Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
يُبدِّل الأضحية بما هو خير منها.
ورأيت في "مسائل الفضل بن زياد": إذا سماها لا يبيعها إلا لمن يريد أن يضحى بها.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: قد زال ملكه، فلا يجوز بيعه.
دليلنا: أن النبي ﷺ ساق الهدي لينحرها عن التمتع، فلما أُحصر صرفها إلى الإحصار، ثم أبدلها في العام القابل، فلو كانت قد خرجت عن ملكه بالإيجاب لما تصرف فيها بعد ما أوجبها لغيره.
فإن قيل: من أين لكم: أنه قد أوجبها؟
قيل له: لو لم يكن أوجبها لما كانت الثانية بدلاً.
ولأنه جعله هدياً، فجاز بيعه، كما لو ساقه متطوعاً، وكما لو أهدى داراً، أو ثوباً.
فإن قيل: هناك لم يزل ملكه عنه إذا كان تطوعاً، وهاهنا قد زال.
قيل: لا نسلم لك هذا.
فإن قيل: الدار والثوب إذا جعلهما هدياً يجب بيعها، وهاهنا لا يجب.
قيل له: ليس إذا لم يجب لم يجز، كما لو عطب، وكالمال الذي
стр. 1052
وجبت فيه الزكاة.
ولأنه حق لله -تعالى- تعلق بالرقة، فإذا لم يتم، لم يوجب زوال ملكه.
دليله: أنه لو نذر أن يتصدق بهذه الدراهم.
ولا يلزم عليه إذا استولد أُمَّه، أو نذر أن يعتق عبداً؛ أنه لا يجوز بيعه؛ لأن الحق هناك لآدمي، فهو كالرهن.
ولأن النذور محمولة على أصولها في الفروض، وفي الفروض أن الحق إذا تعلق بعين المال، جاز إخراج بدله بدلالة الزكاة، كذلك هاهنا.
ولأنها لو عطبت في الطريق، جاز بيعها، فلو كان ملكه زال عنها بالإيجاب، لما عادت إليه بالهلاك.
فإن قيل: لا يمنع أن يزول ملكه، ويعود إليه بالهلاك، كما لا يمتنع أن يتعلق بها الحق، ثم يسقط بالهلاك.
قيل له: قد وجدنا حقاً تعلق بالعين، ويبطل الحق المتعلق بها، ولم نجد شيئاً يخرج عن ملكه، ثم يعود إليه بالهلاك، وكان يجب أن نقول: يسقط بهلاكه على ملك الفقراء؛ لأنه على ملكهم.
واحتج المخالف بما روى سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، [عن] عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله! إني أهديت نجيباً، وأُعطيت به
стр. 1053
ثلاث مئة دينار، فأبيعه، وأشتري مكانه بُدناً؟ قال: "لا، انحره".
ومعلوم أن النجيب يُقصد به الركوب، ولحم البدن أنفع للمساكين منه، ومع هذا أمره ﵇ بنحره.
والجواب: أنا نكره له فسخ المتعين، وإقامة غيره مقامه، فمنعه ﵇ من ذلك لأجل الكراهية.
ولأنه سأله عن بيعها من غير أن يقيم غيرها مقامها، وذلك لا يجوز عندنا.
واحتج بأنها عين نذر إخراجها في حق الله تعالى، فإذا لزم النذر، لم يجز البيع، كما لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد.
ولأنه حق إذا تعلق بالعين سرى إلى الولد، فوجب أن يمنع جواز البيع، كإحبال الأمة.
والجواب: أن الاستيلاد لا يوجب خروج الأمة عن ملكه، فيجب أن لا يزول ملكه هاهنا.
على أن الاستيلاد، والنذر لعتق عبد بعينه، إنما منع من التملك لما يتعلق به حق العتاق، وهو حق لآدمي، فهو كالراهن، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه حق لله -تعالى- تعلق بالرقبة، فإذا لم يتم، لم يمنع
стр. 1054
البيع، كما لو نذر أن يتصدق بمال بعينه، وكالزكاة إذا تعلقت بالمال، جاز الإخراج من غيره.
وإن قاسوا عليها إذا أعتق العبد، ثم أراد بيعه، لم يجز؛ لأن الإتلاف قد حصل هناك بالعتق، فهو كالذبح.
وإن شئت قلت: المعنى هناك: أنه نحر الفدية، وهاهنا لم ينحرها.
واحتج بأنه لو أتلفها عقيب العقد ضمنه، فدل على زوال ملكه؛ لأنه يسري إلى ولدها.
والجواب: أن الراهن إذا أتلف الرهن ضمنه، وإن كان ملكه باقياً، والمكاتبة يتبعها ولدها، وإن كان ملك السيد باقياً عليها.
* … * … *
٢٣٨ - مسألة
إذا نذر هدياً، لزمه شاة، فإن أخرج جزوراً أو بقرة كان أفضل، ولا يُجزئ فيه إلا ما يُجزئ في الأضحية:
وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد.
وقال في القديم، و"الإملاء": يجب ماله قيمة من بيضة، أو لقمة، أو كف من طعام.
وهل يختص بمساكين الحرم؟ فيه وجهان.
دليلنا: أن النذور محمولة على أصولها بالفروض، وقد ذكر الله -تعالى- الهدي في مواضع، والمراد بجميعها الحيوان، كذلك النذور.
стр. 1055
وقد روى ابن عمر: أن النبي ﷺ سُئل عن الهدي، فقال: "أدناه شاة".
ولأنه حق وجب بلفظ الهدي المطلق، فلا يجزئ فيه أقل من شاة، كهدي المتعة والإحصار.
واحتج المخالف بقوله ﷺ : "المبكر [إلى] الجمعة، كالمهدي بدنة" إلى أن قال: "ثم كالمهدي بيضة".
والجواب: أن هذا هدي مقيَّد، ومثله يجزئ في النذر؛ لأنه لو قال: لله علي أن أهدي بيضة، أجزأه إذا أطلق.
* … * … *
٢٣٩ - مسألة
إذا قال: لله عليَّ أن أهدي بدنة، فإن نوى بها شيئاً، فهو ما نوى، وإن لم تكن له نية، فهو مُخير بين الجزور وبين البقرة في إحدى الروايتين:
قال في رواية حنبل: العشر من الغنم تجزئ مكان الجزور؛ إذا
стр. 1056
كان عليه بدنة، فنحر عشرة من الغنم، أو في ذلك عنه، إن شاء الله.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية أخرى: عليه جزور، فإن لم يقدر أخرج بقرة.
