← Общие книги

Общие книги · id 13921

مذكرات مالك بن نبي - العفن

مالك بن نبي

Полный текст (203 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بعد وصولي باريس، ذهبت إلى الإخوة بن ساعي، لم أجد سوى صالح الذي عاد من عمله الليلي كحمال في محطة ليون للقطار. لقد تعب كثيرا حتى عثر على هذا العمل الشاق. وكان غرضه هو ضمان لقمة العيش فقط، وهذا في حد ذاته كثير على مهندس من الأهالي. وهو ما كنت أدركه أكثر فأكثر. وكان صالح قد نبهني للأمر وهو يقص علي مغامراته الأخيرة سعيا وراء عمل عند شركتي رونو أو سيتروان للسيارات، لقد كان طلبه يرفض في مصلحة تشغيل العمال اليدويين البسطاء بمجرد ما كان القائمون يعلمون بصفته. وقد أعدت الكرة أنا شخصيا هذه التجربة القاسية خلال الشهرين أو الثلاثة الموالية. وقد استخلصت أنه ما من شركة صناعية كبيرة في فرنسا إلا وتلقت تعليمات دقيقة بخصوص اليد العاملة الشمال إفريقية وبالطبع عندما يخص الأمر (مثقفا) يهتم بالأفكار ويتسرب في صفوف العمال البسطاء. يجب اكتساب مخيلة واسعة أو تجربة كبيرة لإدراك هذه الأفكار الدقيقة التي هي جوهر العقلية الاستعمارية. أه! كم أفهم الآن كيف أن هواة على شاكلة فرحات عباس لا يدركون مرامى الاستعمار الذي يتحدثون عنه. يجب أن يواجه المرء الوحش عن قرب وجها لوجه وأن يحس بقبضته الخانقة، يجب أن يفتن في مصيره وفي عمقه ليدرك ما معنى الاستعمار. كيف السبيل لإفهام هواة (البوليتيك) الاندجين، الدقائق الأليمة لإنسان يطالع من صحيفة المساء عروض التشغيل اليدوي، وكيف يتفادى عنوة المناصب والأعمال التي تناسب كفاءته وتتماشى وذوقه

стр. 142

لعلمه بعدم جدوى التقدم لها باعتبارها مجالات محرمة عليه، فتبقى له الأشغال المذلة ويسعى لها باكرا دون أن ينال منها شيئا وهو يتقدم لها كعامل بسيط ومجهول. كيف السبيل لإفهام أن هذا هو جوهر الاستعمار الذي يحط من الإنسان ذي القيمة إلى آخر حد، حتى يفقده الشعور بقيمته، وهذا هو هدفه. كان محمد بن ساعي للأسف قد بلغ هذا الانحدار الذي يوصل للهوة السحيقة (١). أدركنا الأمر أنا وأخوه صالح وتأسفنا كثيرا وتألمنا لحاله. صالح قاوم ببسالة. أما أنا فإن الله تعالى قد منحني وسيلة لتجديد جلدي عند كل سلخة. فكلما أحسست بتعب وإرهاق بعد

стр. 143

أيام كاملة من البحث المضني عن العمل من غير جدوى، أعود لمنزلي بقرية درو. وهناك استعيد معنى كرامتي وقيمتي. وكنت كلما عدت إلى بيتي أتناول كتبي للمذاكرة لأني لم أرد أن أضيع تكويني كمهندس فقد كنت أشعر أن ذلك هو الهدف الذي يسعى له ماسينيون، المستشار التقني للحكومة الفرنسية. وكنت ألزم نفسي بمراجعة شاملة مرة كل ثلاثة أشهر لأهم المواد من رياضيات وإليكترونيك وميكانيكا. بيد أني أجد ماسينيون دوما في طريقي مهما كان المسلك الذي اتخذه. لقد ظهر لي أن لا طائل من وراء المساعي التي أقوم بها والجهود التي أبذلها، وتيقنت أني لن أنال شيئا إن لم ألجأ إلى دعم معين. كنت قد التقيت من سنتين خلتا بتبسة بكاهن طيب احتفظت بذكرى رائعة معه وسجلت عنوانه. طرقت ذهني فكرة الاتصال به ومراسلته. شرحت له حالة القلق التي أصابت مهندسا فاجأته الأزمة وهو في أخريات دراسته وكيف أنه يكتفي بطيبة نفس بعمل بسيط من قبيل مجرب الآلات الكهربائية أو عامل ميكانيكي في مخبر للقياسات الكهرائية. أجابني الراهب الطيب بالبريد ووعدني بكل دعمه كما أخبرني بأنه اتصل في الحال بـ (صديق ذي مركز مرموق ويظهر كثيرا من المودة للمسلمين). خمنوا من هو هذا الصديق؟ إنه ماسينيون نفسه. فبعد أيام، وصلتني رسالة من (صديق المسلمين) هذا يدعوني فيها للقائه

стр. 144

وأفهمني بأن المنصب الذي أبحث عنه (مطلوب بعض الشيء). بالكاد لم يضف أن المنصب مطلوب من أحد (الأهالي). كانت النية الحسنة للراهب مفاجئة وكتبت له للتو شاكرا مسعاه بكل صدق. أما ماسينيون فإني قررت أن ألتقيه مع علمي المسبق بنتيجة الحديث معه. سألني هذا الرجل الذي يعرفني كما يعرف إبليس المؤمن، في مستهل حديثه: - دراستك التقنية كانت في قسنطينة، أليس كذلك؟ إن أي إنسان يعرف معنى الذهنية اليسوعية سيدرك معنى هذا السؤال الذي لا أريد أن أعالج أهميته معالجة مشوهة هنا حتى لا أطيل الحديث. كظمت غيظي رغم ذلك وتظاهرت، من جهتي، بأني لا أعرفه أكثر وكأني أراه لأول مرة في حياتي. ويجب التنبيه من جهة أخرى أن اليسوعي لا يرتاح في جو يسمه النفاق والتظاهر الكاذب. كان ماسينيون مرتاحا في هذا الجو الغامض الذي أوجده سؤاله بعيننا. ثم سألني بغتة: - أين عرفت هذا الكاهن؟ أجبته وأنا أضغط على مقاطع الكلمات: - عرفت السيد الكاهن الذي فاتحكم في شأن مسعاي بتبسة، يا سيدي. في الواقع، استدعاني المستشار التقني للحكومة الفرنسية ليطلع على أفكاري وأحاسيسي وليعرف أين وصلت.

стр. 145

وأعتقد أن إجاباتي لم تكن لتطمئنه لا من ناحية أفكاري ولا من جهة شعوري. ثم قام من مكتبه ليأذن بنهاية الحديث دون أن ينبس ولو بكلمة عن موضوع الاستدعاء. ولم يبق لي إلا أن أذكره به بما يشبه التهكم وأنا أحييه لمغادرة مبناه، فأجابني حين وضعت رجلي على الدرج: - نعم، نعم ... سأكاتبك في الموضوع. من الطبيعي أنه لم يكن ثمة شيء يرجى من جهته. غير أن التجربة أفادتني بيقين مزدوج. الأول أني سأجد ماسينيون دوما في طريقي، والثاني هو أن الضمير المسيحي ليس حرا في قراراته، لأن الكاهن لا يمكن أن يتصرف كما أراد من أجلي، رغم أنه تمنى ذلك وأنا متيقن، دون أن يمر بالنظام المركزي لل (الشؤون الإسلامية). وبديهيا أيضا أن ماسينيون يقف على رأس منصب هام في هذا النظام. وستكون لي فيما بعد جميع الأدلة التي تمنحها تجربة طويلة أن ماسينيون كان على اتصال بالمكتب الثاني وبالمنظمة الكهنوتية. ثم أنني بدأت أحس منذ سنة ١٩٣٦ أن المكتب الثاني بدأ يضيق الخناق على عائلتي وعلي شخصيا. فبالفعل، ورغم توافر عدة مناصب خاصة بالخوجة وشغورها في عدة بلديات وخاصة بتبسة بعد وفاة صاحبه حلايمية الشريف، ﵀، فإن والدي حرم من إعادة الإدماج رغم توسط أهالي مرموقين ومؤثرين على غرار والد الشيخ بن غراب. ومن جهة أخرى، ولسبب أجهله، طلبت من مدرستي شهادة (طالب سابق) بها، وأصر المدير لدى كاتبته لملاقاتي رغم أني عقدت العزم على تجنبه. شعرت بأن لدى الرجل ندما على فعلته الشنيعة

