Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
قد نقل حنبل روايتين:
إحديهما: لا يثبت له خيار الرؤية؛ لأنه قال: إذا اشترى الثياب في الجراب، فله خيار الرؤية إذا نشره، إن كان معيبًا رده بعيبه.
وظاهر هذا: أنه إذا لم يكن به عيب لم يرده.
ونقل في موضع آخر: وذكر له قول سفيان في رجل استأجر رجلًا في كل شهرٍ بكذا: هو مكروه، هو بمنزلة قولك: اشتري منك هذا الجراب، كل ثوب بكذا وكذا.
قال أبو عبد الله: هذا يخالف الجراب؛ لأن الثياب له فيها خيار الرؤية، وهو مغيب عنه، وهذا يستأجره كل شهر بشيء مسمى، هذا جائز.
وظاهر هذا: إثبات الخيار.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي على القول الذي يجيز بيعه بالصفة.
وجه الرواية الأولى: عموم قول النبي ﷺ : (البيعان كل واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرقا). وهذا عام.
ولأنه خيار لم يوجبه نقص، ولا يثبت في كل مبيع، فلم يثبت على وجه مجهول.
دليله: لو ابتاعه بشرط خيار مجهول.
стр. 1087
وفيه احتراز من خيار المجلس والرد بالعيب.
ولأنه [لو] وجد المبيع سليمًا فلم يملك الخيار، كما إذا كان قد سبق منه رؤية، كالمسلم إذا وجده على صفات.
ولا يلزم ليه إذا كان المبيع بشرط الخيار؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع.
ووجه الثانية: ما روي عن النبي ﷺ قال: (من ابتاع شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
والجواب: أنا قد بينا: أن هذا محمول عليه إذا لم يره، ولكنه وصفه، ولم يجده على الصفة، فله الخيار.
واحتج بأن في إسقاط الخيار إسقاط معنى المسألة؛ لأن هذا المبيع مسمى ببيع خيار الرؤية.
والجواب: أنه ليس كذلك؛ لأن هذا المبيع موصوف ببيوع الأعيان الغائبة من غير رؤية، ولا صفة.
стр. 1088
٢٤٦ - مسألة
بيع الأعيان الغائبة بالصفة جائز، وكذلك الحاضرة التي تشق رؤيتها، كالأعدال تباع على [البرنامج] وشبهه:
وقد نص على ذلك في رواية الأثرم وأبي طالب.
وبه قال مالك.
وللشافعي قولان:
قال في القديم: مثل هذا.
وقال في الجديد: لا يجوز بيعها إلا على الرؤية.
دليلنا: أن الصفة تقوم مقام الرؤية عند تعذرها، كالسلم.
فإن قيل: لا فرق عندك بين أن تكون الأعيان غائبة، فيصفها.
قيل له: إذا ثبت جواز بيع الغائبة بالصفة ثبت جواز الحاضرة؛ لأن أحدًا ما فرق.
وإن شئت قلت: أحد نوعي المبيعات، فجاز أن تباع على الصفة، كالذي يباع على الذمة.
стр. 1089
يبين صحة هذا: أنه إذا جاز السلم في الموصوف، وهو غير معين، فجواز البيع في العين الموصوفة أولى؛ لأن الصفة تمكن في العين المشاهدة ما لا تمكن في المعدوم.
فإن قيل: السلم حجة لنا، وذلك أن ما اختلفنا فيه هو بيع عين بصفة، فكان باطلًا، كالسلم في الأعيان.
قيل له: إذا أسلم في عين، ولم يشرط أجلًا، جاز، وكان بيعًا عبر عنه بالسلم، وإن أسلم فيها مؤجلًا بطل العقد؛ لدخول التأجيل في العين، لا لأنه عقد على عين موصوفة.
فإن قيل: السلم لما لم يمكن مشاهدته جاز أن تقوم الصفة مقام المشاهدة، وفي بيوع الأعيان يمكن مشاهدتها، فلهذا لم تقم الصفة مقامها.
قيل له: إذا كانت غائبة قد لا يمكن مشاهدتها.
وعلى أن الثمن يمكن مشاهدته، ومع هذا فيجوز بالصفة.
وقياس آخر، وهو: أن الصفة في بيوع الأعيان جهة نتوصل بها إلى معرفة المبيع، فصح العقد معها.
يبين صحة هذا: أن الصفة يعلم بها الموصوف، والرؤية لا يعلم بها، ألا ترى أن من باع فصًا، فرآه المشتري، وهو لا يعلم؛ أجوهر هو، أو زجاج؟ جاز العقد، وإن كانت الجهالة باقية مع الرؤية.
стр. 1090
وكذلك إذا ابتاع الدرياق ممن رآه من ليس [بطبيب] لا يعرفه، صح العقد مع بقاء الجهالة.
فإن قيل: لا نسلم أن الصفة جهة يتوصل بها إلى معرفة المبيع.
قيل له: الدليل على صحة ذلك: السلم.
ويبين صحة هذا: قول النبي ﷺ : (ولا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه يراها).
فلولا أنها تقوم مقام الرؤية لم ينه عن ذلك.
ولأنا قد بينا: أن العلم يحصل بها ما لا يحصل بالرؤية بدليل بيع الفص والدرياق.
وقياس آخر، وهو: أنه أحد البدلين في البيع، فلم تكن رؤيته شرطًا في صحة العقد، كالثمن إذا كان غير معين.
وإن شئت قلت: أحد البدلين في البيع، فقامت الصفة فيه مقام الرؤية.
دليله: الثمن.
فإن قيل: المعنى في الثمن: أنه في الذمة، فهو كالمبيع
стр. 1091
إذا كان في الذمة.
قيل له: لو كانت الرؤية شرطًا لم يصح العقد على ما في الذمة؛ لعدم الرؤية فيه.
واحتج المخالف بما روى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر.
والغرر ما تردد بين جائز من سلامة المال وهلاكه.
وفي هذا البيع غرر من وجهين:
أحدهما: أن العبد الغائب لا يدري؛ هل هو باقٍ، أم لا؟
وإن كان باقيًا، فلا يدري؛ هل يسلم له، أم لا؟
والجواب: أن الغرر ما كان الغالب منه عدم السلامة بدلالة: أن الخارج في المفازة بغير صحبة، يقال: غرر بماله، ولا يقال للخارج في صحبة: غرر، وإن جاز أن يسلم، وجاز أن يهلك؛ لأن الغالب منه السلامة.