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب، فقال: إذا كان عليه جزاء أو نذر بدنة، فلم يجد بدنة، جعل مكانها سبعة من الغنم.
فأجاز العدول عن الجزور إذا لم يجد.
وهو قول الشافعي.
ومن أصحابه من قال: هو مُخير.
وجه الأولى: ما روى ابن الزبير، عن جابر قال: اشتركنا مع النبي ﷺ في الحج والعمرة؛ كل سبعة في بدنة، فقال رجل: أرأيت البقرة أيُشترك فيها كما يُشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن.
فإذا ثبت أن البقرة من البدن، وجب أن يكون مُخيراً بينها وبين الجزور.
وروى الأثرم بإسناده عن جابر قال: كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ ، ثم تذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها.
ولأنها تجزئ في الهدي والأضحية عن سبعة، كما تجزئ
стр. 1057
الجزور، وكما جاز أن يهدي الجزور كذلك البقرة.
واحتج المخالف بأن اسم البدنة يختص الجزور، ألا ترى أن ما روي عن النبي ﷺ : أنه جعل البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
ففصل بين البدنة وبين البقرة في الاسم.
وروي -أيضاً- عن النبي ﷺ أنه قال: "المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة".
ففصل بين البدنة وبين البقرة.
فإذا ثبت أنه يختص الجزور، والبقرة تقوم مقامه، لم يجز العدول عن الأصل إلا في حالة عدمه.
والجواب: أنا قد بينا: أن النبي ﷺ سماها بدنة بقوله: ما هي إلا من البُدن.
وعلى أنا نسلم أن اسم البدن يتناول الإبل حقيقة في اللغة، وإنما الكلام بيننا وبينكم في الحكم، وهو أن الموضع الذي تدخل فيه البدنة؛ هل تقوم البقرة مقامها، أم لا؟ وقد دللنا على أنها تقوم مقامها.
* … * … *
стр. 1058
٢٤٠ - مسألة
إذا أوجبت هدياً، أو أضحية معينة، ثم أصابها عور، أجزأت عنه:
نص عليه في رواية صالح في من اشترى أضحية، فاعورت، أو عجفت: يذبحها، ويجزئه.
وكذلك نقل إبراهيم بن الحارث في من اشترى أضحية سوية؛ ليضحي لها، فأصابها عيب عنده، فسهل في ذلك.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تجزئ إلا أن يكون حدوثه حال الذبح مثل أن تضطرب، فتنكسر رجلها، أو تصيب السكين عينها، فتعور، فتجزئه.
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري قال: قلت يا رسول الله! إني أوجبت على نفسي أضحية، وإنه أصابها عوار، فقال: "ضح بها".
فإن قيل: يحتمل أن يكون أراد به: ضح بها، ويكون تطوعاً؛ لا أنها أضحية شرعية.
قيل له: ظاهر قوله: "ضح بها" يقتضي أن تكون أضحية شرعية؛ لأنه عن هذا سُئل.
ولأنه نقص حدث بعد الوجوب، فلم يؤثر في جهة القربة، كما لو حصل النقص حال الذبح بأن انفلتت السكين، فأصابها عوار، أو غيره.
فإن قيل: القياس أن لا يجوز إلا أنهم استحسنوا ذلك.
стр. 1059
قيل له: المعنى الذي لأجله تركت القياس هناك موجود هاهنا.
فإن قيل: في حال معالجة الذبح لا تخلو من عيب يصيبها؛ لأنها تضطرب، فلهذا لم نعتبر استشرافها في تلك الحال، وهذا المعنى معدوم قبل تلك الحال.
قيل له: ليس الأمر على هذا، بل الغالب من المذبوح: أنه يسلم من عوار يلحقه في معالجة الذبح.
ولأنه يمكنه الاحتراز من ذلك بأن يشد قوائمها ويربطها.
وعلى أن هذا يبطل بموتها حال الذبح بالخنق والقطع؛ فإنه لا يمكن التحرز منه، ومع هذا فلا يعفى عنه.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "استشرفوا العين والأذن".
وروي أنه نهى عن العوراء البيت عورها، والعرجاء البين ظلعها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تُنقي.
فنهى عن العور، ولم يخص حالاً دون حال.
والجواب: أن هذا محمول عليه إذا كان موجوداً قبل الإيجاب.
واحتج بأن القربة تُستوفى بالذبح؛ لأنها لو هلكت قبل بالذبح وجبت أخرى مكانها، ولو هلكت بعد الذبح لم يجب شيء، فلو كان
стр. 1060
الاعتبار بحال الإيجاب لوجب إذا عطبت أو سُرقت قبل الذبح أن لا يجب عليه شيء.
وإذا صح أن الاعتبار بالذبح وجب أن تُراعى صحة أعضائها في حال الذبح، فإذا كان في أعضائها نقص في تلك الحال لم تجزئه، وإن كانت سليمة الأعضاء أجزأت.
قالوا: وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا هلك قبل أن يبلغ الحرم، فإن كان تطوعاً فليس عليه بدل، وإن كان هدي متعة والصيد والكفارات فعليه البدل.
ونقل عنه في موضع آخر في البدنة تهلك قبل أن تبلغ الحرم: فإذا كانت نذراً أو جزءاً صيد أبدلهما، ويأكل، وإن شاء باع، وإن كان تطوعاً لم يأكل.
والجواب: أن هذا باطل بحال الذبح؛ فإنها لو هلكت في تلك الحال وجب أخرى مكانها، ولو عابت لم يمنع الإجزاء.
ثم نقول: إذا عين أضحية بالنذر، فعطبت قبل الذبح، لم تلزمه أخرى مكانها.
نص عليه في رواية حنبل، فقال في الهدي إذا عطب في الحرم: فقد أجزأ عنه إلا ما كان من التمتع، فأما ما كان من نذره، أو تطوع؛ فإنه يُجزئ عنه.
وكذلك نقل علي بن سعيد في رجل اشترى أضحية، فهلكت:
стр. 1061
ليس عليه بدلها، فإن اشترى أخرى، ثم وجد الأولى يذبحهما جميعاً على الحديث.
فإن قيل: فما معنى قول الخرقي: ولو أوجبها ناقصة وجب عليه ذبحها، ولم تجزه.
قيل له: معناه: لم تجزه عن الشرعية، ولم يرد أن عليه بدلها.
