← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

لكل مسكين مُدَّان قياساً على فدية الأذى. دليلنا: أن هذا المحصر شبيه بالمتمتع؛ لأنه يحصل له الترفه بالإحلال، كما يحصل للمتمتع الترفه بين الإحرامين، م ثبت أن المتمتع إذا وجد الهدي تعين عليه إخراجه، فإن لم يجده صام عشرة أيام، كذلك المحصر يجب أن يكون مثله. ويفارق هذا في جزاء الصيد؛ لأنه يجب على وجه التعديل، واعتبار النظير. ويفارق فدية الأذى؛ لأنها وجبت لارتكاب محظور، لا على وجه التعديل. * … * … * ٢٢٥ - مسألة ولا يجوز التحلل حتى يأتي بالبدل؛ الذي هو الصوم، كما لا يحل حتى يأتي بالمبدل؛ الذي هو الدم: نص عليه رواية ابن منصور، فقال: يصوم العشرة، ثم يحل، وفرق بينه وبين المتمتع والقارن. وكذلك في رواية أبي الحارث: يصوم العشرة قبل يوم النحر، فإذا كان يوم النحر حل.

стр. 982

وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا. والثاني: يحل قبل الصيام. دليلنا: أن الصوم قائم مقام الهدي، ثم ثبت أنه لا يجوز له أن يتحلل قبل ذبح الهدي، كذلك في الصوم؛ الذي هو قائم مقامه، وكان المعنى فيه: أن الهدي أُقيم مقام الأفعال الباقية عليه من الحج، ثم ثبت أنه لو لم يكن محصراً لم يتحلل حتى يكمل الأفعال، كذلك هاهنا. واحتج المخالف بأنه صيام وجب بالإحرام، فجاز أن يتقدمه التحلل. دليله: صوم دم التمتع والقران وقتل الصيد وغير ذلك. والجواب: أن مبدلات تلك الدماء لا يقف التحلل عليها، كذلك أبدالها، وليس كذلك هذا الصوم؛ لأن مبدله يقف التحلل عليه، كذلك بدله؛ لأن الدبل قائم مقام المبدل. * … * … * ٢٢٦ - مسألة إذا وقف بعرفة، وصُد عن البيت، فله التحلل على ظاهر قول أحمد في المحصر: له التحلل، ولم يُفرق: وقد صرح به رواية أبي طالب في المحصر عن مكة: فيه اختلاف، فإن حصر بُعذر ينحر الهدي، ويحل، كما فعل النبي ﷺ بالحديبية.

стр. 983

وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا وقف بعرفة لم يجز له التحلل. دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يفرق بين أن يكون الحصر عن جميع الأركان، أو عن بعضها. ولأنه مصدود عن البيت بغير حق، فجاز له التحلل. دليله: لو لم يُمكن من الوقوف بعرفة. وقيل: إحرام تام، فجاز التحلل منه بالإحصار. دليله: قبل الوقوف. ونريد بقولنا: (تام): أن محظوراته كلها باقية، والتلبية مسنونة، وبقاء التلبية يدل على بقاء الإحرام. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يحصل له أكثر الأركان، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يحصل له أكثر أركان الحج. أو يمكنه فعل الأكثر، فلا يجوز أن يتحلل بالهدي؛ لأن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأصول. قيل له: إذا وقف بعرفة فقد أتى بالإحرام والوقوف، وبقى عليه ركنان آخران، وهما: الطواف [والسعي]، فلم يصح قوله: قد أتى بأكثر أركان الإحرام. ولأن معظمها وأكثرها لا يقوم مقام الكل يدل عليه أن محظوراته كلها باقية، والتلبية مسنونة، ولو كان المعظم بمنزلة الكل لوجب أن

стр. 984

تكون المحظورات قد حلت، والتلبية قد انقطعت. وأيضاً فإن الوقوف لا يتغير به حكم الإحرام إلا في الأمن من الفوات، والأمن من الفوات لا يدل على المنع من التحلل بالإحصار بدليل أن إحرام العمرة لا يفوت، ومع هذا فإنه يكون له التحلل منه بالإحصار، وقد نص على ذلك أحمد في رواية أبي الحارث. فإن قيل: لو لم نجعله محصراً في العمرة لبقى محرماً لا يحل له شيء، فنضيق عليه، فأبحنا له التحلل تسهيلاً عليه، وتخفيفاً عنه، وليس كذلك المحرم بالحج إذا وقف بعرفة؛ لأنه يمكنه أن يحلق، فيحل له كل شيء إلا النساء، فلا يضيق عليه. قيل: في ترك النساء مشقة؛ لأن الطباع داعية إلى ذلك محتاجة إليه، فلم يصح ما قاله. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذه تمنع جواز التحلل قبل الطواف. والجواب: أن هذا غير مُمكن من الإتمام، فلا يدخل تحت الظاهر. واحتج بما روي عن النبي ﷺ قال: "من وقف بعرفة فقد تم حجه"، والإحلال بالهدي يمنع تمامه؛ لأنه يوجب فسخه، والظاهر يمنع منه.

стр. 985

والجواب: أن معنى قوله: "قد تم" قرب التمام، كما قال لعبد الله ابن مسعود، وقد علمه التشهد: "إذا قلت هذا - أو قضيت هذا- قضيت صلاتك"، وروي: "فقد تمت صلاتك"، ومعناه: قرب التمام؛ لأنه قد بقي عليه الخروج منها. وعلى أن التمام لا يمنع الفسخ، كمن يرتد، فينفسخ حجه. واحتج بأنه يمكنه الوقوف بعرفة، فلا يجوز له أن يتحلل بالهدي، كما لو لم يحصر، وكما لو مُنع من الصفا والمروة والمزدلفة. الجواب: أنه غير ممنوع من البيت، ولا من الوقوف، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ممنوع من البيت بغير حق، أشبه إذا منع قبل الوقوف. واحتج بأنه موضع يؤدي فيه ركن من أركان الحج، فإذا قدر على الوصول إليه في الحج لم يجز له أن يتحلل بالهدي، كما لو أمكنه الوصول إلى البيت، ومُنع من الوقوف. والجواب: أنه يجوز له التحلل هاهنا، كما يجوز له إذا مُنع من الوقوف والبيت جميعاً، بل هذا أولى؛ لأنه إذا مُنع من الموقف فاته الحج فيلزمه القضاء على الصحيح من الروايتين. ولأنه مصدود عن إكمال فرض نسكه بغير حق، وكان له التحلل،