стр. 146

تجاهي حتى وإن لم يتطرق إلى الموضوع ولو بكلمة. إلا أني وجدته في وضع من أراد إصلاح خطأ ارتكبه. طرح علي بعض الأسئلة حول حالتي ثم سألني إن لم أرغب في التقدم لمسابقة حاسب في الدائرة التقنية للمدفعية. كما أخبرني بأن المسابقة ستجرى بعد الغد بإشراف أحد معارفه الذي سيقبل ترشحي رغم تجاوز الآجال المحددة. انطلقت رأسا إلى مديرية المدفعية حيث تم قبول ترشحي وترك المجال مفتوحا لإعداد ملفي بعد المسابقة. هذا الموقف أمدني بتجربة غريبة. كان ترتيبي الأول في الكتابي ... وفي المساء تقدمت للامتحان الشفهي في ظروف عادية تقريبا. حتى أن الجنرال الذي رأس اللجنة تحدث معي بعض الوقت عن الثكنات التي اشتغل فيها بالجزائر وخاصة بباتنة. كان هذا دليل على أني نجحت فعليا في المسابقة. غير أن النتيجة لم تعلن نظريا في ذلك المساء. فمندوب وزارة الحرب وهو عضو في اللجنة وكان بلباس مدني، طلب بعض الأيام كآجال رغم معارضة المدير العسكري لدائرة المدفعية. توجست خيفة من هذا التأجيل ورأيت فيه مؤشرا سيئا. وأدركت سلفا أن لي حظا وحيدا للنجاح وهو أن تعلن النتيجة فورا قبل (التحقيق الإداري)، وبعبارة أخرى قبل أن يتناهى خبر نجاحي إلى مسع ماسينيون. وبناء عليه شعرت بأن أملي قد انهار بمجرد ما سمعت بتأجيل موعد إعلان النتائج. لم يخطئ حدسي. فقد تلقيت بعد أسبوعين إشعارا من وزارة الحرب يخبرني بكل برودة أني (لا أتوفر على شروط الامتحان). وقد فهمت بالفعل ما هي الشروط التي لم تكن متوفرة في.

стр. 147

وجدت مدير مدرستي الذي بلغه الخبر متضايقا ومحرجا. وحاول رغم كل شيء أن يشرح لي رسوبي بالامتحان الشفوي. لم أرد أن أضيف إلى إحراجه، خاصة وأنه أرسلني بتوصية منه إلى طالب سابق للمدرسة ويعمل الآن مدير شركة لرقابة الطاقة الكهربائية لمحافظة السين (Seine). فهذه الشركة طلبت منه إفادتها بطلبة أنهوا دراستهم لتوظيفهم. ذهبت للشركة بمزيد من الأمل معتقدا أن ماسينيون لا يمكن أن يكون له تأثير في شركة خاصة, غير أني أخطأت التقدير هنا أيضا. فجميع مساعي ونشاطاتي كانت بكل تأكيد مراقبة، وكان ثمة من يسبقني. وعليه، عندما وصلت شركة المراقبة الكهربائية استقبلني مديرها بكل عناية ليقول لي بكل برودة أن جميع مناصب المراقبة قد وزعت. ولن أتحدث عن مساع ومحاولات أخرى قمت بها شخصيا حتى بغرض القيام بتربص تقني سواء في صناعة البطاريات أو المصابيح. كانت النتيجة دائما لا شيء. وكانت الحياة تضغط وتداهم. بيد أني لم أكن صاحب عقلية لا تستخلص دروسا تطبيقية من تجاربها. لقد كنت دوما منهجيا منظما. وقد فرضت العبرة نفسها على ذهني وتعززت بعديد الأدلة، أدلتي أنا وأدلة صالح بن ساعي. هكذا خلصت إلى أن النظام الفرنسي لا يسمح، وبالمطلق، أن يكتسب أحد من الأهالي من سكان المستعمرات تكوينا تقنيا، وإذا تمكن جريء من الظفر به، يتكفل النظام بضياعه بجميع الوسائل. هذا ما استشففته بكل براءة لأتخلى مبكرا في قرارة نفسي وأعماقها

стр. 148

عن كل مهنة مهندس. غير أني ما لبثت أن أدركت في الحال بأن هدف ماسينيون كان أكثر اتساعا وأكثر عمقا مما أتصور. تحت ضغط ظروف الحياة وضروراتها، تذكرت شهادة المدارس في الجزائر التي تجيز لي حق الحصول على منصب الوكيل القضائي. وجدت هنا باب خروج أو باب نجدة وجدت نفسي مرغما على أن أطرقه. فقد عولت على ميزة سهولة التعبير عندي لأعد لنفسي وضعية مشرفة تسمح لي بمواجهة الملح من الحاجات في وقت أتطلع فيه بطريقة غير مباشرة إلى مهنة محتملة لمهندس. لأني لم أكن أريد أن أتخلى عن وظيفة المهندس التي دفعت عنها عائلتي تضحيات وكلفتني الكثير من الجهود. ولم أنقطع عن مراجعة دؤوبة لمواد الدراسة. أردت بهذه الوظيفة أن أرضي ظاهريا العقلية الاستعمارية على أن احتفظ في سريرتي بطموحاتي السرية. وحصل أن التقيت بشيخ يعلم القرآن، جاء ليرتشف كوب شاي في مقهى الهقار حيث كنت أذهب أحيانا عندما أتواجد بباريس، لأتناول خبزا يابسا وأنا أسير ذهابا وإيابا حول حديقة لكسومبورغ في بحثي الحثيث عن فرصة عمل، ثم أقضي الليل عند بن ساعي. كان الشيخ يقص علي مغامراته كرب عائلة اضطرته الأحوال إلى الاغتراب سعيا وراء لقمة عيش أبنائه والعمل حفارا. أخبرني أيضا بأن مدينة سيدي بلعباس ليس فيها إلا وكيل واحد بالرغم أن المدينة تعد مركزا هاما. وبناء عليه، وجهت في أواخر ١٩٣٦ طلبا حسب الأصول لنيابة الجزائر

стр. 149

لألتمس منصب وكيل بسيدي بلعباس. مرت الأيام ولم يصلني شيء. دخلنا سنة ١٩٣٧، كان ذلك في نهاية جانفي أو بداية فيفري، عندما لمحت شرطيا يجتاز ذات صباح عتبة منزلنا بدرو. كان يحمل تحت إبطه ملفا. سأل زوجتي التي كانت في الجنينة: -هل المدعو بن نبي يقطن هنا؟ وإني أؤكد هنا على عبارة (المدعو) (Le nommé) التي استعملها الشرطي، أؤكد عليها ليس لأنها بدت لي مبتذلة ومزدرية ولكن لأقول للقارئ أن هذه العبارة قد أوحيت له، كما سأدرك ذلك في ظروف مشابهة، خمس عشرة سنة بعد الحادثة. كان هذا جزءا من ترسانة مخبر السموم السيكولوجية، حيث يتربع فيها ماسينيون على أعلى المراكز دون شك. مهما يكن من أمر فإن نبرتي غيرت سلوك الشرطى الذي دعوته للجلوس. - سيدي، هذا ملف وصلنا من الجزائر العاصمة وكلفت بتبليغكم محتواه. ثم قام الشرطي الذي أصبح ودودا بفتح الملف قائلا: - لقد تقدمتم بطلب منصب وكيل قضائي، أليس كذلك؟ أمتنعت عن إجابته فواصل: - رسالتان وبرقية، هلا تفضلتم بالإطلاع على فحواها. أخذت منه الوثائق, كانت البرقية من النائب العام الذي يرجو من وكيل الجمهورية بسيدي بلعباس بإجراء تحقيق حول شخصي وإبداء الرأي.

стр. 150

أما الرسالتان فكانت أولاهما من قاضي سيدي بلعباس موجهة لوكيل الجمهورية والثانية من هذا الأخير للنيابة العامة. يؤكد القاضي في مراسلته لرئيسه المباشر أن المدعو بن نبي معروف في سيدي بلعباسى (وهي المدينة التي لم تطأها قدماي مطلقا ولا أعرف فيها أحدا) ك (مستشار تقني) كما أنه عضو نافذ في حزبـ (نجم شمال إفريقيا)، وبناء عليه، فإن وجوده بسيدي بلعباس غير مرغوب فيه. وكيل الجمهورية يؤكد نقطة بنقطة كل ما قاله مرؤوسه من (الأهلي) (الانديجين) ولكنه زاد بأن منصب الوكيل لا يسمح للسيد بن نبي بأن يعيش حياة كريمة. أترك للقارئ ليستخلص بنفسه المفارقات التي يمكن أن يستشفها إن لم يكن أندجينا، لأني لو توقفت كل مرة للتعليق على هذه التفاصيل الهامة جدا في هذه المأساة التي تقوم على حبكة نفسية، فلن أنتهي أبدا من هذا العرض. ومهما يكن من أمر فقد كنت مشغولا بمسألتين: لم يكن هدف ماسينيون هو منعي من الاحتفاظ بتكويني كمهندس بل منعي من العيش بكل بساطة. يجب أن أهلك أو أن انحط، أو قل انحط حتى تحبط كل (محاولة انديجين) فيستنكف إراديا عن الولوج للمهن التقنية. ثم أني أدركت أن فكري الذي لا يطالب بـ (حقوق) ولا بـ (استقلال) كان في نظر الإدارة أخطر من محترفي (المطالب الحازمة). وباتهامي بأني (عضو نافذ في نجم شمال إفريقيا)، رغم علمها الأكيد