واحتج بأن حدوث العور قبل حال الذبح يمنع الإجزاء، كما لو كان قبل الإيجاب.
والجواب: أن المعنى هناك: أن العيب كان قبل الإيجاب، وهاهنا حدث بعده، فهو كما لو حدث في حال الذبح.
واحتج بأن الأضحية على ضربين: واجبة، ومسنونة.
وقد ثبت بأنه لو أفرد شاة، ونوى أن يضحي بها تطوعاً، ثم حدث بها نقص قبل الذبح، فإذا حدث النقص قبل حال القربة منع الإجزاء، والتقرب في الأضحية الواجبة حال الإيجاب، وإذا حدث النقص بعده لم يؤثر.
واحتج بأنه لو ثبت في ذمته هدي، فعينه في حيوان، فعاب،
стр. 1062
فإنه لا يجزئه، كذلك ما كان معيناً حال الإيجاب.
وقد قال في رواية أبي داود: من ساق الهدي من جزاء، أو قران، أو واجب، فعطب، أو مات، فعليه البدل.
والجواب: أن الواجب هناك حصل ابتداء في معين، وهاهنا حصل ابتداء في غير معين، وفرق بينهما بدليل: أنه لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد، فعاب عبده، أعتقه، وأجزأه، ولو وجب في ذمته عتق رقبة عن كفارة، فعين رقبة ليعتقها، فعابت لم تجزه، كذلك هاهنا.
* … * … *
٢٤١ - مسألة
فإن فقأ رجل عين الهدي تصدق بالأرش:
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يأخذ النقصان ويبيعه؛ ليشتري بالثمن وبالأرش هدياً صحيحاً.
دليلنا: أن المسألة مبنية على أن حدوث العور بعد الإيجاب لا يخرجه من كونه هدياً.
وذهب المخالف إلى أنه قد خرج بالعور من أن يكون هدياً، وقد تعلق به الإيجاب، ولا يمكن ذبحه، وجب أن يبدل بثمنه وأرشه هدياً مكانه.
стр. 1063
٢٤٢ - مسألة
إذا قال: (لله علي أن أتصدق بفدية) ولم ينوِ شيئاً، ولم ينحرها إلا في الحرم:
وقال أبو حنيفة: ينحرها حيث شاء.
وى خلف أنه لو قل: لله علي أن أتصدق بجزور؛ أن له نحره حيث شاء، و [لو] قال: أهدي بدنة، أو جزوراً؛ أنه يختص نحره بالحرم.
فالدلالة على المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] إلى قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٣٣]، وذلك عام في البدن كلها سواء كانت هدياً، أو غيرها.
فإن قيل: البدن المذكور في هذه الآية هي بدن القران والمتعة بدليل قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]، وليس له أن يأكل من النذر.
ثم قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، والبدن التي ترتب عليها هذه الأفعال هي التي للقران والمتعة.
قيل له: قوله ﴿وَالْبُدْنَ﴾ عام، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ تخصيص بعض ما شمله الاسم، وذلك لا يوجب تخصيص أوله.
واحتج المخالف بأن البدنة اسم للبقرة، أو الجزور، وسُميت بذلك لأجل البدانة، وهي الجُثة، وليس في ذكرها ما يوجب إراقة دمها
стр. 1064
في الحرم، وفي مكان دون مكان، فهو كقوله: على جزور أو بقرة.
وليس كذلك قوله: علي هدي؛ لأن نفس اللفظ يقتضي إهداء إلى موضع، فلهذا اقتضى الحرم؛ لأن الموضع الذي يُهدى إليه هو الحرم، كأنه قال: لله علي أن أهدي إلى الحرم.
والجواب: أن نفس اللفظ في قوله: (علي جزور أو بقرة) لا يقتضي اختصاص الموضع، وليس كذلك في قوله: بدنة؛ لأن نفس اللفظ يقتضي اختصاصاً بموضع بدليل ما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ [الحج: ٣٦] إلى قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].
* … * … *
٢٤٣ - مسألة
فإن غصب شاة، فذبحها لمتعته، أو قرانه، ثم أجازه مالكها، أو ضمنها، لم يجز:
وقال أبو حنيفة: تجزئ.
دليلنا: أن ذلك الذبح لم تتعلق به قربة في الابتداء، فلا يصير قربة في الثاني، كما لو ذبح شاة لا ينوي بها هدياً، ولا أضحية، ثم نوى بها في الثاني؛ أنها لا تجزئه عما نوى.
وكذلك لو أعتق عبداً لا ينوي به كفارة، ثم نوى عن الكفارة؛ أنها لا تجزئه.
стр. 1065
واحتج المخالف بأنه لما غصبها تعلق عليه الضمان، فإذا ضمن قيمتها بعد الذبح يملكها من وقت الغصب، فصارت كأنها ملك له من ذلك الوقت، فتجزئ عنه، ألا ترى أنه لو غضب عبداً، فباعه، ثم ضمن قيمته؛ أنه يجوز لهذه العل؟ ولو التقط لُقطة، فعرفها حولاً، ثم تصدق بها، فجاء صاحبها، واختار تضمين الملتقط؛ أنه يجزئ عنه، ويصير كأنه تصدق بملك نفسه، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا لا نقول: إنه يملكها من وقت الغصب بالضمان، ولهذا نقول: إنه إذا ضمن قيمة العبد الآبق لم يملكه الغاصب، ولو باعه لم يصح بيعه.
وأما اللقطة إذا تصدق بها، فإنما صحت صدقته؛ لأنه مأذون له فيها حين التصدق؛ لأنه مخير بين التملك والصدقة، والقربة حاصلة حين الفعل، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير مأذون له حين الذبح، فالقربة غير حاصلة.
* … * … *
٢٤٤ - مسألة
إذا حج، ثم ارتد، ثم أسلم، فعليه حجة الإسلام، ولا يُعتد بما كان فعله:
نص عليه في رواية ابن منصور.
стр. 1066
وهو قول أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا حج عليه.
دليلنا: أن هذه الحجة سُميت في الشريعة حجة الإسلام، وعُلقت به، وقد تجدد له إسلام، فتجب له حجة.
ولأنها توبة من كفر، فوجب أن يلزم بعدها حجة بوجود شرائطها.
دليله: الكافر الأصلي.
ولأنها عبادة يجوز أن تلزم في الإسلام الأول، فجاز أن تلزم في الإسلام الثاني بعد أدائها في الأول، كالصوم والصلاة والزكاة.