ولو كان الغرر عما تردد بين الجواز والهلاك، كانت الساعات كلها غررًا؛ لجواز أن يهلك قبل القبض، ولكان ما عاينه وابتاعه- وليس بحاضر- غررًا، فعلم أن معنى الخبر: ما الغالب منه عدم السلامة، كبيع العبد الآبق، والجمل الشارد، والطائر في الهواء، والسمك في الماء، ونحو ذلك.
واحتج بما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن
стр. 1092
عمرو: أن النبي ﷺ قال: (لا يحل شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك).
قالوا: ومن باع عبدًا بالبصرة، فقد باع ما ليس عنده.
والجواب: أن البيع في مسألتنا يجوز في ما ليس عنده باتفاق إذا كان قد رآه، ويبطل عندهم في ما هو عنده، إذا لم يكن قد رآه، فعلم أن الفساد عندهم لمعنى آخر، وهو الجهالة، أو عدم الرؤية، فأما أن يكون لما ذكر في الخبر فلا، فلم يبق إلا أن يحمل الخبر على بيع ما ليس في ملكه؛ لأن العقد لا ينفذ فيه للمعنى المذكور في الخبر دون غيره.
يبين ذلك: أن الخبر خرج على هذا السبب، وهو أن حكيم بن جزام قال: كنت أدخل السوق، فأستجيد السلع، وأخرج، فأبيعها، ثم أرجع، فأبتاعها، ثم أسلمها.
فبان هذا السبب شاهدًا لما ذكرناه من التأويل.
واحتج بأنه بيع لم يره ولا شيئًا منه، أشبه إذا لم يره، ولا وصفه.
والجواب: أالمبيع هناك مجهول الصفة عند العاقد، فلهذا بطل، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه معلوم الصفة فصح، كما لو شاهده.
ولأن عدم الرؤية والصفة لو وجدا في الثمن أبطل العقد، كذلك إذا واجد في المثمن، وليس كذلك الصفة؛ لأنها لو وجدت في الثمن
стр. 1093
صح معها العقد، كذلك إذا وجدت في المثمن.
واحتج بأن بيوع الأعيان أحد نوعي المبيع، فوقع على وجه واحد، كالنوع الثاني، وهو بيع ما في الذمة.
والجواب: أنه يبطل بالثمن في بيوع الأعيان؛ فإنه أحد النوعين، ويقع على وجهين؛ معينًا، وموصوفًا.
ولأنا نعكس العلة فنقول: فكانت الصفة طريقًا في تصحيحه.
دليله: ما ذكرت.
ولأن ما في الذمة لو وقع على وجهين، خرج العقد عن موضوعه؛ لأنه يصير من بيوع الأعيان، ويخرج عن بيوع الذمة، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الصفة لا تخرجه من موضوعه.
ولأنه بيع عين مع الصفة، كما هو بيع عين مع المشاهدة.
واحتج بأنها عين لم ير شيئًا منها، فلم يصح العقد عليها، كاللبن في الضرع، والنوى في التمر، والحمل.
والجواب: أنه يلزم عليه عقد النكاح، وعقد السلم ينكسر به؛ فإنه يصح مع عدم الرؤية.
والمعنى في الأصل: أنه مجهول الصفة، وهاهنا معلوم، كمال لو رآه.
* فصل:
فإن وجد المبيع على الصفة المذكورة لم يكن له الخيار.
نص عليه في رواية الأثرم، وأبي طالب، وجعفر بن محمد النسائي
стр. 1094
-واللفظ لجعفر- في رجل يبيع المتاع، فيفتح جرابًا، فيريه، ثم يقول: الباقي على صفة هذا، فقال: إذا جاء به على صفته ليس له أن يرده.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، والشافعي على القول القديم: يملك الخيار.
دليلنا: حديث ابن عمر وغيره: أن النبي ﷺ قال: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا).
فدل على أنهما إذا تفرقا، فلا خيار بينهما، فهذا عام في كل بيع.
ولأنه وجد المبيع على صفته المذكورة، فلم يكن له الخيار.
دليله: السلم.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: (من ابتاع شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه).
والجواب: أنه محمول عليه إذا لم يجده على صفاته المذكورة بدليل ما ذكرناه.
* فصل:
ويحتاج فيه إلى استيفاء كل وصف يختلف الثمن لأجله.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية الأثرم، فقال في الجرب يؤتى بها من
стр. 1095
الري، أو من أصبهان، فتباع من غير أن تفتح، فقال: ينبغي أن يصفوها على معنى السلم، فإذا وجدت على صفتها جاز البيع.
فقد شبه ذلك بالسلم، والسلم تعتبر فيه الصفات التي يختلف الثمن لأجلها.
ونقل جعفر بن محمد النسائي في الرجل يبتاع المتاع، فيفتح جرابًا، فيريه، ثم يقول الباقي على صفة هذا، قال: إذا جاء به على صفته، فليس له رده.
وهذا محمول على أن هذه الثياب لها عرف في بلدها.
وقال بعض الشافعية: إذا ذكر معظم صفاته جاز اتكالًا على خيار الرؤية في الثاني.
دليلنا: أنه مبيع اعتبرت صفاته، فاعتبر فيه كل صفة يختلف الثمن لأجلها.
دليله: السلم.
وما ذكروه من خيار الرؤية فقد بينا: أنه غير ثابت فيه، كما لا يثبت في عقد السلم.
…
٢٤٧ - مسألة
شراء الأعمى جائز:
وكذلك بيعه في قياس المذهب، وأن الرؤية ليست شرطًا في عقد
стр. 1096
البيع، وإنما الاعتبار بالصفة، وهذا يمكن في حق الأعمى.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز.
دليلنا: أن جماعة من الصحابة كانوا عميانًا مثل: العباس، وابن عباس، وابن عمر، وابن أم مكتوم، وكانوا يبيعون ويشترون، ولم ينكر عليهم أحد، ولا قال: إن بياعاتهم وأشريتهم باطلة مفسوخة.
وكل من جاز أن يلي عقد السلم جاز أن يلي شراء العين.
دليله: التعيين.
ولأن كل عقد جاز أن يليه البصير جاز أن يليه الأعمى، كالسلم.
وبنى المخالف على أصله، وأن الرؤية شرط في صحة الشراء، والأعمى لا يرى، وقد دللنا على أن الرؤية ليست شرطًا في صحة الشراء.
