← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كذلك الطواف وغيره من أركان الحج؛ لأنه ليس في حكم التابع للإحرام، ألا ترى أنه ينفرد الطواف بنية؟ فلو طاف حول البيت لطلب غريم له لم يجزه، وكذلك ينفرد بوقت يخالف وقت الإحرام، وبمكان، فجرى في ذلك مجرى الإحرام، فلما لم يجز أداؤه عن غيره، وعليه فرضه، كذلك الإحرام به. واحتج المخالف بما روى ابن عباس: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي مات ولم يحج، أفأ حج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق». قال: فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يسأله: أحججت عن نفسك، أو لا؟ ولو كان الحكم يختلف لسأله. والثاني: أنه شبهه بالدين، ومعلوم أن من كان عليه دين جاز أن يؤدى دين غيره. وروي عن علي ﵇ قال: استقبلت النبي ﷺ جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: «حجي عن أبيك». ولم يسألها: أحججت عن نفسك، أم لا؟ والجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ علم من حال السائل أنه

стр. 107

قد حج عن نفسه، فلهذا أجاز له النيابة عن أبيه. وهذا هو الظاهر من حال الخثعمية، لأنها [سالت النبي ﷺ بعد] منصرفه من المزدلفة إلى منى حيث كان الفضل رديفه، والظاهر من حال من يكون في ذلك الموضع: أنه قد حج، فلذلك لم يستفصل. وعلى أن الخبر اقتضى السؤال عن جواز النيابة في الجملة، فأما مواضعه فغير مقصود بيانها به. وأما تشبيهه بالدين، فإنما شبهه بقضاء الدين في حق من كان قد حج عن نفسه، والتشبيه في ذلك الموضع صحيح. وعلى أن النبي ﷺ شبه النفع الحاصل بقضاء الحج بالنفع الحاصل بقضاء الدين، فيحتاج أن يثبت قضاء الحج حتى يكون نفعه كنفع قضاء الديون. واحتج بأن هذا مما تصح فيه النيابة، فوجب أن يجوز أداؤه عن غيره قبل أدائه عن نفسه، كالدين والزكاة. ولا يلزم عليه طواف الزيارة، لأن التعليل لجواز أدائه من غيره قبل أدائه عن نفسه بحال، وهذا مستمر في الطواف، ولأنه إذا لم يكن محرمًا جاز له أن يحرم عن غيره، ويطوف عنه. والجواب: أن [قوله]: (هذا مما تصح فيه النيابة) رجوع عن كلامه

стр. 108

في المسألة التي قبلها، وان الحج لا تدخله النيابة، وإنما يكون له ثواب النفقة، ونسأل الله حسن التوفيق. مع أن الفرق بين الحج وبين الزكاة والكفارة والدين واضح، وذلك أن الاستنابة تصح في هذه الأفعال في جميع أحوال من وجب عليه، سواء عجز عن فعلها في نفسه، أو لم يعجز، كذلك لا تختص بحال للنائب دون حال، وليس كذلك الحج، فإنه لا يجوز أن يستنيب فيه مع قدرته عليه، ويجوز مع عجزه عن نفسه، فلما اختص بحال دون حال لمن وجب عليه، جاز أن يختص بحال للنائب دون حال. ولأنه إذا نوع إحرامًا مطلقًا- وعليه فرضه- انصرف إليه، ولو أخرج صدقة إلى الفقراء، أو أعتق رقبة، لم ينصرف بإطلاقه إلى الزكاة والكفارة. ولأن بقاء بعض الدين والزكاة لا يمنع أداء دين غيره، كذلك بقاء جميعه، وليس كذلك الحج، لأن بقاء بعضه عليه، يمنع أداءه من غيره، كذلك بقاء جميعه. فإن قيل: على هذا كل جزء من الدين والزكاة له حكٌم قائم بنفسه، لأنه لو أدى جزءًا من الزكاة وقع موقعه، وإن لم يؤد الباقي، وكذلك

стр. 109

الدين، وليس كذلك الحج، لأن بعضه لا يثبت حكمه بنفسه، بدليل أنه لو أفسد بعضه، فسد جميعه. قيل له: لا فرق بينهما، وذلك أنه قد ثبت حكم بعضه بنفسه، ألا ترى أنه لو أحرم، ووقف بعرفة، وأخر طواف الزيارة إلى أن عاد إلى بلده، لم يفسد ما عمله، بل يثبت حكمه؟ وكذلك لو أفسد الطواف، ولم يفسد ما تقدم، فهو كالزكاة والكفارة. واحتج بأنه لو أحرم عن نفسه في هذه الحال صح إحرامه، كذلك إذا أحرم عن غيره قياسًا على من حج مرة. [والجواب: أنه] لا يجوز اعتبار من حج مرة بمن لم يحج، كما لم يجز اعتبار من طاف مرة بمن لم يطف في جواز النيابة. ولأنه إذا حج مرة لم يتعين عليه الحج، وإذا لم يحج يتعين عليه الحج بالحضور، فلم تصح النيابة فيه كالجهاد. ولأن المعنى في الأصل: أنه أسقط فرض الحج عن نفسه، وليس كذلك في مسألتنا، لأنه لم يسقط فرض الحج عن نفسه، فهو كالمراهق.

