Полный текст (233 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بالأجر؛ فعل المستأجر بأجيره، فقال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)
وأين الأجر وإن كثر حتى صار بغير حساب من الجزاء، ثم قال في الصبر:
(يُوَفَّى) ، فلم يسم فاعله، وقال في الشكر: ((وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) ،
(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
فانظر إلى هذا اللطف في المقال قبل الانتهاء إلى الفعال ولم يذكر من أنبيائه بالشكر إلا اثنين كما تقدم ووصف جماعتهم
بالصبر فقال: (كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)
وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)
فجعل الصبر مبدأ والشكر منتهى؛ ولأن الصبر محمول عليه
قهرًا والشكر مؤدى تطوعًا.
الغيبة والنميمة
الغيبة: أن يذكر الإنسان غيره بما فيه من عيب من غير أن يحوج إلى ذكره،
وقد عظم اللَّه أمرها فقال: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)
وقال تعالى: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)
وقال ﵊: " لا يدخل الجنة قتات "، وروي: " النميمة تفطر الصائم وتنقض الوضوء "، وقلَّ من وجد عائبًا إلا كان معيبًا، وقال قتيبة لرجل رآه يغتاب آخر: لقد تلمظت بما يعافه الكرام، وحق الإنسان أن لا يتعودها فإن لها ضراوة، ولذلك عير إنسان آخر بالغيبة فقال: لو تلمظت بها لما صبرت عنها، ثم إن من اغتاب اغتيب، ومن عاب عيب، فبحثه عن عيوب الناس يحمل الناس على البحث عن عيوبه وكما يجب أن يتحراها بقوله يجب أن يتجنب من سماعها وسماع كل قبيح من الكذب، لئلا يعلق وضره ووسخه بفكرته فوضر كل كلمة عوراء لا يمكن
تطهير القلب عنه إلا بزمان مديد وعلاج شديد، وسماع القبيح قد يصير سببًا لفساد الكبير المجيد وغواية العالم المستبصر، فضلا عن فساد الحدث الغر والناشئ الغمر، ولذلك قال تعالى في مدح قوم: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)
وقد أجاد من قال:
وسمعَك صُن عن سماع القبيح ... كصَوْن اللسان عن النطق به
وكقبح الغيبة والنميمة المسابة، قال أمير المؤمنين علي رضي اللَّه تعالى عنه: " ما تساب
.
стр. 142
اثنان إلا غلب ألأمهما وإلا انحط الأعلى إلى رتبة الأسفل منهما "،
وقد قيل: إذا سمعت كلمة تؤذيك فتطامن لها حتى تتخطاك. وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وسلم.
الكلام المستقبح
البذاء: الكلام القبيح، ويكون من القوة الشهوية طورًا؛ كالرفث والسخف، ويكون من القوة الغضبية طورًا، فمتى كان معه استعانة بالقوة الفكرة يكون فيه السباب، ومتى كان من مجرد الغضب كان صوتًا مجردًا لا يفيد نطقًا، كما ترى كثيرًا ممن فار غضبه وهاج هائجه.
والرفث: فواحش الكلام في باب النكاح وأوصاف النساء وهو قبيح، قال بعضهم:
إني لأستقبح من الرجل أن يكون وصافًا لبطنه وفرجه، ومن حق الإنسان أن يصون عن ذلك كله سمعه كما يصون عن التفوه به فمه؛ ولذلك قال تعالى في مدح قوم: ((وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)
وقال: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥) .
والسباب ثلاثة:
الأول: قدح في نسب المسبوب.
والثاني: في نفسه أو بدنه لعاهة به أو آفة.
والثالث: في شيء فعله أو فعل به.
والسفه: التسرع إلى القول القبيح أو الفعل القبيح.
المزاح والضحك
المزاح: إذا كان على الاقتصاد محمود، فقد روي عنه ﷺ أنه قال: " إني لأمزح ولا أقول إلا حقًا "، وروي عنه ﷺ كلمات مازح بهن، وقال سعيد بن العاص
стр. 143
لابنه: اقتصد في مزاحك، فالإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجريء عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين. ولكن الاقتصاد فيه صعب جدا لا يكاد يوقف عليه، ولذلك تحرج عنه أكثر الحكماء حتى قيل: المزاح مسلبة للبهاء، ومقطعة للإخاء، وفعل لا ينتج إلا الشر.
وأما الضحك فمن خصائص الإنسان، وذلك أنه يكون من التعجب، والتعجب لا يكون إلا عن فكرة، وبالفكرة يميز الإنسان عن البهائم والاقتصاد فيه، ومعرفة ما يحسن منه عسير كما هو في المزاخ.
وقيل: إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب وتورث النسيان، وقيل: كثرة الضحك من الرعونة، وحكي عن عيسى ﷺ أنه قال: " إن اللَّه تعالى يبغض المضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب.
وأما إيراد المضحكات على سبيل السخف فنهاية القباحة ". وقد قال ﷺ : " ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك القوم، ويلٌ له، ويلٌ له ".
الحلف
أقبح من الكذب اليمين الفاجرة فيها مع الكذب الاستهانة بالمقسم به، وحق
المسلم أن يتحاشى من الاستعانة باليمين في الحق فكيف في الباطل، وأن يتحقق تقدير القسم ومما يراد به ليعلم أن الأغراض الدنيوية أوبخ أمرًا وأخس قدرًا من أن يفزع فيها إلى الحلف باللَّه، وتقدير ذلك قول القائل إذا قال: تاللَّه إن لي عليك كذا، أي: كون ذلك لي عليك حق كما أن وجود الله تعالى حق، وهذا كلام يتحاشى منه من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من تعظيم اللَّه، وقد قال اللَّه سبحانه: (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا)
وقال: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا)
وقال علي ﵁: " الحلف ينفق السلعة ويمحق البركة " ولم يخص
стр. 144
يمينًا من يمين. وأما قول النبي ﷺ : " من لم يحلف على ماله فلا مال له " فإنه وإن كان بنظر الفقهاء يتصور أنه مفسحة في الحلف صادقًا، فإنه بنظر الحكماء يحث على إيثار التعظيم للَّه وتقديمه على إيثار المال وتعريض بأن الذي فاته هو عرض حاضر
لا الدين والمروءة.
وحق العاقل إذا اضطر إليه أن يسلك سبيل التعريض فيه دون التصريح وما لا يضطر إليه تركه تعريضًا وتصريحًا، وإن بدر منه سهوًا حلف شفعه بالاستثناء، كما قال ﷺ : " من كان حالفًا فليقل: إن شاء اللَّه، فإنه يدفع الحنث، ويذهب الخبث، وينجز الحاجة،
ويدفع اللجاجة ": وقيل: العاقل إذا تكلم أتبع كلامه مثلًا، والأحمق إذا تكلم أتبع كلامه حلفًا، وعلامة الكاذب جوده بيمينه على غير مستحلف، قال الشاعر المتنبي:
وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم
وقال بعض الحكماء: اللغو في الحلافة يدل على كذب أربابها، فإن ذلك لقلة
الركون إلى قولهم، وكما جوز ﵊ الكذب حيث يضطر إليه جوز الحنث في اليمين، فقال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه ".
стр. 145
الفصل الثالث فيما يتعلق بالقوة الشهوية
стр. 146
الحياء
الحياء: انقباض النفس عن القبائح، وهو من خصائص الإنسان، وأول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان، وجعله اللَّه تعالى في الإنسان ليرتدع به، عما تنزعه إليه الشهوة من القبائح فلا يكون كالبهيمة.
وهو مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحي فاسقًا ولا الفاسق
مستحيًا لتنافي اجتماع العفة والفسق، وقل ما يكون الشجاع مستحييًا والمستحي شجاعًا لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة، ولعزة وجود ذلك تجمع الشعراء بين المدح بالشجاعة، والمدح بالحياء نحو قول الشاعر:
يجري الحياء الغض من قسماتهم ... في حين يجري من أكفهم الدم
وقال آخر:
كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دواني
ومتى قصد به الانقباض فمدح للصبيان دون المشايخ، ومتى قصد به ترك القبيح فمدح لكل أحد، وبالاعتبار الأول قيل: الحياء الأفاضل قبيح.
ومن هذا الوجه قيل: خزي يخزى خزيًا في الهوان، وخزي خزاية في الاستحياء فجعلا من منبع واحد،
وبالاعتبار الثاني قيل: " إن اللَّه يستحي من ذي الشيبة في الإسلام أن يعذبه "، أي: يترك تعذيبه.
وأما الخجل: فحيرة النفس لفرط الحياء، ويحمد في النساء والصبيان، ويذم باتفاق من الرجال.
والوقاحة: مذمومة بكل لسان، إذ هي انسلاخ من الإنسانية، وحقيقتها لجاجة النفس في تعاطي القبيح واشتقاقه من حافر وقاح، أي: صلب " ولهذه المناسبة قال الشاعر:
стр. 147
ياليت لي من جلد وجهك رقعة ... فأقد منها حافرًا للأشهب
وما أصدق قول الشاعر:
صلابة الوجه لم تغلب على أحد ... إلا تكمل فيه الشر واجتمعا
فأما مداواة اكتساب الحياء فحق الإنسان إذا همَّ بقبيح أن يتصور أجل من في نفسه حتى كأنه يراه، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه؛ ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال، ولا من الذين لا يميزون، ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد.
والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة:
البشر: وهم أكثر من يستحي منه، ثم نفسه، ثم اللَّه ، ومن استحيا من الناس ولم يستحِ من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره،
ومن استحيا منهما ولم يستحِ من اللَّه فلعدم معرفته بالله ، فإن الإنسان يستحي ممن يعظمه ويعلم أنه يراه أو يسمع نجواه فيبكته، ومن لا يعرف اللَّه فكيف يستعظمه، وكيف يعلم أنه مطلع عليه.