…
٢٤٨ - مسألة
خيار المجلس ثابت في عقد البيع إلى أن يفترقا:
نص عليه في مواضع؛ في رواية الأثرم، والمروذي، وإبراهيم بن
стр. 1097
الحارث، والحسن بن الحسين، وعبد الله.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: خيار المجلس ليس بثابت، ويلزم البيع بالإيجاب والقبول.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: (كل بيعين فأحدهما على صاحبه بالخيار حتى يتفرقا، أو يكون خيار).
وفي لفظ آخر قال: (إذا تبايع المتبايعان [بالبيع]، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان [بيعهما] عن خيار فقد وجب).
وكان عبد الله إذا أراد أن لا يقيل الرجل مشى هنيًة.
وفي لفظ آخر قال: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر).
وروى أيضًا بإسناده عن سمرة بن جندبٍ قال: قال رسول الله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
وروى -أيضًا- بإسناده عن حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ قال:
стр. 1098
(البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو حتى يتفرقا).
وروى بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) قال: (أو أن يكون بيعهما خيار).
وروى -أيضًا- بإسناده عن أبي الوضيء قال: كنا في سفر ومعنا أبو برزة الأسلمي، قال: فباع رجل من أهل العسكر فرسًا، قال: ثم ندم، فأراد أن يرد البيع، فأبى البائع أن يقيله، فاختصما إلى أبي برزة، قال: فقصا عليه القصة، فقال أبو برزة: إن شئتما قضيت بينكما بقضاء رسول الله ﷺ ؛ إن رسول الله ﷺ قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
وروى بإسناده عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله).
ذكر عبد الله هذه الأخبار في (مسائله).
ووجه الدلالة منها: أن النبي ﷺ أثبت الخيار للمتبايعين إلى أن
стр. 1099
يتفرقا، والتبايع اسم مشتق من فعل، فلا يطلق اسم الفاعل إلا بعد وجود الفعل منه، كالقاتل والشارب، فصار حقيقة الاسم أن بعد وجود البيع منهما، لهما الخيار ما لم يتفرقا.
فإن قيل: الخبر خبر واحد، وقد اختلف على نافع فيه، ونحن نعلم أن النبي ﷺ لم يقل جميع هذه الألفاظ، وإنما تكلم بواحد منها، فوجب التوقف حتى نعرف لفظ رسول الله ﷺ منها، فنعمل بمقتضاه.
قيل له: يحتمل أن يكون النبي ﷺ قال ذلك في مجالس مختلفة، وقضايا مختلفة، فسمع قوم في مجلس بلفظ، وسمع آخرون بلفظ آخر في مجلس آخر، وليس يجب على النبي ﷺ إعادة اللفظ إذا كان الثاني يعطي معناه؛ لأن الاعتبار بالمعنى.
فإن قيل: هذا محمول على المشتري إذا ساوم، فقال: بعني هذا العبد، فقال البائع: بعتك، فكل واحد منهما بالخيار؛ إن شاء البائع رجع عن الإيجاب، وإن شاء أقام عليه، والمشتري بالخيار؛ إن شاء قبل، وإن شاء لم يقبل، فإذا افترقا عن مجلسهما بطل خيار كل واحد منهما.
قالوا: وهذا هو الصحيح؛ لأن حقيقة المتبايعين: المتشاغلان بالبيع، كالمتقاتلين، فإذا تم البيع، فقد تقضى بيعهما، فالاسم فيهما مجاز؛ لأنهما كانا متبايعين.
قيل له: هذا تأويل ترده اللغة والشرع؛ لأن في اللغة: من لم يوجد
стр. 1100
منه الفعل لا يسمى فاعلًا، كالآكل والضارب، والقائم، والقاعد، ونحوه.
و [في] الشرع: لو قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، فقال له المشتري: بعني، فقال: بعتك، لم يعتق.
ولأن النبي ﷺ جعل الخيار إلى التفرق، وهذا لا يكون من المتساومين.
وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا لهم: أنا نحمل الخبر على ضرب من المجاز، فما ذكروه مجاز أيضًا؛ لأنهم يحملون الخبر على بائع تقدم منه الإيجاب، ومبتاع لم يوجد منه القبول، وبائع ليس في مقابلته مبتاع، فما ذكرنا فيه مجاز من وجه، وما ذكروه فيه مجاز من وجوه، وحمل الخبر على ما ذكرنا أولى من وجوه.
أحدها: أن الحالة التي تحملون الخبر عليها [ما] فيها ثابت بالإجماع، فلا يفيد حمل الخبر عليه.
ولأن النبي ﷺ جعل لهما الخيار على جهة واحدة، فاقتضى تساويهما فيه، وإن يثبت لأحدهما فيه مثل ما ثبت للآخر، وعلى ما ذكروه ثبت للبائع خيار الفسخ، وللمبتاع خيار الإمضاء والقبول، وهما مختلفان.
ولأن النبي ﷺ أثبت لهما الخير بالتبايع، وعلى قولهم يقطع الخيار بالتبايع.
стр. 1101
ولأن الراوي للخبر فسره بما ذكرنا؛ ففي حديث ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلًا.
وعن أبي برزة: أن رجلين تخاصما إلى ﷺ ، وكانا قد تبايعا فرسًا، وأقاما يومًا وليلة، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وما أراكما تفرقتما، فجعل له الفسخ.
والراوي أعرف بمعنى الحديث، فالمصير إلى قوله أولى.
فإن قيل: يحمل قوله: (ما لم يتفرقا) على الافتراق بالأقوال.
ومعناه: إذا قال: بعتك، فله أن يرجع فيه ما لم يقل المشتري: قد قبلت، وكذلك المشتري بالخيار قبل أن يقول: اشتريت؛ بين أن يقيله، وبين أن لا يقيله، فإذا قال: قبلت، فقد فارقه بالقول، فبطل خيار البائع في الرجوع، وخيار المشتري في الرد.
والتفرق يحصل بالأقوال، قال تعالى: ﴿ومَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [البينة: ٤]، وأرد به: التفرق بالقول.
ويقال: اجتمع القوم على كذا، وهم حضور في المجلس.
قال: ويدل على أنه لم يرد التفرق بالأبدان ما روي عن النبي ﷺ قال: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله).