стр. 110

٢٩ - مسألة إذا كان عليه حجة الإسلام، فأحرم به ينوي تطوعًا، وقع عن حجة الإسلام في أصح الروايتين: وهذا ظاهر كلام الخرقي، لأنه قال في المسألة التي قبلها: لأنه إذا حج عن غيره من لم يحج عن نفسه انعقدت الحجة عنه، وإن لم ينوها عن نفسه. وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور وعبد الله فيمن نذر أن يحج- وما حج حجة الإسلام: لا يجزئه حتى يبدأ بفريضة الله، ثم يقضي ما أوجب على نفسه. وظاهر هذا: أنه لا يصح منه فعل حجٍة ير الفريضة، سواء أحرم بغيرها، أو أراد الإحرام بغيرها. وهو قول الشافعي. وفي رواية أخرى: أنه إذا أحرم ينوي به تطوعًا أجزأه عما نواه. أومأ إليه أحمد في رواية ابن القاسم في الرجل يحج ينوي التطوع: فالحج والصوم سواء، لا يجزئ إلا بينة. وظاهر هذا: أنه تعين أن نية الفرض شرط في صحة ذلك، وهو ظاهر كلام أبي بكر ذكره في "كتاب الخلاف" فقال: وكيف يجزئ فرض، وقد قصد به نافلة؟! وكيف يجزئ إحرام عن زيد لعمرو؟! فلا

стр. 111

يجزئه إلا أن يعقده بقصد منه، كما لا يجزئ الصائم [إلا] عن قصد منه له. وهو قول أبي حنيفة. فالدلالة على أن لا ينعقد نفلًا: أنه أحرم بالحج وعليه فرضه، فوجب أن يقع عن الفرض قياسًا على مطلقه، وذلك أنه لو أحرم إحرامًا مطلقًا لا ينوي فرضًا، ولا تطوعًا، انصرف إلى الفرض، كذلك هاهنا. يبين صحة هذا الاعتبار: أن الدخول في العبادة بنية النفل بمنزلة الدخول فيها بنية مطلقة، ألا ترى أن من دخل في الصوم بنية النفل، كان بمنزلة من دخل فيه بينة مطلقة؟ عندنا لا يجزئ عن الفرض في الموضعين، وعندهم يجزئ فيهما، كذلك وجب أن يكون الدخول فيها بنية النفل بمنزلة الدخول فيها بنية مطلقة، وقد ثبت أنه إذا أطلق النية- وعليه الفرض- انصرف إليه، وكذلك إذا نوى النفل. فإن قيل: روى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز حتى ينوي الفرض، وأن النية المطلقة لا تجزئ. قيل له: روى محمد عنه: أنه يجوز استحبابًا، ورواية محمد أصح.

стр. 112

فإن قيل: هذا يبطل بالكفارة، لأنه لو أعتق رقبة، ونوى بها الكفارة فقط، أجزأ عما عليه، سواء كانت الكفارة من جنس واحد، أو من جنسين، ولو نوى بها تطوعًا لم يقع عما عليه. فقيل له: لا يلزم هذا، لأن نية الكفارة فيه الفرض، فإن الكفارة لا تكون إلا فرضًا، وإن أعتق ينوي عتقًا انصرف إلى التطوع، وإن نوى تطوعًا انصرف إليه، وإن نوى كفارة كان عن فرضه. وقياس آخر، وهو: أن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب ألا يصح نفلها ممن يصح منه فرضها قياسًا على الصوم عن شهر رمضان. فإن قيل: عندنا يصح نفل الصوم ممن يصح منه فرضه، وهو المسافر. قيل له: تلك رواية ضعيفة. فإن قيل: [وقته لا يصح للنفل. قيل له]: يصلح عندنا، لأن الصبي يصوم فيه، وهو متنفل، وإنما [لا يصح من البالغ، لأنه من أهل الفرض، ولا يصح منه التنفل. واحتج المخالف بما روى عن النبي ﷺ ] قال: "إنما الأعمال

стр. 113

بالنية، وإنما لا مريٍء ما نوى"، وهذا نوى النافلة. والجواب: أن المراد به: أن النية شرط في كونه قربة وطاعة، وأنه لا يكون قربًة بغير نية. وعلى أنا لا نجمله، ونخصه على غير الحج بما ذكرنا. واحتج بأنها عبادة تفعل في وقت مخصوص، والوقت يصلح للنفل والفرض، لأن واحدًا يؤدي في وقته فرضًا، والآخر نفلًا، فهي كالصلاة، ولا خلاف أنه لو افتتح الصلاة، ونوى بها تطوعًا- وعليه صلاة فريضة- أنها تكون تطوعًا، كذلك هذا، وليس كذلك الصوم، لأن الوقت لا يصلح للنفل والفرض جميعًا. ولا يلزم عليه الطواف، لأنه له أن يطوف تطوعًا، وعليه طواف، وهو أن يحج تطوعًا، وعليه حجة الإسلام. وربما عبروا عنه بأن الحج عبادة تشتمل على أفعال متغايرة، أشبهت الصلاة. وإن شئت قلت: عبادة لها تحليل وتحريم، أشبهت الصلاة. والجواب: أن نية الصلاة إذا كانت مطلقة ترجع إلى النفل دون

стр. 114

الفرض، كذلك النية المقيدة بالنفل، وليس كذلك نية الحج المطلقة، فإنها ترجع إلى فرض إذا كان من أهل الفرض، وكذلك النية المقيدة بالنفل، لأنا قد بينا: أن الإطلاق يجري مجرى التقييد. ولأن الإحرام للصلاة أضعف من إحرام الحج، لأنه إذا أفسد الصلاة بطل عقدها، وخرج منها، وإذا أفسد الحج لم يبطل، ولم يخرج منه، ويمضي في فاسده، فلم يجز اعتبار الحج بالصلاة. واحتج بأنه لو أحرم بعمرة- وعليه حجة الإسلام- أجزأ عما نوى، فنقول: كل فرض لم يمنع بقاؤه إحرام غير التطوع، لم يمنع إحرام التطوع. دليله: الصلاة. والجواب: أنه ليس إذا لم يمنع بقاؤه الإحرام بعبادة أخرى، يجب أن لا يمنع الإحرام بعبادة من جنس ما عليه، كصوم رمضان في وقته، يمنع الإحرام بصوم من جنسه، وإن لم يمنع الإحرام بعبادة أخرى. وأما الصلاة فالمعنى فيها: أنه لو أحرم بها مطلقًا لم تقع عن الفرض، فجاز أن يحرم بنية التطوع عليه فرضه، وليس كذلك الحج، فإنه لو أحرمه مطلقًا، وقع عن فرضه، فإذا أحرم بنية التطوع انصرف إليه. واحتج بأن الإحرام ركٌن من أركان الحج، فبقاؤه عليه لا يمنع أداء التطوع كالطواف، وذلك أنه إذا كان عليه طواف الزيارة وطاف تطوُّعًا