стр. 986

كما لو صُد عن جميع الأفعال. وقولنا: (مصدود عن [إكمال] فرض نسكه) يحترز منه إذا أُمكن من الوقوف والطواف، ومُنع من منى، فإن الباقي عليه من المبيت والرمي لا يتحلل له؛ لأنه قد مُكن من التحلل، وقد فعله، فلا يحل بعد أن تحلل من الحج. ويتوجه أن يُقال: لا يتحلل؛ لأنه ممكن من البيت، ومن كان ممكناً من البيت، فليس بمحصر. وقد أومأ إلى هذا في رواية ابن إبراهيم وابن منصور: فقال في رواية ابن إبراهيم في المكي: لا إحصار عليه، وقد وجب عليه الحج ساعة يلبي. فلم يجعل للإحصار في حقه حكماً؛ لأن المكي مُمكن من حج البيت. وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: وقد سُئل: على أهل مكة إحصار؟ قال: أهل مكة يهلون، ولا يحلون إلا بالوقوف بعرفة والرمي والطواف مثل الحاج. واحتج بأنه لو مات بعد الوقوف لم ينفسخ إحرامه، ولم يُقض عنه الحج، كذلك إذا أحصر؛ لأنه قد حصل له الوقوف بعرفة.

стр. 987

قالوا: وقد قال أحمد في رواية أبي داود في من مات، وقد بقي عليه شيء من نسكه: يُقضي عنه، ويُوقف عنه بالمزدلفة. والجواب: أن الأمر كما ذكرت، وأنه يُبنى على فعله في الحج، وكان المعنى فيه: أن المقصود حصول الحجة للمحجوج، فإذا أمكن برجلين، فلا معنى للمنع منه. ولأنه لا يمنع أن تصح الحجة الواحدة من اثنين، ألا ترى أن الصبي الذي لا يمكنه الإحرام بالحج يحرم عنه وليه، ويأتي الصبي بأفعال الحج؟ فانعقد الإحرام من واحد، وبقية الحج من آخر، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا؛ لأنه مصدود عن البيت، فهو كما لو كان مصدوداً عن جميع أفعال الحج، ولا فرق بينهما. * … * … * ٢٢٧ - مسألة إذا مرض المحرم لم يجز له التحلل، ويقيم على إحرامه حتى يصل إلى البيت، فإذا فاته الحج يفعل ما يفعله الفائت من عمل العمرة والهدي والقضاء على الصحيح من الروايتين: نص عليه في رواية الجماعة؛ ابن منصور، وأبي الحارث، والأثرم: فقال: في رواية ابن منصور: إذا كان إحصار عدو نحر هديه،

стр. 988

ورجع، وإذا كان مرضاً، أو كسراً، فهو محرم أبداً حتى يصل إلى البيت، ويطوف بالبيت. وكذلك نقل أبو الحارث. وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: الإحصار بالمرض، كالإحصار بالعدو سواء. دليلنا: ما روى أحمد في "المسند": ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وهشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل النبي ﷺ على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقال: إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ : "حُجي، واشترطي: أن مَحِلي حيث حَبَستني". وروى أحمد: نا يعقوب قال: نا أبي قال: فزعم ابن إسحاق، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: أتى رسول الله ﷺ ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي شاكية، فقال: "ألا تخرجين معنا في سفرنا هذا"، وهو يريد حجة الوداع، فقالت: يا رسول الله! إني شاكية، وأخشى أن تحبسني شكواي، قال:

стр. 989

"فأهلي بالحج، وقولي: اللهو مَحِلي حيث حبستني". وروى -أيضاً- أحمد عن الضحاك بن مخلد، عن حجاج الصواف قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قالت: قال رسول الله ﷺ : "أحرمي، وقولي: إن محلي حيث تحسبني، فإن حُبست، أو مرضت، فقد أحللت من ذلك، شرطك على ربك ". فوجه الدلالة: أنه أمرها أن تشترط، فلو كان المرض يُبيح الإحلال لما احتاجت إلى شرط الإحلال في الموضع الذي تُحبس فيه. فإن قيل: قوله: "اشرطي" معناه: قولي في نفسك، واعقدي، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨]. وقوله: "اشترطي" من كلام الراوي؛ فإنه لما سمع النبي ﷺ يقول لها: "قولي" ظن أنه أراد القول حقيقة. قيل له: "اشترطي" ظاهره يقتضي الكلام؛ لأنه قد روى أحمد: "وقولي: اللهم محلي حيث حبستني"، وهذا نص في أنه أمرها بالشرط. وقولهم: (إن هذا من كلام الراوي) لا يصح؛ لأن الصحابي إذا

стр. 990

قال: قال النبي ﷺ ، فالظاهر أنه من قوله؛ لأنه عزاه إليه. وعلى أن القصد بالقلب، لا يعتبره أحد، فلا يجوز اعتباره، وحمل الخبر عليه. فإن قيل: فائدة الشرط: أنه لا يلزم الدم حال الشرط، ويلزمه حال الإطلاق. قيل: يجب أن يكون الشرط في الحكم المذكور، وهو إباحة التحلل دون غيره. على أن هذا ليس بمذهب لهم؛ لأن عندهم أن الشرط لا يصح، وأن التحلل لا يكون إلا بالهدي، وقد جعله بعضهم في مسائل الخلاف، فلم يصح هذا السؤال. ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير: فروى النجاد بإسناده من طريق أحمد عن ابن عباس: لا حصر إلا حصر عدو. وروى أيضاً بإسناده من طريق أحمد عن ابن عمر: لا إحصار إلا من عدو. وروى بإسناده من طريق مالك: أن ابن حُزابة المخزومي صُرع