стр. 151

بأني خصم لها خصومة لا تفتأ تزداد عنادا، فإنها لا تسعى إلا لإخفاء التهمة الحقيقية والخطيرة، إذ لا يمكن أن نلوم أحدا باحتشام على رفضه أن يكون مناصرا لأية (مطالبة) كما هو شأن بومنجل، أقصد بومنجل مناضل حزب الشعب الجزائري الذي كان بالفعل (مستشارا تقنيا) لمصالي الحاج حينذاك. ثم إن هذا (المستشار التقني) - وهذه هي صفته الرسمية- عين مع إبراهيم بن عبد الله لعضوية (لجنة لغروزيير) الشهيرة (Commission Lagrosillère) التي سافرت إلى الجزائر لدراسة المشكل الجزائري في عين المكان. وأنا أترك للقارئ عناية فهم أسرار تاريخ الجزائر. على أية حال، لم يتراء لي مخرج للوضعية التي وصلت إليها. حتى زوجتي نفسها، وهي المتفائلة بطبعها بدأ التشاؤم يغزوها. وكنا قاب قوسين أو أدنى من الانتحار. بيد أن الإنسان يجرب حظه دائما ما دام حيا. كنا في مارس ١٩٣٧، وقتها أعلنت الصحف أن مديرية الأشغال العمومية بتونس تنوي توظيف أعوان تقنيين لإنشاء طرق استراتيجية في الجنوب التونسي. جربت حظي وأعددت طلبا دعمه فيوليت الذي كان رئيس بلدية درو، وكان وزير دولة وقتها. يجب القول أن الوزير دعم الطلب بحرارة، ووصلتني الرسالة التي تم إعلامه بأن طلبي قد حول للمصالح المعنية مع توصية مدعمة. اعتقدت لمدة زمنية أن تأثير وزير ماسوني سيبطل تأثير (صديق المسلمين) ماسينيون. في بدايات ماي، تلقيت جوابا جاء فيه أن الأشغال المنتظرة قد علقت ولن يكون بالتالي ثمة استجابة لطلبي.

стр. 152

أدركت مرة أخرى أن تأثير ماسينيون منتشر في كل مكان وأنه مداهم ومطلق. لم يبق لي شيء أفعله في فرنسا حيث كان الورتلاني، ممثل (العلماء) يغازل ماسينيون ويستعد للحصول على تأشيرته لمصر دون صعوبة، صالح بن ساعي أبعد من فترة وجيزة إلى كايين النائية (Cayenne) مقابل أجر شهري يبلغ ألفا ومائتين أو ألفا وأربعمائة فرنكا. محمد بن ساعى ترك نفسه تتدهور وتتردى. أما علي بن أحمد فازداد سخطا أكثر من أي وقت مضى وأصبح يشتم الجميع من (علماء) وفيدرالية منتخبين وحزب الشعب الجزائري. هكذا تشتتت مجموعتنا وتفرقت. حتما لم يبق لي شيء أفعله في فرنسا.

стр. 153

الفوضى وصلت تبسة وكم كانت دهشتي لما وجدت في حقيبة أرسلت مع أمتعتي نسخة جديدة مجلدة من الأناجيل. أترك القارئ يستخلص معنى هذه المعجزة بتقريبها من الردة المشهودة لعبد الجليل عن الإسلام وتنصره. كنا في أواخر جويلية ١٩٣٧، وجدت نفسي من جديد بالجزائر التي كانت تسلك بتأن ولكن بثبات سبيل الحضارة تحت راية الإصلاح التي بدأت منذ عام ١٩٢٥. لم أجد في البلاد ذلك الجو الذي تطبعه وحدة الشعور حيث يتفتح فيه الوعي وينضح حول مشكلات واضحة من قبيل القضاء على الأمية وبناء المساجد للسمو بالأرواح فوق وضع ما بعد الموحدين، أي علو على القابلية للاستعمار التي تشكل قاعدة الاستعمار. لم يكن الحديث يجري حول هذه القضايا أو حتى على الله وإنما الكلام على بلوم (Blum) . حتى والدي، وهو أنزه رجل صادفته في حياتي، كانت له بطاقة المناضل الاشتراكي. كانت الفوضى عارمة: فالإصلاح فر هاربا ومعه بذرة المستقبل التي كان يحملها. وقد أعطى العلماء أنفسهم القدوة والمثل: فبرنار لوكاش (١) والعربي التبسي يتعانقان بتبسة وتخالهما أنهما أخوان. وحتى يعطيا

стр. 154

شارة التحول المصيري أو بعبارة أصح التحول التام للأمور، كان بن جلول وفرحات عباس يرعيان زردة المعمرين وهي الزردة التي في خضمها، كما قلته في (شروط النهضة): (مسكت النخبة الجزائرية المبخرة التي أحرقت فيها الجزائر ما بقي لها من جاوي)، دون أن يرى أحد من الأهالي من كلامي سوى جملة ساحرة، اللهم إلا المعنيين طبعا والذين فاجأتهم ذاكرتي. هذا هو حال البلاد في ١٩٣٧. وكان الذين لاحظوا ثورتي في تبسة يتهامسون: - إنه مبعوث موسولوني أو هتلر. عندما كنت ألعن بن جلول قائد آخر زردة جزائرية، كان الشيخ العربي التبسي يقول لمن حوله وبخاصة لصديقي خالدي: - إن بن نبي غير مدرك أن بن جلول (فريد) وإذا حطمناه، فلن يكون هناك من يقدم (مطالبنا). كانت تلزمني الشجاعة الضرورية لأكشف للعالم نفاقه. لأني كنت بالفعل قد اكتشفت لعبته. كان القلق المميت يحدوه إذ يعتقد أنه إذا أطاحت مجموعتنا بالصنم الجزائري، فالخوف هو أن نطالب بالإصلاح دون شيوخه. فالقضية تتلخص في ذهنه الفظ في مشكلة التصدر والبروز. كان هذا هو ضمير (عالم) من الجمعية سنة ١٩٣٧. كنت أعرف ذلك وأقوله لخالدي دون أن تكون لي جرأة الجهر به أمام الملأ. حتى إذا حاولت أن أفهم الأمر لوالدي، الرجل الطيب النزيه، فكان يجيبني:

стр. 155

- عندما تدرك ما يعلمه الشيخ العربي وبن جلول، يحق لك حينها أن تتكلم. فأفهم أن العقلية الأهلية والقابلية للاستعمار هما دوما أفضل وسائل الإدارة الاستعمارية ضدي وضد أي أحد يسوقه سوء حظه ليطلع على اللعبة بوضوح. فمنذ تلك الفترة، لم يعد (البوليتيك) الجزائري، ومن ضمنه الحركة الإصلاحية (رغم حسن نية ابن باديس) إلا لعبة في متناول الإدارة التي كانت تمسك بكل الخيوط. تأملوا! بن جامع سكرتير الفيدرالية وبن جلول رئيسها. ولم يكن (العلماء) إلا أنصارا لهذه النخبة الرائعة. ولم يكل الشيخ العربي ولم يمل من تحذير الناس مني وتأليبهم ضدي: - نحن نفتقر إلى رجال لاستخلاف بن جلول. وطالما ألححت وأنا ألجأ إلى لغة علم الكلام وهي اللغة الوحيدة التي يمكن أن يفهمها (عالم)، فأقول: - بما أنكم تتمسكون بهذا الرجل الذي يبدو لكم (وحيدا) فلماذا لا تعبدون إبليس فهو أيضا وحيد. كان الشيخ العربي ينتفض غيظا عندما أطرح عليه هذا السؤال، السؤال الوحيد الذي يزعزع عقلية طالب الكتاتيب في الجزائر. لأنه عندما يؤكد عدم وجود رجل لتعويض بن جلول، فإنه لا يدرك أنه يخدم بالضبط أهداف الإدارة الاستعمارية التي تتوفر من جانبها على خبراء يعرفون تقييم الرجل من نظرة واحدة , وبالطبع فليس ثمة مصادفة أن يبدأ التجار اليهود بتسمية قماشهم باسم (البطل القومي رقم واحد) وأن تقوم الغانيات في الأحياء السافلة بالغناء لتمجيده والحديث عن مآثره. إلا أن الشيخ العربي

стр. 156

كان يسايره بنشاط وحبور في هذا الصراط، وحذا حذو (الرجل الفريد) الذي رعى آخر زردة وإحياء الخرافة الشعبية والمرابطية في شكل انتخابي. فالشعب الذي تم إقناعه بعد جهود مضنية بأن الولي لا ينفعه ولا يمكن أن يخفف من معاناته وحظه البائس، والشعب الذي تخلص بالكاد من أحبولة الزوايا عاود السقوط في شرك إداري آخر، هو شرك المنتخب القادر على كل شيء، وشرك ورقة التصويت التي تحدث المعجزات. غير أن العلماء سقطوا هذه المرة في المصيدة. وكان الشيخ العربي يردد دون كلل أو ملل: - ولكن ليس هناك من يعوض بن جلول. والهوس بـ (الرجل الأوحد) فكرة مشتركة لدى (العلماء) الجزائريين. وقد يوحي الأمر بأن في تكوينهم المشترك في الأزهر أو الزيتونة عاهة أصلية. فسنوات بعدها، وبعد أن استولى الإبراهيمي على إرث الشيخ الجليل ابن باديس، أشاع حوله بأن ليس هناك أي إنسان يمكن أن يخلفه إذا قدر وتوفي. أه! كم ستبتهج الإدارة الاستعمارية وتزدهي، وعلى رأسها ماسينيون، بوجود هؤلاء المتحمسين لإقناع الشعب الجزائري بأنه عقيم وبأنه لا يمكن أن يلد رجالا. وللفرار من هذا الجو الشبيه بسوق السلع الرخيصة الذي تعيشه الحياة العامة الجزائرية منذ ١٩٣٦، يجب أن يكون عندي برج عاجي أو نشاط شخصي. حاولت أن أثير انتباه بعض التبسيين الأغنياء لمشاريع صناعية. فبعد أن تخليت عن فكرة محطة كهربائية بقوة مئة حصان بأفلو في