وقول النبي ﷺ : (استحيوا من اللَّه حق الحياء " في
ضمنه حث على معرفته، وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)
تنبيهًا على أن العبد إذا علم أن اللَّه يراه استحيا من ارتكاب الذنب، وقد سئل الجنيد ﵀ عما يتولد منه الحياء من اللَّه تعالى، فقال: رؤية العبد آلاء الله عليه، ورؤية تقصيره في شكره،
فإن قيل: كيف قال النبي ﷺ : " من لا حياء له فلا إيمان له "،؛ قيل: الحياء أول ما يظهر في الإنسان من أمارة العقل، والإيمان آخر مرتبة العقل، ومحال حصول آخر مرتبة العقل لمن لم يحصل له الرتبة الأولى فبالواجب إذا كان من لا حياء له فلا إيمان له.
وقال ﵊: " الحياء شعبة من الإيمان "، وقال: " الإيمان عريان
стр. 148
ولباسه التقوى وزينته الحياء "
كبر الهمة
وأما كبر الهمة: فمختص بالإنسان، فأما الحيوانات فكل جنس يتحرى الفعل بقدر ما في طبعه، وهو خال بين التفنج وصغر الهمة، فالتفنج تأهل الإنسان لما لا يستحقه وهو البذخ، وصغر الهمة تركه لما يستحقه وهو الدناءة، وكلاهما مذمومان؛ لكن المتفنج جاهل أحمق، والصغير الهمة جاهل غير أحمق، وليس لكبر الهمة إفراط مذموم في الحقيقة، وإنما الإفراط يدخل في كل فعل يتصوره بعض الناس بصورة علو الهمة له وليس كذلك، واعلم أنه قد يقال: فلان كبير الهمة وفلان صغير الهمة؛ إذا كان أحدهما يطلب مقتنى أكثر أو أشرف مما يطلبه الآخر، والكبير الهمة على الإطلاق هو من
لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه فلا يصير عبد عارية بطنه وفرجه، بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة فيصير من خلفاء اللَّه وأوليائه في الدنيا ومن مجاوريه في الآخرة.
والصغير الهمة من كان على الضد من ذلك، وقال أعرابي: فلان عظمه صغر
الدنيا في عينيه، فكان خارجًا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، وخارجًا من سلطان فرجه فلا يستخف له رأيًا ولا بدنًا، وحق الإنسان أن يتلطف عن ذلك فإنه وإنا كان بعنصره حيوانًا فهو بعقله وفكره مَلَك، وإذا ضيع نفسه صار شرًّا من البهيمة، وذلك هو الخسران المبين، وقد قيل: من عظمت همته لم يرضَ بقنية مستردة وحياة مستعارة. فإن أمكنك أن تقتني قنية مؤبدة وحياة مخلدة فافعل، فلا اعتداد بما له فناء.
والكبير الهمة على الإطلاق من يتحرى الفضائل لا لجاه ولا لثروة ولا للذة ولا لاستشعار نخوة واستعلاء على البرية، بل يتحرى مصالح العباد شاكرًا بذلك نعمة اللَّه، ومتوخيًا به مرضاته غير مكترث بقلة مصاحبيه، فإنه إذا عظم المطلوب قل المساعد، وطريق العلاء قليلة الأناس.
الوفاء والغدر
الوفاء: أخو الصدق والعدل، والغدر: أخو الكذب والجور، وذلك أن الوفاء صدق اللسان والفعل معًا، والغدر كذب بهما، لأن فيه مع الكذب نقض العهد.
والوفاء يختص بالإنسان فمن فقد فيه فقد انسلخ من الإنسانية كالصدق، وقد جعل
стр. 149
اللَّه تعالى العهد من الإيمان، وصيره قوامًا لأمور الناس، فالناس مضطرون إلى التعاون ولا يتم تعاونهم إلا بمراعاة العهد والوفاء، ولولا ذلك لتنافرت القلوب وارتفع التعايش، ولذلك عظم اللَّه تعالى أمره فقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)
وقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ)
وقيل في قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)
أي: نزه نفسك عن الغدر، وقال تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا)
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)
وقد عظم حال السموأل فيما التزم به من الوفاء بدروع امرئ
القيس؛ ولقلة وجود ذلك في الناس قال اللَّه تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ)
وقد ضرب به المثل في العزة فقيل: هو أعز من الوفاء. قال الشاعر:
أبى الناس إلا ذميم الفعال ... إذا جربوا وقبيح الكذب
المشاورة
اشتقاقها من شرت الدابة إذا استخرجت جريها، وهي استنباط المرء الرأي من غيره فيما يعرض له من مشكلات الأمور، ويكون ذلك في الأمور الجزئية التي يتردد المرء فيها بين فعلها وتركها ونعم العدة هي، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه: " المشاورة حصن من الندامة وأمن عن الملامة "، وقيل: الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة والاستبداد عن الاستخارة، والرأي الواحد كالخيط السحيل
والرأيان كالخيطين والثلاثة إصرار لا ينقض، وكفاك بمدحها قول الله تعالى لنبيه ﷺ : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)
وقد استحسن الحكماء قول بشار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو مشورة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم
стр. 150
لكن اعتبار من تجوز أن تعتمد مشاورته صعب جدًّا، فإنه يحتاج أن يكون صديقًا أمينًا مجربًا حازمًا ناصخا رابط الجأش غير معجب بنفسه ولا متلون في رأيه ولا كاذب في مقاله، فمن كذب لسانه كذب رأيه، ويجب أن يكون فارغ البال في وقت ما يستشار وقد أحسن بشار حيث قال:
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب
النصح
النصح: أصله من نصحت الثوب إذا خطته، وهو إخلاص المحبة لغيره في إظهار ما فيه صلاحه، وهو دون المحبة المختصة بالفضيلة ودون محبة النفع واللذة، وقد عظم النبي ﷺ أمره فقال: " الدين النصيحة " فقيل: لمن يا رسول اللَّه، فقال: " للَّه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم " فبين ﷺ أن النصح واجب لكافة الناس، وذلك بأن تتحرى مصلحتهم في جميع أمورهم بقدر وسعك.
وأول النصح أن ينصح الإنسان نفسه فمن غشها فقلما ينصح غيره، وحق من استنصح أن يبذل غاية النصح وإن كان ذلك في شيء يضره، ويتحرى فيه قول اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)
وقال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)
وقال ابن عباس ﵂: لا يزال الرجل يزداد في صحة رأيه ما نصح لمستشيره، فإذا غشه سلبه اللَّه نصحه ورأيه،
ولا يلتفتن إلى من قال: إذا نصحت الرجل فلم يقبل منك فتقرب إلى اللَّه بغشه، فذلك قول ألقاه الشيطان على لسانه، اللَّهم إلا أن يريد بغشه السكوت عنه، فقد قيل: كثرة النصيحة تورث الظنة.
ومعرفة الناصح من الغاش المستنصح صعبة جدا، فالإنسان المكره يصعب الاطلاع على سره، إذ هو قد ييدي خلاف ما يخفي، وليس كالحيوانات التي يمكن أن تطلع على طبائعها.
стр. 151
كتمان السر
السر ضربان:
أحدهما: ما يلقي الإنسان من حديث يستكتم وذلك إما: لفظًا كقولك لغيرك:
أكتم ما أقول لك، وإما: حالًا وهو أن يتحرى القائل حال انفراده فيما يورده، أو يخفض صوته أو يخفيه عن مجالسيه، ولهذا قيل: إذا حدَّثك الإنسان بحديث فالتفت فهو أمانة.
والثاني: أن يكون حديثًا في نفسك بما تستقبح إشاعته أو شيئًا تريد فعله، وإلى الأول من ذلك أشار النبي بقوله ﷺ : " من أتى منكم من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر اللَّه "، وإلى الثاني أشار من قال: " من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه ".
وكتمان النوع الأول من الوفاء ويختص بعامة الناس، والثاني من الحزم والاحتياط، وهو مختص بالملوك وأصحاب السياسات. وإذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر، وتوصف به ضعفة الرجال والصبيان والنساء، والسبب في أنه يصعب كتمان السر هو أن للإنسان قوتين: آخذة، ومعطية. وكلتاهما تتشوف إلى الفعل المختص بها، ولولا أن اللَّه تعالى وكَل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوده، فصارت هذه
القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها " فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلى حيث ما يجب إطلاقها ولا يخدعنك عن سرك قول من قال:
وأكتم السر فيه ضربة العنق
وقول من ينشدك:
ويكاتم الأسرار حتى كأنه ... ليصونها عن أن تمر بباله
فذلك قول من يستنزلك عما في قلبك، فإذا استفزع ما عندك لم يرع فيه حقك، فقد قيل: الصبر على القبض على الجمر أيسر من الصبر على كتمان السر، وما أصدق من أنبأ عن حقيقة حاله حيث قال له صديقه: أريد أن أفشي إليك سرًّا تحفظه عليَّ، فقال، لا أريد أن أوذي قلبي بنجواك، وأجعل صدري خزانة شكواك،
стр. 152
فيقلقني ما أقلقك، ويؤرقني ما أرقك، فتبيت بإفشائه مستريحًا، ويبيت قلبي بحره جريحًا.
وقد قيل: أكثر ما يستنزل الإنسان عن سره في ثلاثة مواضع: عند الاضطجاع على فراشه، وعند خلوه بعِرْسه، وفي حال سكره.
ومن حق من يسارر غيره أن يجتنب المحافل لأمرين:
أحدهما: حذرًا من أن يساء به الظن فهذا يقول: قد اغتابني، وذا يستريب، وذا يتهم.
والثاني: أنه ربما يتتبع بالفحص فيطلع على مراده، ولذلك قال ﷺ : " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يحزنه ".
التواضع والكبر
التواضع: اشتقاقه من الضعة وهو رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقه فضله ومنزلته.
وفضيلته لا تكاد تظهر في أفناء الناس لانحطاط درجتهم، وإنما ذلك يتبين في الملوك وأجلَّاء الناس وعلمائهم وهو من باب التفضل، لأنه ترك بعض حقه. وهو من التوسط بين الكبر والضعة.
والضعة: وضع الإنسان نفسه مكانًا يزرى به بتضييع حقه.
والكبر: رفع نفسه فوق قدره.
