح، وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري وفي العمل أكثر استعمالًا منه في العلم، وإن كان الفعل لا يكون محكمًا من دون العلم به، ومنها قيل: أحكم العمل إحكامًا، وحكم بكذا حكمًا. والحكمة من اللَّه تعالى إظهار الفضائل المعقولة المحسوسة، ومن العباد معرفة ذلك بقدر طاقة البشر، وقد حدت الحكمة بألفاظ مختلفة على نظرات مختلفة، فقيل: هي معرفة الأشياء الموجودة بحقائقها، ويعني كليات الأشياء، فأما جزئياتها فلا سبيل للبشر إلى الإحاطة بها، وهذا الحد بحسب اعتبارها بالعلم. وقيل: هي إماتة الشهوات على ما يجب، وهذا الحد بحسب اعتبارها بالعمل فيما هو غاية المراد من الإنسان.

стр. 83

وقيل: هي الاقتداء بالخالق في السياسة بقدر طاقة البشر، وذلك بأن يجتهد أن ينزه عمله عن الجهل، وعدله عن الجور، وجوده عن البخل، وحلمه عن السفه، وبنحو هذا العقل يقرب العبد من خالقه سبحانه في الدنيا. ونسبة العلوم إلى الحكمة من وجه كنسبة الأعضاء إلى البدن في كونها أبعاضًا لها، ومن وجه كنسبة المرؤوسين إلى الرئيس في كونها مستولية عليها، ومن وجه كنسبة الأولاد إلى الأم في كونها مولدة لها ومي في معارف الشرع اسم للعلوم العقلية المدركة بالعقل، وقد أفرد ذكرها في عامة القرآن عن الكتاب، فجعل الكتاب اسمًا لما لا يدرك إلا من جهة النبوات، والحكمة لما يدرك من جهة العقل. وجعلا منزلين وإن كان إنزالهما من اللَّه تعالى. وقد يكونان مختلفين، وجمع بينهما في الذكر لحاجة كل واحد منهما إلى الآخر، فقد قيل: لولا الكتاب لأصبح العقل حائرًا، ولولا العقل لم ينتفع بالكتاب، وقيل: الكتاب بمنزلة اليد والحكمة بمنزلة الميزان ولا تعرف المقادير إلا بهما؛ ولذلك عبر عن الحكمة بالميزان في قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) . ولا ييلغ الحكمةَ إلا أحدُ رجلين: إما مهذب في فهمه، موفق في فعله، ساعده معلم ناصح وكفاية وعمر. وإما إلهي، يصطفيه اللَّه فيفتح عليه أبواب الحكمة بفيض إلهي، ويلقي إليه مقاليد جوده، فيبلغه ذروة السعادة، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العطم. توابع العقل العقل إذا أشرق في الإنسان يحصل عنه العلم والمعرفة والدراية والحكمة، وقد تقدم ذكرهن، ويحصل عنه أيضًا الذكاء، والذهن، والفهم، والفطنة، وجودة الخاطر، وجودة التوهم، والتخيل، والبديهة، والكيس، والخبر، وإصابة الظن، والفراسة، والزكانة،

стр. 84

والكهانة، والعرافة، والإلهام، ودقة النظر، والرأي، والتدبر، وصحة الفكر، وسرعة الذكر، وجودة الحفظ، والبلاغة والفصاحة. فأما الذكاء: فالمضاء في الأمور وسرعة القطع بالحق، وأصله من ذكت النار، وذكت الريح، وشاة مذكاة، مدرك ذبحها بحدة السكين، وذكي الرجل إذا تم فيه قوة الذكاء، لكن لما كان أكثر ما يوجد ذلك فيمن تمت سنُّه صار يعبِّر به عن تمام السن، ومنه قيل: " جَري المُذكِّياتِ غِلَابُ ". وأما الذهن: فقريب من الذكاء، لكن يقال في إدراك ما وقع فيه التنازع. وأما الفطنة: فسرعة إدراك ما يقصد إشكاله؛ ولهذا يكثر استعمالها في استنباط الأحاجي والرموز. وأما الفهم: فمقدمة العقل، فمن لا يعرف معنى الشيء فهمًا لم يتحققه عقلًا، وقد سمي الفهم عقلًا، وإن كانت مرتبته دون مرتبة العقل، فقوة الفهم أن تدرك به الأشياء الجزئية والعقل يدرك كلياتها، ومعنى ذلك أن العقل يدرك أن العدالة حسنة، والظلم قبيح، والفهم يميز بين كل واحد من الفعل هل هو عدل أو جور. وقد يوصف بالفهم من لا يوصف بالعقل، كالحاذق في لعب الشطرنج، وكل من يوصف بالعقل فإنه يوصف بالفهم. فأما الخاطر: فحركة الفهم نحو الشيء، يقال: خطر الشيء ببالي ولا يقال: خطر بالي بالشيء، فتجوز أن يكون ذلك من المقلوب كقولهم: عيش ناصب، وقد قيل في قولهم: عقلت الشيء وأحسست أنه أيضًا من المقلوب، فالشيء هو المؤثر في الحاسة والعقل لا هما فيه. وأما الوهم: فانقياد النفس لقبول أثر ما يرد عليها من قولهم: حمل وهم وطريق وهم، والفرق بينه وبين الخاطر أن الخاطر يقال فيما لا تقبله النفس، والوهم لا يقال إلا فيما تقبله النفس. وأما الخيال: فنحو الوهم لكن يقال اعتبارًا بما يكون من جهة الحاسة وفيما له صورة

стр. 85

ما، ومنه سمِّي الطيف الوارد من جهة المحبوب خيالًا، والخيال قد يقال لتلك الصورة في المنام وفي اليقظة، والطيف لا يقال إلا فيما كان حال النوم، ولهذا ينسب الطيف إلى الخيال لما كان ذلك من جوانبه. قال الشاعر: نم فا ما زارَكَ الخيال وَلـ ... كِنَّك بالفكر زرت طيف الخيال وأما البديهة: فمعرفة ثاقبه تجيء بلا فكر ولا قصد، فالبديه في المعرفة كالبديع في الفعل. وأما الرويَّة: فما كان من المعرفة بعد فكر كثير وهو من روي. وأما الكيس: فالقدرة على جودة استنباط ما هو أصلح في بلوغ الخير " ولهذا قال ﷺ : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت " من حيث إنه لا خير يصل إليه الإنسان أفضل مما بعد الموت، وقول العرب: الكيس من الخيل، لتصورها بصورة الكيس، لأنها ذات كيس في الحقيقة، وكاس في مشيته، أي أظهر الكيس برفع إحدى رجليه. وتسميتهم الغادر: كيسان إما على طريق المجاز، أو تنبيهًا أن الغادر يعد ذلك كيسًا أو لأن كيسان في الأصل اسم الغادر ثم سمي كل غادر كيسان كتسميتهم كل حداد هالكية. وأما الخبر: فالمعرفة المتوصل إليها من قولهم خبرته، أي أصبت خبره، وقيل: هو من قولهم: ناقة خبيرة، وهي الخبرة عن غزارتها، أي غزيرة اللبن، فكأن الخبر هو غزارة المعرفة، ويجوز أن قولهم: ناقة خبيرة، أي: الخبرة عن غزارتها كقولهم: ناقة ناجرة. وأما الظن: فإصابة المطلوب بضرب من الأمارة، ولما كانت الأمارات مترددة بين يقين وشك، فتقرب تارة من طرف اليقين، وتارة من طرف الشك جاز تفسير أهل اللغة بهما، فمتى رؤي إلى طرف اليقين أقرب استعمل " أنَّ " المثقلة والمخففة منها نحو قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) وقوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ) ومتى رؤي إلى طرف الشك أقرب استعمل معه " أن " التي للمعدومين

