Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
موجوداً، ولا أمن هناك لم يجب عليها.
والجواب: أن الاعتبار بالأمن؛ إلا أن المرأة لا تأمن إلا باستقامة الطريق ووجود محرم تأمن فيه العيبة من الأجانب، وليس يمنع أن تختلف صفة الأمن باختلاف الناس، ألا ترى أن الطريق الآمن يجب سلوكه للحج لعامة الناس، وإن كان منهم من يخاف لشيء يخصه لم يجب عليه؟
واحتج بأنه لو كان المحرم شرطاً في حج المرأة لاستوت فيه العجوز والشابة، كسائر الشرائط.
وقد نقل المروذي عنه: أنه قد سئل عن امرأة كبيرة، ليس لها محرم، وقد وجدت قوماً صالحين، فقال: إن تولت هي النزول، ولم يأخذ رجل بيدها، فأرجو.
والجواب: أن ذلك شرط في حق العجوز والشابة، وقد رواه المروذي عنه في موضع آخر في امرأة لها خمسون سنة، وليس لها محرم: لا تخرج إلا مع محرم، أرجو أن تُرزق، لعلها تتزوج.
ونقل الميموني عنه: أنه حُكي له قول مالك: العجوز تخرج مع عجائز مثلها، فقال: من فرق بين العجوز والشابة؟
وكذلك نقل حرب عنه في امرأة قد كبرت، وليس لها محرم:
стр. 1017
لا تحج إلا مع محرم.
واحتج بأنه لو كان المحرم شرطاً في ابتداء سفرها كان شرطاً في استدامته، وقد قال أحمد في رواية الأثرم وأبي الحارث وابن إبراهيم: إذا مات محرمها في الطريق مضت لحجها.
والجواب: أن هذا يبطل بحجة النفل، وسفر التجارة؛ فإن المحرم معتبر في ابتدائه دون استدامته كذلك هاهنا.
* فصل:
وقصير السفر وطويله سواء في اعتبار المحرم.
نص عليه في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد: وقد سئل عن حديث ابن عباس في من وقع بأهله، وهو محرم، يحجان من قابل، فإذا بلغا الموضع الذي واقعها فيه تفرقا. قيل: أليس قد صارت بغير محرم؟ فقال: نعم، لا يعجبني هذا إلا أن يكون معها محرم غير الزوج إذا فارقها.
قال: والسفر عندي، ولو كان ساعة، ابن عباس يروي عن النبي ﷺ : "لا تُسافر سفراً".
ذكرها أبو بكر الخلال في كتاب "العلل".
وروى الميموني عنه: وقد سئل: تحج المرأة من مكة إلى منى
стр. 1018
بغير محرم؟ فقال: لا يعجبني. قيل له: لم؟ قال: لأن مذهبنا أن لا تسافر امرأة سفراً إلا مع ذي محرم.
وكذلك نقل ابن منصور عنه قال: لا تسافر سفراً.
وقال أبو حنيفة: المحرم شرط في السفر الطويل، وهو الذي تُقصر فيه الصلاة، وهو مسيرة ثلاثة أيام عنده.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس: "لا تحجن امرأة إلا مع ذي محرم".
وهذا عام في القصير والطويل.
وحديث أبي هريرة: "لا يحل لامرأة تسافر سفراً إلا مع ذي محرم".
وفي لفظ آخر: "لا تسافر بريداً إلا مع ذي محرم".
والبريد أربع فراسخ.
وفي لفظ آخر: "لا تُسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم".
وهذه الأخبار نص في النهي عن السفر القصير كالطويل.
ولأنه سفر يبيح صلاة النفل على الراحلة، ويبيح التيمم عند عدم
стр. 1019
الماء، فلم يجز بغير محرم.
دليله: إذا كان قدره ثلاثة أيام.
الماء، فلم يجز بغير محرم.
دليله: إذا كان قدره ثلاثة أيام.
ولا يلزم عليه سفر الهجرة، والمنفية للزنا، ومن لزمها حضور مجلس الحاكم؛ لأنه لا يستوي في ذلك الأصل والفرع في إسقاط اعتبار المحرم.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه سفر صحيح، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه بخلافه؟
قيل له: لا نسلم هذا؛ لأن أحكام السفر عندنا تتعلق بستة عشر فرسخاً.
وعلى أن حكم السفر فيه، وهو الصلاة على الراحلة والتيمم، وكان إلحاقه بهذين الحكمين أولى من غيره؛ لما فيه من الاحتياط.
وعلى أن تلك الأحكام لا تلحق بها المشقة في القصير، ويُخاف عليها أن ينالها الرجال في القصير.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "لا تُسافر المرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم".
فاعتبر الثلاث، فدل على أن ما دونه لا يُعتبر فيه المحرم.
والجواب: أن نطقه يقتضي: أنها لا تسافر فوق ثلاث بغير محرم،
стр. 1020
ودليله يقتضي جواز ذلك بغير محرم في ما دونه.
وقد روينا في لفظ آخر: "لا تُسافر يوماً ولا ليلة إلا مع ذي محرم".
وهذا لفظ خاص، فهو يقتضي على الدليل.
واحتج بأنها مسافة لا تستباح فيها رخصة السفر، فلم يُشترط المحرم فيها.
دليله: أطراف البلد.
والجواب: أنه لم يوجد هناك سفر، فلم يعتبر المحرم، وهاهنا قد وُجد بدليل أنه يستبيح به الصلاة النافلة على الراحلة، وجواز التيمم عند عدم الماء عندهم، ولا يستبيح ذلك في البلد المتباعد الأطراف.
* … * … *
٢٣٠ - مسألة
إشعار البُدن من الإبل والبقر وتقليدها مسنون:
نص عليه في رواية حنبل والمروذي وابن إبراهيم.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يُكره الإشعار، وهو مُثلة.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" أنا هشيم، أنا أصحابنا؛ منهم
стр. 1021
شعبة، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أشعر بدنته من الجانب الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين.