فإن قيل: تلك العبادات تتكرر في الإسلام الواحد، وهذه لا تتكرر.
قيل: الشهادة لا تتكرر في إسلام واحد، وتجب في الإسلام الثاني.
ولأنها عبادة لا تفعل في العمر مع استمرار الإسلام إلا مرة، فوجب إعادتها بعد الرِّدَّة، كالإيمان.
فإن قيل: لا يُعلم إيمانه إلا بالشهادتين، وليس كذلك الحج؛ لأنه لا يُعلم إيمانه به.
قيل له: الإسلام الأول لا يُعلم به إيمانه، ومع هذا يجب عليه الحج، كذلك في الإسلام الثاني.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
والجواب: أن هذا في الرِّبا؛ من أسلم فله ما قبض منه، ويسقط
стр. 1067
ما لم يقبض، روي ذلك عن السدي وغيره، وأول الآية شاهد على ذلك.
واحتج بما روي عن الأقرع بن حابس قال: الحج مرة، أو أكثر؟ قال رسول الله ﷺ : "بل مرة".
والجواب: أن الذي نقول: إن الحج المعتد به مرة، وما تقدم الردة لا يُعتد به عندنا، كالحجة التي جامع فيها.
واحتج بأنه أسقط فرض حجة الإسلام، فلم تلزمه إعادتها.
دليله: ما تقدم.
والجواب: أنا لا نسلم: أن الفرض سقط، بل هو من أعاد عندنا؛ لأن الردة تؤثر بعد الفراغ من العبادات، كما تؤثر إذا تخللتها.
ثم المعنى في الأصل: أنه لا يلزمه تجديد الإسلام، فلم تلزمه إعادة الحج، ولما كان المرتد مأموراً بفعل الإسلام لزمه الحج بعده بوجود الزاد والراحلة، كما يلزم في الإسلام الأول.
واحتج بأن المسألة مبنية على أن الردة تُحبط العمل عندنا، وعندكم لم تُحبط ما مضى من عمله، فلا وجه لإيجاب حجة ثانية.
стр. 1068
والجواب: أن ما مضى من توحيده لم يبطل، ومع هذا فيلزمه توحيد ثانٍ، كذلك في الحج.
стр. 1069
كتاب البيوع
٢٤٥ - مسألة
بيع ما لم يره المشتري ولا البائع من غير صفة غير جائز في أصح الروايتين:
نص عليه في مواضع:
فقال في رواية الأثرم في الرجل يبتاع هذه الجرب، ثم يبيعها لم ير ما فيها، فقال: ينبغي للذي يبيع أن يصف له، وينبغي للمشتري إذا باع أن يصف أيضًا، فإن جاء خلاف رجع واحد على واحد، فأما إذا جاءت على الصفة، فليس له أن يرد.
وقد نقل الأثرم هذه المسالة في ثلاثة مواضع من الكتاب بهذا المعنى.
وكذلك نقل الميموني عنه: أنه قال: البيع بيعان:
بيع صفة.
стр. 1070
وبيع شيء حاضر، فلا يبيعه حتى يراه، ويعرفه.
وذلك نقل أبو طالب عنه: إذا لم يعرف صفته، ولا ذرعه، وباعه، فهو بيع مجهول فاسد، يرده له. قيل له: هو بالخيار عند النظر؟ قال: لا أقول له الخيار، ولكن إذا وصفه، فإن كان مثل صفته، جاز عليه البيع، وإن لم يكن مثل صفته رده.
وكذلك نقل حرب في بيع الثوب المطوي: أكرهه إلا أن ينشر، أو يصفه، فيجده على صفته.
ونقل -أيضًا- في كتاب (الورع) للمروذي في بيع الدينقي والقوهي والجرب التي فيها المتاع تباع، ولا تصف كم ذرعه، ولا يذكر وصفه: لا يجوز بيعه، كيف يبيع من غير أن يسمي ويصف؟!
وبهذا قال مالك والشافعي.
وفيه رواية أخرى: جواز العقد، وللمشتري الخيار إذا رآه.
نص عليه في رواية حنبل في ما رواه أبو حفص العكبري في كتابه، فقال: إذا اشتراه في جرابه؛ يعني: الثياب التي في الجرب، فلم يقلب، ولم ينظر، فله خيار الرؤية إذا نشرهن إذا كان معيبا رده بعيبه، ولا يجوز بيعه حتى يقلبه، وينظر إليه، وكذلك الثوب المدرج؛ له الخيار إذا اشتراه؛ لأنه لا يعلم ما في جوفه من العوار والحدث.
стр. 1071
فظاهر هذا جواز العقد، وإثبات الخيار عند وجود عيب، فإن لم يكن معيبًا، فلا خيار له.
وقال أبو حنيفة: ما لم يره البائع، ولا المشتري، ولا وصفاه جائز، وللمشتري الخيار سواء كان المبيع معيبًا، أو لم يكن.
وأما البائع، فهل يكون له الخيار؟ على روايتين، والصحيح عنه: أنه لا خيار له.
فالدلالة على أن البيع باطل من أصله: ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع الغرر.
والغرر ما تردد بين سلامة المال وهلاكه، والغرر هاهنا موجود؛ لأنه لا يدري؛ هل هو باقٍ، أم لا؟ وإن كان باقيًا، فلا يدري؛ هل يسلم له، أم لا؟ فيجب أن يكون منهيًا عنه.
ولأنه مبيع مجهول الصفة عند العاقد، فوجب أن يكون باطلًا.
أصله: إذا قال: بعتك ثوبًا.
ولا يلزم عليه إذا وصفه؛ لأنه معلوم الصفة.
وكذلك لا يلزم عليه بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره، وبيع الصبرة التي لم يشاهدها باطنها؛ لأن ذلك غير مجهول الصفة؛ لأنه قد شاهد ظاهره، وذلك الظاهر داخل في جملة المبيع.
стр. 1072
وكذلك لا يلزم عليه تراب المعدن الذي فيه تبر، وتراب الصاغة الذي فيه ذهب وفضة؛ لأنه قد شاهد التراب، وذلك داخل في جملة المبيع.
ولا يلزم عليه الجهالة بمواضع العيب؛ لأنا قلنا: بيع، وهذا إشارة إلى جميعه، والجهالة هناك ببعضه، فلا يلزم نقضًا.