стр. 86

من الفعل، نحو ظننت أن تخرج وأن خرجت، وإنما استعمل الظن بمعنى العلم في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) لأمرين: أحدهما: تنبيه أن علم أكثر الناس في الدنيا بالإضافة إلى علمه في الآخرة كالظن في جنب العلم. والثاني: أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين المعنيين بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا. والظن متى كان عن أمارة قوية فإنه يمدح به، ومتى كان عن تخمين لم يعتمد ذُم به حيث قال تعالى: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) . وأما الفراسة: فالاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه وفضائله ورذائله، وربما يقال: هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله، وقد نبَّه اللَّه تعالى على صدقها بقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وقوله: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ) وبقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) . ولفظها من قولهم فرس: السبع الشاة، فكأن الفراسة اختلاس المعارف، وذلك ضربان: ضرب يحصل للإنسان عن خاطر لا يعرف سببه، وذلك ضرب من الإلهام، بل ضرب من الوحي، وإياه عني بقوله ﷺ : " المؤمن ينظر بنور الله "، وهو الذي يسمى صاحبه المروع والمحدث، وقال ﷺ : " إن يكن في أمتي محدث فهو عمر " وقيل في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) إن ما كان وحيًا بإلقائه في الروع، وذلك يكون للأنبياء كما قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) وقد يكون لإلهام في حال اليقظة، وقد يكون في حال المنام؛ ولذلك قال ﵊:

стр. 87

" الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ". والضرب الثاني من الفراسة: يكون بصناعة متعلمة، وهي معرفة ما بين الألوان والأشكال وما بين الأمزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية، ومن عرف ذلك وكان ذا فهم ثاقب، قوي في الفراسة، وقد عمل في ذلك كتب فمن تتبع الصحيح منها اطلع منها على صدق ما ضمنوه، والفراسة ضرب من الظن، وقد سئل بعض محصلة الصوفية عن الفرق بينهما، فقال: الظن بتقلب القلب، والفراسة بنور الرب تعالى، وكل من قوي فيه نور الروح المذكور في قوله تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) كان ممن وصفه بقوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) وكان ذلك النور شاهدًا منه أصاب فيما حكم به. ومن الفراسة قوله ﷺ في المتلاعنين: " إن أمرهما بين لولا حكم اللَّه "، ومن الفراسة علم الرؤيا، وقد عظم اللَّه أمرها في جميع الكتب المنزلة، وقال لنبيه ﷺ : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) وقال تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) . وقال في قصة إبراهيم الخليل ﷺ : (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) وقال تعالى حكاية عن يوسف ﷺ : (يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) . والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم تكن لها حقيقة لم تكن لإيجاد هذه القوة في الإنسان فائدة، واللَّه تعالى يتعالى عن الباطل. وهي ضربان: ضرب - وهو الأكثر - أضغاث أحلام وأحاديث النفس من الخواطر الرديئة، لكون النفس في تلك الحال كالماء المتموج الذي لا يقبل صورة، وضرب - وهو الأقل - صحيح وذلك قسمان: قسم لا يحتاج إلى تأويل، وقسم يحتاج إلى تأويل، ولهذا يحتاج المعبر إلى مهارة ليفرق بين الأضغاث وبين غيرها، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية، ويفرق بين طبقات الناس، إذ كان فيهم من لا يصح له رؤيا، وفيهم من تصح رؤياه، ثم من

стр. 88

يصح له ذلك منهم من يرشح أن يلقى إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطرة، ومنهم من لا يرشح له ذلك، ولهذا قال اليونانيون: يجب للمعبر أن يشتغل بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام، وذلك لأن لهم حظًّا من النبوة، وقد قال ﷺ : " الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة " وهذا العلم يحتاج إلى مناسبة بين متحريه وبينه، فرب حكيم لا يرزق حذقًا فيه، وربما نزر الحظ من الحكمة وسائر العلوم يرزق حظّا فيه، وتوجد له فيه قوة عجيبة. وأما الزكانة: فضرب من الفراسة، وهي معرفة فعل باطن بفعل ظاهر بضرب من التوهم يقال: قد زكنتُ وأزكنتُ. والقيافة: ضرب من الزكانة لكنه أدق وهو ضربان: أحدهما: بتتبع أثر الأقدام والاستدلال به على السالكين. والثاني: الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله على نسبته. وخص من العرب بالقيافة بنو مدلج، وقيل: إن ذلك بمناسبة طبيعية لا بتعلم، وهي محكوم بها في الشرع، وقال بعض الحكماء: خص اللَّه بذلك العرب، ليكون سببًا لارتداع نسائهم عما يورث شوب نسبهم، وخبيث حسبهم، وفساد بذورهم وزروعهم، صيانة لنسب النبوة، (وليكون ذلك شرفًا لنبيه ﷺ ، ولأجل حفظه تعالى نسبهم ذلك، قال تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) أي: ليعرف بعضكم بعضًا بمعرفة أصله.