стр. 991

ببعض الطريق، وهو محرم بالحج، فسأل عن الماء الذي كان عليه، فوجد عليه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له، فكأنهم أمروه أن يتداوى بما لا بد له منه، ويفتدي، فإذا صح اعتمر وحل من إحرامه، ثم عليه الحج قابلاً، ويفتدي. والقياس: [أن] كل من لم يتخلص بتحلله من نسكه عن شيء من الأذى الذي هو فيه، لم يجز له التحلل. دليله: لو أخطأ الطريق. ولا يلزم عليه إذا أُحصر بعدو؛ لأنه يتخلص من الأذى، وهو الأمن من عدوه، والمريض لا يزول مرضه بتحلله. ولا يلزم عليه إذا أحاط به العدو من جميع الجهات؛ لأنه قد يتخلص بالتحلل، وهو أن يمكنه الهرب والرجوع إلى بلده، وإذا لم يتحلل لم يمكنه. فإن قيل: يستفيد بالتحلل استباحة الطيب واللباس وسقوط الفدية. قيل له: هذا المعنى لا يوجب جواز التحلل، ألا ترى أن من أصابه شدة حر أو برد، فاحتاج إلى ذلك، لم يستبح التحلل؛ ليتطيب، ويلبس، ويسقط عنه الفدية. وقياس آخر، وهو: أن كل ما لا يُبيح التحلل بعد الوقوف بعرفة لا يبيحه قبله.

стр. 992

أصله: الحيض والنفاس. ولا يلزم عليه المحصر بعدو؛ لأنه يُبيح التحلل بعد الوقوف عندنا. ولأنه مصدود عن البيت لمعنى في نفسه، فلا يجوز له التحلل. دليله: الحائض؛ فإنها مصدودة عن البيت، ولا تتحلل. وعكسه: المحصر بعدو؛ لأنه مصدود عنه لمعنى في غيره، وهو العدو. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال النسائي وأبو عبيدة وثعلب وأكثر أهل اللغة: يُقال: أحصره المرض، وحصره العدو. وقال تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فأطلق في العدو لفظ (الحصر) دون (الإحصار)، فإذا ثبت أن الإحصار أخص بالمرض منه بالعدو، وجب حمل الآية عليه. والجواب: أنه لا يجوز أن يُقال: (إن الإحصار أخص بالمرض منه بالعدو) من وجهين: أحدهما: أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ عام الحديبية، وهو

стр. 993

مصدود بالعدو، فأبيح له التحلل بها، والسبب لا بد من أن يكون داخلاً في اللفظ الذي هو وارد فيه. والثاني: أن هذا اللفظ عبارة عن الحبس والمنع، وذلك يحصل بالعدو، كما يحصل بالمرض، وكان عاما ًفيهما جميعاً، ولم يكن أخص بأحدهما من الآخر. والذي يبين صحة هذا: قول ابن محمد العُتبي في "غريب القرآن": ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، من الإحصار، وهو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض، أو كسر، أو عدو، يقال: أُحصر الرجل إحصاراً، فهو محصر. فإن حُبس في سجن أو دار قيل: حُصر، فهو محصور. وقد بين أن اللفظ عام في المرض والعدو جميعاً. وإذا ثبت أنه عام فيهما فقد اقترنت به قرينة دلت على أن المراد به: العدو دون المرض، والقرينة في ذلك من سياق الآية من أربعة أوجه: أحدها: أنه قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِي﴾، فلو كان المراد بأول الكلام المرض لم يستأنف ذكره. والثاني: قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فلو كان المراد بأول الآية المرض لم يرتب حلقه على بلوغ الهدي محله؛ لأن

стр. 994

لكم نصاً أن يحلق قبل النحر. والثالث: قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾، والأمن إنما يكون من العدو دون المرض. والرابع: قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، وهذا خطاب لجماعتهم، وإنما يكون هذا بالعدو، فأما المرض فيبعد أن يعم الجماعة. فإن قيل: قد يكون الأمن من المرض هو أن يأمن زيادته. قيل له: لم نسمع من أهل اللغة: أمن من المرض، وإنما يُقال: صح، وبرأ، واستقل، واندمل، وتماثل، وأفاق، ونقه. فإن قيل: قد ثبت أن لفظ الإحصار يصلح للمريض والعدو، هو عام، وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ راجع إلى بعض ما تناوله العموم، وهو العدو، وهذا لا يوجب تخصيص العموم، ولذلك نظائر في مواضع. قيل له: لا نسلم أن لفظ الإحصار هاهنا يعم المرض والعدو، حتى يقال: إنه خصص بعد ذلك بالحكم لما بينا، وهو قوله" ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] يختص العدو؛ لأن المرض لا يعم في العادة. واحتج بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل"؛ يعني: جاز له الإحلال، كما قال النبي ﷺ : "إذا أقبل الليل من

стр. 995

هاهنا، وإذا أدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم"؛ يعني: جاز له أن يفطر؛ لأنه لو كان مفطراً بدخول الليل لما كان لنهيه عن الوصال معنى، وكان يُقال: حلت المرأة للأزواج إذا انقضت عدتها؛ يعني: جاز لها أن تتزوج. والجواب: أن ظاهر الخبر يقضي أن يحل بنفس الكسر والعرج، وهذا مُطرح بالإجماع، ولا بد فيه من إضمار، فإذا جاز لهم أن يضمروا فيه: أنه يجوز له التحلل، جاز أن يضمروا فيه: من كسر أو عرج، وشرط التحلل، فقد حل. ويكون هذا أولى؛ لأنه يحل من غير هدي، وظاهر الخبر يقضي تحللاً من غير هدي. أو يضمر فيه: من كسر أو عرج، وفاته الحج، جاز له أن يتحلل بعمل عمرة، فنتساوى في ذلك. واحتج بأن كل من تعذر عليه الوصول إلى البيت، أو الوقوف بعرفة، وقدر على توجيه الهدي، جاز له أن يحل بالهدي. دليله: المحصر بالعدو. ولا يلزم عليه إذا ضل عن الطريق؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون قادراً على توجيه الهدي، أو لا يكون قادراً عليه:

стр. 996

فإذا كان قادراً عليه، فهو ممنوع من الوصول إلى البيت؛ لأنه إذا لم يكن هناك عدو، ولا مرض، وقدر على توجيه الهدي، أمكنه أن يتوجبه بنفسه. وإن لم يكن قادراً على توجيهه لم يلزمنا؛ لأنا قيدنا علتنا به. والجواب: أنا لا نسلم أنه قد تعذر عليه الوصول، [ويبطل بالوصول] بعد الوقوف بعرفة، وبالحائض والنفساء؛ فإنهما قد تعذر عليهما الوصول إلى البيت، ويقدران على توجيه الهدي، ومع هذا، فلا يجوز لهما التحلل. ويبطل -أيضاً- بمن ضل الطريق، وقدر على توجيه الهدي؛ فإنه قد تعذر عليه الوصول إلى البيت، ولا يجوز له التحلل. وقولهم: (إنه إذا كان قادراً على توجيه الهدي، فهو غير ممنوع من الوصول) غير صحيح؛ لأنه قد يكون الرسول يهتدي الطريق، والمحرم لا يهتدي هو، فلا يمكنه أن يتوجه بنفسه. ثم المعنى في الأصل: أن يتخلص بتحلله من الأذى الذي هو فيه؛ لأنه ينصرف فيأمن، وليس كذلك المريض؛ لأنه لا يزول المرض بتحلله، فلا معنى للإحلال. فإن قيل: لو كان المعنى في إباحة الإحلال ما ذكرت دون وقوع الحبس عن النفاذ، لوجب أن لو كان أمامه عدو يمنع النفاذ، ومن خلفه أيضاً؛ أن لا يجوز الإحلال لأنه خائف في الرجوع، كما أنه خائف في

стр. 997

التقدم: فلما قلتم: يجوز الإحلال مع منعه من المضي والرجوع، ثبت أن المعنى المبيح للإحلال: كونه محبوساً عن المضي. قيل له: لا نعرف الرواية عن أصحابنا في هذا، ولا يمتنع أن نقول: إذا كان هكذا لا يجوز له أن يتحلل. وإن سلمنا هذا؛ فإنه يتحلل، وينقل [ .... ] من جهة مكة إلى جهة بلده، فيقابل تلك الجهة، وينصرف. فعلى هذا: قد يخلص من الأذى الذي كان إمامه. فإن قيل: لو أحصر في بلده جاز له الإحلال، وإن لم يكن هناك رجوع إلى الموضع، فدل على أن الحكم لم يتعلق بالرجوع، وإنما تعلق بحدوث الحبس المانع من التقدم. قيل له: الغرض من الرجوع إلى أهله وبلده الاستيطان، والتصرف باختياره، وهذا المعنى يستفيده بالحصر في البلد، فلهذا جاز له التحلل، وليس المراد بالتحلل في الطريق إلا الرجوع لهذه الأشياء. فإن قيل: فالذي يدل على أن المعنى المجوز للإحلال وقوع الحبس عن التقدم: أنه لو أحرم، وعليه دين، فحُبس، جاز له أن يحل، ولا خوف هاهنا، فعُلم أن المبيح للإحلال ما ذكرنا. قيل له: لا نسلم هذا؛ لأنه إذا كان موسراً، وقد أحرم، لزمه قضاء دينه، والنفوذ في نسكه، وإن كان معسراً، وجب إنظاره، فلا معنى

стр. 998

لتحلله، اللهم إلا أن يكون عبداً أحرم بغير إذن سيده، فله تحليله على إحدى الروايتين؛ لأنه تصرف في ملك غيره. واحتج بأن سائر الفروض لا يختلف حكمها في كون المنع منها بعدو أو مرض، ألا ترى أن الخائف له أن يصلي قائماً، أو قاعداً إذا تعذر عليه فعلها قائماً، كما يحوز ذلك للمريض، وكذلك ترك استقبال القبلة، وكذلك جواز التيمم إذا منعه الوصول إلى الماء خوف العدو، أو مرض يخاف ضرره، وجب أن لا يختلف المرض وخوف العدو في إباحة الإحلال من الإحرام، وسقوط فرضه. والجواب: أن المعنى في تلك الأشياء: أنه يخرج من المشقة المخوفة بصلاته جالساً، وبترك القبلة جالساً، وبترك القبلة، وبالتيمم، كما يخرج منها من خوف العدو، فاستويا، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه لا يخرج من المشقة بتحلله من المرض، ويخرج من ذلك في العدو، فلهذا فرقنا بينهما. واحتج بأن المرأة إذا منعها زوجها من المضي في حجة التطوع بعد الإحرام بها، جاز لها الإحلال، وكذلك العبد إذا منعه مولاه من المضي فيه، كذلك المريض للعلة التي ذكرنا، وهو أنه ممنوع من الوصول إلى البيت. والجواب: أن أصحابنا اختلفوا في الزوج، وفي السيد؛ هل لهما حصر العبد والزوجة عن حجة التطوع؟ فقال أبو بكر: ليس لهما ذلك.

стр. 999

فعلى هذا: لا يصح السؤال. وقال شيخنا أبو عبد الله: لهما ذلك. فعلى هذا: الفسخ هناك لحق السيد؛ لما عليه من الضرر من تعطيل خدمته، وتفويت كسبه ومنافعه، وبالحصر والتحلل يزول هذا المعنى، فلهذا كان له ذلك، وهذا المعنى معدوم في المرض. * … * … * ٢٢٨ - مسألة إذا شرط المحرم: أنه إذا مرض، أو أخطأ العدد: أن محلي حيث حبستني، جاز له التحلل عند وجود الشرط، وكذلك إن شرط: إن حصرني عدو، تحلل، ولا دم عليه. فيستفيد بالشرط عند المرض والخطأ التحلل وإسقاط الدم، وعند العدو إسقاط الدم: وقد نص على هذا في رواية مهنا والمروذي والميموني. وهو قول الشافعي. وقال لي أبو بكر الشامي: مذهب الشافعي: إن حُصر بعدو جاز له التحلل، وعليه دم؛ سواء شرط التحلل في إحرامه، أو لم يشرط. وإن حصره المرض لم يجز له التحلل، وإن شرط التحلل، فهل يجوز له التحلل؟ على قولين.