فإن قيل: المبيع في الأصل مجهول في عينه، فأما أن يكون مجهول الصفة فلا.
قيل له: ما جهلت عينه، فقد جهلت الصفات وزيادة، وقد تجهل الصفات، ولا تجهل العين.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن تلك الجهالة تمنع التسليم؛ لأن كل عبد يحضره البائع يلتمس المشتري غيره.
وفي مسألتنا إذا قال: بعتك الثوب الذي في كمي، لم يتعذر التسليم؛ لأن القاضي يأمره بإخراج ما في كمه، فإن رضيه المشتري، أخذه، وإن لم يرضه رده.
قيل له: الجهالة في الأصل، لا التسليم؛ لأنه يعطيه ما يقع اسم الثوب، كالوصية والإقرار، وكما لو أسلم في ثوب جيد، أعطاه ما يقع عليه الاسم، أو يعطيه ثوبًا وسطًا، كما لو تزوج على ثوب.
وقياس آخر، وهو: أن الرؤية أو الصفة في بيوع الأعيان جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع لعدمها تأثير في العقد، وهو إبطال العقد
стр. 1073
عندنا، وإثبات الخيار عند مخالفينا، فوجب أن يكون وجودها شرطًا فيه، كالصفة في السلم.
فإن قيل: هذا باطل بالعلم بأن المبيع معيب؛ لأنه معنى يتوصل به إلى معرفة مقدار المعقود عليه، ومع هذا لا يبطل العقد.
قيل له: لا يبطل؛ لأن العلم بالعيب إنما يحصل بالرؤية، أو الصفة، ونحن عللنا للرؤية في الجملة، فلا تلزم عليه الأحوال.
ولأنا قلنا: (جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع)، وهذا إشارة إلى جميعه، ومواضع العيب بعض المبيع.
فإن قيل: لو كانت الرؤية أو الصفة في الأعيان بمنزلة الوصف في السلم، لوجب أن لا يجوز تقديمها على العقد، كما لا يجوز تقديم الوصف في السلم على العقد.
قيل له: إذا جاز تقديم الرؤية [على] العقد، جاز أن يتقدم الوصف، ولا فرق بنيهما، وذلك أنه لو قال: أريد أن أسلفك في كر حنطة، ووصفه بالصفات، فلما كان بعد ذلك قال: قد أسلفتك في كر حنطة على الصفات التي تقدم ذكرها، وعجل له الثمن، جاز.
فإن قيل: المعنى في صفات السلم: أن جهالتها تمنع التسليم، وهذه الجهالة لا تمنع التسليم، وفرق بينهما، ألا ترى أنه لو باع صبرة مجهولة القدر جاز البيع؛ لأن جهالتها لا تمنع التسليم، ولو باع صبرة غير معينة
стр. 1074
لم يجز العقد؛ لأن الجهالة تؤثر في التسليم.
قيل له: إذا قال: بعتك أحد هذين العبدين، لا على شرط الخيار، فهذا لا يمنع التسليم، ولا يصح العقد، فكذلك إذا قال: بعتك ثوبًا، لا يمنع تسليم ما يقع عليه الاسم، ولا يصح؛ لأنه يمكنه أن يعين أحد العبدين، ويدفع ما يقع عليه اسم ثوب.
وقياس آخر، وهو: أنه مبيع لم تسبق من المشتري رؤية له، ولا صفة، فلم يصح بيعه.
دليله: اللبن في الضرع، والحمل في البطن، والنوى في التمر.
ولا يلزم عليه تراب المعدن، وتراب الصاغة؛ لأن المبيع هناك التراب وما فيه، فهو مرئي للمشتري، فهو يجري مجرى بيع الجوز واللوز، هو مرئي للمشتري، وإن لم يشاهد باطنه؛ لأنه قد شاهد ظاهره.
فإن قيل: المعنى في اللبن، وفي الحمل: أنه باع ما تضمنته خلقة الحيوان غير شائع في جميعه، فصار كبيع يده ورجله.
وأما النوى في التمر، فإن تسليمها لا يمكن إلا بضرر لم يستحق بالعقد، وهو بكسر التمر.
قيل له: بقاء الشيء على خلقة الأصل إذا لم يزل عنها، ولم يتغير عن صورتها، لا يوجب فساد البيع، ألا ترى أنه إذا باع تمرة على رؤوس النخل، جاز، وإن باع سعفها، أو أغصان التوت النابتة على أصولها، جاز البيع، كما يجوز بعد قطعها وتغيرها عن أصل خلقتها.
стр. 1075
وأما حصول الضرر بانتزاع النوى من التمر، فلا يوجب فساد البيع؛ لأن النقص الذي يدخل بذلك قد رضي به، فهو كما يبيع أحد مصراعي الباب، وأحد زوجي الخف؛ فإنه يصح، وإن كان يدخل بذلك النقص في ما لا يبيعه.
وقياس آخر، وهو: أن من يجيز هذا البيع أثبت فيه خيار الرؤية، وذلك خيار مجهول لم يوجبه نقص، ولا يتعلق بكل بيع، فأبل العقد المتضمن له، كما لو قال رجل لرجل: بعتك هذا الثوب على أن لي الخيار متى شئت.
ولا يلزم عليه خيار الرد بالعيب؛ لأنه يوجبه نقص.
ولا يلزم عليه خيار المجلس؛ لأنه يثبت في كل بيع.
فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم؟ وقد قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل اشترى شيئًا، وهو فيه بالخيار، ولم يسم إلى متى: فله الخيار أبدًا، أو يأخذه.
قيل له: المذهب الصحيح: أن هذا خيار باطل، وقد نقله ابن منصور عنه في موضع آخر في الرجل يبيع بشرط، ولا يسمي أجلًا: أي شيء يكون إذا سمي، فهو أحسن.
فإن قيل: المعنى هناك: أن الخيار ثبت شرطًا، وهاهنا ثبت حكمًا، فلا تؤثر الجهالة فيه بدلالة الخيار الرد بالعيب، وخيار المجلس.
قالوا: ويبين صحة هذا: أن الخيار، كالأجل.
стр. 1076
ولأن كل واحد منهما ملحق بالعقد، ثم لو شرطا أجلًا مجهولًا بطل العقد، ولو تأجل الثمن حكمًا لم تؤثر جهالته بالعقد، مثل أن يفلس المشتري، أو يأبق العبد، فيتأخر تسليم الثمن حتى يتمكن البائع من التسليم.