والفرق بين التواضع والخشوع: أن التواضع يقال فيما بين رفيع ووضيع، وأيضا فالتواضع يعتبر بالأخلاق والأفعال الظاهرة والباطنة. والخشوع يقال باعتبار أفعال الجوارح، ولذلك قيل: إذا تواضع القلب خشعت الجوارح، وقال تعالى: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ)
وقال: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ)
وقد عظم النبي ﷺ التواضع ومدحه فقال: " طوبى
لمن تواضع في غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسكنة "،
وقد قيل لـ بزرجمهر:
هل تعرف نعمة لا يُحسد صاحبها عليها، وبلاء لا يرحم صاحبه عليه، فقال: نعم أما النعمة
стр. 153
فالتواضع، وأما البلاء فالكبر.
وقال بعض الحكماء: وجدنا التواضع مع الجهل والبخل أحمد عند الحكماء من الكبر مع الأدب والسخاء، فأنبل بحسنة غطت على سيئتين، وأقبح بسيئة غطت على حسنتين، فالكبر هو ظن الإنسان بنفسه أنه أكبر من غيره، والتكبر: إظهار لذلك وهذه صفة لا يستحقها إلا اللَّه تعالى، ومن ادعاها من المخلوقين فهو فيها كاذب، ولذلك
صار مدحًا في حق الباري وذمًّا في البشر، وإنما شرف المخلوق في إظهار العبودية، كما قال تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)
تنبيهًا على أن ذلك لهم رفعة لا ضعة، والتكبر والضرع كلاهما جاهلان، لكن الضرع غبي والتكبر غبي أحمق، وشتان ما بينهما، فالغبي قد يتأدب، والأحمق لا سبيل له إلى تأديبه، ولأن الضرع قد ترك ما له، والتكبر ادعى ما ليس له، وشتان ما بين المنزلتين، ولأن الكبر يتولد من الإعجاب، والإعجاب من الجهل بحقيقة المحاسن، والجهل رأس الانسلاخ من
الإنسانية، ومن الكبر الامتناع من قبول الحق، ولذلك عظم اللَّه تعالى أمره فقال: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)
وقال تعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)
وقال: (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
وقال: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)
وقال النبي ﷺ : " يقول اللَّه : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في نار جهنم "، وقد نبَّه على مبلغ فعله أحسن تنبيه فقال: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)
وأقبح كبر يين الناس ما كان معه بخل، ولذلك قال
﵊: " خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل والكبر " واستحسن قول الشاعر:
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأفعال المماليك
ومن تكبر لرياسة نالها دل ذلك على دناءة عنصره، ومن تفكر في تركيب ذاته، فعرف مبدأه ومنتهاه وأوساطه عرف نقصه، ورفض كبره، وقد نبه اللَّه على ذلك أحسن تنبيه بقوله: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)
стр. 154
وبقوله تعالى: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)
ثم قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ)
وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)
وإلى هذا المعنى نظر مطرف بن عبد الله بن الشخير لما قال ليزيد بن المهلب: أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، وأخذ ذلك الشاعر فقال:
كيف يزهي من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه
وقال غيره:
يا قريب العهد بالمخرج لم لا تتواضع. فمن كان تكبره لقنيته فليعلم أن
ذلك ظل زائل وعارية مستردة.
والاستطالة: إظهار الطول فمن أظهر ذلك من غير طوق فهو منسلخ عن الإنسانية ومن أظهر ذلك مع الطول فقد ضيع طوله. والصلف: يقال اعتبارًا بميل في عنقه.
والصعر: بميل في خده، ولذلك استعمل في ذلك قي الرأس نحو قوله تعالى: (لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) .
والباء: استقصاء في النفس بالترفع عن الانقياد للواجب،
والخيلاء: أن يظن بنفسه ما ليس فيها من قولهم: خلت، ولتصور هذا المعنى قال حكيم: إعجاب المرء بنفسه أن يظن بها ما ليس فيها مع ضعف قوة فيظهر فرحه بها.
والزهو: هو الاستخفاف من الفرح بنفسه، وأما العزة: فالترفع بنفسه عما يلحقه غضاضة، وأصلها من العزاز، وهي الأرض الصلبة، والعزاز: حصوله في عزاز لا يلحقه فيه غضاضة كالمتظلف في كونه في ظلف من الأرض لا يلحقه فيه مذلة،
والعزة: منزلة شريفة وهي نتيجة معرفة الإنسان بقدر نفسه وإكرامها عن الضراعة للأعراض الدنيوية، كما أن الكبر نتيجة جهل الإنسان بقدر نفسه وإنزالها فوق منزلتها.
وكثيرًا ما يتصور أحدهما بصورة الآخر، كتصور التواضع والتضرع والتذلل بصورة واحدة، وتصور الإسراف بصورة الجود، وتصور البخل بصورة الحزم، ولهذا قال الحسن - رحمه اللَّه تعالى - لمن قال له: ما أعظمك في نفسك، فقال: لست بعظيم ولكني عزيز، وقد قال اللَّه تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)
стр. 155
وقال النبي ﷺ : "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ".
ولما قلنا: قالوا: التكبر على الأغنياء تواضع تنبيهًا أن هذا التكبر في الحقيقة عز النفس " ولأجل أن هذا التكبر غير مذموم، قال تعالى: (يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)
فشرط غير الحق، وقال ابن مسعود ﵁: من خض لغني فوضع نفسه عنده طمعًا فيه ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه.
الفخر
الفخر: هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان، وذلك نهاية الحمق، فمن نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله علم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، لا يؤمن في كل ساعة أن تسترجع، فالمباهي بها مباهاة بغير ثراه، ومتبجح بما في يد سواه كالفاخرة بجدح ربَّتها، بل هو أدون من ذلك.
فقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثرائه: إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك، وإن افتخرت بآبائك فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت: هذه محاسننا فما لك من الحسن، وأيضًا فالأعراض الدنيوية سحابة صيف عن قليل تقشع، وظل زائل عن قليل يضمحل ويزول، كما قيل:
إنما الدنيا كرؤيا فرحت ... من رآها ساعة ثم انقضت
بل كما قال اللَّه : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) .
فإن افتخرت فافتخر بمعنى فيك غير خارج عنك، وإذا
أعجبك من الدنيا شيء، فاذكر فناءك وبقاءه أو بقاءك وزواله أو فناءكما جميعًا، فإذا راقك ما هو لك، فانظر إلى قرب خروجه من يدك، وتعذر رجوعه إليك، وطول حسابك عليه إن كنت تؤمن باللَّه واليوم الآخر، وقد ذم اللَّه تعالى الفخور فقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) .
стр. 156
العجب
العجب: ظن الإنسان في نفسه استحقاق منزلة هو غير مستحق لها؛ ولهذا قال أعرابي لرجل رآه معجبًا بنفسه: يسرني أن أكون عند الناس مثلك عند نفسك، وأكون في نفسي مثلك عند الناس، فتمنى حقيقة ما يقدره المخاطب، ورأى أن ذلك إنما يتم حسنه متى عرف هو عيوب نفسه، وقد قيل للحسن: من شر الناس، فقال: من يرى أنه أفضلهم، وقال بعضهم: الكاذب في نهاية البعد من الفضل، والمرائي أسوأ حالًا منه، لأنه يكذب بفعله وقوله، والمعجب أسوأ حالًا منهما، فإنهما يريان نقص أنفسهما
ويريدان إخفاءه، والمعجب عمي عن مساوئ نفسه ورآها محاسن وسرَّ بها، قال: ولأن المرائي والكاذب قد ينتفع بهما كملاح خاف ركابه الغرق من مكان في البحر فبشرهم بتجاوزه قبل أن يجاوزه، لئلا يضطربوا خوف الغرق فيؤدي ذلك بهم إلى العطب،
وقد يحمد رياء الرئيس إذا قصد أن يقتدى به في فعل الخير، والمعجب لا حظ له في ذلك بوجه " ولأنك إذا وعظت المرائي والكاذب فنفسهما تصدقك وتبكتهما لمعرفتهما بنقصهما، والمعجب لجهله بنفسه يظنك في وعظه مغاليًا فلا ينتفع بمقالك، وإيَّاه قصد تعالى بقوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)
ثم قال تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)
تنبيهًا أنهم لا يقلعون لإعجابهم، وقال النبي ﷺ :
" ثلاث مهلكات: شح، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه "،
وقد قال إبليس: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لا أطالبه بغيرها: إذا عجب بنفسه، واستكثر عمله ونسي ذنوبه، وكما أن العجب بفرسه وإن كان رديئًا لا يروم أن يستبدل به غيره، كذلك العجحب بنفسه لا يريد بحاله وإن كانت رديئة بدلًا، وأصل الإعجاب من حب الإنسان
نفسه، وقد قال ﷺ : " حبك الشيء يعمي ويصم " ومن عمي وصم تعذر عليه رؤية عيوبه، فيجب علينا أن نجعل على أنفسنا عيونًا تعرفنا عيوبنا بحق.
قال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: " رحم اللَّه امرأ أهدى إلي عيوبي "، ويجب على الإنسان إذا رأى من غيره سيئة أن يرجع إلى نفسه فإن رأى فيها مثل ذلك أزاله ولا يغفل عنه. شعر:
فمن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
стр. 157
والتيه: قريب من العجب لكن المعجب يصدق نفسه فيما يظن بها وهمًا، والتايه يصدقها قطعًا كأنه متحير في تيه.
أنواع اللذات وتفاصيلها
للذة إدراك المشتهى والشهوة انبعاث الحس لنيل ما يتشوقه، وهي ثلاث: بحسب القوى الثلاث، وبحسب المقتنيات الثلاث: لذة عقلية: وهي التي يختص الإنسان بها كلذة العلم والحكمة، ولذة بدنية: يشارك فيها جميع الحيوان الإنسان، كلذة المأكل والمشرب والمنكح، ولذة مشتركة بين بعض الحيوان وبين الإنسان كلذة الرياسة والغلبة.