стр. 115

جاز، ولم يقع عن طواف الزيارة. نص عليه في رواية ابن منصور فيمن طاف للوداع، ولم يطف طواف الزيارة: لم يجزه ذلك عن طواف الزيارة، لأنه لم ينوه. وكذلك نقل إبراهيم فقال: لا يجزئه، وكيف يجزئه التطوع من الفرض؟ ولو تطوع رجل، فنوى بتطوعه الظهر والعصر، أيجزئه ذلك؟ فلا يجزئه حتى يطوف طواف الزيارة. وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب في المتمتع إذا تحلل من عمرته، ووقف بعرفة، وأراد الطواف: فإنه يطوف ويسعى قبل طواف الزيارة، ثم يطوف طواف الزيارة، ويكون الأول طواف القدوم، كما يكون ذلك في حق المفرد بالحج إذا دخل مكة قبل الوقوف، كذلك الإحرام. والجواب: أن هذا لا يصح على أصل أبي حنيفة، لأن عنده: أنه لا يصح التطوع بالطواف وعليه فرضه، وهذا أصل اعتمد عليه من خالفه في هذه المسألة من أصحاب الشافعي. وأما على أصلنا نحن، فالفرق بين الطواف والإحرام هو: أن الطواف يختص البيت، [ويتعلق به، فهو] كالصلاة، والصلاة تفتقر إلى تعيين

стр. 116

النية، ولهذا لا يجوز عندنا طواف الزيارة بنية مطلقة، كالصلاة. ويبين صحة الجمع بينهما قول النبي ﷺ : "الطواف بالبيت صلاٌة". وليس كذلك الإحرام، لأنه لا يتعلق بالبيت، فلم يفتقر إلى نية الفرض، كالوقوف. وجواب آخر أكشف من هذا، وهو: أن الطواف يجري مجرى الصلاة من وجهين: أحدهما: قول النبي ﷺ : "الطواف بالبيت صلاٌة". والثاني: أن الطواف يختص البيت، كالصلاة. ثم ثبت أن الصلاة يصح التنفل بها ممن عليه فرضها، كذلك الطواف. وليس كذلك الإحرام، لأنه يجري مجرى الصوم، بدليل أنه يجب بإفساده الكفارة كالصوم، ثم ثبت أنه لا يصح التنفل ممن عليه فرضه، كذلك الإحرام. ٣٠ - مسألة الحج على الفور، ذكره أبو بكر في "كتاب الخلاف ": وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد الله وابن إبراهيم فيمن استطاع

стр. 117

الحج، وكان موسرًا، ولم تحسبه علة، ولا سبب: لم تجز شهادته. وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب مالك، وداود. وقال الشافعي: وجوب الحج على التراخي. دليلنا: ما روى ابن بطة بإسناده عن علي، عن النبي ﷺ قال: "من ملك زادًا وراحلًة تبلغه إلى البيت، فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا، أو نصرانيًا، ومن كفر فإن الله غنٌي عن العالمين". فإن قيل: إذا أخره حتى مات أثم بالاتفاق. قيل له: لو جاز له التأخير، لم يأثم بالموت إذا فاجأه من غير أمارة، ولا عليه ظٌن، والخبر يقتضي أنه أثم بكل حال. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ : أنه قال: "من أراد الحج فليتعجل"، ذكره شيخنا. فإن قيل: علقه بإدارته. قيل له: هذه الإرادة التي يخرج بها من حيز الساهي إلى حيز القاصد، لا إرادة تخيير، ولا يتعلق الأمر بها.

стр. 118

وهذا كقوله ﵊: "من أراد الجمعة فليغتسل"ز وكقولنا: من أراد الصلاة فليتوضأ. وروى ابن بطة في "سننه" بإسناده، عن الحجاج بن عمرو السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من [قابٍل". فأوجب الحج] على الفور. وروى عبد الله في كتاب الإيمان من "مسائله": أنا أبي، أنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن ابن سابط قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات، ولم يحج، لم يمنعه من ذلك مرٌض حابٌس، أو سلطاٌن ظالٌم، أو حاجٌة ظاهرٌة، فليمت على أي حاٍل شاء، إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا". قال: وحدثني أبي قال: ثنا هشيم قال: ثنا منصور، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه

стр. 119

الأمصار، فينظروا كل رجل ذا جدٍة لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم مسلمون! ما هم مسلمون! والقياس: أن لو كان على التراخي لم يخل المأمور به من وجهين: إما أن يكون له تأخيره أبدًا حتى لا يحلقه التفريط، ولا يستحق اللوم، وإن مات قبل فعله. أو يكون مفرطًا مستحقًا اللوم إذا تركه حتى مات. فإن قلنا: إنه لا يكون مفرطًا بتركه في حياته، خرج عن حد الوجوب، وصار في حيز النوافل، لأن ما كان المأمور مخيرًا بين فعله وتركه، فهو نافلة، أو مباح. ولا خلاف أن الحج واجب، فبطل هذا القسم. وإن قلنا: إنه يلحقه التفريط بالموت، أدى ذلك إلى أن يكون الله- تعالى- ألزمه إتيان عبادة في وقٍت، لم ينصب له عليه دليلًا يوصله إلى العلم به، ونهاه عن تأخيرها عنه. ولا يجوز أن يتعبده الله بعبادة في وقت مجهول، كما لا يجوز أن يتعبده بعبادة مجهولة. فإذا بطل هذان القسمان صح القسم الذي ذهبنا إليه، وهو أنه على الفور.