стр. 1000

فإن قلنا: يجوز له التحلل، فهل يسقط عنه الدم؟ على وجهين. وقال أبو حنيفة ومالك: اشتراطه كلا اشتراط، ولا يحل إلا بالهدي في قول أبي حنيفة، وفي قول مالك لا يستفيد التحلل أصلاً في المرض وخطأ العدد. دليلنا: ما تقدم من حديث ضُباعة، وأنه أمرها بالشرط، ففيه دلالة على جواز التحلل به من المرض، ودلالة على إسقاط الدم؛ لأن على قول أبي حنيفة لها أن تحل بغير شرط، فلا فائدة له على أصله إلا سقوط الهدي عنها. فإن قيل: من الناس من يقول: إن محله لا يكون حيث حُبس، ويبقى حراماً حتى يطوف، فأفادنا هذا الخبر بطلان هذا المذهب، وأن كل من أُحصر فحكمه أن يحل من حيث حُبس. قيل له: من يذهب إلى ذلم لا يفرق بين أن يشترط في إحرامه، وبين أن لا يشترط، فيجب أن يكون للأمر بالاشتراط فائدة، ولا فائدة له غير ما قلنا. وأيضاً للشرط تأثير في إسقاط العبادات ولزومها في الشرع، بدلالة أن من قال: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أصوم، فإذا أطلق ذلك لزمه الصوم سواء شفى الله مريضه، وهو صحيح، أو سقيم. وإن قال: إن شفى الله مريضي، فعلي صوم يوم إن كنت صحيحاً؛

стр. 1001

فإنه إن كان مريضاً حال شفائه، لم يلزمه الصوم. فأثر الشرط في إسقاط الصوم عنه، كذلك -أيضاً- جاز أن يكون له تأثير في الحج في إباحة التحلل. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا عام سواء شرط، أو لم يشرط. والجواب: أنه محمول عليه إذا لم يشرط؛ لما ذكرنا من حديث ضُباعة. فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يجوز أن يعترض على الآية. قيل له: هذا تخصيص، وتخصيص الآية بخبر الواحد يجوز. فإن قيل: لم يثبت تخصيصها بالاتفاق، ولا يجوز تخصيصها بخبر الواحد. قيل له: يجوز عندنا. واحتج بأنه لو أطلق الإحرام، ولم يشترط شيئاً، لم يحل إلا بالهدي، فإذا شرط لم ينتف موجب الإطلاق بالشرط، ألا ترى أنه لما كان موجب الإطلاق يوجب الطواف عند الفوات، لم ينتف ذلك الواجب بالشرط في إحرامه؛ أنه إن فاته الحج حل بغير طواف، ولم يكن لهذا الشرط حكم، كذلك لو شرط أنه إن فسد الحج، لم يقضه، لم يصح هذا الشرط، وكذلك هذا.

стр. 1002

والجواب: أنه إذا شرط حين إحرامه أن يحل إن عرض له عارض؛ من مرض، أو ضياع نفقة، أو ضل الطريق، أو أخطأ العدد، أو فاته الحج، فله التحلل. وقد قال أحمد في رواية مهنا: إذا قال عند الإحرام: محلى حيث حبستني، فأصابه شيء، أو أُحصر، أو مرض، أو ذهبت نفقته، [ .... ] فأحل: لا شيء عليه. فهذا غير مسلم، بلى إذا شرط: إن أفسد لم يقضه، لم يصح الشرط. وكذلك إن شرط: أن لي أن أحل متى شئت، لم يصح؛ لأنه لا عذر له في ذلك. وليس كذلك ما ذكرنا؛ لأن له عذراً فيه، فجاز أن يستفيد به التحلل بالشرط، ألا ترى أن الحصر والمرض لما كان عذراً استفاد به التحلل؟ كذلك هاهنا. واحتج من قال: لا يجوز له التحلل بالشرط بعموم قوله: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والجواب: أن هذا محمول على غير حالة الشرط بما ذكرنا.

стр. 1003

واحتج بأن كل معنى لم يجز التحلل معه متى لم يشرط، لم يجز، وإن شرط. أصله: ضلال الطريق، وعكسه: العدو. والجواب: أنا لا نسلم ذلك، وقد ذكرنا في ما قبل. واحتج بأن كل عبادة لم يصح الخروج منها بالمرض عند عدم الشرط، لم يجز عند وجوده، كالصلاة. وعكسه: الصوم. والجواب: أنه إنما لم يخرج منها بالمرض عند الشرط وعدمه؛ لأنه يمكنه الإتيان بها على حسب حاله، ويجزئه، فلا يستفيد بالخروج منها فائدة، وهو [ .... ] فصح الخروج منه. * … * … * ٢٢٩ - مسألة لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم: نص عليه في رواية الجماعة؛ الأثرم، والمروذي، وابن منصور، وحرب، وابن القاسم، وبكر بن محمد، وأبي داود، والميموني:

стр. 1004

فقال في رواية الأثرم: [المحرم] من السبيل، فإن كان لها محرم حج بها، وإن كره الزوج، إذا كانت الحجة فريضة. ونقل ابن منصور عنه في امرأة موسرة ليس لها محرم، فقال: المحرم من السبيل. ونقل حرب عنه في امرأة لها مال، وليس لها محرم؛ هل تحج؟ قال: لا، إلا مع محرم، قال تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهذه لا تستطيع. وقال في رواية أبي داود في امرأة موسرة، لم يكن لها محرم؛ هل وجب عليها الحج؟ فقال: لا. وقال في رواية المروذي في امرأة لها خمسون سنة، وليس لها محرم: لا تخرج إلا مع محرم. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال مالك والشافعي: إذا كان معها نساء ثقات، فلها أن تحج بغير محرم. ومن أصحاب الشافعي من قال: لا اعتبار بالمحرم، ولا بنساء ثقات، ولها أن تخرج وحدها إذا كان الطريق آمناً. وهذا خلاف نص الشافعي. دليلنا: ما روى أبو بكر في كتاب "الشافي" بإسناده عن عبد الله بن عباس قال: إن رجلاً قدم المدينة، فقال له النبي ﷺ : ["أين نزلت؟ "،