стр. 1102
معنى؛ لأن الاستقالة لا تكون إلا في البيع الذي لا خيار فيه لواحد منهما، فأما إذا كان فيه خيار، فلكل واحد منهما أن يفسخه، ولا يحتاج إلى أن يستقيل صاحبه.
قيل له: لا يصح حمله على التفرق بالأقوال من وجوه:
أحدها: أن حقيقة التفرق بالبدن دون القول؛ لأن التفرق هو تباعد الأجسام، والاجتماع تقاربها.
والثاني: أن بوجود الإيجاب والقبول فهي حالة اجتماع؛ لأنهما قبل ذلك يختلفان في الثمن والمثمن، ثم يجتمعان عليه، وينعقد البيع، فلا يصح أن يحمل هذا [ .... ] على التفرق.
والثالث: في حديث ابن عمر في ما رواه أبو بكر في كتاب (الشافعي): (وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع).
ولا يكون التفرق بعد التبايع إلا بالبدن.
وروى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن ابن عمرو: سمعت النبي ﷺ يقول: (أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحدٍ منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما).
وهذا نص في فرقة الأبدان.
стр. 1103
وفي حديث عمرو بن شعيب: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله).
وهذا لا يحتمل المفارقة بالقول؛ لأنه تجوز له المفارقة بالقول.
ولأن ابن عمر حمل الافتراق على الأبدان، وكذلك أبو برزة من الوجه الذي ذكرنا.
فأما قوله تعالى: ﴿ومَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ [البينة: ٤]، فلا يمتنع أن يكون المراد به الأبدان؛ لأنهم لما اختلفت اعتقاداتهم افترقوا بأبدانهم، واجتمع كل فريق منهم، وفارقوا مخالفيهم، ولو كان المراد به الافتراق بالأقوال فهو مجاز.
وكذلك قوله: افترق الناس على كذا، ويراد به الأقوال على طريق المجاز، والحقيقة ما ذكرنا من أن التفرق هو تباعد الأجسام، والاجتماع تقاربها.
وأما قوله: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله)، فقد جعلناه حجة لنا من جهة أنه لو كان المراد به الأقوال لم يمنعه من التفرق خشية الإقالة؛ لأنه يجوز له ذلك بالأقوال، فعلم أن المراد به الأبدان.
وقولهم: (إن الإقالة لا تكون إلا في البيع الذي لا خيار فيه لواحد منهما، فأما الذي فيه الخيار، فلا يحتاج فيه إلى إقالة) فغير صحيح؛ لأن
стр. 1104
فسخ العقد بالخيار استقالة في المبيع لا بالخيار.
على أن المراد بهذا: أنه لا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يفاسخه بما يثبت له من خيار المجلس، فعبر عن الفسخ بالاستقالة؛ لأن الإقالة فسخ.
الدليل على ذلك شيئان:
أحدهما: أنه ذكر في الخبر أمرًا يقتضي أن تنقطع الإقالة بالتفرق، والإقالة لا تفوت بالتفرق.
والثاني: أنه نهى عن المفارقة خوف الاستقالة، وحرم ذلك، والتفرق خوف الاستقالة غير محرم؛ لأن الإقالة غير واجبة، وإنما المنهي عنه هو المفارقة عن المجلس خوف الفسخ لحق الخيار؛ لأنه منهي عن أن يفارق صاحبه بغير إذنه ورضائه؛ ليلزم العقد بذلك، فثبت أن المراد به ما ذكرنا.
ووجه آخر من الاحتجاج بالخبر، وهو: قوله ﷺ : (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار).
والمراد به: البيع الذي قطع الخيار فيه؛ لأن الاستثناء ضد المستثنى منه، والمستثنى منه هو إثبات الخيار، وكان الاستثناء ضده، وهو قطع الخيار، وإذا ثبت أن المراد بذلك قطع الخيار، ثبت أن الخيار ثابت لهما بعد التبايع إلى أن يقطعاه.
стр. 1105
فإن قيل: المتبايع اسم الفاعل، وقوله: (إلا بيع الخيار) مصدر، ولم يتقدم ذكر مصدر حتى يخرج بعضه بالاستثناء، فكان هذا الاستثناء منقطعًا؛ بمعنى: لكن، فلا يلزم أن يكون إثباتًا من نفي، أو نفيًا من إثبات؛ لأن هذا يكون في الاستثناء الصحيح، فأما المنقطع فالذي يلزم فيه: أن يخالف الأول ضربًا من الخلاف، فتقدير الخلاف: كل متبايعين؛ أي: كل متشاغلين بالبيع، فلا بيع بينهما حتى يفترقا، لكن بيع الخيار -وإن افترقا- لم يتم البيع بينهما.
فنكون قد أثبتنا الخلاف من وجه، وحملنا قوله: (إلا بيع الخيار) على البيع المشروط فيه الخيار، وهذا هو المفهوم من الخيار في الشرع.
قيل له: أما قولك: (إن المتبايع اسم الفاعل) فصحيح، إلا أنه يتضمن وجود الفعل منهما حتى يتصفا به، وإنما يحصل ذلك بالإيجاب والقبول.
وقولك: (إلا) مصدر، فلا يضر؛ لأن موضوعها في اللغة الاستثناء، فالظاهر يقتضي أن له الخيار إلا أن يشترطا قطعه؛ لأنه استثناء من إثبات، فكان نفيًا.
стр. 1106
وقولهم: (نحمله على الاستثناء المنقطع) لا يمكن؛ لأن (إلا) موضوعة للاستثناء الحقيقي.
على أنه لو حمل على المنقطع لم يضر؛ لأنه لابد من حصول الخلاف بين [المستثنى و] المستثنى منه.
وقولهم: إنه قد يحصل ضرب من الخلاف، فإنما يحصل ذلك على ما قالوه من المتساومين، وقد بينا فساد ذلك، وأنه لا يمكن حمله على المتساومين.
وأما حمله على خيار الشرط فلا يصح؛ لما بينا، وهو: أن الاستثناء ضد المستثنى منه، والمستثنى منه إثبات الخيار، فكان الاستثناء ضده، وهو قطع الخيار، وعلى ما ذكروه يكون استثناء إثبات الخيار من إثباته، وهذا لا يصح.
فإن قيل: قوله: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) غاية، ومن حكم الغاية أن يكون ما بعدها بخلاف ما قبلها، فصار كالمنطوق.
ولأنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، فيتم البيع بينهما إلا بيع الخيار؛ فإنهما- وإن تفرقا- لم يتم البيع بينهما.