ورواه حنبل بلفظ آخر عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما أتى ذا الحُليفة أشعر الهدي، ثم شق السنام، وأماط عنه الدم، وقلده، وأحرم بالحج.
ورواه حنبل بإسناده عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة: أن النبي ﷺ خرج في عام الحُديبية في بضع عشرة مئة، فلما كان بذي الحُليفة قلد الهدي، وأشعره، وأحرم منها بالعمرة.
وروى حنبل بإسناده عن القاسم، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أشعر بذي الحُليفة.
فإن قيل: روي عن عائشة: أنها قالت: إن شئت فأشعر، وإن شئت فلا، وإنما أشعر النبي ﷺ ليُعلم أنها هدي إذا ضلَّت.
فأخبرت أن النبي ﷺ أشعر هديه؛ ليكون ذلك علامة لها، ومخالفنا يقول: إنه فعله على أنه نسك.
قيل له: هذا دليلنا؛ لأنها أخبرت: أن النبي ﷺ أشعر؛ ليكون
стр. 1022
علامة، ونحن نستحب الإشعار لما فيه من العلامة، ونقول: إن النبي ﷺ فعل لهذا المعنى، ونقول: إن شاء فعل، وإن شاء ترك؛ لأنه ليس بواجب، فكان قول عائشة حجة لنا.
فإن قيل: هذا منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة، وهذا من المثلة.
قيل له: لا يجوز حمله على النسخ مع إمكان الاستعمال، والنسخ يحتاج إلى النقل والتوقيف، ونحن نبين وجه نهي النبي ﷺ عن المثلة في ما بعد.
وجواب آخر، وهو: أنه لو كان منسوخاً لما أشعرت الصحابة، ولا أمرت بذلك، وقد روى حنبل بإسناده عن ابن عمر قال: ما لم تُشعر، ولم تقلد، فليس بهدي.
وفي لفظ آخر عنه قال: البدن ما قُلِّد وأُشعر ووُقِف بعرفة، وإلا فإنما هي ضحايا.
وبإسناده عن نافع قال: أدركت الناس والبقر تُشعَر في أسنمتها، فما لم يكن لها سنام أُشعرت في موضع السنام.
وهذا إشارة إلى الصحابة وغيرهم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أشعروا في الوقت الذي كان النبي ﷺ يشعر.
стр. 1023
قيل له: ما روينا عن ابن عمر يقتضي أن يكون بعد النبي ﷺ ؛ لأنه ابتداء قول من جهته، وبيان عن مسنون ذلك، وهذا لا يكون منه في وقت النبي ﷺ ، ونافع لم يدرك النبي ﷺ ، فهو يخبر عما شاهد، وإنما كان هذا بعد النبي ﷺ .
فإن قيل: ففيهم من لم يُشعر.
قيل له: من لم يُشعر منهم نحمل أمره على أن تركه رخصة ليس بواجب.
فإن قيل: فقد روي عن إبراهيم النخعي: أنه كان يكره الإشعار.
ومن أصلنا: أن التابعي إذا أدرك زمن الصحابة، وسوغوا الاجتهاد في الحوادث، كان خلافه عليهم خلافاً، وكان إبراهيم يفتي في زمن الصحابة، وقد تقدم على كثير منهم.
وعن الأعمش أنه قيل له: لم أقللت مجالسة أنس بن مالك. فقال: كنت أترك إبراهيم، وأجالس أنساً.
قيل له: لا نوافقك على هذا الأصل، ولا يكون خلافه عليهم خلافاً؛ [لما] لهم من المزية من مشاهدة التنزيل وحضور التأويل.
ويبين صحة هذا: أن قول الصحابي حجة عندنا وعند أبي حنيفة، وقو الشافعي ليس بحجة.
وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: لا يُصلي بين التراويح. واحتج بما روي عن عُبادة وأبي الدرداء، فقيل له: فعن سعيد والحسن:
стр. 1024
أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح؟ فقال: أقول لك أصحاب النبي ﷺ ، وتقول التابعين!
وقال أبو عبد الله القواريري: سمعت أحمد يذاكر رجلاً، فقال: الرجل: قال عطاء. فأخذ نعله، وقام، وقال: أقول لك: قال ابن عمر، وتقول: قال عطاء! من عطاء؟ ومن أبوه؟
فإن قيل: يحتمل أن يكون بالبدنة داء، فودجها.
قيل له: التوديج ليس بإشعار.
ولأنه لو كان ذلك للتوديج لما تلاوه بنفسه، بل كان يأمر غيره به، وإنما الإشعار يتولاه بنفسه؛ لأنه سنة.
وأيضاً في الإشعار فوائد منها: أنه إذا [ .... ] فاختلطت بغيرها، أو ضلت، استدل بذلك عليها.
ومنه أنه إذا قصد سارق، فرأى ذلك منها، تحرج عن أخذها.
ومنها أنها ربما تعطب، فتُنحر، وتُترك في موضعها، فإذا رأى المساكين عليها علامة الهدي أخذوها.
فاستحب ذلك، كما يُستحب التقليد عندهم لهذه المعاني، بل الإشعار أقوى؛ لأنه علامة لازمة لا تزول، والتقليد يزول بأن سقط عنها.
стр. 1025
فإن قيل: التقليد يُغني عن ذلك.
قيل له: لا يغني؛ لأنه ليس بلازم.
ولأنه إيلام سليم لامتياز حق الله -تعالى- عن حق الآدمي، أشبه الكي في أفخاذ إبل الصدقة والجزية.
ولأنه إيلام سليم لغرض صحيح، فجاز فعله، كالفصد والحجامة.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن المثلة.
بدلالة: أنه أشعر في غير حال الإحرام كان مثلة.
والجواب: أن هذا محمول على المثلة لغير غرض بدليل ما ذكرنا، وخبرنا أولى؛ لأنه خاص في موضع الخلاف.
واحتج بأنه هدي ساقه إلى الحرم، فلم يكن من سنته الإشعار.
دليله: الغنم.