وأشرفها وأقلها وجودًا اللذة العقلية فشرفها أنها لا تمل ولا تبتذل لكن لا يعرفها إلا من تخصص بها كالحكمة لا يستلذها إلا الحكيم. وأدون اللذات منزلةً وأكثرها وجودًا اللذة البدنية فكل إنسان يتشوقها وكل حيوان، لكنها تمل تارة وتراد تارة، وهي من وجه مداواة من آلام ومن وجهٍ هي آلام، وعلى هذا قال الحسن ﵀ في وصف الإنسان:
صريع جوع وقتيل شبع.
وجميع اللذات تنقسم عشرة أقسام:
مأكل ومشرب ومنكح وملبس ومشموم
ومسموع ومبصر ومركب وخادم ومرفق من الآلات وما أشبهها، وقد جعل ذلك سبعة فأدخل المركب والمرفق والخادم وما يجري مجرى ذلك في جملة المبصرات، وعلى ذلك روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه حيث قال لعمار بن ياسر وقد رآه يتنفس فقال: " يا عمار على ماذا تنفسك، إن كان على الآخرة فقد ربحت تجارتك، وإن كان على الدنيا فقد خسرت صفقتك، فإني وجدت لذاتها سبع: المأكولات والمشرويات والمنكوحات والملبوسات والمشمومات والمسموعات والمبصرات،
فأما المأكولات: فأفضلها العسل وهو صنعة ذباب، وأما المشروبات: فأفضلها الماء وهو مباح أهون موجود وأعز مفقود، وأما المنكوحات: فمبال في مبال وحسبك أن المرأة تزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها، وأما الملبوسات: فأفضلها الديباج وهو نسج دودة، وأما المشمومات: فأفضلها المسك، وهو دم فأرة، وأما المسموعات: فريح هابة في الهواء، وأما المبصرات: فخيالات صائرة إلى الفناء "، وقد ذكر الله تعالى
أصل ذلك في قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
стр. 158
والمشار إليه بحرث الدنيا إلى هذه الأشياء السبعة على ما ذكرناه
عن علي كرم اللَّه وجهه، والعشرة على ما ذكره غيره، وكلا القولين في التحصيل واحد، والمراد بالنساء: اقتناؤهن والاستكثار منهن، وبالبنين: الذكور من الأولاد والحفدة والخدم، وبالأنعام: الأزواج الثمانية، وبالخيل: المسومة السائمة منها والمستعد،
واعلم أن الذي هو ضرورة للإنسان من هذه اللذات ولا قوام له في هذه الدنيا إلا به ما هو مشترك بينه وبين جنسه من الحيوان من المأكل والمشرب ويجمعهما اسم الغذاء
والمنكح، فبالغذاء بقاء الأشخاص، وبالنكاح بقاء الأنواع، ولذلك صارت الحاجة إليهما ضرورية وصار تناولهما لا بد منه، وسائر اللذات مخصوص بها الإنسان وليس بضروري له ويتناوله بفكره، وتأنف الملوك من هذه الملاذ إلا اثنتين: السماع، لكونه من وجه لذة روحانية، والبناء، لكونه دالّا على الهمة الرفيعة، ومتى كانت الشهوة متناهية عقلية كانت أم بدنية يقال لها: الحرص فقط، والحريص قد يكون محمودًا،
ولذلك قال تعالى: (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)
ومتى كانت الشهوة للقنيات قيل لها: الشره سواء كان مالًا أو طعامًا أو نكاحًا، ومتى كانت للطعام قيل لها: النهم، فإذا كانت للنكاح قيل لها: الشبق، وثلاثتها - أعني الشبق والنهم والشره - مذمومة وما روي من قوله ﷺ : " منهومان لا يشبعان منهوم بالمال
ومنهوم بالعلم " فالنهم في العلم استعارة وهو أن يحمل على نفسه ما تقصر قواها عنه فينبت، وقد قال ﷺ : " إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ".
فيما يحسن تناوله من المطعم وما يقبح منه
الغذاء ضربان:
أحدهما: ما لا يستغنى عنه في تربية البدن كالطعام الذي به يتغذى
والماء الذي به يروى، والإنسان إذا تناول من ذلك مقدار لا يمكن التبلغ بأقل منه على ما يجب وكما يجب فهو معذور، بل مشكور ومأجور، وعلى هذا ما روي عند أكل الصالحين تنزل الرحمة، وحقه أن يتناوله تناول مضطر عالم بقذارة مآله، وأن يرى إدخاله في نفسه كدخول المستراح، ويتحقق أن نسبة الإنسان إلى الثمار والفواكه نسبة الجعل إلى الروث، فلو نطق الشجر لقال: لك أنت تأكل فضالتي كما يأكل الجعل فضالتك، والخنزير إذا استطاب لفاظة الإنسان فما هو إلا كاستطابتنا لفاظة الشجر،
стр. 159
وبهذا تعلم أن شرف المطعم والمشرب بالإضافة لا بالإطلاق، فألقِ يا إنسان عن مناكبك الدثار وجل البصيرة، واستعمل الاعتبار تجد صدق ما قلت. ومن تناول من الطعام أكثر من ذلك كره له طبا وشرعًا، أما طبًّا فيدل عليه قول الشاعر:
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
وقد قال النبي ﷺ : " البطنة أصل الداء، والحمية أصل الدواء، وعود كل بدن بما اعتاد "، قال ابن زكريا المتطبب: ما ترك النبي ﷺ في الطب شيئًا إلا وأتى به في هذه الكلمات الثلاث.
وأما شرعًا فقد قال ﷺ : " ما من وعاء أبغض إلى اللَّه من بطن مليء من حلال " وذاك أن امتلاء البطن مقوٍ للشهوة، وقوة الشهوة داعية للهوى، والهوى أعظم جند للشيطان، ومن آثر هواه وانتشر في بدنه حل في كل عضو منه جزء بقدر وسعه له فكثر جنود الشيطان، والشيطان إذا تسلط على الإنسان سباه من ربه وصرفه عن بابه،
وقد قيل لحكيم: ما بالك مع كبرك لا تتفقد بدنك وقد انهد،
فقال: لأنه سريع المرح فاحش الأشر، فأخاف أن يجمع بي فيورطني، ولأن أحمله على الشدائد أحب إلي من أن يحملني على الفواحش.
والضرب الثاني من المطعم: ما يستغنى عنه ولو توهمناه مفقودًا لم يختل بافتقاده
البدن، وأعظمه ضررًا المسكر فنفعه ليس بضروري وتناوله تسهيل لطريق الشيطان إلى تهييج القوة السبعية وإثارة سلطان الهوى، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ)
وقد قيل: حيث يسكن الشراب واللهو لا تسكن العفة والحكمة.
فإن قيل فقد قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)
стр. 160
فلم يخص من الحلال قدرًا دون قدر ولا جنسًا دون جنس، قيل: الطيب التام الطيب هو الذي جمع اللذة والنفع والفضيلة، وذلك هو القدر المتبلغ به على ما يجب وكما يجب، ألا ترى كيف ذم من لم يكن ذلك قصده، فقال تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)
ومن الدلالة على خسة كثرة الأكل: ادعاء العامة الاستغناء بالقليل، وقلة وجود المفتخر بكثرة الأكل، وقد قيل:
من كانت همته ما يدخل بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه،
وقد استحسن قول الشاعر:
فإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقد قال ﷺ : " حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد، فلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس "،
وقال ﷺ : " المؤمن ياكل في معي واحد، والكافر
ياكل في سبعة أمعاء " فنبه في الخبرين أنه لا يستحب للإنسان إلا الأكل في سبع بطنه، وهو ما ذكره من اللقيمات، وذلك دون عشر لقيمات؛ لأن جمع القلة بالألف والتاء لما دون العشرة، ثم رخص لمن غلب عليه النهم أن يببغ إلى ثلث بطنه، فحصل من ذلك أن أكل المؤمن في اليوم ينبغي أن يكون سبع بطنه أو ثلث بطنه.
فيما يحسن من المنكح وما يقبح منه
قد تقدم أن النكاح ضروري في حفظ النسل وبقاء النوع الإنساني كما أن الغذاء ضروري في حفظ الشخص، ولذلك قال ﷺ : " تناكحوا تكاثروا، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة "، وقال ﷺ : " خير نسائكم الودود الولود "، وقال:
стр. 161
" سوداء ولود خير من حسناء عقيم "، ولقصد النسل حظر إتيان النساء في محاشها، وعلى هذا نبه قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)
فنبه على أنه لا يجوز إتيانها إلا حيث المحرث، وكره العزل تأكيدًا للمقصود من النكاح، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) .
وتحري النكاح على ضربين:
أحدهما: على الوجه الذي سنَّه الشرع، وذلك إما محمود وهو أن يتعاطاه قاصدًا به النسل أو مزيلًا للضرر عنه على ما يجب أو مسكنًا لنفسه، فالماء إذا اجتمع في مقره يجري مجرى مدة وقيح من جرح يعظم لحبسه الضرر، ويدعو صاحبه إلى ما هو في الشرع محرم، أو مكروه طبًّا وإن لم يكن قد كره شرعًا، وذلك أن يتعاطاه المرء فضلًا عما تقدم ذكره قإنه ينفذ العمر، ويستنفذ القوى، ويوسع أوعية المني ويجلب إليه دمًا كثيرًا، ويزيده شهوة، وأعظم فائدة فيه أن يلحق صاحبه بأفق البهائم من التيوس والثيران وغيرها مما يوصف بالشبق.
والضرب الثاني: هو أن يكون على غير الوجه المشروع، وذلك ضربان:
أحدهما: تعاطيه في المحرث، ولكن لا على الوجه الذي يجب وكما يجب كالزنا، وقد عظم اللَّه أمره فقرنه مرة بالشرك فقال: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ)
ومرة قرنه بالشرك وقتل النفس المحرمة فقال: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)
وسمي ذلك سفاحًا من حيث إن المجتمعين عليه لا غرض لهما سوى سفح الماء للشهوة كمن ضيع ماء في غير حرثه.
والثاني: تعاطيه في غير المحرث كاللواطة، وهي أعظم من الزنى، لأن الزنى وضع البذر في المحرث على غير الوجه المأمور به، فهو كمن يزرع في أرض غيره أو على غير
стр. 162
الوجه الذىِ يجوز أن يزرع فيها، وفي اللواطة مع ذلك تضييع البذر فمتعاطيها ممن قال اللَّه تعالى فيه: (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ)
ولهذا وصف اللَّه تعالى قوم لوط بالإسراف فقال: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) .