قيل له: حكم الغاية إنما يستفاد من الدليل، لا باللفظ، والاستثناء يعود إلى اللفظ دون ما يستفاد منه.
وهذه الطريقة إنما تصح على الرواية التي تحمل قوله: (إلا بيع
стр. 1107
الخيار) على قطع الخيار، فأما على الرواية الأخرى التي تحمل (إلا) بمعنى الواو، وأن قوله: (إلا بيع الخيار)؛ معناه: وبيع الخيار، فلا تصح هذه الطريقة، ويكون الاحتجاج بالطريقة الأولى من الخبر.
والقياس: أنه عقد يقصد به تمليك المال، فلا يلزم بالإيجاب والقبول.
دليله: الهبة.
فإن قيل: الهبة عقد تبرع، وهي أضعف في إيجاب الملك من البيع بدليل: وقوف الملك فيهما على القبض.
قيل له: فالصرف والسلم أضعف من البيع بدليل: أن لزومهما يقف على القبض، ومع هذا لا خيار فيهما عندك.
ولأن قبول المشتري هو قول أحد المتبايعين، فوجب أن يتعقبه الخيار.
أصله: إيجاب البائع؛ لأنه إذا قال: بعتك كذا؛ فإنه بالخيار؛ إن شاء قال: رجعت فيه وفسخته، وإن شاء أقام.
وإن شئت قلت: أحد طرفي البيع، فوجب أن يتعقبه الخيار.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يوجد العقد، وليس كذلك هاهنا؛ لأن العقد قد وجد، فجاز أن يلزم.
стр. 1108
قيل له: فالهبة إذا وجد فيها الإيجاب والقبول، فقد وجد العقد، ولا يلزم.
ولأنه إن لزم فهو في حكم ما لم يلزم بدليل: أنها حالة، كقبض رأس مال السلم، وعوض الصرف.
ولأن عقيب العقد زمان يصح قبض رأس مال السلم فيه، أو قبض عوضي الصرف، فوجب أن يثبت فيه الخيار.
دليله: عقيب الإيجاب.
فإن قيل: عقيب الإيجاب لسي بزمان لقبض رأس مال السلم والصرف؛ لأن العقد لم يوجد، فيقبض عوضه.
قيل: لم نقل: (زمان يجب قبض رأس المال فيه) حتى تحصل الممانعة، وإنما قلنا: (يصح) وهذا مسلم.
وعلى أنه إن لو يوجد كمالة فقد وجد طرفه، فجاز أن يجعل في هذا الحكم بمنزلة وجوده، ألا ترى أن من باع شيئًا بشرط رهن أو ضمين صح، ولم يجز أن يقال: (إن الرهن والضمين لا يصح في هذه الحالة؛ لأنها وثائق، فيجب أن يتوثق بها بعد ثبوت الحق)، كذلك هاهنا.
ولأن البيع نوع معاوضة محضة، فوجب أن يلحقها الفسخ مع
стр. 1109
الإطلاق والسلامة من وجهين، كالصرف يلحقه الفسخ من وجهين:
أحدهما: تلف المبيع قبل قبضه.
والثاني: التفرق قبل [القبض].
كذلك غيره من بيوع الأعيان وجب أن يلحقه الفسخ من وجهين:
أحدهما: تلف المبيع قبل القبض.
والثاني: ما نقوله من الفسخ بحق خيار المجلس
فإن قيل: نقول بموجبه في خيار الرؤية؛ فإن الفسخ يثبت به في الأعيان الغائبة وبتلف المبيع.
قيل له: نصبنا التعليل لنفي اللزوم في جميع هذا النوع مع الإطلاق والسلامة، وأنت تقول بموجبه في بعض النوع.
فإن قيل: نقلبه، فنقول: وجب أن لا يتعلق لزومه بالافتراق.
دليله: الصرف.
قيل له: الصرف يتعلق لزومه بالافتراق على إحدى الروايتين.
وعلى أنا نقول بموجب القلب، وهو أنه لا يتعلق لزومه بالافتراق وحده حتى ينضم إليه اختيار العاقد؛ لأنه لو هرب أحدهما من صاحبه، أو فسخ في المجلس، ثم تفرقا، لم يلزم.
وأيضًا فإن الخيار على ضربين:
خيار يتعلق بزمان ومدة.
стр. 1110
وخيار يتعلق بفقد الصفات.
ثم الخيار المتعلق بالصفات على ضربين:
منه ما يستفاد بالشرع.
[ومنه ما يستفاد بالشرط]، وهو إذا اشترى جارية على أنها جعدة، فخرجت سبطة، أو على أنها بكر، فخرجت ثيبًا، فله الخيار، وإنما يستفاد ذلك بالشرط؛ لأن بالإطلاق لا يستفيده.
كذلك الخيار المتعلق بالمدة، وجب أن يكون منه ما يستفاد بالشرط، وهو خيار الثلاث، ومنه ما يستفاد بالشرع، وليس كذلك إلا خيار المجلس.
وتحرير هذا المعنى: أنه أحد نوعي الخيار، فوجب أن ينقسم شرعًا وشرطًا، كالخيار المتعلق بفقد الصفات، ولا يكنهم القول بموجب ذلك في إثبات خيار الرؤية في الأعيان الغائبة؛ لأن ذلك لم يتعلق بمدة وزمان، وإنما يتعلق بالرؤية أو باختيار الفسخ قبلها من غير اعتبار مضي مدة، وخيار المجلس متعلق بمدة، وهو وقف مقامهما في مجلس التبايع.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
стр. 1111
وظاهره يقتضي إباحة الأكل، وإن كانا في مجلسهما ذلك، وعندكم ليس له أن يأكله ما لم يتفرقا.
والجواب: أن الآية قصد بها الفرق بين الأكل بالتجارة والأكل بالباطل في الجملة.
وعلى أنا نحمل ذلك على ما بعد القبض.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأمر بالإشهاد على البيع توثيقًا، فلو كان الاستحقاق لا يتعلق به حتى يفترقا لأمر بالإشهاد على البيع عند التفرق في الحال الذي يصح أن تؤخذ الوثيقة.
والجواب: أن الآية قصد بها حصول الوثيقة في الجملة خوفًا أن يتجاحد التبايع بعد التفرق، وقد يختلفان في الثمن والمثمن، فتكون الشهادة وثيقة بذلك، وثبوت الخيار لا ينفي حصول الوثيقة، كثبوت خيار الثلاث.