стр. 157

الجنوب الوهراني الذي أعددت بشأنه مشروعا وحسبت تكلفته وهو مشروع كان سيعطي نتائج جيدة لو تحقق، أردت أن أبني بتبسة مصنعا لورق الحلفة. أحد أبناء عمومتي وعدني بكل صدق بمساعدة مالية. غير أن الإدارة كانت ساهرة فقد أدركت أن كل ما أتفوه به أو أقوله كان يهمها كثيرا. فبالفعل، فبعد أيام من البحث في مشروعي مع شركاء محتملين، تحدث السيد باتيستيني، المتصرف الإداري في تبسة والطالب السابق لدى ماسينيون بالصدفة مع ابن عمي حول مادة الحلفة ... وتمكن تلميذ ماسينيون (الذي قال في أحد أيام سنة ١٩٣٦ (نريد دفن القرآن، ولن نسمح للآخرين بإحيائه) من إقناع قريبي بأن صناعة الورق من تحويل الحلفة غير ممكنة إلا في انجلترا حيث يوجد ماء (خاص)، كما قال. وقد اقتنع (الاندجين) الطيب المتمثل في ابن عمي، بهذا الزعم. فكرت في مشاريع أخرى، كمشروع مصنع إسمنت أو مدبغة ولكنها عرفت نفس المآل. فأدركت أن الأهالي لم يكونوا من عجين فيه خميرة اصطناعية. عقدت العزم أن أضع بداية هذه الخميرة في هذا العجين ... نسيت أن ألاحظ أني وجهت طلبا في سنة ١٩٣٦ لمساعد كاتب الدولة للتعليم التقني ملتمسا الحصول على معلومات لإنشاء مدرسة تقنية إعدادية بقسنطينة. كانت نيتي هي تحقيق هدفين، ضمان قوت يومي ونشر الروح التقنية والصناعية في وسط الشباب الذين سأتكفل بإعدادهم. غير أني في هذه الحال أيضا قد

стр. 158

أكون خرقت بجناحي الصغيرين خيوط بيت العنكبونة. لم أتلق حتى مجرد رد. بيد أني عزمت أن أضع بعض الخميرة العلمية في العقل الأهلي، بأسلوب آخر. فحيثما كنت، بين الشباب أو الشيوخ، وخصوصا في النادي الذي افتتح أبوابه حديثا بتبسة، لم يكن لدي موضوع للكلام إلا العلم والصناعة. وفي الواقع، كنت أعطي دروسا حقيقية مجردة من الصيغ حول صناعة الزجاج، والبطارية والورق والجير المائي والصابون وغيرها. وقد تمكنت من إقناع شاب تبسي أن هناك ربحا يمكن جنيه في تربية النحل على شرط إدخال الأساليب العصرية في هذه التربية. ثم بدأ الحديث عن النطاق البيئي المتحرك في منطقة تبسة. فهذه المنطقة بدأت تثير في نفسي العديد من المخاوف. وربما كنت الوحيد الذي انتابني هذا القلق أمام تقدم رمال الصحراء الذي لم يلحظه أحد. وعندما أخصص، بعد اثنتي عشر سنة فصلا للتراب في كتابـ (شروط النهضة)، فإن الكثير من القراء لم يروا ربما إلا نوعا من التسرع أو ملهاة من بنات أفكار مثقف. إلا أن الخطر أثار تخوفي منذ ١٩٣٧ إذ أنه أصبح واضحا جليا. ارتأيت أنه من الواجب أن أعرض مشكلة البيئة في محاضرة ألقيها في قاعة الحفلات بتبسة. غير أني لم أكن مسلحا إلا بيقيني لإقناع الناس. كان الآخرون يحدثونهم عن (الحقوق) ويكلمونهم عن (الانتخابات)، وكنت أكلمهم عن العمل. فحتما لم يسمعني أحد. مستمع واحد أظهر اهتماما متحمسا للمحاضرة، فطرح علي إثرها

стр. 159

بأدب كبير العديد من الأسئلة: إنه محافظ شرطة المدينة. وأنا أفهمه وكان ثمة سببان يدفعانه للاهتمام بالمحاضرة: فهي المرة الأول التي يسمع فيها أحد (الأهالي) يطرح بكل وضوح قضيتي الإنسان والتراب، من جهة كما أن وظيفته تفرض عليه أن يجمع أقصى ما يمكن من التفاصيل، من جهة أخرى. غير أن الجهد كان ضائعا من وجهة نطر مسلمة. لم أقل للناس انتخبوني ونوموا في سلام. على العكس، كنت أقول لهم لا تنتخبوا أحدا، أفيقوا وانهضوا من سباتكم. سبق أن رأيت في احتيال بن جلول نوعا من القرحة الانتحابية التي بدأت تحمر الوعي الشعبي الذي استيقظ منذ مدة قصيرة بفضل النشاط المناهض للمرابطية التي بدأت آخر أصدائها تضيع الآن وسط زعيق المعرض الانتخابي. الإسلام نفسه أصبح لافتة انتخابية ... وها هو سيسبان يعد ناخبي باتنة في حال انتخابه أنه سيخص مدينته بمسجد جديد. وكان بن ساعي، الذي روى لي الأمر مع شهيق في الصوت، بكل تأكيد الوحيد الذي تبين الانحدار الذي سلكناه. انحدار يوصل بعيدا: حتى الانتخابات البلدية التي خاضتها (الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية) (MTLD) في ١٩٤٧ باسم الإسلام، وهي انتخابات مكنت أميين وخونة مبرئين وتجار عرفوا كيف ينمون تجارتهم، وعمال عرفوا كيف يحافظون على مناصبهم في زمن نايجيلان (Naegelan) من الفوز على حساب مثقفين مخلصين ونزهاء على غرار الدكتور خالدي.

стр. 160

ومن جهة أخرى، وفي انتخابات الجمعية الجزائرية، فإن (الاتحاد الديمقراطي لأحباب البيان) (UDMA) هو بالصدفة من يهزم خالدي مرة أخرى لصالح مرشح الإدارة: محام من خنشلة الذي ضحت في سبيله بمرشحها نفسه المسمى كموش ببرقية. هذا هو المنحدر الخطير الذي وضع فيه بن جلول وشريكه فرحات عباس الضمير الجزائري منذ ١٩٣٦. كان يجب انتظار سنة ١٩٤٧ لنرى أبشع الممارسات والخيانات الجلية تتدثر بلحاف الإسلام والوطن. والحاصل أن التقاليد الجديدة للبوليتيك الجزائري بدأت ترسخ في العادات والذهنيات. في أواخر ١٩٣٨ أو بدايات ١٩٣٩، جرت انتخابات للمجلس العام في دائرة تبسة، عين البيضاء وخنشلة. وبدون علمي، قام سكان من تبسة بتقديم اسمي واقترحوه على سكان عين البيضاء وخنشلة ضد اسم بومالي. جرى هذا الاجتماع في منزل أحد أعيان مدينة عين البيضاء. واتفق كل الذين حضروا على ترشيحي. فجأة توقفت سيارة أمام الباب، كانت تقل بطلي البوليتيك الجزائري فرحات عباس وبن جلول متبوعين ببطل من نفس الفصيلة هو بن جامع. فأعيد النظر في الأمر. فالقادمون الجدد لم يجرؤا على مواجهة الرأي العام مباشرة فيأخذوا على أنفسهم اسم بومالي المتورط منذ قضية الاستقالات إلا أنهم ناوروا لإبعاد ترشيحي. وهل تعلمون، أيها الشبان - جزائريو المستقبل- من الذي اقترحه أبطال الجزائر؟ اقترحوا بكل بساطة اسم أحد الأميين، (المنتخب الحر) في الجمعية