قيل له: قولك: (إنه ثبت شرطًا، فلهذا نافته الجهالة) يبطل على أصلكم بالبراءة من العيوب؛ فإنه يصح عندهم، وثبت شرطًا، والجهالة لا تنافيه.
وأما خيار المجلس فالعادة أنه زمان يسير، فعفي عنه، كما عفي عن تأخير القبض في الصرف والسلم مدة المجلس، وكما جاز تأخير القبول في مدة المجلس ثبت للحاجة، وهو اختيار المبيع؛ هل له فيه حظ؟ وخيار الرؤية لا حاجة به إليه؛ لأنه يمكنه أن يشاهده.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ [أنه] قال: (من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
فلو لم يجز البيع لما أثبت الخيار.
والجواب: أن أبا الحسن الدارقطني رواه عن عمر بن إبراهيم بن خالد الكردي، عن وهب السكري، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
ورواه من طريق آخر عن عمر قال: أخبرني القاسم بن الحاكم، عن أبي حنيفة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ -
стр. 1077
ثم قال: عمر بن إبراهيم يضع الأحاديث، وهذا باطل لا يصح، لم يروه غيره، وإنما يروى عن ابن سيرين موقوفًا.
ولو صح حملنا قوله: (لم يره)، ولكنه وصفه، (فهو بالخيار إذا رآه) على خلاف صفاته، كما هو بالخيار فيما شاهده إذا وجده معيبًا في فسخ العقد، وفي إمضائه.
فإن قيل: هذا الخيار متعلق بفقد الصفة، لا بالرؤية، والخبر يقتضي تعلقه بالرؤية.
قيل له: لما كان فقد الصفة يعلم بالرؤية، جاز أن يعلقه بها.
وقد قيل في جوابه: من ابتاع شيئًا لم يره حال العقد، وكان قد رآه قبل العقد، فهو بالخيار إذا تغير.
واحتج بما روي عن النبي ﷺ قال: (لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، واشترى منه شيئًا، فهو بالخيار إذا رأى السوق).
ولا خلاف أنه إذا كان قد رآه، فلا خيار له، فعلم أن المراد به: إذا كان قد اشترى شيئًا في وعاء، ثم حمله إلى السوق، ونظر إليه؛ إنه بالخيار.
والجواب: أن إثبات الخيار هاهنا عند أصحابنا رجع إلى ظهور
стр. 1078
الغبن في المبيع دون الجهالة.
يبين صحة هذا: قوله: (فهو بالخيار إذا رأى السوق)؛ لأن بها يعتبر الغبن من غيره.
واحتج بما روى زيد بن ثابت عن النبي ﷺ : أنه نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
ومعناه عندنا: أن يشتري المتاع في الوعاء، فلا يبيعه هناك قبل أن يراه؛ لئلا يلزم نفسه مبيعًا مجهول الصفة.
والجواب: أن معناه عندنا: أن يشتري مكيلًا، أو موزونًا، فلا يبيعه هناك قبل نقله؛ لأن بيعه قبل قبضه لا يصح.
واحتج بما روي: أن عثمان بن عفان باع مالًا بالكوفة من طلحة ابن عبيد الله، فقال طلحة: لي الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أره، وقال عثمان: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أره، فحكما بينهما جبير بن مطعم، فقضى جبير بالخيار لطلحة.
وروى معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال أصحاب النبي ﷺ : وددنا لو أن عثمان وعبد الرحمن تبايعا، ثم ننظر أيهما أعظم جدا في التجارة، فابتاع عبد الرحمن من عثمان فرسًا بأرض له أخرى
стр. 1079
بأربعين ألف درهم، أو نحو ذلك، إن أدركتها الصفقة وهي سالمة، ثم مشى قليلًا، ثم رجع إليه، وقال: أزيدك ستة آلاف درهم إن وجدها رسولي سالمة، قال: نعم، فوجدها رسول عبد الرحمن وقد ماتت.
فدل هذا على معنيين:
أحدهما: جواز شراء ما لم يره.
والثاني: جواز الزيادة في الثمن بعد انبرام العقد.
وروى يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: كنا إذا تبايعنا كل واحد منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان، قال: فتبايعت أنا وعثمان مالًا بالوادي بمالٍ له كثير، قال: فلما بعته طفقت أنكص على عقبي خشية أن يرادني عثمان المبيع قبل أن أفارقه.
وروى شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله ابن عمر: أنه ركب مع عبد الله ابن بحينة إلى أرض له برئمٍ، فابتاعها
стр. 1080
منه عبد الله بن عمر على أن ينظر إليها، قال: ورئم بالمدينة قريب من ثلاثين ميلًا.
فاتفق هؤلاء الصحابة على جواز بيع ما لم يره المشتري، ولا يعرف لهم مخالف.
والجواب: أنه لا حجة في ذلك، وأما حديث عبد الرحمن مع عثمان فيحتمل أن يكون عثمان وصفه له، فقال عبد الرحمن: لي الخيار إذا وجدته على خلاف صفته، وكذلك بيع ابن عمر لعثمان ماله بالوادي يحتمل أن يكون وصفه له، وكذلك ابتياع ابن عمر من عبد الله ابن بحينة.
ولأنه يحتمل أن يكون عثمان لم يره حين العقد، وكان قد رآه قبل ذلك، فظن أنه على تلك الصفة، وكذلك طلحة، فأثبت الخيار لطلحة لمخالفة الصفة.
يدل على هذا: أنه أثبت الخيار لطلحة، وعندهم إذا لم توجد الرؤية من البائع، ثبت الخيار له.
واحتج بأنه عقد من العقود، فوجب أن لا يكون من شرط صحته رؤية المعقود عليه.
دليله: النكاح.
والجواب: أنا نقول بموجبه، وأنه ليس من شرطه رؤية المعقود عليه.
стр. 1081
فإن قالوا: فنقول: فلم يكن من شرطه صفه المعقود عليه، كالنكاح.
فالجواب: أن النكاح لا أثر لعدم الرؤية والصفة فيه، ألا ترى أن بعدمهما لا يثبت الخيار، ولا يتعلق به حكم، والرؤية والصفة في البيع لعدمها تأثير، وبوجودها يصير المبيع معلومًا، وكان وجودا شرطًا، كالصفة في السلم.
ولأن القصد في البيع طلب الفضل والربح، ولوجود الرؤية والصفة تأثير في هذا المعنى، فاشترطت، وليس كذلك النكاح؛ فإنه لا يقصد به ذلك، وإنما القصد منه الألفة والوصلة.