واحتج بما روي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع، وصاع المشتري.
وهذا يقتضي أنه إذا جرى الصاعان جاز بيع المشترى، وإن لم يتفرقا.
والجواب: أنه محمول على ما بعد القبض.
وهكذا الجواب عن قول النبي ﷺ : (لا يجزي ولد والده إلا أن
стр. 1112
يجده مملوكاً فيشتريه، فيعتقه)؛ أي: يعتق عليه.
وظاهره يقتضي بعتق بنفس الشراء، وإن لم يوجد الافتراق، وهو محمول على ما بعد التفرق.
واحتجَّ بما روي عن عمر- كرم الله وجهه- أنه قال: إن الناس قائلون غدًا: ماذا قال عمر؟ ألا إن البيع صفقة، أو خيار.
فجعل البيع ضربين:
بيع خيار.
وبيع صفقة.
وعندكم البيع كله ضرب واحد، وهو بيع خيار.
والجواب: أن أحمد روى عن منصور بن سلمة الخزاعي، عن موسى بن أعين، عن مطرِّف بن طريف، عن عامر، عن عمر قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
ذكره عبد الله في «مسائله».
وهذا يدل على أن قول عمر مثل قولنا.
وعلى أنه قوله: (صفقة، أو خيار)؛ معناه: صفقة وخيار؛ لأن العرب تعطف بـ (أو) كما تعطف بالواو:
стр. 1113
قال تعالى: ﴿إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ومعناه: ويزيدون.
وقال: ﴿ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
وقال: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦].
وعلى أنا قد روينا ذلك عن عثمان وابن عمر وأبي برزة؛ اعتبار الخيار بالمجلس.
واحتج بأنه عقد من العقود فوجب أن لا يثبت فيه خيار المجلس.
دليله: النكاح، والخلع، والعتق على مال، والكتابة.
والجواب: أن المعنى في تلك العقود: أنه لا يثبت فيها خيار الشرط مع جواز التفرق فيها قبل التقابض، وإمكان رد المعقود عليه على صفته، ويثبت ذلك في البيع، فإذا افترقا في خيار الشرط من هذا الوجه، جاز أن يفترقا في خيار المجلس.
ولا يلزم على علة الأصل الصرف والسلم؛ لأنه لا يثبت فيهما خيار الشرط، ويثبت خيار المجلس على إحدى الروايتين؛ لأن هناك لا يجوز التفرق فيهما قبل التقابض، وهاهنا يجوز.
وكذلك لا يلزم عقد الإجارة؛ أنه لا يثبت فيها خيار الشرط على أحد الوجهين، ويثبت خيار المجلس؛ لأنه لا يمكن رد المعقود عليه
стр. 1114
على صفته، وإنما يرد بعضه؛ لأن بمضي الزمان تتلف المنافع المعقود عليها، وزمان المجلس يسير يجري فيه العفو والمسامحة.
وجواب آخر، وهو: أن القصد من النكاح أعيان المتناكحين دون المال، ألا تراه يصح مع عدم ذكر المال، ولا يصح مع عدم ذكر المال، ويصح مع عدم ذكر أعيان المتبايعين، فإذا كان كذلك، فالخيار إنما يثبت في ما يقصد منه المال دون ما لا يقصد ذلك منه.
فإن قيل: فيجب أن لا يثبت الخيار في عقد النكاح بالعيب.
قيل له: لم يثبت لعدم المال، لكن ثبت لفوات المقصود، وهو الاستمتاع.
وأما الكتابة فلا فائدة في إثبات الخيار فيها؛ لأن السيد لا حظ له فيها، والعبد له الخيار على التأبيد؛ لأنه يعجز نفسه متى شاء، وفي ثبوت الخيار في البيع فائدة؛ لينظر المبتاع ما ابتاعه، ويتأمله، ويستدرك حقه فيه.
وأما الخلع فيفارق البيع؛ لأنه لا يدخله خيار الشرط، ولا خيار الرؤية عندك، ولا خيار فقد التعيين، ولا خيار الإقالة، والبيع بخلاف ذلك.
واحتج بأنه بيع لم يشترط فيه خيار، وقد حصل برضا المالك، فوجب أن يجوز تصرف المشتري فيه بعد القبض.
دليله: بعد الافتراق.
стр. 1115
والجواب: أنه يبطل بيوع الأعيان الغائبة؛ فإنه يشرط فيها خيار، وقد حصلت برضا المالك، وفيها الخيار عندهم.
وعلى أنه لا يجوز اعتبار ما قبل التفرق بما بعده، كما لا يجوز ذلك في قبض رأس المال في السلم، وقبض العوضين في الصرف.
واحتج بأنه نوع خيار لا يثبت بعد المجلس، فلا يثبت في حال مجلس في فسخ البيع.
دليله: خيار المعاينة في ما اشتراه من المصر، وعكسه: خيار الرد بالعيب، وخيار الشرط؛ لما ثبت بعد المجلس ثبت في المجلس.
والجواب: أنا لا نسلم هذا الأصل؛ لأن عندنا أن خيار المعاينة في ما يخرج عن العادة ثابت في المجلس وبعد المجلس.
على أنا قد بينا: أنه لا يجوز اعتبار المجلس بما بعده.
واحتج بأنه عقد صحيح فيه بالإيجاب والقبول، فلا يقف تمامه على الافتراق، كالهبة.
والجواب: أنا قد جعلنا الهبة حجة لنا، وأنها لا تلزم بمجرد العقد، ثم الهبة لا فائدة في إثبات الخيار فيها؛ لأن الواهب لا حظ له فيها، والموهوب له خيار على التأبيد.
واحتج بأن زمان المجلس مجهول، والخيار المجهول لا يثبت في البيع، كما لو شرطا خيارًا مجهولًا.
والجواب: أنا قد حكينا كلام أحمد في رواية ابن منصور جواز
стр. 1116
ذلك، وحكينا خلافه، وهو الصحيح، وكان المعنى فيه: أنه زمان يسير، فعفي عن الجهالة فيه.
وعلى أن هذا يبطل بخيار الرؤية.
ولأن ذلك الخيار ثبت شرطًا، فجاز أن تنافيه الجهالة، وهذا الخيار ثبت، فجاز أن يثبت مع الجهالة، كما قالوا في خيار الرؤية، وكما قلنا في خيار الرد بالعيب؛ لأن مدته غير معلومة.