والجواب: أن المخالف فرق بينهما، فاستحب التقليد في البدن، ولم يستحبه في الغنم، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر.
ولأن إبل الصدقة والجزية تُكوى في أفخاذها للعلامة، ولا تُكوى الغنم.
ولأن الإشعار لا يفيد في الغنم؛ لأن الدم يخفي في صوفه، فلا يتبين.
стр. 1026
ولأن التقليد فيه كفاية في الغنم؛ لأنها لا تقوى على قطعه، وليس كذلك البدن؛ فإنها تقطعه، فجمع بين التقليد وبين الإشعار.
واحتج بأن فيه إيلام الحيوان، وهو منهي عنه في غير حال الإحرام، فوجب أن يكون منهياً عنه في حال الإحرام، كما لو قطع عضواً منه.
والجواب: أن القطع مخوف على الحيوان منه.
ولأن القطع لا يحتاج إليه.
ولأن الإشعار يغني إليه.
ولأنه لا يمتنع أن لا يُقطع، ويُشعر، كما قالوا في إبل الصدقة وإبل الجزية: تُوسم في أفخاذها، ولا تقطع.
واحتج بأن الإحرام يزيد تغليظاً وتأكيداً في حظر الأشياء قد كانت مباحة من قبل الإحرام، فوجب أن يكون الإحرام مؤكداً لحظره، ولا يوجب إباحته.
والجواب: أن الإشعار غير مُحرم قبل الإحرام إذا احتيج إليه لإبل الجزية، ونعم الصدقة، وهاهنا حاجة.
ولأن الإيلام لغرض غير محرم، كالحجامة والفصاد ونحوها.
* … * … *
стр. 1027
٢٣١ - مسألة
وصفة الإشعار: أن يشق صفحة سنامها الأيمن في أصح الروايات:
نص عليه في رواية ابن منصور، فقال: تشعر البدن صفحة سنامها الأيمن، وذكر حديث ابن عباس.
وهو قول الشافعي.
والثانية: أن يشق صفحة سنامها الأيسر حتى يظهر الدم.
نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا ينبغي للرجل أن يسوق بدنة حتى يشعرها من شقها الأيسر، ويجللها بثوب أبيض، ويجعل في عنقها نعلاً أو علاقة سُنة رسول الله ﷺ ، وأصحابه.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
ونقل المروذي عنه: وقد سُئل: من أين تشعر البدنة؟ فقال: مثل فعل ابن عمر، أي من الشقين فعل فهو جائز.
وكذلك نقل أبو إسحاق بن إبراهيم عنه: أنه قال: من أين أشعرت البدنة فهو جائز بحديث ابن عمر.
وظاهر هذا: أنه مُخير في صفحتها اليمنى واليسرى، وليس أحدهما بأولى من الآخر.
وجه الأولى: ما تقدم من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ أشعر
стр. 1028
بدنته من الجانب الأيمن.
ولأن التيامن مستحب في كثير من الأشياء.
ووجه الثانية: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا أهدى هدياً من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة؛ فقلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، [وهو] موجه إلى القبلة، يقلده نعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يُساق معه حتى يُوقف به مع الناس بعرفة.
والجواب: أن ما روينا عن النبي أولى من فعل ابن عمر.
واحتج بأن هذه ملاقاة النجاسة، فكان اليسار به أولى.
والجواب: أنه يبطل بالذبح؛ فإنه يستحب باليد اليسار، وهو ملاقاة نجاسة.
* … * … *
٢٣٢ - مسألة
التقليد مسنون في الغنم:
نص عليه في رواية حنبل، وابن منصور، وابن إبراهيم:
стр. 1029
فقال في رواية حنبل: تُقلد الغنم. فقيل له: فتُشعر؟ فقال: ما سمعنا أن الغنم تشعر، ولكن الإبل والبقر.
وقال في رواية ابن منصور: وقد سئل: تقلد الشاة؟ فقال: النبي ﷺ أهدي غنماً فقلدها.
وقال في رواية ابن إبراهيم: وقد سئل عن الغنم إذا قُلدت، يذهب بها إلى عرفة؟ فقال: إن شاء ذهب بها، وإن شاء لم يذهب.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: التقليد ليس بمسنون.
دليلنا: ما روى حنبل بإسناده عن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ من الغنم بيدي هاتين، ثم لا نحتنب شيئاً مما يجتنبه المحرم.
فإن قيل: ليس فيه أن النبي ﷺ أمرها بذلك.
قيل له: هذا لا يخفى على النبي ﷺ .
стр. 1030
وروى أبو داود بإسناده عن الأسود، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أهدى غنماً، مُقلدة.
فإن قيل: يحتمل أن تكون قُلدت للحفظ، وهذه عادة جارية في الغنم.
قيل له: لا يصح؛ لأنه نقل تقليد معلق بالهدي، فلو كان القصد به الحفظ، لم يختص به الهدي.
وعلى أن نستحب ذلك لما فيه من زيادة الحظ للهدايا.
فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا في أول الأمر، ثم نُسخ، وقد روي عن عائشة: أن النبي ﷺ أهدي غنماً مُقلدة مرة.
وروي عن الزهري وعطاء: أن ذلك كان في صدر الإسلام.
قيل له: النسخ يحتاج إلى توقيف، وليس هاهنا ما يدل عليه.
وعلى أن حنبل روى بإسناده عن عطاء قال: كانت الغنم تدم مكة مقلدة.
وفي لفظ آخر: رأيت الغنم تُقلد، وإنها لتعرفه.
وروى عن عبيد الله بن أبي زيد قال: رأيت الغنم تقدم مكة مقلدة.
وروي عن هشام، عن أبي جعفر قال: رأيت الكباش تقلد.
стр. 1031
وهذا الانتشار عنهم يمنع النسخ.
فإن قيل: هذا يدل على جواز فعله، وأن فاعله لا يُنكر عليه، ونحن نقول هذا، وخلافنا هل هو مسنون، أم لا؟ وليس في ذلك ما يدل عليه.