стр. 120

ولا يلزم على هذا الزكوات، والنذور، والكفارات، فإن ذلك على الفور، وقد نص على ذلك في الزكاة فيما تقدم. ولا يلزم عليه قضاء رمضان، فإنه مؤقت بما بين رمضانين، ويأثم بتأخيره عن ذلك، فلا يؤدي إلى جعله في حد النَّوافل، ولا إلى أن يكون متعبدًا بعبادة في وقت مجهول. فإن قيل: لا يمتنع أن يتعبد الله بعبادة في وقت مجهول، ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]؟ قيل له: وجوب الوصية متعلق بشرط، وهو حضور الموت، [وللموت أمارٌة يغلب معها في الظن وجوده، وهو أن يشتد مرضه، فإذا وجدت الأمارة وجبت، ولم يجز له تأخيرها، ويصير الوقت الذي يتعين وجوبها فيه معلومًا. فإن قيل: قيل في الحج مثله. قيل له: لا يغلب في ظنه أنه يموت إلا في وقت يكون عاجزًا عن أداء الحج بنفسه، وهو إذا اشتد مرضه، ولا يجوز أن يتوجه إليه الخطاب بأدائه في حال لا يقدر عليه، وليس كذلك الوصية، لأن وجود الأمارة التي يغلب معها في ظنه وجود الموت، لا يوجب عجزه عن الوصية، فجاز تعليق وجوبها بوجود تلك الأمارة.

стр. 121

فإن قيل: يجوز أن يوجب الله- تعالى- صلاة، ويعلق أداءها باختيار المأمور]، يؤديها أي وقت شاء. قيل له: لا يجوز أن [لا] يكون آخر وقتها معلومًا عند المخاطب. وحكم عن أبي إسحاق المروزي: أنه كان يقول: إذا كان قادرًا على أداء الحج في السنة التي هي من آخر عمره، فلم يؤده فيها، صار عاصيًا بتأخره عنها، لأنا إنما جعلنا له التأخير بشرط السلامة، فأي سنة تبينا أنه لم يمكنه الحج بعدها، علمنا أن وجوب أدائه متعين في تلك السنة. وقد بينا فساد هذا القول بما قدمنا. وروى عن أبي هريرة: أنه كان يقول: إن أخره، وهو عازم على فعله في الثاني، ومات، لم يكن عاصيًا، وإن اشتغل باللهو، ولم يعزم على فعله، كان عاصيًا بتأخيره. وهذا لا معنى له، لأنه قد سلم أنه يصير بتركه وترك ما يقوم مقامه عاصيًا، إلا أنه ادعى: أن العزم بدل عنه، وهذا فاسد، لأن البدل ما قام مقام المبدل، وسقط الفرض به، والعزم لا يسقط الفرض به. ووجه آخر، وهو: أن وجوه بتعلق بشرط، وهو وجود الاستطاعة، فإذا وجد الشرط لم يجز أن يتأخر ما علق به، كقوله: (أنت طالق إن دخلت الدار) ونحو ذلك.

стр. 122

فإن قيل: نحن نقول بأن الحج يجب بوجود الشرط، ولكن كلامنا في الأداء. قيل له: وجوب الأداء متعلق بالشرط، لأن قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] معناه: فعل الحج، يقال: حج يحج حجًا. ولأن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب ألا يجوز تأخيرها بعد وجوبها عن حال الإمكان. دليله: صوم رمضان. ولأنها عبادة تجب بقطع مسافة، أو تجب بزاد وراحلة، وكان وجوبها على الفور، كالجهاد. ولأن وجوبه غير مؤقت، فوجب أن يلزم أداؤه على الفور. دليله: حقوق الآدميين. واحتج المخالف بأن فريضة الحج نزلت سنة سٍّت، وحج النبي ﷺ سنة عشر، فلو كان وجوبه مضيفًا لما أخره عن أول أحوال الإمكان. والجواب: أنه لم يثبت عندنا: أن النبي ﷺ أخره عن وقت وجوبه، لأن وجوب الحج ثبت بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. وروى: أنه نزل في سنة عشر، وروى: في سنة تسع، فإن كان في سنة عشر، فلم يؤخره، وإن كان في سنة تسع، فجائٌز أن يكون نزل بعد مضي وقت الحج، فلم يجب فعله إلا في سنة عشر.

стр. 123

وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب البصري المعروف بالحاكم في تاريخه "لوامع الأمور وحوادث الدهور": أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي ﷺ سنة تسع، فسأله عن الفرائض، وذكر من جملتها الحج. فإن قيل: فالدلالة على أن فريضة الحج نزلت سنة سًّت: أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] [نزل سنة سًّت من الهجرة]، [حين خرج النبي ﷺ ] معتمرًا، فصده المشركون عن البيت، فصالحهم على أن يرجع إلى المدينة، ويعود في القابل، ويقضي تلك العمرة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فرجع، ثم خرج في السنة السابعة لعمرة القضاء، فلما فرغ منها عاد إلى المدينة. وخرج لعشر مضين من رمضان في سنة ثمان من الهجرة، وفتح مكة، ودخلها، وانصرف إلى المدينة في شوال، واستخلف عليها عتاب ابن أسيد، ثم أمر أبا بكر في السنة التاسعة، فحج بالناس، وبعث خلفه عليًا، ليقرأ عليهم سورة (براءة) وحج في سنة عشر حجة الوداع، وعاش بعد ذلك شهرين، وقبض ﷺ .

стр. 124

روي أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي ﷺ في سنة تسع، فسأله عن أشياء منها أن قال: آلله أمرك أن تحج هذا البيت؟ فقال: نعم. ولأنه أنفذ أبا بكر سنة تسع، ليحج بالناس، وهذا يدل على أن وجوبه كان قبل سنة عشر. قيل: أما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنه يقتضي وجوب إتمامه بعد الدخول فيه، وكلامنا في وجوبه ابتداًء قبل الدخول فيه، لأن هذا اللفظ يستعمل في العرف بعد الدخول في الشيء، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] عقل منه وجوب المضي فيه والفراغ منه بعد ابتدائه. وكذلك [إذا] قيل: (أتم هذا الكتاب) يعقل منه الفراغ بعد الدخول فيه. كذلك اقتضى قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وجوب الإتمام بعد الدخول فيهما، وهكذا نقول. فإن قيل: الآية اقتضت أمرًا بالابتداء بهما، يدل عليه ما روى عن عمر وعلي ﵄: أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.