стр. 161

الجزائرية بفضل إرادة ماسينيون ونايجيلان، وأنا أقصد هنا الحاج موحاتة نفسه. وفاز مرشح نايجيلان القادم بدعم من فرحات عباس صاحب مقولة (فرنسا هي أنا) وبركة الشيخ العربي التبسي الذي خلصته هذه الانتحابات من كابوس أن يراني ألج معترك الحياة العامة والتنديد بجميع الفضائح ومنها فضائح (العلماء). يمكن، أو قل يجب العودة إلى الوراء، وأن نتساءل من الذي أنذر في الوقت المناسب فرحات عباس ورئيسه بن جلول ليهرعا على جناح السرعة إلى عين البيضاء لأداء مهمتهما؟ إن من شأن الجواب على هذا التساؤل أن يلقي بكل تأكيد الضوء على الطبيعة نفسها لهذه المهمة التي اضطلع بها الأبطال الأندجين. غير أن الستار سيرفع يوما أحببنا أم كرهنا. مهما يكن من أمر، فقد تبينت، ويمكن تصور الألم الذي انتاب الضمير، أنه لم يبق شيء صاف في الجزائر، لا شيء يبارك فيه الله تعالى وينميه. وكان الشيخ العربي هو الذي يمنحني إحساسا حادا بهذه العفونة التي تتحمس لها كل الحياة السياسية الجزائرية. لم أستطع السكوت أمام النفاق الذي أشعر به عند (العلماء) ولم يكن الشيخ ليغفر لي هذا الشعور. ولكني كنت أحافظ على الأصول. بيد أني كلما تحدثت كل مساء جمعة في نادي تبسة، كان الشيخ يحس، وهو محق، بأنه معني بكلامي. وعوض أن يرد علي باستقامة ونزاهة، كما أفعل شخصيا أحيانا، فقد كان يفضل أن يهاجمني من الخلف. دب خلاف مرة بيني وبين

стр. 162

والدري بسبب يتيم آويته من الطريق، ختن من مدة قصيرة وترك لحاله دون علاج، وكان مصابا بالحمى. فقررت مع زوجتي أن نبقيه معنا في المنزل حتى يشفى نهائيا. غير أن زوجة أبي، لأن أبي، وهو من طينة الأهالي- الاندجين، تزوج ثانية بـ (مسلمة) خليقة بأن تكون شقيقة للعربي التبسي، رأت خلاف ذلك. وقد عملت ما في وسعها حتى قام أبي - غفر الله له بسبب براءته - بطرد الصبي. ومن هنا نشأ الخلاف بيننا. وعوض أن يقوم ممثل الإسلام، أقصد الشيخ العربي بإصلاح ذات البين بين الوالد وولده، حسب تعاليم الدين نفسها بل وحتى العمل من أجل إنقاذ اليتيم الصغير الذي ذهب ضحية هذه الخصومة، فإن الشيخ الأزهري والزيتوني لم يكن له من النوايا سوى استغلالها ضدي. وكان يقول بصوت خافت لمن حوله وهو يجمع مبرراته من الخزي والعار: - إن مالكا ابن ملعون لوالده! هذا ما وجد الشيخ الموقر في الأخلاق المقدسة للإسلام. ومن يومها، أصبحت استفظع ثقافة الأزهر والزيتونة التي تقتل الضمائر والأرواح واعتبرها أسوأ كارثة يمكن أن تهدد العالم الإسلامي. وحتى يعيش الإسلام أو يبعث من جديد في الضمائر، يجب تخليصه مما يسمى اليوم (الثقافة الإسلامية)، هذه الثقافة التي تلوث الأرواح وتذل الطبائع وتضعف الضمائر وتخنث الفضائل. وعندي اليوم هذه القناعة أكثر من أي وقت مضى. وليس من قبيل الصدفة أن رجلا كحسن البنا ليس في تكوينه شيء يدين به للأزهر أو للزيتونة.

стр. 163

كم يحز في نفسي ويدمي قلبي أن أرى هذا الجيل الجزائري الرائع المليء بالاقتناع، ومن طيبة النفس والقلب يوجه للذل والهوان. وهذا هو الشعور الذي ينتابني وأنا أسير جوار معهد بن باديس حيث أرى وجوها نيرة لشباب معد بكل أسف لما اصطلح على تسميته (الثقافة الإسلامية). غير أن لله تعالى دون شك أهدافا لا يمكن لأي إنسان أن يدركها. فجمعية (العلماء)، وبخاصة بعد رحيل الشيخ الجليل والطيب بن باديس تعد من هذه الأهداف المغلقة التي تستعصي على إدراك الذكاء الإنساني. والبوليتيك الجزائري أيضا من هذه الأهداف. على أية حال، أصابني التقزز مع بدايات سنة ١٩٣٨ إلى درجة النفور من الإقامة بتبسة أو بالجزائر قاطبة. وجاءت مصادفة سعيدة بعد أن طلبني بعض المناضلين الذين بقوا على وفائهم للمؤتمر الإسلامي لأقود جمعيتهم في مرسيليا. وكان علي أن أسافر إلى هذه المدينة في شهر أفريل. وكان اللقاء بهؤلاء المناضلين الطيبين غاية في الود والترحاب. ستتوقف معرفتي بالشعب الجزائري - بعظمته وانتكاساته - هنا. فحياة المسلمين بمرسيليا هي مشهد معبر لكل من أراد أن يتعلم نقاط الضعف الداخلية والخارجية للمجتمع المسلم. يجب أن أقول بداية أن وصولي مرسيليا صادف حفلا نظمته (المنظمات الديمقراطية) في مرسيليا على شرف بيرنار لوكاش الذي

стр. 164

تحدث مطولا عن مآسي اليهود. شعرت أن من واجبي أن أنتهز الفرصة لأتحدث عن الممسلمين. من بين النساء اللواتي حضرن، هناك من بكين خلال كلمتي. سارع لوكاش وعانقني. فهمت معنى هذه المعانقة. وتقدم مني يهودي آخر بينما كنت أرد على أسئلة بعض المستمعين المتلهفين لبعض التوضيحات، وقالت لي: - تعلمون أن الذوق الفرنسي مرهف ولا يجب بالتالي نقده بعرض كل الحقيقة. أدركت أن صاحبنا أزعجه الاهتمام الذي أثاره العرض الذي تقدمت به وكان غرضه هو إضعاف هذا الاهتمام بمدح (الذوق الفرنسي) ونقد ذوقي السيء. علاوة على أن (المنظمات الديمقراطية) لم تر فينا شركاء ولكن مجرد مرتزقة للأيام التي تحصل فيها مشاجرة مع (الزمر العنصرية). (١) ولما خيبهم موقفي، لم نعد نرى بعضنا بعضا. وهكذا وجدث نفسي مركزا على الموضوع الدقيق الذي عملت على اقتراحه وهو التربية. فوضعت الإصبع على الجرح. كان المسلمون يعيشون أو قل يخملون بمرسيليا في غفلة تامة وغياب وعي كامل بأنفسهم وبكل ما يحيط بهم. فكانوا يبدون في عيني، أنا المتلهف للأحاسيس المعبرة، أكثر المشاهد إثارة للشفقة لقطيع بشري يدعو للرثاء. رأيت سودا وهم مهذبون ومؤدبون ولهم

стр. 165

كرامة في الشوارع التي يرتادونها. المسلمون يتكدسون أولا في نفس الشارع - شارع شابولييه Chapeliers- ذي الصيت السيئ وفيه يعيدون تشكيل إطار الحياة الجزائرية برمتها وبكل ما لها من بشاعة وإثارة للسخرية, السود يتخلصون من الأدغال ومن ذهنية الأدغال عندما يصلون مرسيليا. أما المسلمون فيعمدون إلى نقل كل إشكال (الطباع الطريفة للأهالي) وإسقاطها في الإطار الجديد. فترى في شارع شابولييه مقاهي عربية ومعها لعبة الدومينو التي لا تغيب، ومنضدة عليها مغلاة يتصاعد منها دخان. ثم تجد بعدها مطعما حقيرا وعنزة مسلوخة مغطاة بالذباب معلقه على بابه. وعلى قارعة الطريق سوقا فوضوية يباع فيها بالمزاد كل ما هو مريب، وقذر، وغامض ومثير للشبهة، وممزق. ويريد أكثرهم حكمة، الابتعاد على ما يبدو، من هذا الجو الصاخب، إلا أنهم لا ينأون بعيدا فرادى أو جماعات صغيرة. إنهم يبتعدون بعض الخطوات إلى ساحة إيكس وينتظمون هناك قطعا كالذباب ويتكدسون للجلوس على طريقة الأهالي. الأجنبي الذي يمر بمحاذاة شارع شابولييه أو ساحة إيكس يتوقف لتأمل أفضل مشاهد (الأهالي) أصالة. أما سكان مرسيليا الذين ملوا ربما المشهد منذ مدة، فكانوا بكل بساطة يديرون رؤوسهم ويحملون الانطباعات التي أتخيلها للأسف. وبالطبع، لا ترى أبدا امرأة مرسيلية تخاطر وتدخل شارع شابولييه. بيد أن هذا المشهد الذي شكل كابوسي كان بالضبط، هو مادتي في العمل لأني كنت أدرك إلى أية غاية تسعى لها الإدارة في الواقع

стр. 166

عندما تسمح بمثل هذا المشهد. فكنت أريد القضاء عليه أو محاولة القضاء عليه, على ضوء ذلك، قمت بإعداد برنامج للتربية. فكان علي من جهة أولى أن أكون إطارا من الشبان الذين يمكن أن يؤثروا مباشرة في وسط (شارع شابولييه) بحكم اتصالهم به عن قرب بعدما يحصلون على نصيب من التربية والعلم وذلك حسب إشعاعهم أنفسهم. ومن جهة أخرى، فكرت في محاضرات أسبوعية، كل يوم أحد، لأتحدث أمام الحشد. أضف أنه كان علي أن أخضع نشاطاتي لتوقيت محدد وأضبطه حتى أحصل على أقصى النتائج في أدنى وقت، لعلمي أن أية جمعية منظمة للأهالي لا يمكن أن تدعم عملا يتطلب نفسا طويلا. فكان علي أن أخضع نشاطاتي لتوقيت مضبوط لتحديد قاس حتى أحصل على أقصى ما يمكن من نتائج في أدنى وقت. وقصد تخفيف تكاليفي الشخصية عن الجمعية فقد قررت في بادئ الأمر أن أبيت في المحل ذاته، وهو عبارة عن محل قديم مهجور للحدادة يقع بشارع فوشييه. في بهو هذا المحل الذي صبغت جدرانه بالجير، كنت أعطي دروسا لحضور منتظم كان يدفع مساهمة أسبوعية ضئيلة، ولكنها كانت تضمن لي خبزا وقطعة من الجبن. وهكذا أعفيت الجمعية من مصاريفي. وكنت أقبل بهذه الوضعية حتى أواصل نشاطى أكبر وقت ممكن، ولن يكون على أعضاء المكتب، وكانوا في أغلبهم أصحاب المقاهي والمطاعم المتواضعة، سوى دفع إيجار المحل.