قيل له: لا يجوز أن يجتمعون على مثل هذا إلا ويكون قربة؛ لأنه في معنى التلاعب، ولو شد الخيط على رجلها كام مباحاً، ولم يفعلوا ذلك حيث لم يكن فيه قربة.
ولأنه نوع هدي من النعم، فوجب أن يُستحب تقليده.
أصله: الإبل والبقر.
يبين صحة هذا: أن الإبل والبقر إنما قُلدت؛ لئلا تنفر، فتختلط بغيرها، فتتميز بذلك، وهذا في الغنم أولى؛ لأنها أكثر نفوراً من الإبل؛ لأن الإبل تقاد بأزمتها، والغنم مخلاة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢]، فعطف القلائد على الهدي، وقد ثبت أن البدن مراده بقوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، فيجب أن يكون الهدي غير القلائد؛ لأن الشيء يعطف على غيره، ولا يعطف على نفسه، فلو كان من سنة الغنم التقليد، لكان قد عطف القلائد على نفسه، وإذا ثبت أنها غير القلائد، وقد جعل الله -تعالى- من صفتها أن تكون مقلدة، ولم يجعل ذلك من صفة الهدي، عُلم أنها لا تُقلد.
والجواب: أن الله -تعالى- ذكر الهدي وأراد به الإبل والغنم إذا
стр. 1032
كانت مقلدة، ولا يمتنع أن يكون المراد بالثاني الأول، ويعطف عليه لاختلاف اللفظ، كما قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].
وقال الشاعر:
فألفى قولها كذباً ومينا
والمين هو الكذب.
وعلى أن [ .... ].
قال: القلائد في رقاب البهائم [ .... ].
واحتج بأن الناس كانوا يهدون الغنم في زمان النبي صلى الله عليه وسلّمكما كانوا يهدون الإبل، فلو كان تقليد الغنم ثابتاً، لورد النقل به، ورووه كتقليد البدن، فلما لم يرد النقل به متواتراً عُلم أنه غير ثابت.
والجواب: أن النبي ﷺ كان يهدي الإبل أكثر من هدي الغنم، فلهذا كان النقل في الإبل أظهر وأشهر.
* … * … *
стр. 1033
٢٣٣ - مسألة
ليس من شرط الهدي أن يُوقف بعرفة، ولا الجمع بين الحل والحرم، فإذا اشتراه في الحرم، ونحره في الحرم، ولم يُعرف به، أجزأه:
نص عليه في رواية أبي طالب في الغنم والبدن: إن لم يذهب بها؛ يعني: إلى عرفة، وليس عليه شيء، قول عائشة للأسود: إن شئت وقفت، وإن شئت لم تقف.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: إذا كان محرماً بالحج؛ فإنها تساق من الحل إلى الحرم، وتوقف بعرفة، فإن لم يقفها بعرفة إلا أنه جمع بين الحل والحرم، أجزأه.
فالاعتبار عنده بالجمع بين الحل والحرم.
دليلنا: أن الهدي مشتق من الهدية، والهدية ما أُهدي، فإذا أهداه من ملكه إلى منحره، فقد أهدى.
ويبين هذا: قول النبي ﷺ : "المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة" إلى قوله: "كالمهدي بيضة"، فدل على أن هذا اسم لغوي وشرعي.
стр. 1034
ولأن النحر قد وُجد في الحرم بسبب الإحرام، فأجزأه، كما لو ساقه من الحل إلى الحرم، ونحره فيه.
واحتج المخالف بما روى عطاء قال: عرف رسول الله ﷺ بالبدن الذي كان أهداها.
والجواب: أن هذا محمول على طريق الاستحباب، ونحن نستحب ذلك لتراها الناس.
واحتج بما روى نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقول: الهدي ما قُلد، وأشعر، ووقف بعرفة.
وفي لفظ آخر عنه: من اشترى يوم النحر ناقة، أو بدنة، لم يقفها بعرفة، فإنما هي ضحية.
وروى إبراهيم، عن الأسود: أنه أرسل إلى عائشة يسألها: أنعرف بالبدنة؟ قالت: نعم.
وعن ابن الحنيفة قال: عرفوا بها.
والجواب: أن أبا بكر النجاد روى أيضاً بإسناده عن الأسود قال: أرسلنا إلى عائشة غلاماً لنا يُقال له: معبد، فقال: معنا هدي، فقالت: ما استطعتم أن تعرفوا فعرفوا، وما لم تستطيعوا فدعوه.
وروى عن ابن الزبير: أنه اشترى عشرة من البدن، فأصابتها صاعقة
стр. 1035
بعرفات، فاحترقن، فاشترى مكانها بمنى حتى نحرهن.
وهذا يعارض ما رووه.
واحتج بأنه لم يجمع فيه بين الحل والحرم، فلم يجز، كما لو نحره في الحل.
والجواب: أن الحل ليس بمحل تحلله، فلهذا لم يكن محلاً لنحره، وهذا بخلافه.
واحتج بأن الإحرام شرطه الجمع بين الحل والحرم، كذلك الهدي.
والجواب: أنا نقول: لم كان كذلك؟
على أنه لما كان إلحاقه بالإحرام أولى من إلحاقه بالطواف والسعي والرمي، وجميع ذلك ليس من شرطه الجمع بين الحل والحرم؟!
* … * … *
٢٣٤ - مسألة
أي موضع نحر من الحرم أجزأه:
نص عليه في رواية ابن القاسم: وذُكر له قول مالك: إذا لم يقف بها نُحرت بمكة، فقال: مكة ومنى، وأخذ ابن عباس يقول: نُزهت مكة عن الدماء.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: لا يُنحر في الحج إلا بمنى، ولا في عمرة إلا بمكة.
دليلنا: حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "فجاج مكة كلها
стр. 1036
طريق ومنحَر".
وقوله: "فجاج مكة"، لم يرد نفس بنيان مكة، وإنما أراد به الحرم، والفج الطريق، فقد أخبر أن فجاجها منحر، فدخل فيه جملة الحرم.