стр. 1005

فقال: على فلانة]، فقال: "أغلقت عليك بابها؟ أغلقت عليك بابها؟ لا تحجن امرأة إلا مع ذي محرم". فإن قيل: يحمل ذلك على حجة التطوع، وإذا لم يحصل الأمن إلا به. قيل له: هذا التخصيص بغير دلالة. على أن ظاهره يقتضي السفر الذي يجوز لها الخروج منه بوجود المحرم؛ أذن الزوج، أو لم يأذن، وهذا لا يكون إلا في سفر الفرض. وروى -أيضاً- بإسناده عن ابن عباس قال: جاء رجل [إلى] النبي ﷺ ، فقال: إن امرأتي خرجت إلى الحج، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: "انطلق، فاحجج مع امرأتك". فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمره أن يترك الفرض لأجله، فلولا أنه شرط لم يأمره بذلك. وروى -أيضاً- بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة مُسلمة تُسافر سفراً إلا ومعها ذو محرم". وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1006

"لا تسافر المرأة بريداً إلا مع ذي محرم". وروى -أيضاً- بإسناده عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "لا تسافر المرأة مسيرة يوم إلا مع ذي محرم". وروى بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذُو حرمة منها". وروى بإسناده عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "لا تُسافر امرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم". وبإسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسافر المرأة سفراً؛ ثلاثة أيام فصاعداً، إلا مع زوجها، أو ابنها، أو أخيها، أو ذي محرم". فإن قيل: ألفاظ هذا الحديث مختلفة: فروي: سفراً. وروي: بريداً.

стр. 1007

وروي: يوماً. وروي: ليلة. وروي: ثلاثة أيام. وروي: فوق ثلاث. وهذا يدل على اضطرابه، فوجب اطراحه. قيل له: هذا لا يوجب اطراحه؛ لأنا نقول بجمعها، وليس فيها ما يعارض الآخر؛ لأن السفر الطويل والقصير سواء عندنا في اعتبار المحرم. والقياس أنها أنشأت سفراً في دار الإسلام، فوجب أن لا يجوز بغير محرم. دليله: حجة التطوع، والتجارة. وفيه احتراز من الهجرة؛ لأنها ليست في دار الإسلام. وفيه احتراز من البكر إذا زنت؛ أنها تبقى بغير محرم، وإذا توجه عليها حق، وهي عايبة؛ فإن الحاكم يحضرها، وإن لم يكن لها محرم؛ لقولنا: أنشأت، وهذا إنما يكون مع الاختيار، وتلك خروجها بغير اختيار، فلا يلزم على العلة. وإن شئت قلت: كل سفر منعت منه العدة، ومنع منه عدم المحرم. دليله: ما ذكرنا. فإن قيل: روى الكرابيسي عن الشافعي: أن لها الخروج مع

стр. 1008

المسلم إذا كان الطريق آمناً من غير محرم لحجة التطوع. قيل له: ليس بمعول عليه في المذهب، والمشهور عنه: أنه لا يجوز لها ذلك. فإن قيل: لا يجوز اعتبار الفرض بالتطوع، ألا ترى أنه يجوز للزوج أن يمنع زوجته من التطوع في الصلاة والصيام والحج وليس له منعها من الفرض؟ كذلك هاهنا. قيل له: العدة قد منعت من سفر الحج الفرض، كما منعت من سفر التطوع ومن التجارة، وإن اختلفا من الوجه الذي ذكرت، كذلك لا يمتنع أن يختلفا هاهنا. على أنا لا نسلم وجوب الحج على إحدى الروايتين مع فقد المحرم، فالسفر إليه غير واجب. وقياس آخر، وهو: أنه لما لم يجز لها أن تخرج بحجة التطوع والتجارة، لم يجز لها أن تخرج بحجة الإسلام. دليله: المعتدة. فإن قيل: العدة فرض مضيق، والحج موسع، فقُدم أداء العدة على أداء الحج، وليس كذلك إذا وُجد الأمن، وعُدم المحرم؛ فإن ذلك لا يؤثر. قيل له: الحج عندنا فرض مضيق، كالعدة؛ لأنه على الفور. وعلى أنا إذا قسنا على المعتدة من الطلاق لم تصح هذه المعارضة؛

стр. 1009

لأن عندنا أنه لا يتعين قضاؤها في بيت زوجها، بل يجوز أن تعتد حيث شاءت، فليست هاهنا فرضاً مضيقاً. وعلى أن ترك الخلوة بالأجانب فرض مضيق، فوجب أن تقدم على الحج الموسع على [ .... ] قولهم. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فعلق وجوب الحج بوجود الاستطاعة. وقد سُئل النبي ﷺ عن الاستطاعة، فقال: "هي الزاد والراحلة". وهذا خارج مخرج البيان، ومن حكم البيان أن يكون شاملاً لجميع ما أريد بيانه، والنبي ﷺ قصد إلى بيان حكم جميع المخاطبين بالحج، فلو قلنا: إن المحرم شرط في وجوب الحج على المرأة، لكان النبي ﷺ قد ترك لحكم بعض المخاطبين به، وهذا لا يجوز. والجواب: أن وجوب الحج عليها متعلق بوجود الزاد والراحلة، والمحرم شرط لحال السفر وجواز الخروج، كما نقول: لو وجدت زاداً وراحلة وجب عليها الحج، فإن كانت معتدة لم يجز لها أن تخرج، فجعلنا خلوها من العدة شرطاً في جواز الخروج، لا في الوجوب، كذلك المحرم.

стр. 1010

وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أبي جعفر محمد بن أبي حرب الجرجرائي: وقد سُئل عن المرأة لا يكون لها ولي؛ هل تعطي من يحج عنها، فقال: قد أيست؟ قيل: نعم، قال: تعطي من يحج عنها في حياتها. وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم في امرأة ليس لها محرم؛ هل تدفع إلى رجل؛ ليحج عنها؟ فقال: إذا كانت قد يئست من المحرم، فأرى أن تجهز رجلاً يحج عنها. وظاهر هذا: أنه أوجب الحج عليها، وإن لم يكن لها محرم؛ لأنه أمرها بإخراج حجة عن نفسها. وقال في رواية أبي داود: وقد سُئل عن امرأة موسرة، لم يكن لها محرم؛ هل وجب عليها الحج؟ قال: لا. وظاهر هذا: أن المحرم شرط في أصل الوجوب. فعلى هذا يحمل بيان النبي ﷺ للسبيل بالزاد والراحلة في حق الرجال دون النساء بدليل ما ذكرنا من الأخبار. أو يحمل ذلك على أن النبي ﷺ بين الشرط الذي يعم جميع الناس، ولم يبين الشرط الذي يخص، ألا ترى أنه لم يبين عدم العدة، ولا وجود نساء ثقات. أو يحمل على أنه بين الشرط الذي يحتاج إليه في سفر الحج،