وأما العشق الشهوي فحماقة وجهل بما وضع لأجله الجماع، وتجاوز لحد البهائم في عدم ملكة النفس وذم الهوى، فإن المتعشق لم يرض بإرادة لذة الباه التي هي من أسمج الشهوات حتى أرادها من موضع واحد، فازداد بذلك عبودية على عبودية وذلة على ذلة، فالبهيمة أحسن حالًا منه، لأنها إذا أسقطت الأذى عن نفسها بالسفاد سكنحت فصارت
إلى الراحة وهو لم يرض بذلك حتى استعان بالعقل في خدمة الشهوة واستجلابها، وإنما أعطاه اللَّه تعالى العقل ليقمع به الشهوة القبيحة، لا ليجعله خادمًا لها وساعيًا في حمقتها، فتعاطي العشق حال كل جاهل فارغ، سيما إذا نظر في أخبار العشاق وجالسهم، وربما يؤدي بالعاشق الحال إلى الرق، والذبول، بل إلى الموت. قال الشاعر:
لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه
ومن أثار شهوته فهو كمن يثير بهائم عادية وسباعًا ضارية، ثم يلتمس دفعها وقمعها والخلاص من شرها، وقد كان فيما يهيج من باعث الطبيعة كفاية عن إثارتك بالفكرة والروية، فمن أعان الطبيعة على ذلك فهو كما قيل:
كلما أنبت الزمان قناة ... ركب المرء في القناة سنانا
وقد قال حكيم لتلميذ له وقد كان هوي جارية: هل تشك في أنك لا بد أن تفارقها يوما ما،. فقال: لا، قال: فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم في يومك هذا واربح ما بينهما من الخوف المنتظر، وصعوبة معالجة ذلك بعد الاستحكام وانضمام الألفة إليه، وقيل لبعض الحكماء: ما العشق، فقال: جنون لا يؤجر صاحبه عليه.
وسئل آخر عنه فقال: مرض نفس فارغة لا همة لها، وقال غيره: هو سوء
اختيار صادف نفسًا فارغة، فأشاروا كلهم إلى معنى واحد.
стр. 163
العفة
العفة لا تتعلق إلا بالقوة الشهوية، ولا تتعلق من القوة الشهوية إلا بالملاذ
الحيوانية، وهى المتعلقة بالغارين وهما: البطن والفرج دون الألوان الحسنة والألحان الطيبة والأشكال المنتظمة.
فإن قيل فاستطابة الرائحة قد يكون للبهائم ألا ترى أن الذئب قد
يستطيب ريح الغنم، والكلب يستطيب رائحة الأرنب، قيل: إن استطابتهما لذلك استطابة للأكل، والذي قلنا من الرائحة هو ما يستطاب لذاته لا لغيره، وما هو لأجل أحد الغارين فحكمه حكمها كاستطابة الإنسان ريع السكباج، فثبت أن العفة هي ضبط النفس عن الملاذ الحيوانية، وهي حالة متوسطة بين إفراط هو الشره وتفريط هو جمود الشهوة، وهي أس الفضائل من القناعة والعفة والزهد وغنى النفس والسخاء
وعدمها يعفي على جميع المحاسن ويعري من لبوس المحامد، ومن اتسم بسمة العفة قامت العفة له بحجة ما سواها من الفضائل وسهلت له سبيل الوصول إلى المحاسن، وأسها يتعلق بضبط القلب عن التطلع للشهوات البدنية، وعن اعتقاد ما يكون جالبًا للبغي والعدوان، وتمامها يتعلق بحفظ الجوارح، فمن عدم عفة القلب يكون منه التمني وسوء الظن اللذان
هما أس كل رذيلة، لأن من تمنى ما في يد غيره حسده وإذا حسده عاداه، وإذا عاداه نازعه، وإذا نازعه ربمما قتله. ومن أساء الظن عادى وبغى وتعدى، ولذلك نهى اللَّه سبحانه عنهما جميعًا فقال: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)
فأمر فيهما بقطع شجرتين يتفرع عنهما جل الرذائل والمآثم، ولا يكون
الإنسان تام العفة حتى يكون عفيف اليد واللسان والسمع والبصر، فمن عدمها في اللسان: السخرية والتجسس والغيبة والهمز والنميمة والتنابز بالألقاب، ومن عدمها في
البصر: مد العين إلى المحارم وزينة الحياة الدنيا المولدة للشهوات الرديئة، ومن عدمها في
السمع: الإصغاء إلى المسموعات القبيحة.
وعماد عفة الجوارح كلها أن لا يطلقها صاحبها في شيء مما يختص بكل واحدِ منهما إلا فيما يسوغه العقل والشرع دون الشهوة والهوى.
стр. 164
واعلم أنه لا يكون المتعفف عفيفًا إلا بشرائط، وهي: أن لا يكون تعففه عن الشيء انتظارًا لأكثر منه أو لأنه لا يوافقه، أو لجمود شهوته، أو لاستشعار خوف من عاقبته، أو لأنه ممنوع من تناوله، أو لأنه غير عارف به لقصوره، فإن ذلك كله ليس بعفة، بل هو إما اصطياد، أو تطبب، أو مرض، أو خرم، أو عجز، أو جهل. وترك ضبط النفس عن
الشهوة أذم من تركها عن الغضب فالشهوة مغتالة مخادعة، والغضب مغالب، والمتحيز عن قتال الخادع أردى حالًا من المتحيز عن قتال المغالب؛ ولهذا قيل: عبد الشهوة أذل من عبد الرق، وأيضا بالشره قد يجهل عيبه فهو شبيه بأهل مدينة لهم سنة رديئة يتعاطونها
ولا يعرفون قبحها، وليس من تعاطى قبيحًا يعرفه كمن يتعاطاه وهو يظنه حسنًا.
القناعة والزهد
القناعة: الرضا بما دون الكفاية، والزهد: الاقتصار على الزهيد، أي: القليل وهما يتقاربان، لكن القناعة تقال اعتبارًا برضا النفس، والزهد يقال اعتبارًا بالمتناول لحظ النفس وكل زهد حصل لا عن قناعة فهو تزهُّد لا زهد، لذلك قال بعض المتصوفة:
القناعة أول الزهد تنبيهًا على أن الإنسان أولًا يحتاج إلى قنع نفسه والتخصص بالقناعة ليسهل تعاطي الزهد، فالقناعة هي الغنى في الحقيقة، والناس كلهم فقراء من وجهين:
أحدهما: لافتقارهم إلى اللَّه تعالى كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)
والثاني: لكثرة حاجاتهم فأغناهم أقلهم حاجة، ومن سد مفاقره بالمقتنيات فما في انسدادها طمع فإنه كمن يرقع الخرق بالخرق ويسد
الفقر بالفقر، ومن سدها بالاستغناء عنها بمقدار وسعه والاقتصار على تناول مقدار ضرورياته فهو الغني والقريب من الله، كما أشار إليه فيما حكي عن طالوت: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)
ولأن الغنى هو عدم الحاجة فأغناهم أقلهم حاجة، ولذلك كان اللَّه تعالى أغنى الأغنياء، لأنه لا حاجة به إلى شيء، وعلى ذلك دل النبي ﷺ بقوله: " ليس الغنى بكثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس " ومن
стр. 165
أبيات الحكمة:
غنى النفس ما يكفيك من سد خلة ... فإن زاد شيئًا عاد ذاك الغنى فقرَا
والخير بين أن يستغني عن الدنيا وبين أن يستغني بها كالخير بين أن يكون مالكًا
أو مملوكًا، وقويًّا أو ضعيفًا، ومعافى أو مبتلى، وحيًّا أو ميتًا، فمتى اختار الاستغناء بها فقد اختار أن يكون مملوكًا وضعيفًا وميتًا ومبتلى، ولهذا قال النبي ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ".
وقيل لحكيم: لم لا تغتم، فقال: لأني لم أتخذ ما يغمني.
وأعلم أنه ليس الزهد من ترك المكسب في شيء، كما توهمه قوم أفرطوا حتى قربوا من مذهب المانوية والبراهمة والرهابنة فإن ذلك يؤدي إلى خراب الدنيا، وهلاك العالم، ومضادة اللَّه فيما قدر ودبر، وقد تقدم ذلك.
والزهد من وجه صبر، ومن وجه جود، فالجود ضربان: جود بما في يدك متبرعًا، وجود عما في يد غيرك متورعًا، وذلك أشرفهما، ولا يحصل الزهد في الحقيقة إلا لمن يعرف الدنيا ما هي، ويعرف عيوبها، وآفاتها، ويتحقق ما يستغنى عنه منها، ويعرف الآخرة وافتقاره إليها، ولأجل أنه لا بد في ذلك من العلم قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) .
стр. 166
ولأن الزاهد في الدنيا راغب في الآخرة، وهو يبيعها بها كما قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)
ومحال أن يبيع كيِّسٌ عينًا بأثر إلا إذا عرفها وعرف فضل المبتاع على المبيع،
وقد قيل لبعض الزهاد: ما أزهدك وأصبرك، فقال: أما زهدي فرغبة فيما عند اللَّه، وهو أعظم مما أنت فيه، وأما صبري فلجزعي من النار.
الورع
الورع أصله جبن وضعف، وقد يستعمل في كل واحد منهما لكنه جعل في عرف الشرع عبارة عن ترك التسرع إلى تناول أعراض الدنيا، وذلك على ثلاثة أضرب:
واجب: وهو الإحجام عن المحارم وذلك للناس كافة، وندب: وهو الوقوف عن الشبهات وذلك للأوساط، وفضيلة: وهو الكف عن كثير من المباحات والاقتصار على أقل الضرورات، وذلك للمتقين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،
وقد قال ﷺ : " لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس ".
وقال باعتبار المنزل الثاني: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، وقال له قائل: ما أشد الورع؟ ، فقال: " ما أيسر الورع إذا شككت في شيء فاتركه ".