فإن قيل: قد تقصد به ألفة على صفة دون صفة، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ : (إذا أوقع الله في قلب أحدكم خطبة امرأةٍ، فلينظر إليها)؛ كي يؤدم بينهما.
ولأنه لو وجدها برصاء أو رتقاء ملك الفسخ، كالبيع.
قيل له: الخير حجة لنا؛ لأنه لما كان القصد الألفة أمر بالنظر إليها؛ ليحصل له المقصود، وكذلك يجب أن يكون في البيع.
وأما البرص والرتق فإنما ثبت به الفسخ؛ لأنه يفوت معه المقصود
стр. 1082
الأعظم، ألا ترى أن ما لا يفوت معه ذلك في سائر العيوب لا يثبت به الفسخ، وفي البيع جميع العيوب يفوت معها المقصود.
واحتج بأن العين معلومة، وإنما جهلت صفاتها، وجهالة الصفة ليست بأكثر من عدم الصفة، لا تمنع جواز البيع فجهالتها أحرى.
والذي يدل على أن عدم الصفة لا يمنع جواز البيع اتفاقهم على أنه لو اشترى عبدًا على أنه صحيح العينين، فوجده أعمى، جاز البيع، وثبت له الخيار.
والجواب: أنا لا نسلم أن العين معلومة؛ لأنه إذا قال: بعتك عبدًا، فإنما يعرف الجنس، ولا تعرف العين، ألا ترى أنه لو رآه بعد ما اشتراه، لم يعلم أن هذا هو المشترى
وعلى أنه لا فرق عندك بين أن تكون العين معلومة، أو مجهولة؛ لأنه لو قال: (بعتك ما في هذا البيت، أو ما في كمي هذا)، جاز، وإن لم تكن العين معلومة؛ لأنه لم يكن جنسًا يتعين به، وقد نص أبو يوسف على هذا، وليس عن أبي حنيفة فيه رواية.
وعلى أن هذا باطل به إذا قال: (بعتك أحد هذين العبدين على أن تختار من شئت منهما)؛ فإن العين معلومة؛ بمعنى: أنه قد تميز المبيع بكونه عبداً من غيره، ومع هذا فالعقد باطل بجهالة صفته.
ولأن جهالة الصفة أكثر من عدم الصفة المشروطة بدليل أن فقد الصفة في العين لا يبطل، وعدم الصفة في السلم يبطل، وكذلك فقد
стр. 1083
التعيين لا يبطل، ويبطل إذا باع ثوبًا من الثوبين، ولم يشترط الخيار.
وأما إذا اشترى عبدًا على أنه صحيح، فبان أعمى، إنما [لا] يبطل؛ لأنه يجرى مجرى ظهور العيب، وذلك لا يبطل.
واحتج أن بيع الباقلاء في قشره والجوز واللوز والبيض جائز، وليس المعقود عليه والمقصود بالشراء قشورها، وإنما المقصود منها ما فيها من اللب، ثم لم يمنع عدم رؤية المقصود منها جواز العقد عليها، كذلك هاهنا.
وكذلك يجوز بيع الصبرة، وإن كان لا يشاهد باطنها، وكذلك الجهل بمواضع العيب لا يمنع الصحة، كذلك هاهنا.
وربما قالوا: جهالة لا تؤثر في تسليم المبيع، فأشبه ما ذكرنا.
ولا تلزم عليه جهالة رأس المال؛ لأنها تؤثر في التسليم؛ لأنه يجد بعضه زيوفًا، فيرده، فلا يدري كم الباقي من المسلم فيه.
ولا يلزم عليه إذا باع درة في صدفة؛ لأنه ليس المانع من البيع هناك الجهالة، وإنما المانع أنه باعه ما يتضمنه الحيوان خلقة.
والنوى مما يباع في مضمون الخلقة مما يفسد بتسليمه، ولهذا لو ظهر بعض النواة لم يجز البيع، وإن زالت الجهالة بظهور بعضها.
والجواب: أنه يبطل به إذا قال: (بعتك أحد هذين العبدين على أنك بالخيار)، فإنها جهالة لا تمنع من التسليم؛ لأنه يمكنه أن يختار أحدهما،
стр. 1084
ومع هذا فإنه لا يصح.
وكذلك إذا قال: (بعتك ثوبًا)، فإنه لا يمتنع؛ لأنه يمكنه تسليم ما يقع عليه الاسم؛ لأن النظر إلى موضع العيب يشق، فعفي عنه، ألا ترى أنه لا أثر لعدمه في العقد؟ لأنه لو رأى تلك المواضع سليمة لم يثبت له الخيار.
والنظر إلى المواضع الظاهرة لا يشق، فكان شرطًا، ألا ترى أن لعدمه تأثيرًا في العقد بالإجماع، وهذا كما أن ضبط صفات المسلم فيه الباطنة ليس بشرط، وضبط الظاهرة المقصودة شرط.
ولأن السلامة من العيب معلومة بالشرع؛ لأنها موجب البيع ومقتضاه، فلا يفتقر العقد إلى مشاهدتها، والوقوف عليها.
وليس كذلك الصفات؛ لأنها مجهولة، وليست من موجب البيع؛ لأنه لا يقتضي وجودها، ولا عدمها، فدل على الفرق بينهما.
وأما الجوز واللوز والصبرة فإنما جاز البيع في ذلك؛ لأن الرؤية حصلت فيها على حسب العادة، وقد يستدل برؤية ذلك على ما لم ير، فأما هاهنا فلم تحصل رؤية البيع بوجه، ولا صفة، فلم يصح.
ولأن عدم رؤية باطن الصبرة وما في الجوز واللوز لا أثر له في البيع بوجه، ألا ترى أنه لو وجد ذلك سليمًا لزم العقد، ولم يكن لعدم الرؤية تأثير؟ ولعدم رؤيته هذا المبيع وصفته تأثير؛ لأنه لو وجده
стр. 1085
معيبًا ثبت له الخيار في فسخ البيع، فكان وجودها شرطًا فيه.
ولأن مشاهدة باطن الجوز واللوز يشق؛ لأنه يؤدي إلى فساده إذا قشر، إذا لم يكن معيبًا.
واحتج بأنه أحد البدلين في البيع، فلم تكن رؤيته شرطًا في صحة العقد، كالثمن إذا لم يكن معيبًا.