стр. 125

فحملا البناء على الابتداء. وروى أن عبد الله بن مسعود كان يقرؤها: (وأقيموا الحج والعمرة لله)، لأنه لم يكن بالحديبية [من كان] محرمًا بالحج، وإنما كانوا محرمين بالعمرة، فدل على: أن المراد بها الابتداء. قيل له: أما ما روى عن عمر وعلي، فلم يقصدا بذلك بيان معنى الإتمام، وأنه عبارة عن ابتداء الإحرام، وإنما قصدا إلى أن يبينا: أن النقصان ينتفي عنهما، والكمال يحصل لهما بالإحرام قبل الميقات، ولهذا قال قوم: الإحرام بهما قبل الميقات أفضل. وعلى أن الإحرام من دويرة الأهل مستحٌب، فكأنهما حملا الأمر على الاستحباب دون الوجوب، وهذا ترك الظاهر، فصار هذا دلالة على المخالف. وأما قراءة ابن مسعود، فيحتمل أن يريد به: أقيموا بعد الدخول فيهما، بدليل ما ذكرنا. وأما قوله: (إنه لم يكن بالحديبية من كان محرمًا بالحج، إنما كانوا

стр. 126

محرمين بالعمرة) فلا يمتنع أن يبين حكم الحج والعمرة، وإن كان التلبس بأحدهما. وأما حديث ضمام بن ثعلبة، فنحمله على وجوب كان تامًا في شريعة إبراهيم ﵇، وكان النبي ﷺ مأمورًا بإتباعه فيما لم يثبت نسخه، فقوله: "نعم" يحتمل أن يريد به: أنه أمر على هذا الوجه، وكلامنا في نزول فرض الحج في شريعته. فإن قيل: هذا يؤكد السؤال، لأنه إذا كان ثبت وجوبه في شريعة إبراهيم، ولم يثبت نسخه، والنبي ﷺ كان متعبدًا به، وقد أخره إلى سنة عشر، دل على أن وجوبه لم يكن مضيقًا. قيل له: لم يثبت أن وجوبه في شريعة إبراهيم كان بلفظ يقتضي الفور، وكلامنا في حكم الأمر المقتضي لوجوبه في شريعة نبينا ﵇. وهكذا الجواب عن إنفاذه أبا بكر إنما كان على موجب شريعة إبراهيم ﵇. وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا أنه أخر الحج عن وقت وجوبه، فيحتمل أن يكون تأخيره لعذر، ونحن لا نأبى ذلك، والخلاف في تأخيره لغير عذر.

стр. 127

الدليل على صحة هذا: أنه لا يترك الأفضل، ويداوم على تركه فيما لا يتكرر فعله من جهته إلا لعذر، والعذر الذي ترك به الأفضلية عندهم، هو المعنى الذي جوز له تأخير الواجب عندنا. فإن قيل: الأصل عدم العذر. قيل له: ما يلزمنا من هذا في تأخير الواجب، يلزمك مثله في ترك الفضيلة. فإن قيل: أخره ليبين جواز التأخير. قيل له: كان يكفي أن يؤخر سنة واحدة. وجواب أخر، وهو: أنه إذا كان وجب في سنة ست، فلوجوبه شرائط لا يعلم أنها حصلت له، ألا ترى أن الحج يحتاج في وجوبه إلى الزاد، والراحلة، ونفقة الأهل، وأمن الطريق، ويحتاج ﷺ إلى أصحاب يكفونه غزو الطريق؟ فيجوز أن تكون هذه الشرائط التي بها يحصل الوجوب لم تكمل إلا في سنة عشر. فإن قيل: فإن النبي ﷺ اعتمر سنة ست، فلا بد أن يكون حصل له الشرائط؛ لأنه كان معه عام الحديبية سبعون بدنه، وفي سنة ثمان اتسع من سبي هوازن حتى قال صفوان بن أمية حين أعطاه" هذا عطاء من لا يخاف الفقر، وفي سنة ثمان فتح مكة، وفرغ من هوازن والطائف، ولم يبق له مانع.

стр. 128

قيل له: يحتمل أن تكون الاستطاعة حصلت له في وقت العمرة، وزالت في وقت الحج؛ لأن قريشاً صالحوه في عمرة القضاء على العمرة، ولسنا نعلم أنهم مكنوه من الحج، وقد كانوا صالحوه على ثلاثة أيام، فأراد أن يقيم بها ليولم [ … ]، فمنعوه. فإن قيل: فقد كان في أصحابه أغنياء قيل له: شرط الاستطاعة ليس هو مجرد الغنى، بل يحتاج إلى ما ذكرناه من الشروط. وجواب أخر، أنه أخر بعد الوجوب؛ لأنهم كانوا يؤخرون الحج تارة، ويقدمونه أخرى، فيقع في غير وقته، فأراد النبي ﷺ أن يحج في وقت يستقر فيه الحج؛ ليقع الاقتداء به من بعده، فلما وافق سنة عشر وقت الحج قال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته خلق [الله] السماوات والأرض. ولهذا فعل العمرة؛ لأن وقتها لا يتخصص. فإن قيل: فكيف أنفذ أبا بكر سنة تسع؟ قيل له: من حج على ما كانوا عليه لم يسقط فرضه، فأراد النبي ﷺ أن يحج على جهة يقع بها الأجزاء، ويكون إمامًا في المستقبل يقتدى به.