стр. 167

وكان تلاميذي، الذين سيصبحون لاحقا إطارات، من مختلف الأعمار ومن جميع نواحي الجزائر، كلهم أميين. كان من بينهم سعدي بن يحي من برباشة، هو شاب من بلاد القبائل عمره ١٨ سنة، وقد تجاوز بعضهم السن الموقرة للشيخوخة، وقد أثار انتباهي أحدهم وكانت له قامة عملاق عندما سألته، على غرار الآخرين، عن اسمه لأسجله كتلميذ مثابر، فأجابني بكل بساطة: - ابن تاشفين! استرعى الاسم انتباهي. فخاطبت نفسي: ربما يكون؟ ... طرحت عليه أسئلة أخرى. فعلمت أنه من نواحي تلمسان وأنه حافظ للقرآن الكريم عن ظهر قلب. - واسمك هل تعلم مصدره؟ تعجب تلميذي الشيخ من سؤالي وفكر برهة من الزمن ثم بدا أنه لم يجد شيئا في ذاكرته، فرد: - يا سيدي، أنا لا أعرف من أين جاء اسمي، ولكن سبق لي بتلمسان في يوم من الأيام، أن سألني نائب الوالي من أين جاء اسمي وهل لي وثائق عائلية. لا اعتقد أني حدثت تلميذي عن مغزى الاهتمام الذي أبداه نائب الوالي باسمه. غير أني شعرت شخصيا بعجلة التاريخ تعود بي عدة قرون إلى الوراء في زمن المرابطين. وربما برزت أمام عيني حلول عدة

стр. 168

لمأساة الحضارة الإسلامية. كنت أرى المأساة أمامي، بلحمها ودمها، في جلد حمال كان جده أحد كبار قادة الإسلام. عادت إلى ذهني جملة مزدرية لبزيكاري (Psicari)، وهي جملة كان قد سجلها ابن أخت رينان (Renan) عندما جاء أحد الزعماء الموريتانيين مستسلما للسلطات الفرنسية: - رأيت فيه بقية حضارة مثيرة للشفقة تحولت إلى مأساة. وسجلت في ذهني من جانبي، أن مصير فرد غير مرتبط بسياسة وضيعة (بوليتيك) ولكن بحضارة. وأدركت أكثر فأكثر عملية الاحتيال الجارية في (العالم الإسلامي المعاصر)، بفعل جميع الذين وجدوا، على غرار بن جلول وأمثاله، أن إلقاء الخطب حول الحقوق أكثر ربحية من القيام بأدنى واجب من شأنه أن يسمح الحال بالولوج في حصيلة النهضة الإسلامية. لم أكن أعرف بعد أن مجرد شعور أو فكرة بسيطة يأخذان طريقهما في الوعي الإسلامي ليصبحا مصدرا لكم من المشكلات التي نطرحها، أو أحيانا، مذهبا يتولد عنهما. لم أكن أعرف وأنا أحرر دراستي حول (مشكلة الحضارة) أن تواضعا في غير موضعه دفعني إلى نشرها تحت عنوان: (شروط النهضة الجزائرية). قررت بداية أن أحضر المستمعين لدروسي وأن انتشلهم من التأثيرات الأهلية (influences indigènes) السيئة في شارع شابولييه. فكانت دروسي إذن تعليمية وأخلاقية وجمالية في آن واحد. فكانت دروسي تنصب على تعليم العمليات الحسابية الأولية، والحروف الأبجدية بعض المقتطفات من الجغرافيا، ولكنها تستهدف

стр. 169

بالخصوص إحداث تغيير جوهري في نفسية تلاميذي من خلال استهجان السلوكيات والمواقف وأفكار الأهالي (الأندجين). فكنت أعلم أحدهم كيف يعقد ربطة عنقه، وأبين للآخر كيف نداوي غمص العين ووسخه وللثالث كيف نسير في الطريق وللرابع كيف نجلس في شرفة مقهى. وكنت أحاول أن أرسخ في أذهان الجميع روحا نقدية، وذوق الإبداع. فلم يكن تعليم الحساب في ذهني مخصصا لتكوين مهرة في الحساب بقدر ما كنت أبحث عن منح تلاميذي معنى الأعداد الكبرى ومفهوم اللامتناهي (l'infini). كما أن دروسي في الجغرافيا لم تكن معدة إلا لإعطاء فكرة عن تنوع البلدان، والأجناس، والمنتجات وامتداد الفضاءات واتساعها. افتقر للوقت لأصف هنا مشاعر التأثر التي تنتابني وأنا أتابع تقدم منهجيتي، وكل المشاعر التي يحسها تلاميذي الذين كنت أدعهم ليبادروا من تلقاء أنفسهم، كمثل اليوم الذي كلف فيه أربعة منهم من قبل زملائهم ليشتروا هم أنفسهم خريطة العالم الضرورية لدروس الجغرافيا. ويمكن تصور الإحساس القوي الذي خلفته مثل هذه المبادرة في أربعة شبان، الذين كانوا لم يحسنوا لا القراءة ولا الكتابة ولا الحساب، شهران قبلها. غير أني اكتشفت نتيجة أحدثت في شخصيا تأثرا. فعند أول لقاء بتلاميذي، أدهشتني الهيئة الوحشية التي كانت تسم نظراتهم وتطبع قسمات وجوههم. ثم لاحظت أن نظراتهم تهذبت واكتست طابعا إنسانيا تتجلى الفكرة من خلالها. وأكثر تأثيرا هو أن الطلعة

стр. 170

ذاتها تغيرت. ولن يسعفني الوقت لتسجيل هنا كل تفاصيل التحول الجذري لدى تلاميذي بيد أني فهمت من وقتها أن الفكر يضع قناعا خاصا على الوجه. بمجرد أن يتحرك إصبع الأمي لتحديد سحر حرف، بمجرد أن يتحرك عقله لفهم فكرة، فإن مخلوقا آخر مات فيه (الإنسان الأهلي) بعض الشيء وانبعث منه إنسانا بنفس المقدار. وأنا أتذكر هنا حادثا معبرا، معبر بقوة للأسف. فقد أردت أثناء درسي الثاني أو الثالث أن أختبر أحد التلاميذ، وكان شابا اسمه جوزي وأصله من مدينة عزازقة. - كيف وجدت الدرس يا جوزي؟ أجابني الشاب القبائلي بغتة: - يا شيخ إننا نقتل الوقت هنا بصورة جيدة. هذه هي الاستعدادات النفسية التي قدم بها تلاميذي في البداية. خاب أملي ربما، غير أني أدركت أن هذه النفسية، هذه الذهنية (الأهلية) هي التي يجب أن أزعزعها. وبعد خمسة أشهر، تحسن تلميذي جوزي، فقد أصبح تدريجيا يأتي ليس لقتل الوقت ولكن لاستعماله بفعالية، بصورة لافتة أكثر مما تطيقه صحته العقلية. فذات مساء، جاء جوزي إلى الدرس مع كل مؤشرات الخلل. نعم! كان جوزي مجنونا. فذهنه الذي لم يفكر مطلقا اختل عند أول تفكير. وتعاونا أنا وزملاؤه على إجلائه.