стр. 89

وأما الكهانة والعرافة: فإن الكهانة مختصة بالأمور المستقبلة، والعرافة مختصة بالأمور الماضية، وكان ذلك في العرب كثيرًا، وآخر من وجد، وروي عنه الأخبار العجبية سطيح، وسواد بن قارب. وقيل: كان وجود ذلك في العرب أحد أسباب معجزات النبي ﷺ لما كان يخبر به ويحث على اتباعه، ثم نزع عنهمِ ذلك بعد النبوة، حتى روي: " لا كهانة بعد النبوة "، وقال ﷺ : " من أتى عرافَا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " تنبيها أنه قد رفع. ومما يجري مجراها الطيرة، وهو: تشاؤم الإنسان بشيء يقع تحت المناظر والمسامع مما تنفر منه النفس مما ليس بطبيعي، فأما نفارها مما هو طبيعي في الإنسان كنفاره من صرير الحديد وصوت الحمار فلا يعد من هذا، واشتقاقه من الطير، وأصله في زجر الطير، وما سواه ملحق به، وعلى ذلك قول الشاعر: وما أنا ممن يزجر الطير حوله ... أصاح غراب أم تعرض طائر ثم كثر في غيره حتى قال تعالى حكاية عمن أخبر عنه: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) أي: السبب الذي يسعدكم ويشقيكم عند اللَّه، وقال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) . وسمي عمل الإنسان الذي يعاقب عليه طائرًا قال تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)

стр. 90

والنظر: هو إجالة الخاطر نحو المرئي لإدراك البصيرة إيَّاه، فللقلب عين كما أن للبدن عينًا، فمن صحت عين قلبه، وأعانه نور اللَّه اطلع على حقائق الأشياء، وأدرك العالم العلوي وهو في الدنيا، فيرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكون الاطلاع عليه ممكنًا قال أمير المؤمنين علي ﵀: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا ". والرأي: إجالة الخاطر في رؤية ما يريده، وقد يقال للقضية التي تثبت عن الرأي رأي. والرأي للفكرة كالآلة للصانع التي لا يستغني عنها، ولا يكون إلا في الأمور الممكنة دون الواجبة والممتنعة، ويكون في جملة الممكنات مما تكون إلينا، فالطبيب لا يجيل رأيه في نفس البرء، وإنما يجيله في كيفية الوصول إليه. ويحتاج الرأي إلى أربعة أشياء: اثنان من جهة الزمان في التقديم والتأخير: أحدهما: أن يعيد النظر فيما يرتئيه، (ولا يجعل إمضاءه حتى يعب، فقد تي، @: إياك والرأي الفطير، وقد قيل: دع الرأي يعب. وأكثر من يستعجل في ذلك ذو النفوس الشهمة والأمزجة الحادة. والثاني: لا يدافع به بعد إحكامه، فقد قيل: روِ تحزم وإذا استوضحت فاعزم، وقيل: أحزم الناس من إذا وضح له الأمر صدع فيه، وقال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) وأكثر من يدافع ذوو النفوس المهينة والأمزجة الباردة. واثنان من جهة الناس: أحدهما: ترك الاستبداد بالرأي، فالاستبداد بالرأي من فعل المعجب بنفسه، وقد قيل: الأحمق من قطعه العجب بنفسه عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة. والمأني: أن يتخير من تجوز مشاورته. فما كل ذي لب مؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب

стр. 91

ولكن إذاما استجمعنا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب ومن دخل في أمر بعد الاحتراز من هذه الأربعة فقد أحكم تدبيره، فإن لم ينجح عمله لم يلحقه مذمَّة. وأما التدبير: فنحو الرأي، لكن يقال له إذا استعمل في النظر في عواقب الأمور، واشتقاقه يقتضي ذلك، لأنه تأمل دبر الأمر، وعليه حثَّ الشاعر في قوله: ومن ترك العواقب مهملات ... فأيسر سعيه أبدًا تبار وأما الفكرة: فقوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، وهو تخيل عقلي موجود في الإنسان، والتفكر جولان تلك القوة بين الخواطر بحسب نظر العقل، وقد يقال للتفكر: الفكر، وربما ضلَّ الفكر وأخطأ ضلال الرائد وخطأه، والتفكر لا يكون إلا فيما له ماهية بما يصح أن يجعل له صورة في القلب مفهومة، ولأجل ذلك قال النبي ﷺ : " تفكروا في آلاء اللَّه ولا تفكروا في اللَّه "، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) وقال: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) وسئل بعض الحكماء عن الفكرة والعبرة، فقال: الفكرة أن تجعل الغائب حاضرًا، والعبرة أن تجعل الحاضر غائبًا. وأما الذكر: فوجود الشىِء في القلب أو في اللسان، وذلك أن الشيء له أربعة وجودات: وجوده في ذاته، ووجوده في قلب الإنسان، ووجوده في لفظه، ووجوده في كتابته. فوجوده في ذاته هو سبب لوجوده في قلب الإنسان، ووجوده في قلبه سبب لوجوده فىِ لسانه، ولوجوده في كتابته. ويقال للوجودين، أي: للوجود في القلب، والوجود في اللسان: الذكر، ولا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك عن

стр. 92

ذكر في القلب، بل لا يكون ذلك ذكرًا. والذكر بالقلب ضربان: أحدهما: استعادة ما قد استثبته القلب فانمحى عنه بنسيان أو غفلة، وهذا هو في الحقيقة التذكر. والثاني: ثبات وجود الشيء في القلب من غير نسيان أو غفلة، وذكر اللَّه تعالى على نحو الأول غير مرتضى عند الأولياء وإنما يحمد إذا كان على النحو الثاني. واعلم أن ذكر اللَّه تعالى تارةً يكون بعظمته فيتولد منه الإجلال والهيبة، وتارةً يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن. وتارةً بفضله ورحمته فيتولد منه الرجاء، وتارةً بنعمته فيتولد منه الشكر؛ ولذلك قيل: ذكر النعمة شكرها، وتارةً بأفعاله الباهرة فيتولد منه العبرة. فحق المؤمن ألا ينفك أبدًا من ذكره على أحد هذه الوجوه، وعليها دلَّ قول اللَّه تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) أي: يذكرونه في كل حالٍ؛ لأن الإنسان لا ينفك من هذه الأوجه الثلاثة، فإن قيل: ما حقيقة ذكر اللَّه تعالى عند ابتداء الأعمال حتى قال ﷺ : " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكراللَّه تعالى فهو أبتر "، قيل: نبه بذلك أن الأمور كلها يجب أن يقصد بها وجه الله تعالى، وأن كل أمر لا يقصد به ذلك فهو ناقص، وشرع ذكره باللسان؛ ليكون سببًا لذكره بالقلب، فيتحرى بفعله وجه اللَّه، ولا يعمل ما ينافي رضاه. وعلى ذلك قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) أي: إذا عرض لك نسيان لا يلزمك فتذكر أنه مطلع عليك؛ ولهذا قال ﷺ : " اعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