стр. 129

وجواب آخر، وهو" أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويظهرون الكفر في التلبية، ويقولون: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك*، فلما أنفذ أبا بكر سنة تسع، [و] نبذ إلى المشركين عهدهم، ونادي: (ألا لا يطوف بالبيت مشرك، ولا عريان) حج. فإن قيل: فكيف اعتمر؟ قيل: لأنهم أخلوا له مكة. فإن قيل: فكيف أمر أبا بكر بالحج؟ قيل: لأن حرمته لا تضاهي حرمة النبي ﷺ . وجواب آخر، وهو: أنه أخر حتى أمن كيد الأعداء. فإن قيل: كيف اعتمر؟ قيل له: يجوز أن يكون أمن ذلك في غير وقت الحج، ولم يأمن في وقت الحج. واحتج بما روى أبو بصرة، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: "من أحب أن يرجع بعمرة قبل الحج، فليفعل".

стр. 130

وروي أنه لما خرج من العمرة قال: "من أراد أن يقيم للحج معنا فليقم، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف". والجواب: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك لمن كان قد حج في سنة تسع مع أبي بكر. واحتج بأن النبي ﷺ أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، والتحلل منه بالعمرة، فلو كان على الفور ما أمرهم بفسخه، وتأخيره إلى وقت آخر. والجواب: أنه لما فسخوا الحج، وجعلوه عمرة، أحرموا بالحج في تلك السنة يوم التروية، فحصل لهم التمتع بذلك، [يدل] على ذلك: ما روي عن أبي سعيد ألخدري: أنه قال: قدمنا نصرخ بالحج صراخاً، فلما طفنا بالبيت قال النبي ﷺ : "اجعلوها عمرة"، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج. واحتج بأنه فعله في وقت لم يزل عنه اسم الأداء، فوجب أن لا يكون عاصياً، قياساً على السنة الأولى.

стр. 131

وعبارة أخرى: أن هذه عبادة مقصودة في نفسها، أتى بها في وقت لم يزل عنها اسم الأداء، فوجب أن لا يكون بتأخيرها عاصياً، قياساً على فعل الصلاة في الوقت الثاني. ولا يلزم عليه إذا ترك الصلاة والطهارة والطهارة حتى ذهب الوقت، ثم قضاها، يكون عاصياً يترك الطهارة، وهو مؤد لها؛ لأن الطهارة ليست بمقصودة في نفسها، وغنما هي شرط صحة الصلاة، فصار عاصياً بترك الطهارة لأجل الصلاة. وعبارة أخرى: عبادة وقت الدخول فيها موسع، فكان وقت أدائها موسعاً كالصلاة. و [أما] الجواب عن العبارة الأولى: فهو أنه لا يمتنع أن نقول: إنه قضاء. وليس من شرط صحة القضاء نية القضاء؛ لأن أحمد والشافعي قد قالا: إذا صام الأسير شهر رمضان باجتهاده، ثم بان أنه صادف بعده كان جائزاً، وإن كان قد نوى الأداء. وكذلك إذا صلى الظهر وعنده: أن الوقت باقٍ، ثم بان لأنه بعد فوات الوقت، أجزأه، وإن لم ينو القضاء. وعلى أنه ينتقض بتأخير الطهارة مع الصلاة حتى يخرج الوقت؛ فإن الطهارة لا تقبل نية القضاء، وإن كانت الفور في تلك الحال، وكذلك الزكوات، والكفارات، والنذور إذا أخرها بعد وجوبها.

стр. 132

وأما العبارة الثانية: فالكلام عليها نحو هذا. وأما الثالثة: فإنها منتقضة بالسنة التي يغلب على ظنه العجز بعدها؛ فإن وقت الدخول في تلك الحجة موسع، ووقت أدائها مضيق، ثم نقلب هذا فنقول: فلا يجوز تأخيرها عن أخر وقتها. دليله: الصلاة. ولأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً، ويتضايق بآخره، ويتسع وقت فعلها ما لم يتضايق، فالحج مثلها. واحتج بأنه لو تضيق وجوبه في السنة الأولى، كان بتأخره عن وقته قاضياً، كالصلاة إذا أخرها عن أخر وقتها. والجواب: أنا قد بينا أنه لا يمتنع أن نسميه قاضياً. وعلى أنه يبطل بالسنة التي يغلب على ظنه العجز عنها؛ فإنه بالتأخير عنها لا يصير قاضياً، ويأثم بالتأخير. ولأن القضاء تسمية شرعية، فتستعمل حيث أطلقتها الشريعة، وقد قال النبي ﷺ : "من نام عن صلاة، فليؤذها إذا ذكرها". فسماها أداء، وهي قضاء.

стр. 133

وقد قال ﵇: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا". ولأن الزكاة تجب وجوباً مضيفاً، ومع هذا، فلا يسمى بتأخيرها قاضياً، وكذلك الكفارات. واحتج [بأن] في إيجابية على الفور يؤدي إلى هلاك الحرث، والنسل، وخراب البلاد، وذلك أن أهل البلاد إذا وجدوا الاستطاعة، فإن لزمهم أن يخرجوا بأجمعهم، أدى إلى هلاك الأطفال، والبهائم، وتلف الغلات، وتأخير الزراعات، وفي ذلك خراب البلاد. والجواب: أنه لا يؤدي إلى ذلك؛ لأن شرائط الوجوب لا تكمل لجميع الناس في سنة واحدة، ومن تتفق له شرائط الوجوب تعترضه الأعذار، فيحج من وجب عليه- ولا عذر له- دون غيره، ويقوم بمصالح الدنيا من لم يحج. ٣١ - مسألة أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة: نص عليه في رواية المَرُّوذي وغيره.

стр. 134

وقال في رواية عبد الله: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة ذي الحجة. وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. وقال الشافعي: شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة، فخالف في اليوم العاشر. ويفيد هذا الاختلاف عندنا: أنه لو حلف حالف أن يوم النحر من أشهر الحج، لم يحنث. وسألت قاضي القضاة أبا عبد الله الدامغاني عن ذلك، فقال لي: الفائدة فيه اليمين، وليس تحته فائدة حكمية تختصه. وفائدته عند الشافعي: إن أحرم فيه بالحج لم ينعقد إحرامه به. وفائدته عند أصحاب مالك: إن أخر طواف الزيارة عن جميع ذي الحجة كان عليه دم، وأن أخره عن يوم النحر، وفعله في بقية الشهر، فلا دم عليه، هكذا ذكر لي القاضي أبو محمد بن نصر المالكي. دليلنا على أصحاب الشافعي: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، قال علي وابن عباس: يوم النحر، فدل على أنه من أشهره. وقد ذكره أبو داوود عن علي، وابن عباس بإسناده. ونص عليه أحمد- أيضاً- في رواية حرب، وأبي طالب.