стр. 171

ولكن كان من بين التلاميذ أذكياء يلفتون النظر. فلن أنسى أبدا هدية بن يحيى سعدي فقد أصبح إثر أحد عشر شهرا، وهي المدة التي مكثت فيها بمرسيليا، يحل مسائل رياضية في مستوى الشهادة الابتدائية، أي أبعد من مجرد حل العمليات الحسابية الأولية. ولا يزال إلى اليوم يكتب لي رسائل جديرة أن تصلح كنموذج لبن جلول وتلاميذه من أمثال فرحات عباس، بغض النظر عن أخطائها النحوية. ولم تكن محاضرتي التي ألقيها أيام الأحد دون جدوى أيضا، رغم أن الحضور لم يكن كثيفا كما يمكن تخيله. وهناك بالطبع نشاط الإدارة الاستعمارية التي تعرف، كما تعرف دائما، جميع أسرار وخفايا عقلية (الاندجين). فقد كنت استمد القضايا التي تتناولها محاضرتي من حياة إخواننا في شارع شابولييه. ومن هنا كان من السهل تأليب ضدنا جميع المصالح القذرة لأصحاب المطاعم الوسخة ومقاهي العرب الذين كان من السهل تصوير نشاطنا - نشاطي ونشاط تلاميذي- بأنه يضر بمصالحهم. فأصبح أعضاء المكتب أنفسهم يتغيبون عن الاجتماعات، ثم استنكفوا تدريجيا عن دفع ثمن إيجار المحل، نادي التربية والتعليم. فاعتقدت من الواجب أن أتوجه لجمعية العلماء ممثلة في شخص الفضيل الورتلاني لإنقاذ نادينا الموجه للتربية والتعليم. رد على رسالتي ردا دبلوماسيا ووعدني بعون الله , كنت بالطبع أتفهم موقفه، فقد كان يدعو ل (الثقافة الإسلامية) بينما كنت أدعو للإسلام والحضارة. ولم تكن هناك صلة مشتركة بين العقليتين. في

стр. 172

غضون ذلك، مر علينا الشيخ مبارك الميلي (عليه رحمة الله) فاستبقيناه بمرسيليا ليقدم لنا درسا. كان مريضا وعائدا من فيشي. غير أنه قبل الدعوة. كان (العالم) الوحيد الذي ترك لدي انطباعا بأنه صادق. ولم يخف عني قلقه إزاء الوضع الذي تتخبط فيه جمعية العلماء منذ زيارتها المشهودة لباريس , فالعقبي الذي أفرج عنه اتخذ بكل وضوح موقفا مع الإدارة. أصبحت الجزائر تتأرجح بين بن جلول ومصالي. وتمكن مييو (Millot) الذي خلف ميرانط (Mirante) من فرض عقلية ماسينيون نهائيا في الإدارة الجزائرية. لم يتمكن والدي لحد الآن أن يعود لعمله رغم مساعيه الحثيثة. كنا، والحال هذه، محرجين أكثر فأكثر في مقر النادي بشارع فوشييه. وقد استعملت الإدارة كافة أوراقها. بدأ بعض أنصار مصالي يشنون حملات دعائية لا تهدأ ضد (نادي التربية والتعليم)، وكان ذلك باسم الوطنية طبعا، تماما كما حصل عندما نددت جمعية الطلبة بالجزائر العاصمة بكتابـ (شروط النهضة) في ١٩٤٩. لقد عرفت الإدارة الاستعمارية كيف تستفيد من وطنية الأهالي (patriotisme indigène) . ثم قامت بالطبع في غضون عشر سنوات بتحسين هذه الوسيلة الرائعة. غير أني وتلاميذي قاومنا. وكانت زوجتي التي التحقت بي في ردهة محل الحدادة القديم عونا لي بقدرتها على إعداد كل شيء من لا شيء. فضاعفت من نشاطي. كانت مرسيليا تحتضن كل مساء منتدى يتبادل فيه الصحفيون والفنانون والعمال البسطاء والفوضويون والفاشيون آراءهم، وأحيانا

стр. 173

شتائمهم. فقررت أن أسمع صوتا مناهضا للاستعمار. فذهبت ومعي بعضا من أحسن تلاميذي المكونين من مرسيليا كمحمد سوالمية وسي حاج بن يونس وغيرهما ... وكنت أواجه أحيانا نيات سيئة لا تخطر على بال، وأصادف مرات أخرى جهلا مطبقا بقضايا الاستعمار. غير أني كنت أنتزع دائما مودة كل الذين تحدوهم نيات صادقة حيث كنت أحدث فيهم تأثيرا عميقا بما أكشف لهم من حقائق عن الوضع بالجزائر. بيد أن الأحداث كانت تتسارع في العالم. وكان الحديث ذات صباح عن لقاء ميونيخ (١). وقامت المنظمات الديمقراطية التي نظمت مهرجانا في قاعة لم أعد أذكرها بتوجيه دعوة (لأمين نادي التربية التابع للمؤتمر الإسلامي). لبيت الدعوة واصطحبت معي بعض التلاميذ. كانت القاعة تغص بالحضور. أخذت بدوري الكلمة، فعمت الدهشة لأني طلبت أن يشير جدول الأعمال إلى عريضة تنديد بالوضع الظالم السائد بالجزائر. لم يكن الأمر متوقعا. وعندما تم تجاهل عريضتي، صعدت عنوة إلى المنصة لأكرر احتجاجي في هذا اليوم التاريخي للقاء ميونيخ. خرجت من القاعة مشمئزا وكلفت تلاميذي بدعوة مسلمي شارع شابوليية لمحاضرة في زوال نفس اليوم. لا أعرف إن كان الجو العام

стр. 174

هو الذي حرك الهمم أم لا، فالردهة الواسعة لمحل الحدادة القديم كانت غاصة بالحضور، بل كان الناس خارج المحل في شارع فوشييه، فكان رأس الجموع أمام المحل يسمع كلامي لأخره. رددت على مسامع الحضور تنديدي بعد أن فصلت فيه، والذي تقدمت به صباحا أمام ديمقراطيي فيدرالية منطقة بوش دي رون. كنت مدركا تماما أني الجزائري الوحيد الذي رفع تنديدا علنيا ضد نظام سيعبئ المسلمين للدفاع عنه. وكنت أعرف أن آذان الإدارة سمعتني صباحا وستسمعني مساء أثناء خطابي في شارع فوشييه. وكنت أعي أن هذا اليوم لم أخرق ببراءة بيت العنكبوت بجناحي الصغيرين وحسب بل زعزعتها بمهبي بخطورة، ولكن بنية مبيتة. انتظرت توقيفي من لحظة لأخرى. وفي الساعة الخامسة زوالا، أخبرت بأن الحرب لن تقع. هل كان ثمة داع لتوقيفي؟ أترك للقارئ من الأهالي العناية بالإجابة لماذا لم يتم توقيفي؟ أما القارئ المسلم فإنه يفهم الموقف تلقائيا. غير أن مقامي قد طال أكثر من اللزوم في شارع فوشييه في عين الإدارة وعندما فشل (الوطنيون) وأصحاب المطاعم الحقيرة والمقاهي العربية في دفعي لمغادرة المكان، تكفلت ولاية مرسيليا بمهمة إبعادي. فبعد أيام، تلقيت استدعاء من المفتشة الأكاديمية لمنطقة بوش دي رون، فذهبت. التقيت بشخص تظهر عليه علامات الإحراج من المهمة التي كلف بها. كان هو مفتش الأكاديمية وأخبرني بأني لا أتوفر على أي

стр. 175

سند قانوني لأزاول التعليم. فأفهمته أني أعلم الأبجديات لأميين مساكين من كبار السن لم يكن عندهم حظ وجود مدرسة في مناطق سكناهم في صغرهم. وأضفت بأني مهندس. ابتسم الموظف وكأنه حكم علي بأني بدرجة من السذاجة بحيث لا أفهمه، فعزم على إفهامي فقال: - سيدي، أنت تدرك أنه منذ أن بدأ سكان شمال إفريقيا يتعلمون ومنذ بروز (قضايا) فلسطين، لم يعد بالمقدور قيادتهم وحكمهم. أدركت أن الموظف الموقر لا يعرف جميع خبايا هذه القضية التي يوجد بها عامل شخصي يمس بشخص. ثم بقيت في مستوى حديثه ونددت بإجراء يمس المسلمين لأن اليهود لم يكونوا راضين تماما عن علاقاتهم مع إخواني في الدين. ضاق الخناق على الموظف الموقر فقال وكأنه يعترف: - أنت تفهم أن الأمر لم يصدر من هنا ولكن من فوق. فأدركت أن ماسينيون يتابع من باريس خطواتي وأنا بمرسيليا. هل من الواجب مضاعفة الكفاح؟ كنت أستطيع أن أذهب إلى حد دفع الإدارة إلى استعمال القوة تجاهي. غير أن وضعي المادي الصعب أرغم زوجتي على العودة إلى درو. ولم أكن من جهة أخرى لأرفع المساهمات الأسبوعية التي يدفعها تلاميذي بخمس فرنكات لأن معظمهم كان بطالا. فاعتبرت أن مهمتي في مرسيليا قد شارفت على نهايتها. غير أني مكثت بعض الأسابيع بعد ذهاب زوجتي. وحين حل يوم مغادرتي، بكى تلامذتي،