стр. 93

وأما الحفظ: فالمواظبة على مراعاة الشيء وقلة الغفلة عنه، ومنه محافظة الحريم،حتى قيل للغضب المقتضي لذلك: حفيظة، ويقال لثبات صورة الشيء في القلب: حفظ، ويقال للقوة الحافظة أيضًا: حفظ، وفلان جيد الحفظ، أي: القوة الحافظة. والحفظ للنفس من وجه جارٍ مجرى الخزانة للملك يضمع فيها الزخائر إلى وقت الحاجة) ومن وجه جارٍ مجرى الكتاب الذي يكتب فيه الشيء ليرجع إليه فيتذكر به، والناس متفاوتون فيه بحسب أمزجتهم، فمنهم من قوى الله تعالى ذلك فيه كما جعله لنبيه ﷺ ، (فلذلك كان كونه أميًا شرفًا له) ، إذ كان له من الحفظ ما يغنيه عن الاستعانة بالكتابة، ولهذا قال تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فضمن أنه يحفظ عليه بما جعل له من القوة الإلهية. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)) قال النبي ﷺ لعلي: " سألت اللَّه تعالى أن يجعلها أذنك " فلم يسمع بعد ذلك شيئًا إلا وعاه. ومن الناس من يسرع إليه النسيان فما سمعه يكون كالخط يكتب في بسط الماء. وأما البلاغة: فإجادة اختيار الألفاظ والإصابة في تأليفها وقدرها ومعناها وتحري الصدق فيها، ولا يكون الكلام تام البلاغة ما لم يجمع هذه المعاني، فإنه متى قبح اللفظ، أو قبح التأليف، أو كان أكثر مما يحب، أو أقل مما يحب، أو لم يطابق اللفظ المعنى، إما حقيقةً أو استعارةً رائقة، أو كان المعنى محالا أو كذبًا، خرج الكلام بقدر ما اختل منه من باب البلاغة، وقد وصفت البلاغة بأوصاف مختلفة بحسب أنظار مختلفة، فقال بعضهم: البلاغة هي الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل. وقيل: ما فهمته العامة ورضيته الخاصة. وقيل: ما اجتيازه فساد له. إلى غير ذلك من الأوصاف. وأما الفصاحة: فاشتقاقها من فصح اللبن إذا خلص، وهي الإصابة في اللفظ (يعني اختصاره) ، والائتلاف دون اعتبار الصدق وصواب المعنى، فكل كلام جزل اللفظ

стр. 94

حسن التركيب فموصوف بالفصاحة، صدقًا كان أو كذبًا. فالبلاغة ترجع إلى اللفظ والمعنى، والفصاحة إلى اللفظ دون المعنى ثمرة العقل من معرفة الله الضرورية والمكتسبة وغاية ما يبلغه الإنسان من ذلك أشرف ثمرة للعقل معرفة اللَّه تعالى، وحسن طاعته، والكف عن معصيته، وعلى ذلك قوله ﷺ : " العقل ثلاثة أجزاء: جزء معرفة الله، وجزء طاعة اللَّه، وجزء الصبر عن معصية الله "، وقال ﷺ : " الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفة، وثمرته العلم ". فمعرفة الله تعالى العامية مركوزة في النفس، وهي معرفة كل أحد أنه مفعول وأن له فاعلًا فعله، ونقله في الأحوال المختلفة، وإليه أشار بقوله تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) وقوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) وقوله تعالىٍ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) . فهذا القدر من المعرفة في نفس كل أحد، ويتنبه الغافل عنه إذا نُبِّه عليه فيعرفه كما يعرف أن ما هو مساوٍ لغيره فذلك الغير مساوٍ له، ومن هذا الوجه قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وقال في مخاطبة المؤمنين والكافرين: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثم قال بعده: (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) . وأما معرفة اللَّه تعالى المكتسبة فمعرفة توحيده وصفاته، وما يجب أن يثبت له من الصفات، وما يجب أن ينفى عنه، وهذه المعرفة هي التي دعا الأنبياء ﵈ لها وحثوا

стр. 95

عليها؛ ولهذا قال كلهم: قولوا: لا إله إلا اللَّه، ولم يدع أحد إلى معرفته تعالى، بل دعا إلى توحيده. وهذه المعرفة - أعني المكتسبة - على ثلاثة أضرب: ضرب: لا يكاد يدركه إلا نبي أو صديق أو شهيد ومن داناهم، وذلك معرفته بالنور الإلهي من حيث لا يعتري فيه شك بوجه، كما قال تعالى: (إِإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) . وضرب: يدرك بغلبة الظن الذي يفسره أهل اللغة باليقين، كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) . وضرب: يدرك بخيالات ومثل وتقليدات، وإيَّاه عني بقوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) . فالأول: يجري مجرى إدراكه الشيء من قريب؛ ولهذا قال تعالى في وصفهم: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) . والثاني: يجري مجرى إدراكه الشيء من بعيد، وقد يعتري فيه شبهة ولكن تزول بأدنى تأمل كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) . والثالث: يجري مجرى من يرى الشيء من وراء ستر من بعيد، ولا ينفك من شبهات كما أخبر تعالى عمن هذه حالته بقوله: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) . ولأجل صعوبة معرفة اللَّه تعالى على الحقيقة حتى يتخلص الإنسان من آفات الشرك قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) وقال تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) وقال: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) وقال ﷺ : " من قال: لا إله إلا اللَّه مخلصا دخل الجنة ". وغاية معرفة الإنسان بربه أن يعرف أجناس الموجودات جواهرها وأعراضها المحسوسة

стр. 96

والمعقولة، ويعرف أثر الصنعة فيها، وأنها محدثة وأن محدثها ليس إيَّاها ولا مثلًا لها، بل هو الذي يصح ارتفاع كلها مع بقائه ولا يصح بقاؤها وارتفاعه، وبهذا النظر قال الصديق ﵁: " سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلًا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته "، بل لهذا قال النبي ﷺ : " تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذاته ". ولما كان معرفة العالم كله تصعب على الإنسان الواحد، لقصور أفهام بعضهم عنها، واشتغال بعضهم بالضرورات التي يعرفها منهم، جعل لكل إنسان من بدنه ونفسه عالماً صغيرًا، أوجد فيه مثال كل ما هو موجود في العالم الكبير، ليجري ذلك من العالم مجرى مختصر من الكتاب البسيط، يكون مع كل أحد نسخة يتأملها في الحضر والسفر، والليل والنهار، فإن نشط وتفرغ للتوسع في العلم نظر في الكتاب الكبير الذي هو العالم، فيطلع منه على الكون، ليغزر علمه، ويتسع فهمه، وإلا فليقنع بالمختصر الذي معه، ولهذا قال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) ولشرف متأملي ذلك قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) وقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) فنبَّه بمدحهم حيث قالوا: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) أنهم عرفوا الغرض المقصود بخلقه، وذلك هو آخر الأبحاث، لأن الأبحاث أربعة: بحث عن وجود الشيء بهل هو، وبحث عن جنسه بما هو، وبحث عما يباين به غيره بأي شيء هو، وبحث عن الغرض بلم هو؟. وهذه الأبحاث ينبني بعضها على بعض، فلا تصح معرفة الثاني إلا بمعرفة الأول، ولا معرفة الثالث إلا بمعرفة الثانىِ، ولا معرفة الرابع إلا بمعرفة الثالث. وقوله: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) يقتضي أنهم عرفوا الأبحاث الأربعة، وإلا شهدوا بما لم يتحققوا، ومن شهد بما لم يتحقق كذب وإن كان ما يشهد به على ما شهد به، ألا ترى أن اللَّه تعالى كذب المنافقين حين قالوا: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللَّهِ) وإن كان هو رسول اللَّه. فدَّلت هذه الآية على أن البحث الذي يؤدي إلى معرفة حقائق الموجودات التي تتضمن معرفة اللٌه تعالى هو من العلوم الشريفة، بخلاف قول الصم البكم العمي الذين لم يجعل اللَّه لهم نورًا؛ حيث بدَّعوا من اشتغل بمعرفة ذلك.