стр. 135

وروى أبو حفص بإسناده، عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ "يوم الأضحى الحج الأكبر". ولأنه إجماع الصحابة، فروي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وإحدى الروايتين عن ابن عمر مثل ذلك. وروى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وبإسناده عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وبإسناده عن محمد بن عبد الله الثقفي، عن عبد الله بن الزبير قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وبإسناده عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وروى أبو بكر النجاد، عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير مثل ما رواه وأبو الحسن. وروى عن ابن عمر بإسناده، عن نافع، عن ابن عمر قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. فالرواية مختلفة عن ابن عمر.

стр. 136

فوجه الدلالة: أن العشر إذا أطلق في الشرع اقتضى الأيام، قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] والمراد به: عشرة أيام بلا خلاف. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:٤٢] قال أهل التفسير: أربعين يوماً، وأربعين ليلة. وقد قيل فيه طريقة أخرى، وهو: أن ذكر [أحد] العددين على طريق الجمع يوجب ما بإزائه من العدد [الآخر، بدلالة قوله: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والقصة واحدة. فلما كان قولهم: (وعشر من ذي الحجة) يتضمن الليالي، وجب ما بإيذائه من الأيام. وفي هذه الطريقة ضعف على أصلنا؛ لأنا قد تكلنا عليها في الاعتكاف. فإن قيل: قولهم: (وعشر من ذي الحجة) المراد به: الليالي؛ لأنه لو كان المراد به: الأيام، لقال: وعشرة؛ لأن الهاء تدل على المذكر، وهي الأيام، وتحذف في المؤنث، وهي الليالي. قيل له: إنما غلب لفظ المؤنث؛ لأن العرب تغلب التذكير إلا

стр. 137

في عدد الليالي والأيام، فأنها تغلب التأنيث، فتقول: (سرنا عشراً) وتريد: سرنا عشر ليال وأيامها، ولهذا [قال] الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وأراد الليالي وأيامها، فغلب لفظ الليالي، كذلك هاهنا. وقد قيل: إنما غلبت العرب الليالي على الأيام في التاريخ؛ لأن ليلة الشهر غلبت يومه، ولم يلدها وولدته؛ لأن الأهلة لليالي دون الأيام، وفيها دخول الشهر. وكذلك لما ذكرهما الله- تعالى- قدم الليالي على الأيام بقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة:٧]. وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [سبأ:١٨]. والعرب تستعمل الليالي في الأشياء التي يشاركها فيها النهار دون الليل، وإن كانت لا تتم إلا به. وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢]. ويقولون: (إذا أدركنا الليل بموضع كذا) لاستهالته، ولأنه

стр. 138

أول ما يرى. والقياس: أنه يوم ليلته من الأشهر فكان منها، كما قبله. ولأنه أول وقت ركن من أركان الحج، فهو كيوم عرفة. ولأن أركان العبادة لا تتوقف بما بعد وقتها، كأركان الصلاة، فلما توقت ابتداء الطواف بيوم النحر، دل على أنه من وقت العبادة. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] قالوا: وفيها دليلان: أحدهما: أنه [حد شهور] الحج، وأخيراً أنها معلومات، والتحديد لا بد من فائدة، وتلك الفائدة عندكم كراهية الإحرام في غيرها، وعندنا منع صحة الإحرام [في غيرها، ولا يصح] عندنا، فثبت أنه ليس من أشهر الحج.

стр. 139

والثاني: قوله- تعالى- في سياق الآية: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فنهى عن الرفث- وهو الجماع- في وقت الحج، والوطء قد يحصل في يوم النحر؛ لأنه يرمي عندنا وعندكم قبل طلوع الفجر، ويطوف، فيحل له الوطء في جميع اليوم، فثبت أن هذا اليوم ليس من أشهر الحج. والجواب عن الدليل الأول: أن قوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] معناه: أفعال الحج في أشهر معلومات، ويوم النحر يختص بدخول وقت ركن من أركان الحج، وهو الطواف، ولا يجوز تقديمه عليه، وإذا كان المراد به الأفعال فقد جعلنا للتحديد فائدة. فإن قيل: فالإحرام من أفعال الحج أيضاً. قيل له: يحمل التحديد على أنه رجع إلى معظم الأفعال غير الإحرام بما ذكرنا. وأما الدليل الثاني- وأنه منع من الرفث في أشهر الحج، وذلك جائز في أيام النحر- فالجواب عنه: أن قوله: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] معناه: في أفعال الحج بدليل أنه متى كان متلبساً بها منع من الرفث، ومتى لم يكن متلبساً بها لم يمنع، وإن كانت الأشهر موجودة؛ لأنه لو لم يحرم من أول شوال جاز له الرفث- وإن كان من أشهر

стр. 140

الحج- لعدم الأفعال. وهذا موجود قي يوم النحر؛ لأنه متى لم يتحلل بالطواف، فالرفث محرم في حقه، وأن تحلل جاز له الرفث؛ لعدم الأفعال، كما يجوز في سائر الأيام. واحتج بأنه لو كان من أشهر الحج لم تفت العبادة فيه، كسائر أوقات الصلوات، فلما فاتت فيه دل على أنه ليس بوقت لها. والجواب: أنا نقابله فنقول: ولم لم يكن وقتاً لها لم يتقدر وقت الطواف بيوم النحر، دل على أنه منها. وتحريره: أنه لا يمتنع أن يكون من وقتها، وإن فاتت فيه، كما لم يكن وقتاً لها عندك، وتقدر بوقت ركن لها. فإن قيل: لا يتقدر بفعل الطواف؛ لأن وقته يتقدر عندنا بعد نصف الليل. قيل: ذلك وقت رخصة، كوقت الظهر لصلاة العصر في الجمع، فأما وقت العزيمة فبعده. واحتج بأن هذا يوم يسرع فيه الرمي، فلم يكن من أشهر الحج. دليله: ما بعده من أيام التشريق.