ويبين صحة هذا، وأنه فرق بين المدة التي تثبت بالشرط، والتي تثبت بالإطلاق في باب الجهالة: أن مدة قبض المسلم فيه لما استفيدت بالشرط، لم يصح أن تكون مجهولة، ومدة قبض الأعيان المبيعة لما لم تكن متعلقة بالشرط، صح أن تكون مجهولة.
واحتج بأنه لو خير أحدهما صاحبه في المجلس، فاختار، لزم البيع، أو تعاقدا على أن لا خيار لهما، لزم البيع، ودخولهما في البيع رضًا بالبيع يوجب أن يكون لازمًا.
والجواب: أن الرواية مختلفة عن أحمد في ذلك:
فروى الأثرم وإبراهيم بن الحارث: لا ينقطع خيارهما، وإن شرطا قطعه حال العقد، أو في المجلس، كما لو شرطا قطع الشفعة، أو باعه بشرط البراءة.
стр. 1117
ونقل الميموني وحرب: ينقطع الخيار، وهو ظاهر الحديث.
فعلى هذا: إن الرضا بالبيع بعد ثبوت الخيار مخالف له قبل ثبوته، ألا ترى أن رضا الشفيع بالشراء لا يسقط حقه من الشفعة، ورضاه بعده يسقط حقه منها؟
وعلى أن ذلك الرضا لا يسقط الخيار ما ثبت لفظ، ألا ترى أنهما لو أقاما بعد العقد مدة طويلة، ولم يتلفظا بشيء، لم ينقطع خيارهما؟ وهذا المعنى معدوم حال العقد؛ لأنه إنما يوجد الرضا من طريق الاستدلال، لا من طريق اللفظ.
واحتج بأن التفرق بالبدن لو كان شرطًا في لزوم البيع، لكان الوالد إذا باع من ولده الصغير مال نفسه، أو باع من نفسه مال ولده؛ أن لا يلزم أبدًا؛ لأن التفرق لا يحصل.
والجواب: أنه يحتمل أن نقول: يلزم باختيار اللزوم؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما لم يتفرقا، أو يخير أحدهما صاحبه).
والتفرق هاهنا متعذر، واختيار اللزوم ممكن، فإذا اختار اللزوم لزم.
ويحتمل أن نقول: يلزم بمفارقة مجلس العقد؛ لتعذر اعتبار التفرق بالبدن، وإذا أمكن اعتبار التفرق بالبدن وجب اعتباره بالسنة.
***
стр. 1118
٢٤٩ - مسألة
لا ينقطع خيار المجلس بالتخاير، وسواء تخايرا في نفس العقد؛ فتعاقدا على أن لا خيار بينهما، أو تخايرا بعد العقد في المجلس في أصح الروايتين:
نقلها الجماعة؛ منهم الأثرم، وإسحاق بن إبراهيم، والمروذي، وغيرهم: إذا تخايرا في المجلس قبل التفرق لم ينقطع الخيار.
وهذا منه تنبيه على أنه إذا كان في حال العقد أولى أن لا ينقطع الخيار؛ لأن ما بعد العقد قد ثبت ملك كل واحد منهما على الخيار، وحال العقد ما ثبت.
ونقل الميموني عنه: إذا تخايرا حال العقد انقطع الخيار
قال أبو بكر: وتابعه حرب.
وهذا أيضًا تنبيه على ما بعد العقد؛ لأن حالة العقد أضعف، وقد قطع الخيار بينهما.
وقال أصحاب الشافعي: إن تخايرا بعد العقد في حالة المجلس انقطع الخيار، وإن تخايرا في حالة العقد، فعلى قولين؛ أصحهما: أنه لا ينقطع الخيار.
فالدلالة على أن الخيار لا ينقطع في الحالين: ما احتج به أحمد من حديث سمرة وحكيم بن حزام وأبي برزة الأسلمي: (البيعان بالخيار
стр. 1119
ما لم يتفرقا) و (حتى يتفرقا).
وهذا عام فيه إذا وجد منهما تخاير، أو لم يوجد، فهو على العموم.
ولأنهما لم يتفرقا في مجلس العقد، أشبه إذا لم يتخايرا.
ولأنه خيار ثبت بالعقد، فلم يصح قطعه حال العقد.
دليله: خيار الشفيع، وخيار الرد بالعيب.
ولأن حالة المجلس تجري [مجرى] حالة العقد بدليل: أنها حالة لقبض رأس مال السلم، وثمن الصرف، لم يثبت أنه لا يصح التخاير حالة العقد على القول الصحيح، كذلك في حالة المجلس.
فإن قيل: حالة العقد أسقط الخيار قبل وجوبه، وبعد العقد أسقطه بعد وجوبه.
قيل: قد بينا أن حالة المجلس قد أجريت مجرى حالة العقد.
فإن قيل: حالة العقد لا يسقط فيها خيار الشفعة وخيار الرد بالعيب، وحالة المجلس يسقط فيهما ذلك، كذلك هاهنا.
قيل: خيار الشفعة والعيب لا يبطل بالتفرق، وهذا يبطل بالتفرق، فلا يبطل بالتخاير، كخيار الإيجاب.
ولأنه خيار يبطل بالتفرق، فلا يبطل بالتخاير.
стр. 1120
دليله: خيار الإيجاب في البيع، وفي الإقالة، وذلك أنه إذا قال: بعتك، فقبل أن يوجد القبول من المشتري البائع بالخيار في الرجوع في هذا الإيجاب، ولو أسقطه في المجلس لم يسقط، وكذلك الإقالة.
واحتج المخالف بما روى ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (كل بيعين فأحدهما على صاحبه بالخيار حتى يتفرقا، أو يكون خيار).
وفي لفظ آخر: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر).
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار).
والجواب عن قوله: (إلا بيع الخيار) أو (أن تكون صفقة خيار) فيحتمل [أن تكون] (إلا) بمعنى الواو، [و] تقديره: المتبايعين بالخيار مالم يتفرقا، وبيع الخيار -أيضًا- ما لم يتفرقا.
ويكون القصد بذلك إزالة الإشكال؛ لئلا يظن ظان أن شرط ذلك يقطع الخيار.
وهذا شائع في اللغة: قال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
стр. 1121
إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ معناه: والذين ظلموا.
ونهى النبي ﷺ عن بيع الكلب إلا المعلم؛ معناه: والمعلم.
كذلك هاهنا.