стр. 167
الفصل الرابع فيما يتعلق بالقوى الغضبية
стр. 168
ما ينبع من القوة الغضبية
الحمية وهي قوة الغضب متى تحركت تحرك دم القلب فتولد منه ثلاثة أحوال وذلك أنها إنما تتحرك على من فوقه، أو على من دونه، أو على نظيره، فإن كان ذلك على من فوقه ممن أيقن أنه لا سبيل له إلى الانتقام منه تولد منه انقباض دم القلب جزعًا على العجز عن الانتقام وذلك هو الغم، وإن كان على من دونه ممن يتحقق أنه يقدر على الانتقام منه تولد منه ثوران دم القلب لإرادة الانتقام وذلك هو الغضب وإن كان على نظيره فمن شك أنه هل يقدر على الانتقام منه تردد الدم بين انقباض وانبساط وذلك
هو الوتر والحقد، ولكون الغم والغضب بالذات واحدًا واختلافهما بالإضافة لما سئل ابن عباس ﵀ عنهما قال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف. فمن نازع من يقوى عليه أظهره غضبًا، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره غضبًا من لا يقوي عليه كتمه حزنًا،
ومن هذا قال الشاعر:
فحزن كل أخي حزن أخو الغضب
ولانبساط دم الغضب يحمر تارة وجهه وتنتفخ أوداجه كنار تلتهب، ويسود وجهه تارة.
وذلك إذا كثر واشتد غضبه كنار في غار ليسود جوه، ولانقباض دم الجزع عن ظاهر الجلد واجتماعه في القلب يصفر وجهه ربما يهلك من ذلك، ولتردد دم القلب في الحقد بين هذه الأحوال يحمر ويصفر ويسود.
والحرد هو: الغضب، لكن يستعمل إذا كان معه قصد المغضوب عليه، ولذلك يقال: حرد حرد الأسد.
أنواع الصبر ومدحه
الصبر ضربان: جسمي ونفسي.
فالجسمي: هو: تحمل المشاق بقدر القوة البدنية ونهايته معلومة، وأكثرها لذوي
стр. 169
الجسوم الخشنة وليس ذلك بفضيلة تامة، ولهذا قال الشاعر:
والصبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجسام
وذلك في الفعل؛ كالمشي، ورفع الحجر الثقيل، وفي الانفعال؛ كالصبر على
المرض، واحتمال الضرب والقطع.
والثاني: نفسي: وبه تتعلق الفضيلة، وذلك ضربان:
صبر عن تناول مشتهى ويقال له: العفة، وصبر على تحمل مكروه أو محبوب
وذلك تختلف أسماؤه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان ذلك في نزول مصيبة فإنه لم يتعد به اسم الصبر، ويضاده الجزع والهلع والحزن، وإن كان في احتمال غنى فقد يسمى ضبط النفس ويضاده الترفع والبطر، وإن كان في محاربة سمي شجاعة ويضاده الجبن، وإن كان في إمساك النفس عن قضاء وطر الغضب سمي حلمًا ويضاده التذمر، وإن كان في نائبة مضجرة سمي سعة الصدر ويضاده ضيق الصدر والضجر والتبرم، وإن كان في إمساك كلام في الضمير سمي كتمان الشر ويضاده الإفشاء، وإن كان في الإمساك عن فضولات العيش سمي قناعة وزهدًا وهذا يضاده الشره والحرص،
ويكون الصبر عاما قال اللَّه تعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ)
فذكر أنهما يصبرون في البأساء، أي: في الفقر، والضراء، أي: في المصيبة، وحين البأس، أي: في المحاربة. وقال بعضهم: ضبط النفس يقال في الأشياء الملذة، والصبر يقال في الأشياء المحزنة، وقال بعضهم: بل هما من الأسماء المترادفة على معنى واحد،
فإن قيل: ما معنى قول النبي ﷺ : " الصبر نصف الإيمان "، قيل: لما كان جميع المحامد ضربين: ترك الشر - ويعبر عنه بالصبر - وفعل الخير - ويعبر عنه بالشكر -
صار الصبر الذي هو ترك الشر نصف الإيمان.
الشجاعة
الشجاعة: إن اعتبرت وهي في النفس فصرامة القلب على الأهوال وربط الجأش في المخاوف، وإن اعتبرت بالفعل فالإقدام على موضع الفرصة، وهي فضيلة بين التهور والجبن، وهي تتولد من الفزع والغضب إذا كانا متوسطين، فإن الغضب قد يكون مفرطًا كمن يحتد سريعًا من أشياء صغيرة، وقد يكون مقصرًا كمن لا يغضب من الاجتراء على حرمه وشتم أبيه وأمه، وقد يكون متوسطًا على ما يجب في وقت
стр. 170
ما يجب وبقدر ما يجب، وكذلك الفزع قد يكون مفرطًا فيتولد منه الجبن الهالع، ومقصرًا فيتولد عنه الوقاحة والغمارة كمن لا يفزع من شتم آبائه وتضييع حرمه وأصدقائه، وقد يكون متوسطًا كما يجب وبقدر ما يجب ولكونهما - أعني الغضب
والفزع - على حالين محمود ومذموم صارا يحمدان تارة ويذمان أخرى، فإن الغضب في نحو قوله تعالى: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)
والفزع في نحو قول الشاعر:
فزعت لظلمه إلخ محمودان،
والتهور في الأمور العملية هو الثبات المذموم في الأمور
المعطبة، والجبن هو الفزع في الأمور المعطبة.
وأطم أن أنواع الشجاعة خمسة:
سبعية: كمن أقدم لثوران غضب وتطلب غلبة،
وبهيمية: كمن حارب توصلًا إلى مأكل أو منكح، وتجريبية: كمن حارب مرارًا فظفر فجعل ذلك أصلًا ييني عليه، وجهادية: كمن يحارب ذبًّا عن الدين، وحكمية: وهي ما تكون في كل ذلك عن فكر وتمييز وهيئة محمودة بقدر ما يجب وعلى ما يجب،
ألا ترى أنه يحمد من أقدم على كافر غضبًا لدين اللَّه أو طمعًا في ثوابه أو خوفًا من عقابه أو اعتمادًا على ما رأى من إنجاز وعد اللَّه في نصرة أوليائه، فإن كل ذلك محمود
وإن كان محض الشجاعة هو أن لا يقصد بالإقدام حوز ثواب أو دفع عقاب، فقد قيل
من عبد اللَّه بعوض فهو لئيم.
والفرق بين المقدم في الحرب لمحض الحكمة وإخلاص الدين وبين المقدم لغير ذلك هو أن المقدم لغير الحكمة والإخلاص يخاف الموت أكثر مما يخاف المذمة الصادقة، والمقدم للحكمة والإخلاص بالضد من ذلك فإنه يختار الموت الحميد على الحياة الذميمة، ولذلك قال علي رضي اللَّه تعالى عنه: " أيها الناس إنكم إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون من ميتة على فراش "،
ومن الشجاعة المحمودة مجاهدة الإنسان نفسه أو غيره، وكل واحد منهما ضربان: مجاهدة النفس بالقول: وذلك بالتعلم. وبالفعل: وذلك بقمع الشهوة وتهذيب الحمية
ومجاهدة الغير بالقول، وذلك تزيين الحق وتعليمه، وبالفعل وذلك مدافعة الباطل ومتعاطيه بالحرب.
стр. 171
أسماء أنواع الفزخ والجزع والفرق بينهما وبيان ما يحمد منهما وما يذم
الفزع والجزع أخوان لكن الفزع ما يعتري الإنسان من الشيء المخيف، والجزع مما يعتري من الشيء المؤلم، والفزع لفظ عام سواء كان عارضًا عن أمارة ودلالة أو حاصلًا لا عن ذلك.
ومتى كان ذلك من عار فهو الحياء والخجل، ومتى كان عن شيء يضر فهو الفرق والذعر، ومتى كان لفوت محبوب فهو الإشفاق، ولهذا قال
تعالى حكاية عن أهل الجنة: (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) .
والحؤف: هو توقع مكروه عن أمارة، والخشية: خوف يشوبه تعظيم المخشي منه مع المعرفة به، ولذلك قال تعالى: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)
وقال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
والوجل: استشعار عن خاطر غير ظاهر
وليس له أمارة، قال اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)
والرهبة: خوف مع تحرز واضطراب، ولتضمن الاحتراز قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)
والهيبة: رهبة جالبة للخضوع عن استشعار تعظيم، ولذلك يستعمل في كل محتشم. قال الشاعر:
أهابك إجلالًا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها
وهذه الأشياء قد تذم باعتبار الأمور الدنيوية وتحمد باعتبار الأمور الأخروية، قال اللَّه تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)
وقال: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)
وقال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
والخوف من اللَّه تعالى ليس يشار به إلى ما يخطر في البال من الرعب كاستشعار الإنسان الرعب من الأسد، وإنما يشار به إلى ما يقتضيه الخوف وهو الكف عن المعاصي، ولذلك قيل:
لا يعد خائفا من لم يترك الذنوب، وقال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ)
أي: لا تفعلوا ما يقتضيه الخوف منه وافعلوا ما يقتضيه خوفي،
فإن قيل: كيف يمدح المؤمن بالحزن والخوف مع قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)
قيل: أما الممدوح به فمقتضاهما وذلك إقامة العبادات، وأما المنفيان عنهم فهما اللذان يكونان من الأشرار.
стр. 172
مداواة الغم وإزالة الخوف
حق الإنسان أن يعلم أن الدنيا جمة المصائب، رائقة المشارب، تثمر للبرية كل بلية، فيها مع كل لقمة غصة، ومع كل جرعة شرقة، فهي عدوة محبوبة كما قال أبو نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
وكما روي عن الحسن ﵀ أنه قال: ما مثلنا مع الدنيا إلا كما قال كثيِّر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت
فما أحد فيها إلَّا وهو في كل حال غرض لأسهم ثلاثة: سهم بلية، وسهم رزية، وسهما منية.