стр. 97

وجوب بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقلة الاستغناء عنهم بعثة الأنبياء إلى الناس من الضروريات التي لا بد لهم منها، وذلك أن جُل الناس يقصر عن معرفة منافعهم ومضارهم الأخروية جزئياتها وكلياتها، وبعضهم وإن كان لهم سبيل إلى معرفة كليات ذلك على سبيل الجملة فليس لهم سبيل إلى معرفة جزئياتها، ولا يمكن أن يعرفوا كيف يجب، ولا في أي وقت يجب، وكم يجب؟. فلما كان كذلك مَنَّ اللَّه تعالى على كافة عباده، خاصهم وعامهم برسل بعثهم فيهم من أنفسهم يتلون عليهم آياته ويزكونهم ويعلمونهم الكتاب والحكمة. لكي إذا تمسكوا بذلك صلح معادهم ومعاشهم، وسهل عليهم إدراكهم؛ ولهذا أزاح اللَّه تعالى علتهم ببعثة الأنبياء فقال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) . ما يعرف به صحة النبوة لكل نبي آيتان: إحداهما: عقلية يعرفها أولو البصائر من الصديقين والشهداء والصالحين ومن يجري مجراهم. والثانية: حسية يدركها أولو الأبصار من العامة. فالأولى: ما لهم من الأصول الزكية، وصورهم المرضية، وعلومهم الباهرة، ودلائلهم المتقدمة عليهم والمستصحبة، وأنوارهم الساطعة التي لا تخفى على أولي البصائر، كما قال الشاعر في مدح النبي ﷺ : لو لم تكن في آيات مبينة كانت ... بداهته تغنيك عن خبره وذلك أن حق النبي أن يكون من أكرم تربة في العالم، وحيث يكون عقل أربابها أوفر، لذلك لم يبعث نبي من الأطراف التي تضعف عقول أربابها، ويجب أن يكون من عنصر كريم من بيت الفضل؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) ونبَّه بقوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) أنه جعل النبوة في أهل بيت واحد لا تخرج عنهم لكونهم أشرف.

стр. 98

ويجب أن يكون عليه أنوار تروق من رآها وأخلاق تتملك من ابتلاها، كما قال تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) ، وقال لنبينا ﷺ : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) . ويجب أن يكون كلامه ذا حجة وبيان يشفي سامعه إذا كان متخصصًا بنور العقل،ولذلك قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) وهذه الأحوال إذا حصلت لا يحتاج ذو البصيرة معها إلى معجزة، ولا يطلبها كما لا يطلب الأنبياء من الملائكة فيما يخبرونهم به حجة، ولهذا لما عرض النبي ﷺ على الصديق أبي بكر الإسلام تلقاه بالقبول، حتى قال ﷺ : " ما أحد عرضت عليه الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر الصديق فإنه لم يتلعثم فيه ". وأما الآية الثانية فهي المعجزة التي تدركها الحواس من الأنبياء، وذلك يطلبه أحد رجلين إما ناقص عن معرفة الفرق بين الكلام الإلهي وبين الكلام البشري، وعن إدراك سائر ما تقدم ذكره، فيحتاج إلى ما يدركه بحسه لقصوره عن إدراك ذلك. وإما ناقص وهو مع نقصه معاند، فيقصد بما يطلبه العناد، كما قال تعالى حكاية عن الكفار: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) . كون الرسول والعقل هاديين الخلق إلى الحق: للَّه إلى خلقه رسولان: أحدهما: من الباطن وهو العقل، والثاني: من الظاهر وهو الرسول، ولا سبيل لأحد إلى الانتفاع بالرسول الظاهر ما لم يتقدمه الانتفاع بالباطن، فالباطن يعرف صحة دعوى الظاهر، ولولاه لما كانت تلزم الحجة بقوله، ولهذا أحال اللَّه من يشكك فىِ وحدانيته وصحة نبوة أنبيائه على العقل، فأمره بأن يفزع إليه في معرفة صحتها، فالعقل: قائد والدين مدد، ولو لم يكن العقل لم يكن الدين

стр. 99

باقيًا، ولو لم يكن الدين لأصبح العقل حائرًا، واجتماعهما كما قال تعالى: (نُورٌ عَلَى نُورٍ) . تعذر إدراك العلوم النبوية على من لم يتهذب في العلوم العقلية المعقولات تجري مجرى الأدوية الجالية للصحة، والشرعيات تجري مجرى الأغذية الحافظة للصحة، وكما أن الجسم متى كان مريضًا لم ينتفع بالأغذية، ولم يستفد بها، بل يتضرر بها، كذلك من كان مريض النفس كما قال تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) ، لم ينتفع بسماع القرآن الذي هو موضوع الشرعيات، بل صار ذلك ضارًّا له مضرة الغذاء للمريض، ولهذا قال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) . وأيضًا فالقلب بمنزلة مزرعة للمعتقدات، والاعتقاد فيه بمنزلة البذر إن خيرًا وإن شرًّا، وكلام اللَّه تعالى بمنزلة الماء الذي يسقيه، ولذلك سماه ماء على ما تقدم ذكره، فكما أن الماء إذا سقى الأرض يختلف نباته بحسب اختلاف بذوره، كذلك القرآن إذا ورد على الاعتقادات الراسخة في القلوب، تختلف تأثيراته، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ) وقال تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) . وأيضًا فالجهل بالمعقولات جارٍ مجرى ستر مرخي على البصر، وغشاء على القلب، ووقر في الأذن، والقرآن لا تُدرك حقائقه إلا لمن كشف غطاؤه، ورفع غشاؤه، وأزيل وقره، ولهذا قال تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)