стр. 176

فقد فارقهم أب وصديق لكنه ترك لهم شيئا يدب في روحهم وفي ذكائهم. وهذا الحاصل فعلا إلي يومنا فعندما كان بن يحي يكاتبنا أنا وزوجتي فكان يستهل رسالته بـ (أمي العزيزة) أو بـ (أبي العزيز). بمنعي من ممارسة التعليم الحر، فإن ماسنيون لم يستلهم فعلته من وجهة نظرة عامة للاستعمار الذي يحارب كل مبادرة من شأنها أن تؤثر في عقول وقلوب وأرواح المستعمرين - بفتح الميم الثانية -وحسب، بل يستلهم أيضا وبالأخص من وجهة نظر خاصة أنه من الممكن أن تنبثق من شارع فوشييه حركة لا تعير الانتخابات أهمية وإنما تهتم بالإنسان والتراب والزمن، حركة لا تهتم بـ (الحقوق) وإنما بـ (الواجبات). لأن ماسينيون يعرف جيدا أن مثل هذه الحركة ليست سياسة الدجل المنحطة والعقيمة التي يمتهنها الأهالي (Boulitique indigène) ، (والتي تمنحها الإدارة دفعا وتشجيعا من خلال أبطال وشهداء مزيفين لضمان ديمومتها) ولكن سياسة (Politique) من شأنها أن تغير من شروط الحياة الجزائرية. وهذا بالضبط ما كان ماسينيون يسعى لتفاديه عندما منع عني التدريس الحر. وحتى أنا شخصيا لم تكن لدي للأسف الوسائل الضرورية لإطالة بقائي في مرسيليا. ففارقت تلاميذي مضطرا لأمر على درو قبل أن أعود للجزائر. قضيت أسبوعين أو ثلاثة فقط مع زوجتي ثم عدت إلى تبسة من جديد. كان الجو للهرج والمرج أكثر من أي وقت مضى. دعيت مرة من قبل رجل موقر من تبسة لحضور حفل استقبال نظمه على شرف الدكتور بن جلول، وكأن حفل الاستقبال أعد

стр. 177

خصيصا لي. كان بن جامع حاضرا بطبيعة الحال. كما حضرت الحفل نخبة تبسة برمتها. كانت الفرصة جيدة ولا يجب تضييعها. قررت في أعماق نفسي أن أضع الصنم (١) أمام مسؤولياته، أمام معجبيه , للتذكير فقد كان الحديث يجري في الجزائر وقتها عن (بركة) بن جلول (نعم هكذا)، رجل (الطائرة الخضراء)، لون الرسول ﷺ . هذا هو الزمن! كان عددنا كبيرا حول الخوان، وكان بين الحضور خالدي، الذي لا يزال طالبا شابا وخجولا. لما فرغنا من الأكل، وبغرض منعي من المبادرة بالكلام، خاطب مضيفنا بن جلول قائلا له: - حكيم! هلا تفضلت ببعض الكلمات. لم أذكر الكلمات التي نطق بها (الحكيم)، إلا أنها كانت عبارة عن تخبط عشوائي مبهم. اغتنمت الفرصة لأطلب منه بعض التوضيح حول أسباب فشل المؤتمر الإسلامي. انتبه الحضور للإصغاء. تحرج (الحكيم) واصفر. لقد أحس أني سأضيق عليه الخناق وأجره ليحدثنا عن خيانته العظمى. أحس بن جامع، الذي يجب الإقرار بذكائه الكبير، بأن الوقت قد حان لينقذ شريكه من الورطة، فأجاب مستعينا بـ (تحليل أهلي) (Analyse indigène) لم أستوعبه جيدا. للأسف كنت أنا شخصيا انديجينا باعتقادي أني سأنظم الأمور بالتوجه ل (الحكيم) الذي التزم الصمت بحذر، وامتنع عن الإجابة شخصيا.

стр. 178

استشطت غضبا فرحت أقدم عرضا تاريخيا عن فشل المؤتمر. كان بن جلول متهما بكل جلاء غير أنه كان في منأى عن المناقشة التي كان خطئي أني افتتحتها مع بن جامع. أدركت لما خرجنا أن (الحكيم) لم يكن ذكيا ولكنه كان أكثر دهاء مني. وتحققت من الأمر في حفلة الشاي التي نظمت في النادي والتي حضرها الشيخ العربي التبسي وجمهور كبير. انتاب بن جلول خوف شديد من أن استأنف الجدال. وهكذا، فبمجرد ما ولجت قدماه النادي، توجه الصنم رأسا إلى ركن كان يجلس فيه والدي وعانقه بحرارة. وأدركت للتو خيانة هذا العمل المشهدي غير أني، وبصفتي أنديجانيا جيدا، كنت عاجزا بفعل قبلة الخداع هذه، وأنا أسجل مكر الخائن. كما لاحظت نبرة أخرى للمكر عندما أخذ الصنم الكلمة وأحسن إلى درجة أن عرضه كان اتهاما موجها ضد العلماء. وكنت أراقب العربي التبسي الذي لم يحرك ساكنا. وأنا أتساءل إلى اليوم هل يتعلق الأمر بجبن كبير أم بغباوة عظمى. مهما يكن، وفي الغد اعتقدت أن الخطب الفاترة للشيخ قد أهانتها وقاحة الصنم، فأردت أن أسبر أغواره: - أما زلتم، شيخنا، تعتقدون أن بن جلول لا يمكن تعويضه؟ تحرك الجسم الممتلئ وكان الجواب: - ومن تعتقدون أنه سيعوضه. أدركت نهائيا أن مرض (الثقافة الإسلامية) يستعصى على الشفاء. ثم أصبح لدي إحساس بأن العديد من الناس في تبسة بدأت تعي هذا المرض وتدرك خطورته. ترجاني بعض سكان تبسة وخصوصا

стр. 179

الشاذلي المكي وأخوه سي مكي بأن أهتم بعض الشيء بالمدرسة، فالسكان لم يكونوا راضين عن النتائج التي تحصلوا عليها مع الشيخ العربي التبسي. اقتنعت بعد عدة اتصالات بأني قد أكون مفيدا، بل ورأيت في الفكرة وسيلة لأحصل على خمسمائة فرنك شهريا في انتظار نهايتي أو اندلاع الحرب التي قد تغير شيئا من مصيري ومصير زوجتي ومصير عائلتي. اتفقت وأصدقائي على حفظ ماء وجه الشيخ العربي الذي اضطلع بتسيير المدرسة. غير أن التثاقل الشديد للشيخ لم ييسر لي المهمة مطلقا. فعوض أن يقبل بارتياح، إن لم يكن بفرح، مساعدتي خدمة للصالح العام، لم يجد من القول غير هذه الكلمات: - لم يبق لك إلا أن تصدر المدرسة! هذه هي عقلية الشيخ. هذه هي روح (الثقافة الإسلامية). والحال أني لم أتلق راتبي من ميزانية المدرسة التي يجب الاعتراف أنها عاجزة أصلا. إلا أن أصدقائي تعهدوا أن يدفعوا لي خمسمائة فرنك شهريا هي نصيب مشاركة الأولياء ممن يستفيد أبناؤهم من دروسي باللغتين (العربية والفرنسية). غير أن الشيخ العربي لم يهتم لا بمصلحة هؤلاء الصبيان ولا بإخلاصي وجديتي باعتبار أن الدروس الأخرى كنت أقدمها في المدرسة تطوعا ودون مقابل تماما. غير أني صبرت وتحملت الأمر وشرعت في تقديم دروسي. وحتى أسلط الضوء على (الثقافة الإسلامية) التي يقدمها الأزهر والزيتونة وتجليات جمالياتها أكثر، فإني سجلت نقطة معتبرة. فعوض أن يستعمل

стр. 180

مداركي ويستفيد منها كبار التلاميذ سنا في المدرسة قام الشيخ العربي عندما وزع الدروس على الأساتذة بتكليفي بقسم الحضانة رغم أني كنت من بينهم متطوعا دون مقابل. ويجب أن أضيف أن أحد طلبة السنة الأولى بجامعة الزيتونة كان قد رفض هذا القسم لأنه قدر بأنه لا يناسبـ (ثقافته الإسلامية) الواسعة. فتكفلت بالقسم إذن دون مقابل، ورأيت بأنه يستحق كل العناية. أما دروسي الخصوصية فكنت أعطيها في المساء بعد مغادرة المدرسة. وكان علي أيضا أن أعد بعض التلاميذ لمسابقات متنوعة بمنحهم دروسا خصوصية. وعلي هنا أن أسجل كذلك أمر، فيه من العبرة ما فيه. فقد كان أحد تلاميذي إبنا للوكيل القضائي للمدينة وكان قد رافع في إحدى المرات ضد الشيخ العربي التبسي في قضية طلاق. وكان من الطبيعي أن يأتي ابن الوكيل هذا إلى مدرسة تتوفر على صبورة وطاولة. الأمر طبيعي أليس كذلك؟ كلا! ف (الثقافة الإسلامية) كانت ترى المسألة بنظرة أخرى: فقد أخبرني الشيخ العربي التبسي عبر تاجر من تبسة (هو والد الشيخ علي لوكسي) أني استقبل ابن (خائن) في المدرسة، وعليه يتعين علي أن أغادرها شخصيا دون عودة. في قرارة نفسي، كنت أرى أنه حتى وإن كان الوكيل القضائي أكثر (خيانة) (من العربي التبسي شخصيا)، فلا يجب أن يتحمل ابنه البريء تبعات تصرفات والده. غير أني ذكرت مرارا لرسول الشيخ العربي أن القرآن الكريم يأمر
следующие страницы →