والجواب: أنَّا نقول بموجبه؛ أن الرؤية ليست شرطًا في الفرع، كالأصل، والصفة شرط في الفرع، كما هي شرط في الأصل، وقد وافقنا المخالف على اعتبار الصفة في الثمن، فيجب أن تكون معتبرة في المثمن، فقد صار الأصل حجة لنا من هذا الوجه.
واحتج بأن الرؤية معنى لا يتأتى إلا في معين، فلم تكن شرطًا في بيوع الأعيان، كالذوق واللمس والشم.
والجواب: بأنه ينتقض بالتعيين، وهو قوله: الثوب الذي في كمي.
والمعنى في الأصل: أن عدمه لا يؤثر، وعدم الرؤية يؤثر في العقد.
* فصل:
إن قلنا: إن البيع صحيح، فهل يثبت له خيار الرؤية؟
стр. 1086
قد نقل حنبل روايتين:
إحديهما: لا يثبت له خيار الرؤية؛ لأنه قال: إذا اشترى الثياب في الجراب، فله خيار الرؤية إذا نشره، إن كان معيبًا رده بعيبه.
وظاهر هذا: أنه إذا لم يكن به عيب لم يرده.
ونقل في موضع آخر: وذكر له قول سفيان في رجل استأجر رجلًا في كل شهرٍ بكذا: هو مكروه، هو بمنزلة قولك: اشتري منك هذا الجراب، كل ثوب بكذا وكذا.
قال أبو عبد الله: هذا يخالف الجراب؛ لأن الثياب له فيها خيار الرؤية، وهو مغيب عنه، وهذا يستأجره كل شهر بشيء مسمى، هذا جائز.
وظاهر هذا: إثبات الخيار.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي على القول الذي يجيز بيعه بالصفة.
وجه الرواية الأولى: عموم قول النبي ﷺ : (البيعان كل واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرقا). وهذا عام.
ولأنه خيار لم يوجبه نقص، ولا يثبت في كل مبيع، فلم يثبت على وجه مجهول.
دليله: لو ابتاعه بشرط خيار مجهول.
стр. 1087
وفيه احتراز من خيار المجلس والرد بالعيب.
ولأنه [لو] وجد المبيع سليمًا فلم يملك الخيار، كما إذا كان قد سبق منه رؤية، كالمسلم إذا وجده على صفات.
ولا يلزم ليه إذا كان المبيع بشرط الخيار؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع.
ووجه الثانية: ما روي عن النبي ﷺ قال: (من ابتاع شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
والجواب: أنا قد بينا: أن هذا محمول عليه إذا لم يره، ولكنه وصفه، ولم يجده على الصفة، فله الخيار.
واحتج بأن في إسقاط الخيار إسقاط معنى المسألة؛ لأن هذا المبيع مسمى ببيع خيار الرؤية.
والجواب: أنه ليس كذلك؛ لأن هذا المبيع موصوف ببيوع الأعيان الغائبة من غير رؤية، ولا صفة.
стр. 1088
٢٤٦ - مسألة
بيع الأعيان الغائبة بالصفة جائز، وكذلك الحاضرة التي تشق رؤيتها، كالأعدال تباع على [البرنامج] وشبهه:
وقد نص على ذلك في رواية الأثرم وأبي طالب.
وبه قال مالك.
وللشافعي قولان:
قال في القديم: مثل هذا.
وقال في الجديد: لا يجوز بيعها إلا على الرؤية.
دليلنا: أن الصفة تقوم مقام الرؤية عند تعذرها، كالسلم.
فإن قيل: لا فرق عندك بين أن تكون الأعيان غائبة، فيصفها.
قيل له: إذا ثبت جواز بيع الغائبة بالصفة ثبت جواز الحاضرة؛ لأن أحدًا ما فرق.
وإن شئت قلت: أحد نوعي المبيعات، فجاز أن تباع على الصفة، كالذي يباع على الذمة.
стр. 1089
يبين صحة هذا: أنه إذا جاز السلم في الموصوف، وهو غير معين، فجواز البيع في العين الموصوفة أولى؛ لأن الصفة تمكن في العين المشاهدة ما لا تمكن في المعدوم.
فإن قيل: السلم حجة لنا، وذلك أن ما اختلفنا فيه هو بيع عين بصفة، فكان باطلًا، كالسلم في الأعيان.
قيل له: إذا أسلم في عين، ولم يشرط أجلًا، جاز، وكان بيعًا عبر عنه بالسلم، وإن أسلم فيها مؤجلًا بطل العقد؛ لدخول التأجيل في العين، لا لأنه عقد على عين موصوفة.
فإن قيل: السلم لما لم يمكن مشاهدته جاز أن تقوم الصفة مقام المشاهدة، وفي بيوع الأعيان يمكن مشاهدتها، فلهذا لم تقم الصفة مقامها.
قيل له: إذا كانت غائبة قد لا يمكن مشاهدتها.
وعلى أن الثمن يمكن مشاهدته، ومع هذا فيجوز بالصفة.
وقياس آخر، وهو: أن الصفة في بيوع الأعيان جهة نتوصل بها إلى معرفة المبيع، فصح العقد معها.
يبين صحة هذا: أن الصفة يعلم بها الموصوف، والرؤية لا يعلم بها، ألا ترى أن من باع فصًا، فرآه المشتري، وهو لا يعلم؛ أجوهر هو، أو زجاج؟ جاز العقد، وإن كانت الجهالة باقية مع الرؤية.
стр. 1090
وكذلك إذا ابتاع الدرياق ممن رآه من ليس [بطبيب] لا يعرفه، صح العقد مع بقاء الجهالة.
فإن قيل: لا نسلم أن الصفة جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع.
قيل له: الدليل على صحة ذلك: السلم.
ويبين صحة هذا: قول النبي ﷺ : (ولا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه يراها).
فلولا أنها تقوم مقام الرؤية لم ينه عن ذلك.
ولأنا قد بينا: أن العلم يحصل بها ما لا يحصل بالرؤية بدليل بيع الفص والدرياق.
وقياس آخر، وهو: أنه أحد البدلين في البيع، فلم تكن رؤيته شرطًا في صحة العقد، كالثمن إذا كان غير معين.
وإن شئت قلت: أحد البدلين في البيع، فقامت الصفة فيه مقام الرؤية.
دليله: الثمن.
فإن قيل: المعنى في الثمن: أنه في الذمة، فهو كالمبيع
следующие страницы →