ولأنه نحر في الحرم، فأجزأه، كما لو نحر بمكة، أو بمنى.
فإن قيل: مكة بقعة شريفة، ولهذا تختص بالنُّسك، فجاز أن تختص بالنحر.
قيل: ليس في النحر تشريف لها، بل تنجيس.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].
وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وظاهر هذا: أنه لا يجوز نحره في غيره.
والجواب: أن هذا لا يمنع جواز الذبح في غير مكة، كما لم يمنع عنده جواز ذلك بمنى.
واحتج بما روى جابر: أن النبي ﷺ قال: "عرفة كلها موقف، ومُزدلفة كلها موقف، ومنى وفجاج مكة كلها طريق ومنحر".
فخض مكة ومنى بالنحر، فدل على أنه لا يجوز النحر في غيرهما.
والجواب: أن تخصيصها بالذكر لا يمنع غيرهما، كما خص الأشياء
стр. 1037
الستة بتحريم الربا، ولم يدل على أن غيرها ليس في حكمها.
على أنه قد جعلناه حجة لنا.
واجتج بأن مكة مخصوصة بالبيت وبالطواف، ومنى خصت بالرمي والمبيت بها لبقاء االنسك، وليس هذه المزية لغيرهما من الحرم، فجاز أن يختصا بالذبح.
والجواب: أن تخصيصها بهذه الأفعال فضيلة، وليس في تخصيصها بالذبح فضيلة لما ذكرنا، وهو أنه تلويث مكان شريف بالنجاسة، ولهذا روى عطاء، عن ابن عباس قال: المنحر بمكة، ولكنها نُزهت عن الدماء.
فإن قيل: فلم استحببتم النحر بها.
قيل: ليكون اللحم غضاً طرياً لأهلها، وإذا ذبح خارجاً منها في بعض الحرم ربما فات ذلك.
* … * … *
٢٣٥ - مسألة
يجوز أن يشترك السبعة في البدنة والبقرة سواء كان هديهم تطوعاً، أو واجباً، سواء اتفقت جهات قربهم، أو اختلفت، وكذلك إن كان بعضهم متطوعاً، وبعضهم عن واجب، وكان بعضهم يريد اللحم، وبعضهم متقرباً:
نص على هذا في رواية حنبل: لا بأس أن يشرك القوم في البقرة
стр. 1038
عن سبعة أهل البيت وغيرهم، وذكر حديث جابر: كنا نذبح البقرة عن سبعة.
وقال في رواية مهنا في سبعة اشتركوا، فقال أحدهم: أريد حصتي لحماً، لا أريد أضحية، وقال الستة: هي عنا جميعاً، فنحروها على هذه الحال: تجزئهم، وإن كانوا سبعة، فقال ستة: نريد حصتنا لحماً، وقال الواحد: بل هي أضحية، فنحروها على هذه الحال: تجزئ الواحد، ولا تكون أضحية وفرضاً للستة.
وقال في رواية حرب في ثلاثة اشتروا بقرة، فذبحوها على أنهم إن جاءهم شركاء شاركوهم بعد الذبح، فجاءهم قوم، فشاركوهم في ذلك اللحم: أجزأ عنهم.
وقال في رواية ابن القاسم في جماعة اشتروا بدنة؛ لينحروها عنهم، وهم يظنون أنهم سبعة، فإذا هم ثمانية: يشترون شاة أخرى، فتكون البدنة والشاة عندهم، ويجوز إن شاء الله.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كانوا مُتقربين صح الاشتراك، وإن كان
стр. 1039
بعضهم متقرب، وبعضهم يريد اللحم، لم يصح.
وقال مالك: إن كانوا متطوعين صح الاشتراك، وإن كان عليهم هدي واجب لم يصح.
فالدلالة على مالك بما روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن أبي هريرة قال: ذبح رسول الله ﷺ عن من اعتمر من نسائه في حجة الوداع البقرة بينهن.
فإن قيل: نحن نقول بموجبه؛ لأنهن كن أهل بيت واحد، وهو بيت النبي ﷺ .
قيل: لو لم يجز في حق أهل أبيات، لم يجز في حق أهل بيت، كالشاة.
وروى بإسناده عن جابر قال: تمتعنا مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكنا ننحر البدنة عن سبعة.
وفي لفظ آخر: كنا نذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها.
فإن قيل: لو لم يجز لانتقلوا إلى الصيام.
ولأن كل بدنة جاز أن يخرجها الواحد، جاز أن يخرجها الجماعة عن تلك الجهة.
стр. 1040
دليله: إذا كانوا متطوعين.
وكل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا متطوعين، جاز أن يشتركوا فيه إذا كانوا مفترضين، كالسبع من الغنم.
وإن شئت قلت: ما جاز أن يشترك فيه أهل بيت واحد، جاز أن يشترك فيه أهل أبيات.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بما روي عن ابن عباس: أنه قال: ما كنت أرى دماً يقضي عن أكثر من واحد.
وعن ابن عمر: أنه قال: لا اشترك في شيء من النسك.
والجواب: أنه يعارضه ما روى مسلم عن رجل، عن علي بن أبي طالب قال: البقرة تُجزئ عن سبعة يضحون بها.
وهذا يعارض قولهم.
على أن هذا محمول على منع الاشتراك في الشاة، فنجمع بين أقاويلهم.
واحتج بأن الاشتراك في الدم يوجب أن يكون لكل واحد قسط من اللحم، وذلك يوجب القسمة، وهي بيع.
стр. 1041
والجواب: أن القسمة عندنا إفراز الحقوق، وتعديل الأنصبة، وليستع ببيع.
واحتج بأنه حيوان يجزئ في الهدي، فلا يصح الاشتراك فيه، كالشاة.
والجواب: أن الشاة لما لم يصح الاشتراك في التطوع فيها، لهذا لم يصح في الواجب، كالسبعة من الغنم.
واحتج بأنه حصل مخرجاً لبعض بدنة، فلم يجزئه، كما لو اشترى لحماً.