стр. 1011

والمحرم يُعتبر في كل سفر، فلا اختصاص له بسفر الحج. واحتج بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". والجواب: أنه قال: "وبيوتهن خير لهن"، فلو جاز لها الخروج بغير محرم، لكان الخروج خير لها من كونها في بيتها؛ لأنها تخرج لأداء الفرض. على أنا نمنعها على صفة، وبنيحها على صفة أخرى، ولا يكون هذا منعاً من المسجد [ .... ]، ويباح ظاهراً. واحتج بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال لعدي بن حاتم، وهو يرغبه في الإسلام: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة بغير جوار حتى تَحج البيت". وروى: "حتى تطوف بالكعبة". وهذا يدل على جواز خروجها بغير محرم؛ لأنه لم يشترط المحرم. والجواب: أنه أخبر: أنها تخرج، وليس فيه دلالة على أن لها أن تخرج، وإنما قصد إلى الأخبار عن ما يؤول إليه حال الناس من الأمن

стр. 1012

وزوال الخوف وطيب الزمان، حتى لو خرجت المرأة وحدها لم تخف إلا الله، ولا دلالة في ذلك على جواز خروجها بغير محرم. يبين صحة هذا: ما روي في خبر آخر: أنه قال: "يُوشك أن تخرج الظعينة من القادسية إلى اليمن لا تخاف إلا الله". ولا خلاف أنها لا تخرج لغير الحج بغير محرم. فإن قيل: النبي ﷺ قصد إلى مدح الزمان الذي يأتي في المستقبل، فلو كان هذا فعلاً مذموماً، لما مدح الزمان الذي يقع فيه، كما لا يمدح الزمان الذي يُشرب فيه الخمر، ويكثر فيه الزنا. قيل له: أليس أخبر: أنها تخرج من القادسية إلى اليمن؟ ولا خلاف أن خروجها إلى اليمن بغير محرم فعل مذموم. وعلى أنه قد روي في الخبر: "لا تخاف إلا الله"، فذكر خوفاً يختص الخروج، وذلك الخوف؛ لأنها خالفت الواجب، وحجت بغير محرم. يبين هذا: أن الإنسان يجوز أن يخاف الله في كل أحواله، وهاهنا ذكر خوفاً يخص الخروج، وما ذلك إلا ما ذكرنا. واحتج بأنه سفر واجب، فوجب أن لا يكون من شرطه المحرم. دليله: الهجرة، وخروجها للنفي، وحضورها مجلس الحاكم.

стр. 1013

وقد نص أحمد على أن المحرم ليس بشرط في ذلك، فقال في روية الأثرم: المرأة تنفى بغير محرم. وكذلك نقل المروذي عنه تُنفى المرأة بغير محرم. ونقل ابن القاسم عنه: لا تحج امرأة إلا مع ذي محرم، فقيل له: فإن وجب عليها حق، وليس ثم حاكم؛ أليس يُخرج بها إلى الحاكم؟ فقال: ليس يشبه هذا أمر الحج. والجواب: أن الهجرة آكد من السفر للحج بدلالة أن لها أن تهاجر، وهي معتدة، وليس لها أن تخرج إلى الحج، وهي معتدة، وبدلالة أنه لا يُعتبر في حقها زاد أو راحلة، وتعتبر في الحج. ولأن المهاجرة تخاف على نفسها من المقام بين المشركين، فجُوِّز لها الخروج، وهذه تخاف على نفسها من الخروج؛ لأنها تصير معرضة للأجانب، وليس معها من يدفع عنها. يبين صحة هذا: أن المعتدة إذا خافت من المقام في منزل زوجها، جاز لها الانتقال، ثم لا يجوز لها أن تنتقل مع عدم الخوف، كذلك هاهنا. وأما خروجها للنفي ففيه روايتان: نقل المروذي عنه: أنها تُنفي إلى موضع لا تقتصر فيه الصلاة. فعلى هذا: ليس هناك سفر كامل.

стр. 1014

ونقل ابن منصور وأبو طالب والأثرم: تُنفى مسافة تقصر فيها الصلاة. فعلى هذا: ذلك السفر عقوبة، فجاز أن لا يُعتبر المحرم فيه تغليظاً عليها. وأما حضورها مجلس الحاكم في بلد آخر، فظاهر كلام أحمد: أنه لا يُعتبر فيه المحرم. قال في رواية ابن القاسم: لا تحج إلا مع ذي محرم، فقيل له: أليس إذا وجب عليها حق من الحقوق يُخرج بها إلى الحاكم في ذلك؟ قال: ليس يشبه هذا أمر الحج؛ هذا حق لازم يقام عليها مثل الحدود. وظاهر هذا: أنه لم يعتبر المحرم في ذلك، وكان الفرق بينهما أن حضوره حق لآدمي، فهو أغلظ، وهذا حق لله تعالى، فهو أضعف. واحتج بأن كل عبادة لم يُشترط المحرم في وجوبها لم يُشترط في أدائها، كالصوم والصلاة. والجواب: أنا قد حكينا روايتين: إحديهما: أنها شرط في الوجوب. فعلى هذا: لا نسلم الوصف.

стр. 1015

وإن قلنا: ليس بشرط، فلا يمتنع أن يكون من شرائط السفر ولزوم الأداء، كامرأة ثقة هي شرط في أدائها، وليس بشرط في وجوبها. وقد نص على ذلك الشافعي، فقال: إذا وجدت المرأة الزاد والراحلة، وكانت مع نساء ثقات في طريق آمن، عليها الحج، وإن لم يكن معها محرم. ثم نقول بموجبه، وأنه ليس بشرط في أدائها، وإنما شرط في قطع السفر بدلالة المكية بغير محرم. ثم نقلب العلة فنقول: فاستوى نفلها وفرضها. دليله: ما ذكره؛ لأن سائر العبادات لا تعلق للمحرم بأدائها، فلم يشترط فيها، وهذه للمحرم تعلق بأدائها، ألا ترى أنها تخاف على نفسها متى انفردت بالسفر، فلذلك شرط فيها. ولهذا المعنى اعتبر أحمد المحرم في حق من تخاف أن ينالها الرجال، فقد [قال] في رواية أحمد بن إبراهيم الكوفي: وقد سُئل عن الجارية: متى لا يحل لها أن تسافر إلا مع ذي محرم؟ فقال: إذا كان لها سبع سنين، أو قال: تسعة. واحتج بأنه لا يخلو إما أن يكون الاعتبار بالمحرم؛ لأنه لو كان