стр. 100

وأيضًا فالمعقولات كالحياة التي بها الأبصار والأسماع، والقرآن كالمدرك بالسمع والبصر، وكما أنه من المحال أن ييصر ويسمع الميت قبل أن يجعل اللَّه فيه الروح، ويجعل له السمع والبصر كذلك من المحال أن يدرك من لم يحصل المعقولات حقائق الشرعيات؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) الآيتان يعني: آيات السموات والأرض وغيرها. الإيمان والإسلام والتقوى والبر: الإيمان: هو الإذعان للحق على سبيل التصديق له باليقين؛ ولهذا وصف اللَّه تعالى العلم والإيمان بوصف واحد فقال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ووجل القلب: هو الخشية للحق على سبيل التصديق له باليقين. هذا هو أصل الإيمان لكن صار اسمًا لشريعة نبينا محمد ﷺ كالإسلام، وصح أن يطلق على من يظهر ذلك وإن لم يتخصص به اعتقادًا عن يقين أو ثلج صدر، كاليهودي في أن أصله منسوب إلى يهود، والنصراني في أن أصله المنسوب إلى نصران، وهي قرية، ثم صارا اسمين للمتخصصين بالشريعتين. على أن اشتقاق الإيمان لا يمنع أن يطلق على من يظهره، فإن المؤمن هو من صار ذا أمن، وبإظهار الشهادتين يأمن الإنسان من أن يراق دمه، أو يباح ماله في الحكم، ولهذا قال ﷺ : " من قال: لا إله إلا اللَّه فقد عصم منَّا دمه وماله إلا بحق "، وروي: " شهادة أن لا إله إلا اللَّه كلمة جعلها اللَّه بيننا فمن قالها من قلبه فهو مؤمن،

стр. 101

ومن قالها بلسانه ولم تكن في قلبه كان له ما لنا وعليه ما علينا وحسابه على اللَّه " وذلك أنه لا يطلع على القلوب إلا الخالق تعالى. والشريعة: واردة بأن يطلق اسم الإيمان على من يظهر ذلك من نفسه من غير فحص عن قلبه، فلا يتحاشى من إطلاق ذلك عليه ما لم يظهر منه ما ينافي الإيمان، بخلاف ما ادعاه بعض المعتزلة فإنه لا يصح إطلاق اسم المؤمن على الإنسان ما لم يختبر في الأصول الخمسة، ويوقف منه على حقيقة ما عنده. والإسلام: هو الاستسلام لما يدعو إليه الشرع من فعل ما يقتضي فعله. والملة: القود إلى الطاعة. والدين: الانقياد له، وهما بالذات واحد، لكن الدين هو الطاعة فيقال: اعتبار بفعل المدعو في انقياده إلى الطاعة، والملة: من أمللت الكتاب، فيقال اعتبارًا: بفعل الداعي إليها والشارع لها، ولكونها بالذات واحدًا قال تعالى: (دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) فأبدل الملة من الدين. والدين أعم من الإسلام، إذ هو يستعمل في الحق والباطل، والإسلام لا يستعمل إلا في الحق، فلهذا قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) . والإحسان: تحري الحسنى في الإيمان والإسلام، ولهذا قال ﷺ لما قيل له: ما الإحسان، فقال: " أن تعبد اللَّه كأنك تراه ". والتقوى: جعل النفس وقاية من سخط اللَّه تعالى، وذلك بقمع الهوى. والبر: السعة في علم الحق وفعل الخير، (وهو) مشتق من البر أي: السعة في الأرض، وهو المعبر عنه بانشراح الصدر واطمئنان القلب، وقال النبي ﷺ : " البر ما سكنت إليه نفسك واطمأن إليه قلبك، والإثم ما حاك في نفسك، وتردد في صدرك "

стр. 102

وقال: " البر طمأنينة والشر ريبة ". ومن البر الجود، ولذلك جعل الجود من الإيمان، قال تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) . والإخلاص: أن يقصد الإنسان فيما يفعله وجه اللَّه تعالى، متعريًا عن الالتفات إلى غيره، ولذلك قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ولقلة وجود ذلك، قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) . ولما كان الإيمان يقال باعتبار العلم وهو متعلق بالقلب، والإسلام بفعل الجوارح، والتقوى بقمع الهوى، قال ﷺ : " الإسلام علانية، والإيمان في القلب، والتقوى هاهنا "، وأشار إلى صدره. ولما كان الصدر مقر قوى الإنسان من الفكرة والشهوة والغضب، قال ﷺ : " لا يستقيم إيمان عبد حتى يسقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يسقيم لسانه ". وقال: " الإيمان قائد والعقل سائق، والنفس حرون، فإن أبى قائدها لم تسقم لسائقها، وإن أبى سائقها لم تطع قائدها ". ولما كان الإيمان والإسلام والتقوى متلازمة قال في الجنة: (أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ) . وقال في موضع آخر: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) . وقال: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) .

стр. 103

في الإيمان: اختلف في الإيمان: هل هو الاعتقاد المجرد أم الاعتقاد والعمل معًا، واختلافهم بحسب اختلاف نظرهم، فمن قال: هو الاعتقاد المجرد فنظر منه إلى اشتقاق اللفظ وإلى أنه قد فصل بينهما في عامة القرآن، فعطف العمل عليه كقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ولأن النبي ﷺ فرق بينهما في خبر جبريل حين سأله عن الإسلام وعن الإيمان، ففسر الأول بالأعمال والثاني بالاعتقاد. ومن قال: هو الاعتقاد والعمل فلقوله ﷺ : " الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار با لسان، وعمل بالأركان ". وكذلك اختلفوا هل يكون في الإيمان زيادة ونقصان، فقال قوم: يكون ذلك فيه لقوله تعالى.: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ) وقوله: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) وقوله: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) . ومن خالفهم قال: الشيء إنما يزيد بغلبته على ضده، وينقص بغلبة ضده عليه، قالوا: والإيمان لا يحصل إلا بعد أن يكون غالبًا على الكفر فلا يضامه حتى يقال: إنه غلب عليه. ولذلك اختلفوا في جواز إطلاق اسم الإيمان على من أقر بالشهادتين، فقال بعضهم: يجوز ذلك نظرًا منه إلى قوله ﷺ في الجارية التي سألها عن الله فأشارت نحو السماء، وعن النبوة فأشارت إليه ﷺ ، فقال: " اعتقها فإنها مؤمنة "، ولأن الإيمان ليس بذي منزلة واحدة، ومن قال: لا يجوز فنظر منه إلى قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ولما روي عنه ﷺ أنه قال: " من قال: أنا مؤمن، فهو فاسق، ومن قال: أنا عالم، فهو جاهل " فإن قيل:

стр. 104

ما معنى قوله ﷺ : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن "، قيل: الإيمان ذو منازل كما وصفه ﷺ . وإنما يكون الإنسان مؤمنًا بلا مثنوية إذا استوعب منازله كلها، فتعرى من جميع الشرور وتخصص بجميع الخيرات على قدر طاقة البشر، ومتى انخرم بعض ذلك خرج هو عما هو، كقولهم: عشرة، في كونه اسمًا لعدد مخصوص إذا سقط بعضه سقط ذلك الاسم عنه، ومن شرط الإيمان الكامل ألا يكون زانيًا ولا سارقًا. في معنى قوله ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون بابا " ثبت الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: " الإيمان بضع وسبعون بابًا أعلاها شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "، وهذه لفظة من تأملها وعرف حقيقتها علم بالواجب أن الإيمان الواجب هو اثنتان وسبعون درجة لا يصلح أن يكون أكثر منها ولا أقل، ولا يوجد من الإيمان ما هو خارج عنها بوجه، وأنه ﷺ فيما يورده كما وصفه بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) . وبيان ذلك أن الإيمان شيئان: اعتقاد وأعمال: فالاعتقاد على ثلاث منازل: يقيني: لا يعتريه شك ولا شبهة بوجه كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) . وظني: وذلك ما كان عن أمارة قوية، وأعني بالظن هاهنا ما يفسره أهل اللغة باليقين نحو قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) . وتقليدي: وذلك ما يعتقد عن رأي أهل البصائر كما وصفه تعالى بقوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) . والأعمال ثلاثة: عمارة الأرض: المعنية بقوله تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) .

стр. 105

وعبادة الله تعالى: المعنية بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) . وخلافته: المعنية بقوله تعالى: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) وقوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وذلك بتحري مكارم الشريعة. فهذه ستة وكل واحد من هذه إما أن يتحراه الإنسان عن رهبة، أو رغبة، كما قال تعالى: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) أو يتحراه عن إخلاص تطوع واهتزاز نفس، كما قال تعالى: (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) فهذه اثنتا عشرة منزلة. وكل واحدة من هذه المنازل إما أن يكون الإنسان في مبتدئها أو وسطها أو منتهاها؛ لأن كل فضيلة ورذيلة لا ينفك الإنسان فيها من هذه الأحوال الثلاث، ولهذا قال تعالى في الفضيلة: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) وقال في الرذيلة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) . فجعل منازل الإيمان ومنازل التقوى ثلاثة كما ترى، فهذه اثنتا عشرة في ثلاثة تكون ستة وثلاثين. وكل واحدة من هذه الستة والثلاثين إما أن يتوصل إليها الإنسان من طريق الاجتباء، أو من طريق الهداية. والاجتباء للأنبياء ومن يليهم من الأولياء وهو: إيثار اللَّه تعالى بعض عباده بفيض إلهي وتأتيهم الحكمة بلا سعي منهم، وعلى هذا قوله: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) وقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) . والاهتداء: للحكماء والعلماء، وهو توفيق اللَّه تعالى العبد ليطلب بسعيه وجهده الحكمة فيتحصل له منها بقدر ما يتحمل من المشقة. وإياهما عني بقوله تعالى: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وقوله تعالى: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا) . فهذه اثنتان وسبعون درجة لا يمكن الزيادة عليها ولا النقصان عنها، ذلك ما ورد من الأخبار فليس بخارج عنها واللَّه الموفق: فمما هو من جملة العبادة قوله ﷺ : " الوضوء شطر الإيمان "،

стр. 106

الصلاة من فرغ لها قلبه وأقامها بحدودها ووقتها وسننها ". ومما هو من مكارم الشريعة قوله ﷺ : " الحياء من الإيمان "، وقال: " لايجتمع شح وإيمان في قلب عبد "، وقوله ﷺ : " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف المؤمن من نفسه، وبذل السلام "، وقوله ﵊: " أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله "، وقوله ﷺ لأناس من أصحابه: " ما إيمانكم، " فقالوا: نصبر على البلاء، ونشكر في الرخاء، ونرضى بالقضاء. فقال ﷺ : " مؤمنون ورب الكعبة ". في أنواع الجهل: الإنسان في الجهل على أربع منازل: الأول: من لا يعتقد اعتقادًا لا صالحًا ولا طالحًا، فأمره في إرشاده سهل، إذ كان له طبع سليم، فإنه كلوح أبيض لم يشغله نقش، وكأرض بيضاء لم يلق فيها بذر، ويقال له باعتبار العلم النظري: غُفل، وباعتبار العلم العملي: غُمر، ويقال له: سليم الصدر. والثاني: معتقد لرأي فاسد لكنه لم ينشأ عليه ولم يترب به، واستنزاله عنه سهل وإن كان أصعب من الأول فإنه كلوح يحتاج فيه إلى محو وكتابة، وكأرض يحتاج فيها إلى تنظيف، ويقال له: غاو وضال. والثالث: معتقد لرأي فاسد قد (ران على قلبه) ، وتراءت له صحته فركن إليه لجهله وضعف نحيزته، فهو ممن وصفه اللَّه تعالى بقوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) فهذا ذو داءٍ أعيا الأطباء فما كل داءٍ له

стр. 107

دواء، فلا سبيل إلى تهذيبه وتنبيهه، كما قيل لحكيم يعظ شيخًا جاهلًا: ما تصنع، فقال: أغسل مسحًا لعله يبيض. والرابع: معتقدًا اعتقادًا فاسدًا عرف فساده، أو تمكن من معرفته، لكنه اكتسب دنية لرأسه، وكرسيًّا لرئاسته، فهو يحامي عليها فيجادل بالباطل ليدحض به الحق، ويذم أهل العلم ليجر إلى نفسه الخلق، ويقال له: فاسق ومنافق، وهو من الموصوفين بالاستكبار والتكبر في نحو قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) وقوله: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) فنبَّه تعالى أنهم ينكرون ما يقولونه ويفعلونه لمعرفتهم ببطلانه، ولكن يستكبرون عن التزام الحق وذلك حال إبليس فيما دعي إليه من السجود لآدم ﵇. والجنون: هو عارض يغمر العقل. والحمق: قلة التنبه لطريق الحق، وكلاهما يكونان تارة خلقة وتارة يكونان عارضًا، وقد عظم الحمق ما لم يعظم الجنون. وقد قصد الشاعر (ذلك) في قوله: لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها وقد ذكرت حكاية هي وإن لم تصح فنافع ذكرها، وهي أن عيسى ﵇ أتي بأحمق ليداويه فقال: أعياني مداواة الأحمق، ولم يعيني مداواة الأكمه والأبرص. ومما يفرق به بينهما أن المجنون: يكون غرضه الذي يريده ويؤمه فاسدًا ويكون سلوكه إلى غرضه صوابًا، والأحمق: الذي يكون غرضه الذي يريده صحيحًا وسلوكه إليه خطأ، وبهذا يعرف المجنون: إذا رئي بإرادته قبل سلوكه إلى مراده، والأحمق: لا يعرف بمراده بل بسلوكه. ولهذا متى صحت إرادة المجنون صح فعله حتى تتعجب كثيرًا من فلتات صوابه، والأحمق لا يكاد يصيب في شيء من مسالكه. وأما البله: فقلة التنبه على الأمور، ويضاده الكيس، وفد تقدم أن البله والكيس قد يقالان تارة باعتبار الأمور الدنيوية، وتارة يكونان بالأمور الأخروية. فمن كان في