стр. 141

والجواب: أنه لا تأثير للرمي في نفي ذلك بدليل: أن ما بعد أيام التشريق ليس من أشهر الحج، وإن لم يسن فيه الرمي. ثم إن المعنى في الأًصل: إن ليلته لست من أشهر الحج، فلهذا لم يكن يومه منه، ليس كذلك يوم النحر؛ لأن ليلته من أشهر الحج فكان يومه من أشهره. دليله: ما قبله. واحتج بأن الحج يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر، والعبادة لا تفوت إلا بخروج وقتها. والجواب: أنه إنما تفوت العبادة يفوت الوقوف؛ لأنها لا تصح إلا به، فأما أن تفوت بخروج وقت الحج فلا. - فصل: والدلالة على مالك، وأن ما بعد يوم النحر ليس من أشهره: ما تعدد من تفسير الصحابة، وهو ما روينا عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير. فإن قيل: فقد روي عن ابن عمر خلاف ذلك. قيل له: قد روينا عن ابن عمر روايتين: فإما أن يتعارضاً فيسقطان، ونسلم قول غيره.

стр. 142

أو يكون ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنه يعضده قول غيره من الصحابة. ولأن ما بعد يوم النحر يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وأقلها ثلاثة كاملة. والجواب: أن (أشهر) اسم جمع، ويجوز إطلاق الجمع على الاثنين، وبعض الثالث، وعلى الاثنين أيضاً، قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]. والأيام المعلومات عشرة، والتسمية إنما تكون في أيام النحر منها على الذبيحة. وقولهم: (حججت عام كذا) وإنما حج في بعضه. و: (لقيت فلاناً سنة كذا) وإنما كان لقاؤه في بعضها. و: (كلمته يوم الجمعة) وإنما المراد البعض. وقد حلوا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] على قرئين وبعض الثالث، لأن عندهم الإقراء الأطهار، فبعض طهر قرء. وقد أجاب عنه أبو بكر بن الأنبا ري فقال: العرب توقع الجمع على التنبيه بدليل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦]. وإنما يريد: عائشة، وصفوان بن المعطل.

стр. 143

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] يريد: لحكم داوود، وسليمان. وعلى أنه ليس يمتنع أن يكون الحج مضافاً إلى الأشهر بلفظ الجمع، والمراد به بعضها، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح:١٦]، فأضافه إلى السموات السبع، وليس هو إلا في بعضها، وهي السماء الدنيا، كذلك في الحج، واحتج بأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج، كان آخره من أشهره. دليله: شوال، وذو القعدة. والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون أوله من أشهر الحج، ولا يكون آخره، كالشهر الخامس في حق المتوفى عنها زوجها، أوله من زمان العدة، وآخره ليس منها. على أن شوال وذا القعدة وقت للدخول في العبادة، وليس كذلك ما بعد يوم النحر؛ لأنه يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم. ٣٢ - مسألة ينعقد الإحرام بالحج فيغير أشهره: نص عليه في رواية أبي طالب وسندي، فقال: من أحرم بالحج

стр. 144

في غير أشهر الحج، لزمه الحج، إلا أن يريد فسخه بعمرة، فله ذلك. وكذلك نقل عبد الله: إذا حرم بالحج في غير أشهره يجعلها عمرة. فقد نص على انعقاده، وأجاز له فسخه إلى العمرة وبناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرة. ونقل ابن منصور عنه: إذا أهل بالحج قبل أشهره فهو مكروه. وأراد بهذا كراهية تنزيه. وهو قول أبي حنيفة، ومالك. وقال الشافعي وداود: لا ينعقد الحرام بالحج في غير أشهره، وتكون عمرة. دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] فجعلها مواقيت للحج، كما جعلها مواقيت للناس، وكما أن جميعها للناس، وجب أن يكون جميعها للحج. فإن قيل: الله- تعالى- جعل الأهلة للناس والحج، فيجب أن تكون بينهما نصفين. كما لو قال: (هذا الثوب لفلان وفلان) أنه يكون بينهما. قيل له: اتفقوا أن الأهلة كلها مواقيت للناس، فيجب أن

стр. 145

تكون مواقيت للحج. على أنا لو أجبناك إلى ما دعوتنا إليه لم يضرنا؛ لأنا إذا جعلنا نصف الأهلة للحج، ثبت جواز الإحرام قبل شوال بأشهر، ومخالفنا يمنع جوازه قبل شوال. فإن قيل: إذا شرع الله التوقيت أقتضى الجواز والإباحة، فأما الكراهة فلا، وعندكم يكره الإحرام في غير أشهره. قيل له: الكراهة لا ترجع إلى الوقت، وإنما ترجع إلى معنى أخر، وهو الدخول في الخلاف، أو خوف مواقعه المحظور. والقياس: أنه زمان يصلح لإحرام العمرة، فوجب أن يصلح لإحرام الحج. دليله: أشهر الحج. فإن قيل: العمرة غير مؤقتة بأشهر الحج، فجاز تقديمها عليه، وليس كذلك الإحرام بالحج؛ فإنه مؤقت بأشهر الحج، فلم يجز تقديمه عليه، كما لا يجوز [تقديم] سائر أفعال الحج. قيل له: أفعال الحج مؤقتة بأشهر الحج، كالوقوف، والطواف الفرض، والرمي، والإحرام متميز من الأفعال؛ لأنها لا تتعقبه، فيصير كنية الصوم، والوضوء للصلاة.
следующие страницы →