تناضله الآفات من كل جانب ... فتخطئه يومًا ويومًا تصيبه
وقد قال بعض الحكماء: أسباب الحزن فقد محبوب أو فوت مطلوب، ولا يسلم منهما إنسان، لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد، فمن أحب أن يعيش هو وأهله وأحبابه فهو غير عاقل، لأنه يريد أن يملك ما لا يملك ويوجد له ما لا يوجد " فحق المرء أن لا يخلي قلبه من اعتبار فيما يرى من ارتجاع ودائعها من أربابها وحلول فوازعها بأصحابها، وما أحسن ما قال ابن الرومي:
ألم تر رزء الدهر من قبل كونه ... كفاحًا إذا فكرت في الخلوات
فمالك كالمرمي من مأمن له ... بنبل أتته غير مرتقبات
فإن قلت مكروهًا أتانا فجأة ... فما فوجئت نفس مع الخطرات
ولا عوقبت نفس ببلوى وقد رأت ... عظات من الأيام بعد عظات
إذا بعثت أشياء قد كان مثلها ... قديمًا فلا تعتدها بغتات
ومن حقه أن يقلل من اقتناء ما يورثه الحزن، فقد قيل لحكيم: نراك لا تغتم، فقال: لأني لا أقتني ما يغمني فقده، فأخذ هذا المعنى الشاعر فقال:
ومن سره أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئًا يبالي له فقدًا
وقيل لحكيم: هل يمكن الإنسان أن يعيش آمنًا، فقال: نعم إذا احترس من الخطيئة،
стр. 173
وقنع بماله، ولم يحزن بما هو واقع به لا محالة.
واعلم أن الجزع على ما فات لا يلم ما تشعث ولا يبرم ما انتكث كما قيل: وهل جزع مجدٍ عليَّ فأجزعا.
فأما غم على المستقبل فلا يخلو من ثلاتة أوجه:
إما في شيء ممتنع كونه أو واجب
كونه أو ممكن كونه، فإن كان على ما هو ممتنع كونه فليس ذلك من شأن العاقل، وكونه إن كان من قبل الواجب كونه كالموت الذي هو حتم في رقاب العباد، وإن كان ممكنا كونه فإنه إذا كان من الممكن الذي لا سبيل إلى دفاعه كإمكان الهرم، فالحزن له جهل واستجلاب غم إلى غم، وإن كان من المكن الذي يصح دفاعه فالوجه أن يحتال لدفاعه بفعل غير مشوب بحزن، فإن اندفع وإلا تلقاه بصبر جميل وليتحقق معنىِ قوله تعالى:
(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)
ثم قال: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)
فمن علم أن ما جرى من حكمه وسبق علمه لا سبيل إلى أن
لا يكون هانت عليه النوائب ولم يجزع لحلول المصائب.
واعلم أن الذي يغر الناس حسن ظنهم بانحسار الآفات واغترارهم حالة بعد حالة بصفاء الأوقات، ولو تأملوها بالبصيرة لتحققوا أنها كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه: " ما قال الناس لقوم طُوبى لكم إلَّا وقد خبأ لهم الدهر يوم بؤس " كما قيل:
إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان
وأما سبب الاغتمام للموت فلا ينفك من أربعة أوجه:
إما لفوت شهوات بطنه وفرجه، وإما على ما يخلفه من ماله، وإما على جهله بمآله، وإما خوفًا لما قدمه من عصيانه.
فإن كان ذلك لشهوة بطنه وفرجه، فليعلم أن ذلك كمشتهٍ داء ليقابله بداء
مثله فإن الإنسان لا يستلذ بالطعام حتى يجوع، والجوع داء مهروب منه وشبعه داء مهروب إليه، فمثل من يحب الجوع ليستطيب بعده الأكل كمن يستطيب القعود في الشمس ليناله الحر، ثم يستطيب القعود في الظل، ومحبة ذلك رقاعة لا تحد ولا تعد.
وإن كان غمه على مما يخلفه من مال، فذلك لجهله بخساسة الأعراض الدنيوية وكونها معدن كل بلية، وقلة معرفته بنفاسة الأملاك الحقيقية التي وعد المتقون بها.
стр. 174
وإن كان غمه لجهله بماله ومآله عند ربه، فمداواته بالعلم والمعرفة الحقيقية التي تريه حال ما للإنسان بعد الموت كما قال حارثة للنبي ﷺ : " كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها ".
وإن كان غمه خوفًا لما قدم من عصيانه؛ فدواؤه المبادرة بالتوبة، ويكفيه إن كان ذا بصيرة ما جعل اللَّه له إليه سبيلًا من تلافي ما فرط منه ووعد به التائبين إليه.
أحوال الناس في محبة الموت والاحتيال لقلة المبالاة به
الناس في ذلك على ثلاثة أضرب:
فالأول: حكيم يعلم أن الحياة تسترقه والموت يعتقه، وأن الإنسان في هذا العالم وإن طال فيه لبثه فهو كخطفة برق لمعت في أكناف السماء ثم خفيت، وأنه في دنياه
كمبعوث إلى ثغر يحرسه وبلد يسوسه فيراعي من ذلك ما استرعى ويفرح ويسر إذا استدعى، ولا ينكأه خروجه منها إلَّا بقدر ما يفوته من خدمة ربه والازدياد من التقرب إليه، والإشفاق مما يقال له كما قال بعض الصالحين وقد رؤي منه جزع عند الموت فقيل
له في ذلك، فقال: إنما جزعي لأني أسلك طريقًا لم أعهده، وأقدم على رب لم أره ولا أدري ما أقول ولا ما يقال لي.
والثاني: رجل أنس بهذا العالم فألفه، وإن كرهه فسبيله سبيل من ألف بيتا مظلمًا قذرًا ولم ير غيره يكره الخروج منه وإن كان يكره الكون فيه كما قال الشاعر:
دخلنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حب البلاد بنا ولكن ... أمر العيش فرقة من هوينا
وحق ما قيل: لو رضي الناس بأرزاقهم رضاهم بأوطانهم لما شكا أحد فقره، فهذا متى خرج عن دنياه واطلع على ما أعد الله للصالحين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر سر بخلاصه كما حكى الله عمن استقر بهم القرار في جنات النعيم حيث قالوا: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ) .
стр. 175
والثالث: رجل أعمى عين البصيرة متلطخ السريرة بما ارتكب من أنواع الجريرة، رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها. ويئس من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، فإذا خرج منها إلى دار الخلود أضر ذلك به كما تضر رياح الورد بالجعل، وإذا خرج من قاذورات الدنيا لم يوافقه العالم العلوي بمصاحبة الملأ الأعلى ومنادمة أولي العلا فيعمى كما قال تعالى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)
ولهذا قال ﷺ : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر "، وأجدر بمن تربي في هذا العالم بغذائه من العلم والعمل الصالح أن لا يشتاق إليه بعد خروجه منه وإن خرج مكرهًا كما لا يشتاق إلى الرجوع إلى بطن أمه بعد الخروج منه، ويدلك على أنه خرج من بطن أمه كارهًا بكاؤه، فقد قال بعض الحكماء القدماء: أول ما ينال الصبي غمه
عند سقوطه من بطن أمه لا يضغطه من ضيق خروجه ويصيبه من ألم الهواء فيتوجع، والوجع يورثه الغم، والغم يحمله على البكاء، وذلك أن للصبي كل ما يكون للحيوان غير النطق من اللذة والألم والجوع والعطش، ومن هذا المعنى أخذ ابن الرومي فقال:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد
وقال ابن عباس ﵁: ما أحد إلا والموت خير له من الحياة، لأن اللَّه تعالى قال في الأخيار: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)
وقال في الأشرار: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)
وقد قيل: الصالح إذا مات استراح من الدنيا، والطالح إذا مات استراحت منه الدنيا.
وقال بعض الحكماء: من قال لغيره: صانك الله من نوب
الأيام وصروف الزمان فإنه يدعو له بالموت، فالإنسان لا ينفك من ذلك إلَّا بخروجه من دار الكون والفساد، وقال بعض الصوفية: حق ملك الموت أن يحبه المسلم من بين الملائكة فضل محبة من حيث إنه أحد أسباب تعويضه الحياة السنية الأبدية من حياته الدنية الدنيوية، ولهذا أمرنا أن نقول في دعائنا: اللَّهم صلِّ على جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فإن جبريل وميكائيل هما سببان لإنهائنا من ذلك العالم بما فيه خلاصنا من
دار الكون والفساد. وملك الموت سبب لإخراجنا من دار الكون والفساد فإذًا حقه
стр. 176
عظيم وشكره لازم.
وقد حكي أن قومًا من الأوائل كانوا يعظمون " زحل " بالتقديس
والتسبيح له وقالوا: إنه لا يعين على الحياة العرضية، بل هو سبب إنقاذنا من الدنيا الدنية، وقال بعض الأولياء في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في دار الممات فقد رغبت في البعد عنك، وزهدت في القرب منك، فقد قال نبيك وصفيك: " من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه "،
وقال بعضهم: إن كان في قلة الحاجة الدنيوية غنًى ففي انقطاع الحاجة كلها الغنى الأكبر، ولا انقطاع لها إلَا بمفارقة الدنيا. فالدنيا سبب فاقتنا والعبودية لغير اللَّه تعالى، وقبيح بالعاقل صحبة الفاقة والتخصص
بعبودية غير رب العزة، والموت سبب كمال الإنسان، ومن رغب عن كماله فهو من الذين خسروا أنفسهم، ومن كره الموت أخرج من الدنيا كارهًا فيكون كعبد آبق رد إلى مولاه مأسورًا وقيد إلى حضرته مقهورًا، وشتان بين عبد دعاه مولاه فأتاه طوعًا وبين آبق أسر فأتي به قسرًا، وحق العاقل أن يكثر من ذكر الموت، فإن ذكره لا يقرب أجله ويفيده
ثلاثة أمور: القناعة بما رزق، والمبادرة بالتوبة، والنشاط في العبادة، ولذلك قال ﷺ : " أكثروا ذكر هازم اللذات فإنه ما ذكره أحد وكان في ضيق إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقها عليه "
وقيل: ذكر الموت يطرد فضول الأمل ويقل من غرور المنى، ويهون
المصائب، ويحول بين الإنسان والطغيان.