стр. 108

إحداهما كيِّسًا كان في الأخرى أبلهًا، وقد قال الصديق ﵁: " أكيس الكيس التقي، وأحمق الحمق الفجور ". وأما الرقيع.: فالذي يلصق بقلبه كل محال كأنه رقع بذلك. والأرعن: الذي يأتي بما يخرج عن الصواب، تشبهًا برعن الجبل وهو الحيد منه. والأحمق: هو الناقص العقل من قولهم: انحمقت السوق، أي: نقصت. والغمارة: قلة التجربة في الأمور العملية، مع تخيل سليم، وقد يكون الإنسان غمرًا في شيء غير غمر في شيء آخر. والخرق: يقال في الجاهل بالعلوم العملية، وذلك هو أن يفعل أكثر مما يجب، أو أقل، أو على غير النظام المحمود، وفساد كل عمل لا يعدو هذه الوجوه الثلاثة، ويضاده الحذق. والغي: اتباع الهوى وترك ما يقتضيه العقل. والضلال: أن يقصد لاعتقاد الحق، أو فعل الجميل، أو قول الصدق، فظن بتقصيره وسوء تصوره فيما كان باطلًا أنه حق، فيعتقده، أو فيما كان كذبًا أنه صدق فيقوله، أو فيما هو قبيح أنه جميل ففعله. والجهل: عام في كل ذلك. والخب: استعمال الدهاء في الأمور الدنيوية، صغيرها وكبيرها. والجربزة: مثله لكن تقال فيما تقتضي الأمور الدينية. والدهاء: مثله لكن يقال في الأمور العظام إذا أدرك غاياتها؛ ولهذا قالوا: الدهاة في الإسلام أربعة فذكروا المتوجهين في الاحتيالات (في الأمور الدنيوية) الذين بلغوا بها أمورًا كبارًا. ومن الجهل: الكفر؛ وهو عناد الإنسان للحق على سبيل التكذيب له لا بيقين، وأصله: ستر ما جعله اللَّه تعالى للإنسان بفطرته وصبغته من المعارف بما يستعمله

стр. 109

ويتحراه من عناده الحق، ومن ترك النظر، والإخلال بتزكية النفس المعني بقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) . كون العلوم مركوزة في نفوس الناس نفس الإنسان معدن الحكمة والعلوم، وهي مركوزة فيها بالفطرة، مجعولة لها بالقوة، كالنار في الحجر، والنخلة في النواة، والذهب في الحجارة، وكالماء تحت الأرض، لكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري، ومنه ما يعاين تحت الأرض، لكن لا يتوصل إليه إلا بدلو ورشاء، ومنه ما هو كامن يحتاج في استنباطه إلى حفر وتعب شديد، فإن عني به أدرك وإلا بقي غير منتفع به، كذا العلم في نفوس البشر، منه ما يوجد من غير تعلم بشري وذلك حال الأنبياء، فإنه تفيض عليهم المعارف من جهة الملأ الأعلى، ومنه ما يوجد بأدنى تعلم، ومنه ما يصعب وجوده كحال أكثر عوام الناس. ولكون العلوم مركوزة في النفوس قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) . فنبَّه أنهم أقروا أن اللَّه هو الذي يربيهم ويغذيهم ويرزقهم ويكملهم من الطفولية. فهذا إقرار نفوسهم كلهم بما ركز في عقولهم. فأما الإقرار باللسان فلم يحصل من كلهم، وكذا المعني بقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) أي: لو اعتبرت أحوالهم لكانت نفوسهم وجوارحهم تنطق بذلك؛ وعلى هذا قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) . فبين أن الدين الحنيف وهو المستقيم قد فطر الناس عليه، أي: خلقهم عالمين به، وأن المعاندين وإن قصدوا تبديله وإزالة الناس عنه لم يقدروا عليه، وعلى ذلك قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) وقال تعالى فيمن

стр. 110

قويت فيه الصبغة والفطرة: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) فسمي ذلك كتابا، وقال ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة "، وأما الشهادة المأخوذة عليهم فالناس فيها ضربان: ضرب: أجالوا خواطرهم فيها حتى أدركوا حقائقها فصاروا كمن حملوا الشهادة فنسوها، ثم تذكروها، ولذلك قال تعالى في غير موضح: (لَعَلَّهُم يَتَذَكرونَ) (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) . وضرب: أهملوا أنفسهم ولم يشتغلوا بتذكر ما حملوا من الشهادة، كما قال تعالى: (وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) فهم في الجهالة يتسكعون، وعلى هذا حثنا الله تعالى على التذكر بقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ) وقال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) أي: يسرنا القرآن ليكون سببًا تتوصلون به إلى تذكر ما سبق من عهدكم، والتذكر على أضرب: الأول: أن يكون في اللسان عن صورة ما حصل في القلب. والثاني: أن لمجون بالقلب كصورة حصلت عن شيء معهود إما بالبصر أو بالبصيرة أو غيره من المشاعر. والثالث: أن يكون عن صورة متضمنة بالفطرة في الإنسان، وهو المشار إليه بهذه الآيات، ومن هذا الوجه قال الحكماء: التعلم ليس يجلب إلى الإنسان شيئا من خارج في الحقيقة، وإنما يكشف الغطاء عما حصل في النفس فيبرزه بجلائه، فمثله كمثل الحافر المستنبط الماء من تحت الأرض، وكالصيقل الذي يبرز الجلاء في المرآة، وهذا ظاهر لمن نظر بعين عقله. حصر أنواع المعلومات أنواع العلم ثلاثة: نوع يتعلق باللفظ، ونوع يتعلق باللفظ والمعنى، ونوع يتعلق بالمعنى دون اللفظ. فأما ما يتعلق باللفظ فهو ما يقصد به تحصيل الألفاظ بوسائط المعاني، وذلك ضربان: أحدهما: حكم ذوات الألفاظ، وهو علم اللغة.
следующие страницы →