والجواب: أن القربة تحصل بإراقة الدم، وبشراء اللحم لا يوجد هذا المعنى.
يبين صحة هذا: أنه في التطوع لو اشترى لحماً لم تحصل له القربة، ولو أخرج جزءاً من بدنة على وجه الشركة حصلت له القربة، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه اشتراك في دم واجب، أشبه اشتراك العشرة في البدنة.
والجواب: أن تلك الشركة لا تصح في التطوع، فلهذا لم تصح في الواجب.
واحتج بأنه إزالة ملك عن حيوان على وجه الحتم والوجوب، فلم يصح الاشتراك فيه.
دليله: كفارة العتق في القتل والظهار.
стр. 1042
ولأنه حيوان وجب عن جناية لحق عبادة، فلم يجزئ الواحد منه عن سبعة.
دليله: الواطئ في رمضان.
والجواب: أن الفرض هناك لا يسقط بأقل من رقبة، فلهذا لم يصح الاشتراك فيها، فمثال الرقبة هناك الشاة هاهنا؛ فإنه يصح الاشتراك.
* فصل:
الدلالة على أبي حنيفة: ما روي عن النبي ﷺ قال: "البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة".
فعم، ولم يخص؛ لأن كل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا متقربين، جاز أن يشتركوا فيه إذا كان بعضهم متقرباً، وبعضهم غير متقرب، كالسبعة من الغنم.
ولأن نية كل واحد من الشركاء غير معتبرة في حق شريكه بدليل: أنه يجوز أن ينوي أحدهم عن تمتع، والآخر عن قران، ونية القران في التمتع كلا نية.
فإذا كانت النية غير معتبرة في حقه، فلا فرق أن يكون الشريك متقرباً، أو غير متقرب.
стр. 1043
واحتج المخالف بأن الدم لا يتبعض، فلا يصح أن يقع بعضه قربة، وبعضه غير قربة، كما لو كان أحدهم ذمياً.
والجواب: أن الدم يتبعض عندنا، ألا ترى أنه يجوز أن يجتمع في الدم الواحد في قُرب مختلفة، فيكون بعضه عن قران، وبعضه عن تمتع، وبعضه عن جزاء صيد، وبعضه عن فدية حلق، أو لبس مخيط، أو طيب، أو ترك نسك.
وإذا اختص كل سبع بقربة مخالفة للقربة الأخرى دل على أنها تتبعض.
وأما المشاركة للذمي، فلا نسلمه، ويجوز على قياس قول أحمد، وإنما اختلفت الرواية عنه في ذبح الذمي ضحايا المسلمين على روايتين، فأما في المشاركة لهم، فما نعرف الرواية عنه، وقياس قوله جوازه.
واحتج بأنه دم لم يقع بعضه عن القربة، فلم يقع باقيه عنها، كالمجوسي والمسلم إذا اشتركنا في الذبح.
والجواب: أن ذلك الاشتراك لما أثر في سبع من الغنم، لهذا أثر في البدنة، وكان المعنى فيه: أنه يصير المذبوح ميتة، وليس كذلك في ما اختلفنا فيه؛ لأنه يصح في السبع، فصح من البدنة.
* … * … *
стр. 1044
٢٣٦ - مسألة
لا يأكل من شيء من الهدايا إلا هدي التمتع والقران والتطوع إذا بلغ محله في أصح الروايتين:
رواها أبو طالب عنه، فقال: لا يأكل من جزاء الصيد، ولا كفارة، ولا نذر، ويأكل من الهدي عن العمرة والقران والتطوع.
وبهذا قال أبو حنيفة.
ونقل ابن إبراهيم وابن منصور: لا يُؤكل من النذر، ولا من جزاء الصيد، ويُؤكل ما سوى ذلك.
وظاهر هذا: أن ما عدا هذين الدمين يجوز الأكل منهما.
وقال مالك: يأكل من الهدي كله إلا من جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين.
وقال الشافعي: لا يأكل إلا من التطوع.
فالدلالة على مالك: أنه دم تعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، فلم يجز الأكل منه.
دليله: جزاء الصيد، وفدية الأذى.
ولا يلزم عليه التمتع والقران والتطوع؛ لأنه لم يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل؛ لأنه دم نسك عندنا على ما نبينه في ما بعد.
ولا يلزم عليه إذا صال عليه الصيد، فقتله، أو كان به أذى من رأسه؛ لأن هناك، وإن لم يكن الفعل محرماً في الحال، ففي الأصل الإحرام
стр. 1045
يحظره، فلهذا لم يُبح أكله.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَالْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦].
والجواب: أن المراد بذلك: هدي القران والمتعة.
ثم رتب قضاء التفث عليه بقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، والهدي الذي يترتب عليه قضاء التفث هو هدي التمتع والقران، ونحن نقول: يجوز الأكل من ذلك.
واحتج بأنه هدي لم يسلم للمساكين، ولا مدخل فيه للإطعام، فهو كالتطوع وهدي القران والتمتع.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لا يتعلق بمعنى يحظره الإحرام، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، أشبه ما ذكرنا.
* فصل:
والدلالة على الشافعي، وأنه يجوز الأكل من هدي التمتع والقران: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَالْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨ - ٢٩]، والهدي الذي يترتب عليه قضاء
стр. 1046
التفث هو هدي القران والمتعة؛ لأن له أن يذبح سائر الهدايا أي وقت شاء.
فإن قيل: يجوز أن يكون المراد به التطوع إذا ساقه؛ فإنه يترتب عليه الحلق، ويقدمه على الحلاق.
قيل له: إلا أنه لو حلق قبل الذبح جاز، فالترتيب هناك غير واجب.
فإن قيل: المراد به التطوع بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم﴾ [الحج: ٣٦].
قيل له: هي لنا بمعنى: استحقاقنا للثواب بها، وإن كانت علينا.
فإن قيل: قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ [الحج: ٢٨] أمر، وأقل أحواله الندب، وليس بمندوب أن يأكل من الواجب.
قيل له: هو مندوب إلى الأكل من دم التمتع.