السرور والفرح
السرور: انشراح الصدر بلذة فيها طمأنينة النفس عاجلَا وآجلًا، وذلك في الحقيقة إنما يكون إذا لم يخف زواله، ولا يكون ذلك إلَّا في القنيات الأخروية، ولذلك قيل:
لا سرور في الدنيا على الحقيقة، والفرح هو انشراح الصدر بلذة عاجلة غير آجلة، وذلك يكون في اللذات البدنية الدنيوية " ولهذا قال تعالى: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)
وقال تعالى: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
فالفرح يدعو إلى النشاط، والنشاط يدعو إلى المرح، والمرح داعية الأشر، والأشر مقدمة
стр. 177
البطر وأكثر ما يكثر ذلك في الأحداث والصبيان بقدر ما يغلب عليهم من الغفلة، وقد ذمه اللَّه تعالى بقوله: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)
وقال تعالى: (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)
وقال تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)
وقد يسمى الفرح سرورا والسرور فرحًا لكن على نظر من لا يعتبر الحقائق ويتصور أحدهما بصورة الآخر، ولذلك قيل: من طلب السرور بالخارجات عنه لم ينله.
العذر والتوبة
المذنب إذا عوتب أو خاف العتب لا ينفك عن أحد وجهين: إما أن يكون مصرًّا أو معتذرًا، فأما المصر: فقد يُستحسن في بعض الأحوال التجافي عنه، وقد سمع رجل حكيمًا وهو يقول: ذنب الإصرار أولى بالاغتفار، فقال: صدق ليس فضل من عفا عن السهو القليل كفضل من عفا عن العمد الجليل، وأما المعتذر: فهو المظهر لما يمحو به الذنب.
وجميع المعاذير لا تنفك عن ثلاتة أوجه:
إما أن يقول، لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا فيبين ما يخرجه عن كونه ذنبًا أو يقول: فعلت ولا أعود، فمن أنكر
وأنبأ عن كذب ما نسب إليه فقد برئت ساحته، وإن فعل وجحد فقد يعد التغابي عنه كرمًا وإيَّاه قصد الشاعر بقوله:
تغابي وما بك من غفلة ... لفرط الحياء وفضل الكرم
ومن أقر فقد استوجب العفو لحسن ظنه بك، قال بعض الحكماء: تجاوز عن مذنب لم يسلك بالإقرار طريقًا حتى أخذ من رجائك رفيقًا، وإن قال: فعلت ولا أعود فهذا هو التوبة وحق الإنسان أن يقتدي باللَّه تعالى في قبولها، وللتوبة شرائط فرضًا ونفلًا،
ففرضها ترك الذنب مع ترك العود إليه، ونفلها التأسف لما سلف من الذنب والاستغفار له وترك بعض المباحات مقابلة لما كان من العصيان.
واعلم أن للمذنب التائب إذا تاب توبة نصوحًا فضيلة على من لم يذنب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه قد جرب العيوب وعرف مداخل الشيطان على الإنسان فيكون أهدى إلى الاحتراز من الشر، وقد قيل لحكيم: فلان لا يعرف الشر، فقال: ذالك أجدر أن يقع فيه.
والثاني: أن المذنب التائب محتشم قد غلب الخوف على قلبه فيأتي باب مولاه، وهو خزيان منكسر، ومن لم يذنب ربما يعجب بنفسه ويذل بعفته وليس خدمة عبد قد عصى
стр. 178
ملكا وخرج عليه خارجيًّا، ثم عاد إليه وجلًا خائفًا فعفى عنه كخدمة من يذل بطاعته وعدم مخالفته.
والثالث: أن التائب قد حلب الدهر الشطرين خيره وشره حلوه ومره، فهو أرفق بالمذنبين وأوفق لهما وأصلح للرياسة ممن يظن أن الذنب خارج عن طبيعة الإنسانية فيعجب بنفسه ويزري بغيره.
الحلم والعفو
الحلم: إمساك النفس عن هيجان الغضب، والتحلم: إمساكها عن قضاء الوطر منه إذا هاج، ولما كان الحلم من تأثير العقل وغير منفك عنه صار يعبر به عن كل عقل ظهر فعلًا كقوله في ذم الكفار على سبيل التعجب منهم: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)
ومتى أطلق الحلم في حق الباري تعالى فإنه يراد به العمل
بمقتضاه وهو العفو دون انفعال بعرض له، ولن يتم حلم الإنسان إلَا بإمساك الجوارح كلها، اليد عن البطش، واللسان عن الفحش، والسمع عن استماعه، والعين عن فضول النظر، وأقرب لفظ يستعمل في ضد الحلم: التذمر.
وأما العفو والصفح: فهما صورتا الحلم ومخرجاه إلى الوجود، والعفو هو ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: ترك التثريب، واشتقاقه من تجاوز الصفحة التي أثبت فيها ذنوبه، أو اللإعراض بصفحة الوجه عن التلف إلى ما كان منه، وهو محمود إذا كان على الوجه الذي يجب.
ولهذا قال تعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)
فخصَّ تنبيهًا على ما يحمل منه وقد ندب اللَّه تعالى إلى ذلك بقوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)
فأمر بالحلم والعفو وقال: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا)
وقال: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
وقال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
والعفو إنما يستحب فيما إذا كانت الإساءة مخصوصة بالعافي كمن أخذ ماله،
أو شتم عرضه، فأما إذا كانت الإساءة عائدة بالضرر على الشرع أو على جماعة الناس
стр. 179
فإنه إن كان فيها أدنى شبهة فللسلطان العفو لقوله ﷺ : " ادرؤوا الحدود بالشبهات "
وإن لم يكن شبهة فليس له العفو؛ ولهذا قال تعالى في الزنى: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وحق المعاقب أن لا يكون سبعًا في انتقامه، بل لا يعاقب حتى يزول غضبه؛ لئلا يقدم على ما ليس بواجب؛ ولذلك جرت سنة السلطان بحبس المجرم حتى ينظر في جرمه ويعيد النظر فيه.
وقد قال بعضهم: ينبغي للسلطان أن يؤخر العقوبة حتى ينقضي سلطان غضبه، ويعجل مكافأة المحسن، ويستعمل الأناة فيما يحدث، ففي تأخير العقوبة إمكان العفو إن أحب ذلك، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان مسارعة الأولياء إلى الطاعة، وقد أتي الإسكندر بمذنب فصفح عنه، فقال بعض جلسائه: لو كنت إياك لقتلته، فقال: فإذا لم أكن أنا إياك ولا أنت إياي فلست بقاتله، وانتهى إلى بعض أصحابه وهو يغتابه، فقيل له: لو أنهكته عقوبة فقال حينئذ: أبسط لسانًا وعذرًا في اغتيابي.
واعلم أن لذة العفو أطيب من لذة التشفي، لأن لذة العفو يلحقها حمد
العاقبة، ولذة العقوبة يلحقها ذم الندم، والعقوبة أَلْأَمُ حالات ذوي القدرة، وهي طرف من الجزع، ومن رضي أن لا يكون بينه وبين الظالم له إلَّا ستر رقيق فلينتصف، وقد نبه اللَّه تعالى على ذلك بلطيف من المقال، فقال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)
فسمى مجازاة المسيء بإساءته إساءة، وقال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)
فسمى المجازي على الاعتداء معتديًا؛ تنبيهًا على أنه قد كاد يكون إيَّاه.
والعقوبات فيما بين الناس أقبحها ما كان فيما لم يظهر بالفعل، فقد قال بعض
الملوك: إنما نملك الأجساد دون الضمائر، ونفحص عن الظواهر لا عن السرائر، فمن سلم ظاهره احتملت جرائره، فقد يهفو المرء ونيته سليمة، ويزل وطريقته مستقيمة.
стр. 180
ثوران الغضب وفضل كظمه
الغضب في الإنسان بمنزلة نار تشتعل والناس يختلفون فيه، فبعضهم: كالحلفاء سريع الوقود وسريع الخمود، وبعضهم: كالغضى بطيء الوقود بطيء الخمود، وبعضهم: سريع الوقود بطيء الخمود، وبعضهم: على عكس ذلك وهو أحمدهم ما لم يكن مفضيًا به إلى زوال حميته وفقدان غيرته، واختلافهم تارة يكون بحسب الأمزجة فمن كان طبعه حارًّا يابسًا يكثر غضبه، ومن كان بخلافه يقل، وتارة يكون بحسب اختلاف العادة فمن الناس من تعود السكون والهدوء وهو المعبر عنه بالذلول والهين واللين، ومنهم من تعود الطيش والانزعاج فيحتد بأدنى ما يطرقه ككلب يسمع صوتًا فينبح قبل أن يعرف ما هو، وأسرع الناس غضبًا الصبيان والنساء، وأكثرهم
ضجرًا الشيوخ، وأجل الناس شجاعة، وأفضلهم مجاهدة، وأعظمهم قوة من يكظم الغيظ، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
فجعلهم من المحسنين. وقال النبي ﷺ وقد مرَّ بقوم يرفعون حجرًا فقال: " ألا أخبركم بأشدكم؟ ، من ملك نفسه عند الغضب ".
واعلم أن نار الغضب متى كانت عنيفة تأججت واضطرمت واحتد منه غليان الدم في القلب وملأت الشرايين والدماغ دخانًا مظلمًا مضطرمًا يسودُ منه مجال العقل ويضعف به فعله، فكما أن الكهف الضيق إذا مُلِىءَ حريقًا اختنق فيه الدخان واللهب، وعلا منه الأجيج، فيصعب علاجه وإطفاؤه ويصير كل ما يدنو منه مادة تقويه.
فكذلك النفس إذا اشتعلت غضبًا عميت عن الرشد، وصمت عن الموعظة، فتصير مواعظه مادة لغضبه، ولهذا حكي عن إبليس لعنه اللَّه أنه يقول: متى أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب، لأنه ينقاد لي فيما أبتغيه منه، ويعمل بما أريده وأرتضيه.
وقد قيل: الغضب جنون ساعة، وربما أفضى إلى تلف باختناق حرارة القلب فيه، وربما كان سببًا لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف.
следующие страницы →