وأما قوله: (حتى يتفرقا، أو يقول لصاحبه: اختر)؛ معناه: وإن كان خيار، وإن قال لصاحبه: اختر، كما قال تعالى: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى﴾ [النساء: ١٠٢]، ومعناه: وإن كنتم مرضى.
وكما قال تعالى: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ معناه: وإن أخطأنا.
وجواب آخر، وهو: يحتمل أن يكون قوله: (إلا بيع الخيار) من كلام الراوي، وكذلك قوله: (حتى يتفرقا، أو يكون خيار) أو (يقول لصاحبه: اختر)، كما روي عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ أنه قال: (عهدة الرقيق ثلاثة أيام). إن وجد داًء في الثلاث رد غير بينة، وإن وجد [داًء] بعد الثلاث كلف البينة: أنه اشتراه وبه داء.
والكلام الآخر من عند قوله: (إن وجد داء) من كلام قتادة
стр. 1122
واحتج المخالف بأن الخيار غرر، فإذا جاز العقد مع الغرر، كان مع فقده أجوز، ومن الفساد أبعد.
والجواب: أنه يبطل بعقد الكتابة؛ يجوز مع الأجل، وهو غرر، ولا يجوز مع فقده.
واحتج بأن الخيار من مصلحة العقد، كالرهن والضمان، ثم ثبت أنه لو عري عن الرهن والضمين صح، كذلك إذا عري عن الخيار.
والجواب: أن الرهن والضمين يثبت بالشرط، وخيار المجلس من موجب العقد ومقتضاه، فإذا شرط قطعه لم يصح.
واحتج بأنه أسقط الخيار بعد وجوبه؛ يعني بذلك: إذا كان بعد العقد، فصح.
دليله: خيار الشفعة، والرد بالعيب، وخيار المخيرة، وخيار القبول.
والجواب: أنا قد جعلنا ذلك حجة لنا، وهو أنه إذا شرط قطع ذلك حال العقد لم يسقط، يجب إذا شرط قطع خيار المجلس حال العقد أم لا يسقط، وعندهم يسقط على أحد القولين.
وعلى أن خيار الشفعة والرد بالعيب لا يبطل بالتفرق، وهذا يبطل بالتفرق، فهو كخيار الإيجاب.
وعلى أن تلك الخيارات لا يقف إبطالها على التفرق بالأبدان، بل تبطل إذا أخذ في حديث آخر، فإذا قطع خياره، فقد أخذا في حديث آخر، وهذا الخيار يقف على التفرق بالأبدان، فهو آكد.
стр. 1123
٢٥٠ - مسألة
ينتقل الملك في بيع الخيار بنفس العقد سواء في ذلك خيار المجلس، أو خيار الشرط:
ذكره الخرقي في كتاب (الزكاة) فقال: والماشية إذا بيعت بالخيار، فلم ينقص الخيار حتى ردت، استقبل البائع بها حولًا؛ سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري؛ لأنه تجديد ملك.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية حبيش بن سندي في رجل اشترى عبدًا، فوهب للعبد مال قبل أن يفترقا، واختار البائع العبد: فهو للمشتري بضمانه.
وهذا يدل على أنه كان على ملك المشتري؛ لأنه جعل الغلة له.
وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار للبائع لم يزل ملكه عن المبيع، وإن كان الخيار للمشتري خرج من ملك البائع، ولم يدخل في ملك المشتري.
وقال مالك: لا ينتقل الملك إلا بانقطاعه سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري.
واختلف قول الشافعي على ثلاثة أقاويل:
أحدهما: مثل قولنا، وهو الصحيح.
والثاني: مثل قول مالك.
والثالث: هو مراعى؛ فإن لم يفسخا تبينا أنه كان ملك بالبيع، وإن فسخا تبينا أنه لم يكن ملك.
стр. 1124
وتبين فائدة الخلاف في من اشترى زوجته على أنه بالخيار ثلاثة أيام؛ عندنا ينفسخ، وعند أبي حنيفة ومن وافقه لا ينفسخ؛ لأنه لم يملكها عنده، وعندنا قد ملكها.
وكذلك إذا اشترى أباه أو ابنه على أنه بالخيار عتق عليه عندنا، وعنده لا يعتق.
فالدلالة على انتقال الملك في الجملة: ما روي عن النبي ﷺ قال: (من باع عبدًا- وله مال- فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع).
فظاهر هذا: أنه بالشرط يكون للمبتاع؛ سواء كان هناك خيار، أو لم يكن، فهو على العموم.
ولأنه بيع منعقد، أو بيع صحيح، فوجب أن ينقل الملك.
دليله: إذا شرط فيه خيار الثلاث.
ولا يلزم عليه إذا قال: [إن] بعتك عبدي فهو حر، فباعه؛ أنه يعتق، لا لبقاء الملك، لكن لما نذكره فيما بعد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن تصرف المشتري يجوز فيه بوجود القبض، فدل على أن زوال الملك في مسألتنا لما لم ينفذ تصرفه مع وجود القبض المأذون فيه، فدل على أنه لم يملكه.
стр. 1125
قيل له: التصرف قد يمنع منه [مع] تمام الملك؛ لتعلق حق الغير، كالرهن يمنع الراهن من التصرف فيه مع تمام ملكه عليه؛ لتعلق حق المرتهن به، وفي مسألتنا حق البائع في الفسخ متعلق به، وفي تصرف المشتري إسقاط هذا الحق؟
فإن قيل: يبطل هذا به إذا كان بالعوض عيب؛ فإن حق الفسخ ثابت للبائع، وتصرف المشتري يجوز.
قيل له: تصرفه لا يسقط حقه من الخيار؛ لأنه يفسخ البيع، ويرجع بقيمة ما خرج من ملكه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن حقه من الخيار يسقط بتصرف المشتري، فمنع منه.
وعلى أنا لا نسلم هذا على الإطلاق؛ لأن تصرف المشتري بالعتق ينفذ رواية واحدة.
وليس لهم أن يقولوا: إن المعنى في الأصل: أنه بيع لا خيار فيه؛ لأنا لا نسلم هذا؛ لأن فيه خيار المجلس.
وقياس آخر، وهو: أن انقطاع الخيار معنى يستقر به العقد، فلم يقف انتقال الملك عليه، كالقبض.
ولأنه خيار ثابت في بيع، فلا يمنع انتقال الملك.
دليله: خيار العيب.
следующие страницы →