وأيضاً ما احتج به أحمد، ورواه أبو حفص في كتاب "المناسك" بإسناده عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي ﷺ حج ثلاث حجج؛ حجتين قبل أن يُهاجر، معها عمرة، وساق ثلاثاً وستين بدنة، وجاء علي بتمامها من اليمن، فيها جمل لأبي جهل في أنفه بُرة من فضة، فنحرها رسول الله ﷺ ، وأمر من كل بدنة ببضعة، فطُبخت، وشرب من مرقها.
стр. 1047
وبإسناده عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا أنه الحج، فلما دنونا من مكة، أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة، أن يحل.
قالت عائشة: فدُخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه.
قال أحمد في رواية المروذي: يأكل من هدي متعته، قد أكل أزواج النبي ﷺ من الهدي؛ من البقر؛ لأن أزواج النبي ﷺ تمتعوا.
وقال في رواية بكر بن محمد، عن أبيه: يأكل من هدي المتعة؛ لأن النبي ﷺ ساق الهدي في حجة الوداع، وجمع بين الحج، وإن كان متمتعاً، وأكل من هديه في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر.
فقد نص على أن النبي ﷺ وأزواجه كانوا متمتعين، وفيه بيان أن جعفر بن محمد بن محمد ثابت الحديث [ .... ].
وأيضاً ما روى عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" قال: ذكر أبي قال: نا محمد بن علي بن الحسين بن سفيان قال: سمعت أبي يقول: أنا أبو حمزة، عن جابر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
стр. 1048
عن علي بن أبي طالب قال: أمر رسول الله ﷺ بهدي المتعة أن أتصدق بجلودها ولحومها سوى ما يأكل.
وهذا نص.
فإن قيل: النبي ﷺ كان منفرداً، فالهدي الذي ساقه كان تطوعاً.
قيل له: النبي ﷺ كان متمتعاً، وقد دللنا على ذلك في ما تقدم.
وعلى أن قوله: (أمر بهدي) لا يقضي الهدي الذي كان معه خاصة، بل يقضي كل هدي؛ أن يُفعل به مثل ذلك.
وأيضاً هدي التمتع والقران لم يجب بإيجابه، ولا بمعنى يحظره في الأصل، أشبه هدي التطوع.
ولا تلزم عليه فدية الأذى؛ لأنه تعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل، وهو الحلق، وإن كان مباحاً في هذه الحال.
ولا يلزم عليه النذر؛ لأنه وجب بإيجابه.
وكل تصرف جاز في الأضحية، جاز في هدي التمتع، كالتصدق به.
واحتج المخالف بأنه دم تعلق وجوبه بالإحرام، فصار كجزاء الصيد وغيره.
والجواب: أن ذلك يتعلق بمعنى يحظره الإحرام في الأصل.
واحتج بأنه دم واجب، فلم يجز الأكل منه.
стр. 1049
دليله: النذر.
والجواب: أن النذر إن كان على وجه الأضحية؛ فإنه يجوز الأكل منه، ذكره أبو بكر في كتاب "التفسير".
ولأن النذور محمولة على أصولها في الشرع، والأضحية الشرعية يؤكل منها.
وإن كان نذر مطلقاً لم يُؤكل؛ لأن النذر آكد في اللزوم، ألا ترى أنه لا ينوب الصيام عن الإطعام عنه؟
والأجود من هذا: أن دم القران والضحايا المنذورة القصد منها إراقة الجم، ولهذا يختص بزمان، وتفرقة اللحم تبع، وقد حصل المقصود، وهاهنا القصد تفرقة اللحم، ويُتوصل بالذبح إليه.
واحتج بأن دم القران يجب لجبران النقص الداخل في الإحرام، أشبه دم اللابس والمتطيب والحالق.
والجواب: أن القران لا يوجب نقصاً في الإحرام عندنا؛ لأنه لو أوجب نقصاً لما جاز الجمع بينهما من غير ضرورة به إليه، ألا ترى أنه ليس للمحرم أن يحلق من غير عذر؛ لأن الحلق يوجب نقصاً فيه، فلما اتفقنا على جواز القران لغير عُذر علمنا أنه لا يوجب نقصاً في الإحرام، وإذا لم يوجب نقصاً فيه الدم الواجب بالقران دم نسك.
فإن قيل: قد قال أحمد في رواية الأثرم في من أخذ حجة عن
стр. 1050
ميت، فتمتع، أو قرن: فالدم عليه دون الميت.
وهذا يدل على أنه دم جبران.
قيل له: أحمد لم يوجب الدم على الحاج؛ لأنه دم جبران، لكن لأجل أنه خالف ما أُمر به.
فإن قيل: فكان يجب أن يغرم النفقة -أيضاً- لمخالفة الأمر.
قيل له: إنما [لم] يغرم النفقة؛ لأنه قد حصل له ما أمره به وزيادة، فلهذا لم يغرم النفقة.
* … * … *
٢٣٧ - مسألة
إذا أوجبت بدنة، جاز بيعها، وعليه بدنة مكانها، فإن لم يوجب مكانها حتى زادت في بدن، أو شعر، أو ولدت، كان عليه مثلها زائدة، ومثل ولدها، ولو أوجب مكانها قبل الزيادة والولد، لم يكن عليه شيء في الزيادة:
ذكره الخرقي في "مختصره" فقال: ويجوز أن يُبدل إذا أوجبها بخير منها.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتري الأضحية، فيسميها للأضحى؛ يبدلها بما هو خير منها؟ يبيعها؟ قال: نعم.
وقد أطلق القول في رواية صالح وابن منصور وعبد الله: يجوز أن
стр. 1051
يُبدِّل الأضحية بما هو خير منها.
ورأيت في "مسائل الفضل بن زياد": إذا سماها لا يبيعها إلا لمن يريد أن يضحى بها.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: قد زال ملكه، فلا يجوز بيعه.