стр. 1016

موجوداً، ولا أمن هناك لم يجب عليها. والجواب: أن الاعتبار بالأمن؛ إلا أن المرأة لا تأمن إلا باستقامة الطريق ووجود محرم تأمن فيه العيبة من الأجانب، وليس يمنع أن تختلف صفة الأمن باختلاف الناس، ألا ترى أن الطريق الآمن يجب سلوكه للحج لعامة الناس، وإن كان منهم من يخاف لشيء يخصه لم يجب عليه؟ واحتج بأنه لو كان المحرم شرطاً في حج المرأة لاستوت فيه العجوز والشابة، كسائر الشرائط. وقد نقل المروذي عنه: أنه قد سئل عن امرأة كبيرة، ليس لها محرم، وقد وجدت قوماً صالحين، فقال: إن تولت هي النزول، ولم يأخذ رجل بيدها، فأرجو. والجواب: أن ذلك شرط في حق العجوز والشابة، وقد رواه المروذي عنه في موضع آخر في امرأة لها خمسون سنة، وليس لها محرم: لا تخرج إلا مع محرم، أرجو أن تُرزق، لعلها تتزوج. ونقل الميموني عنه: أنه حُكي له قول مالك: العجوز تخرج مع عجائز مثلها، فقال: من فرق بين العجوز والشابة؟ وكذلك نقل حرب عنه في امرأة قد كبرت، وليس لها محرم:

стр. 1017

لا تحج إلا مع محرم. واحتج بأنه لو كان المحرم شرطاً في ابتداء سفرها كان شرطاً في استدامته، وقد قال أحمد في رواية الأثرم وأبي الحارث وابن إبراهيم: إذا مات محرمها في الطريق مضت لحجها. والجواب: أن هذا يبطل بحجة النفل، وسفر التجارة؛ فإن المحرم معتبر في ابتدائه دون استدامته كذلك هاهنا. * فصل: وقصير السفر وطويله سواء في اعتبار المحرم. نص عليه في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد: وقد سئل عن حديث ابن عباس في من وقع بأهله، وهو محرم، يحجان من قابل، فإذا بلغا الموضع الذي واقعها فيه تفرقا. قيل: أليس قد صارت بغير محرم؟ فقال: نعم، لا يعجبني هذا إلا أن يكون معها محرم غير الزوج إذا فارقها. قال: والسفر عندي، ولو كان ساعة، ابن عباس يروي عن النبي ﷺ : "لا تُسافر سفراً". ذكرها أبو بكر الخلال في كتاب "العلل". وروى الميموني عنه: وقد سئل: تحج المرأة من مكة إلى منى

стр. 1018

بغير محرم؟ فقال: لا يعجبني. قيل له: لم؟ قال: لأن مذهبنا أن لا تسافر امرأة سفراً إلا مع ذي محرم. وكذلك نقل ابن منصور عنه قال: لا تسافر سفراً. وقال أبو حنيفة: المحرم شرط في السفر الطويل، وهو الذي تُقصر فيه الصلاة، وهو مسيرة ثلاثة أيام عنده. دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس: "لا تحجن امرأة إلا مع ذي محرم". وهذا عام في القصير والطويل. وحديث أبي هريرة: "لا يحل لامرأة تسافر سفراً إلا مع ذي محرم". وفي لفظ آخر: "لا تسافر بريداً إلا مع ذي محرم". والبريد أربع فراسخ. وفي لفظ آخر: "لا تُسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم". وهذه الأخبار نص في النهي عن السفر القصير كالطويل. ولأنه سفر يبيح صلاة النفل على الراحلة، ويبيح التيمم عند عدم

стр. 1019

الماء، فلم يجز بغير محرم. دليله: إذا كان قدره ثلاثة أيام. الماء، فلم يجز بغير محرم. دليله: إذا كان قدره ثلاثة أيام. ولا يلزم عليه سفر الهجرة، والمنفية للزنا، ومن لزمها حضور مجلس الحاكم؛ لأنه لا يستوي في ذلك الأصل والفرع في إسقاط اعتبار المحرم. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه سفر صحيح، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه بخلافه؟ قيل له: لا نسلم هذا؛ لأن أحكام السفر عندنا تتعلق بستة عشر فرسخاً. وعلى أن حكم السفر فيه، وهو الصلاة على الراحلة والتيمم، وكان إلحاقه بهذين الحكمين أولى من غيره؛ لما فيه من الاحتياط. وعلى أن تلك الأحكام لا تلحق بها المشقة في القصير، ويُخاف عليها أن ينالها الرجال في القصير. واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "لا تُسافر المرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم". فاعتبر الثلاث، فدل على أن ما دونه لا يُعتبر فيه المحرم. والجواب: أن نطقه يقتضي: أنها لا تسافر فوق ثلاث بغير محرم،

стр. 1020

ودليله يقتضي جواز ذلك بغير محرم في ما دونه. وقد روينا في لفظ آخر: "لا تُسافر يوماً ولا ليلة إلا مع ذي محرم". وهذا لفظ خاص، فهو يقتضي على الدليل. واحتج بأنها مسافة لا تستباح فيها رخصة السفر، فلم يُشترط المحرم فيها. دليله: أطراف البلد. والجواب: أنه لم يوجد هناك سفر، فلم يعتبر المحرم، وهاهنا قد وُجد بدليل أنه يستبيح به الصلاة النافلة على الراحلة، وجواز التيمم عند عدم الماء عندهم، ولا يستبيح ذلك في البلد المتباعد الأطراف. * … * … * ٢٣٠ - مسألة إشعار البُدن من الإبل والبقر وتقليدها مسنون: نص عليه في رواية حنبل والمروذي وابن إبراهيم. وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يُكره الإشعار، وهو مُثلة. دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" أنا هشيم، أنا أصحابنا؛ منهم
следующие страницы →