دليلنا: أن النبي ﷺ ساق الهدي لينحرها عن التمتع، فلما أُحصر صرفها إلى الإحصار، ثم أبدلها في العام القابل، فلو كانت قد خرجت عن ملكه بالإيجاب لما تصرف فيها بعد ما أوجبها لغيره.
فإن قيل: من أين لكم: أنه قد أوجبها؟
قيل له: لو لم يكن أوجبها لما كانت الثانية بدلاً.
ولأنه جعله هدياً، فجاز بيعه، كما لو ساقه متطوعاً، وكما لو أهدى داراً، أو ثوباً.
فإن قيل: هناك لم يزل ملكه عنه إذا كان تطوعاً، وهاهنا قد زال.
قيل: لا نسلم لك هذا.
فإن قيل: الدار والثوب إذا جعلهما هدياً يجب بيعها، وهاهنا لا يجب.
قيل له: ليس إذا لم يجب لم يجز، كما لو عطب، وكالمال الذي
стр. 1052
وجبت فيه الزكاة.
ولأنه حق لله -تعالى- تعلق بالرقة، فإذا لم يتم، لم يوجب زوال ملكه.
دليله: أنه لو نذر أن يتصدق بهذه الدراهم.
ولا يلزم عليه إذا استولد أُمَّه، أو نذر أن يعتق عبداً؛ أنه لا يجوز بيعه؛ لأن الحق هناك لآدمي، فهو كالرهن.
ولأن النذور محمولة على أصولها في الفروض، وفي الفروض أن الحق إذا تعلق بعين المال، جاز إخراج بدله بدلالة الزكاة، كذلك هاهنا.
ولأنها لو عطبت في الطريق، جاز بيعها، فلو كان ملكه زال عنها بالإيجاب، لما عادت إليه بالهلاك.
فإن قيل: لا يمنع أن يزول ملكه، ويعود إليه بالهلاك، كما لا يمتنع أن يتعلق بها الحق، ثم يسقط بالهلاك.
قيل له: قد وجدنا حقاً تعلق بالعين، ويبطل الحق المتعلق بها، ولم نجد شيئاً يخرج عن ملكه، ثم يعود إليه بالهلاك، وكان يجب أن نقول: يسقط بهلاكه على ملك الفقراء؛ لأنه على ملكهم.
واحتج المخالف بما روى سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، [عن] عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله! إني أهديت نجيباً، وأُعطيت به
стр. 1053
ثلاث مئة دينار، فأبيعه، وأشتري مكانه بُدناً؟ قال: "لا، انحره".
ومعلوم أن النجيب يُقصد به الركوب، ولحم البدن أنفع للمساكين منه، ومع هذا أمره ﵇ بنحره.
والجواب: أنا نكره له فسخ المتعين، وإقامة غيره مقامه، فمنعه ﵇ من ذلك لأجل الكراهية.
ولأنه سأله عن بيعها من غير أن يقيم غيرها مقامها، وذلك لا يجوز عندنا.
واحتج بأنها عين نذر إخراجها في حق الله تعالى، فإذا لزم النذر، لم يجز البيع، كما لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد.
ولأنه حق إذا تعلق بالعين سرى إلى الولد، فوجب أن يمنع جواز البيع، كإحبال الأمة.
والجواب: أن الاستيلاد لا يوجب خروج الأمة عن ملكه، فيجب أن لا يزول ملكه هاهنا.
على أن الاستيلاد، والنذر لعتق عبد بعينه، إنما منع من التملك لما يتعلق به حق العتاق، وهو حق لآدمي، فهو كالراهن، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه حق لله -تعالى- تعلق بالرقبة، فإذا لم يتم، لم يمنع
стр. 1054
البيع، كما لو نذر أن يتصدق بمال بعينه، وكالزكاة إذا تعلقت بالمال، جاز الإخراج من غيره.
وإن قاسوا عليها إذا أعتق العبد، ثم أراد بيعه، لم يجز؛ لأن الإتلاف قد حصل هناك بالعتق، فهو كالذبح.
وإن شئت قلت: المعنى هناك: أنه نحر الفدية، وهاهنا لم ينحرها.
واحتج بأنه لو أتلفها عقيب العقد ضمنه، فدل على زوال ملكه؛ لأنه يسري إلى ولدها.
والجواب: أن الراهن إذا أتلف الرهن ضمنه، وإن كان ملكه باقياً، والمكاتبة يتبعها ولدها، وإن كان ملك السيد باقياً عليها.
* … * … *
٢٣٨ - مسألة
إذا نذر هدياً، لزمه شاة، فإن أخرج جزوراً أو بقرة كان أفضل، ولا يُجزئ فيه إلا ما يُجزئ في الأضحية:
وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد.
وقال في القديم، و"الإملاء": يجب ماله قيمة من بيضة، أو لقمة، أو كف من طعام.
وهل يختص بمساكين الحرم؟ فيه وجهان.
دليلنا: أن النذور محمولة على أصولها بالفروض، وقد ذكر الله -تعالى- الهدي في مواضع، والمراد بجميعها الحيوان، كذلك النذور.
стр. 1055
وقد روى ابن عمر: أن النبي ﷺ سُئل عن الهدي، فقال: "أدناه شاة".
ولأنه حق وجب بلفظ الهدي المطلق، فلا يجزئ فيه أقل من شاة، كهدي المتعة والإحصار.
واحتج المخالف بقوله ﷺ : "المبكر [إلى] الجمعة، كالمهدي بدنة" إلى أن قال: "ثم كالمهدي بيضة".
والجواب: أن هذا هدي مقيَّد، ومثله يجزئ في النذر؛ لأنه لو قال: لله علي أن أهدي بيضة، أجزأه إذا أطلق.
* … * … *
٢٣٩ - مسألة
إذا قال: لله عليَّ أن أهدي بدنة، فإن نوى بها شيئاً، فهو ما نوى، وإن لم تكن له نية، فهو مُخير بين الجزور وبين البقرة في إحدى الروايتين:
قال في رواية حنبل: العشر من الغنم تجزئ مكان الجزور؛ إذا
следующие страницы →