← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والجواب: أنه لا تأثير للرمي في نفي ذلك بدليل: أن ما بعد أيام التشريق ليس من أشهر الحج، وإن لم يسن فيه الرمي. ثم إن المعنى في الأًصل: إن ليلته لست من أشهر الحج، فلهذا لم يكن يومه منه، ليس كذلك يوم النحر؛ لأن ليلته من أشهر الحج فكان يومه من أشهره. دليله: ما قبله. واحتج بأن الحج يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر، والعبادة لا تفوت إلا بخروج وقتها. والجواب: أنه إنما تفوت العبادة يفوت الوقوف؛ لأنها لا تصح إلا به، فأما أن تفوت بخروج وقت الحج فلا. - فصل: والدلالة على مالك، وأن ما بعد يوم النحر ليس من أشهره: ما تعدد من تفسير الصحابة، وهو ما روينا عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير. فإن قيل: فقد روي عن ابن عمر خلاف ذلك. قيل له: قد روينا عن ابن عمر روايتين: فإما أن يتعارضاً فيسقطان، ونسلم قول غيره.

стр. 142

أو يكون ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنه يعضده قول غيره من الصحابة. ولأن ما بعد يوم النحر يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وأقلها ثلاثة كاملة. والجواب: أن (أشهر) اسم جمع، ويجوز إطلاق الجمع على الاثنين، وبعض الثالث، وعلى الاثنين أيضاً، قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]. والأيام المعلومات عشرة، والتسمية إنما تكون في أيام النحر منها على الذبيحة. وقولهم: (حججت عام كذا) وإنما حج في بعضه. و: (لقيت فلاناً سنة كذا) وإنما كان لقاؤه في بعضها. و: (كلمته يوم الجمعة) وإنما المراد البعض. وقد حلوا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] على قرئين وبعض الثالث، لأن عندهم الإقراء الأطهار، فبعض طهر قرء. وقد أجاب عنه أبو بكر بن الأنبا ري فقال: العرب توقع الجمع على التنبيه بدليل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦]. وإنما يريد: عائشة، وصفوان بن المعطل.

стр. 143

وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] يريد: لحكم داوود، وسليمان. وعلى أنه ليس يمتنع أن يكون الحج مضافاً إلى الأشهر بلفظ الجمع، والمراد به بعضها، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح:١٦]، فأضافه إلى السموات السبع، وليس هو إلا في بعضها، وهي السماء الدنيا، كذلك في الحج، واحتج بأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج، كان آخره من أشهره. دليله: شوال، وذو القعدة. والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون أوله من أشهر الحج، ولا يكون آخره، كالشهر الخامس في حق المتوفى عنها زوجها، أوله من زمان العدة، وآخره ليس منها. على أن شوال وذا القعدة وقت للدخول في العبادة، وليس كذلك ما بعد يوم النحر؛ لأنه يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم. ٣٢ - مسألة ينعقد الإحرام بالحج فيغير أشهره: نص عليه في رواية أبي طالب وسندي، فقال: من أحرم بالحج

стр. 144

في غير أشهر الحج، لزمه الحج، إلا أن يريد فسخه بعمرة، فله ذلك. وكذلك نقل عبد الله: إذا حرم بالحج في غير أشهره يجعلها عمرة. فقد نص على انعقاده، وأجاز له فسخه إلى العمرة وبناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرة. ونقل ابن منصور عنه: إذا أهل بالحج قبل أشهره فهو مكروه. وأراد بهذا كراهية تنزيه. وهو قول أبي حنيفة، ومالك. وقال الشافعي وداود: لا ينعقد الحرام بالحج في غير أشهره، وتكون عمرة. دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] فجعلها مواقيت للحج، كما جعلها مواقيت للناس، وكما أن جميعها للناس، وجب أن يكون جميعها للحج. فإن قيل: الله- تعالى- جعل الأهلة للناس والحج، فيجب أن تكون بينهما نصفين. كما لو قال: (هذا الثوب لفلان وفلان) أنه يكون بينهما. قيل له: اتفقوا أن الأهلة كلها مواقيت للناس، فيجب أن

стр. 145

تكون مواقيت للحج. على أنا لو أجبناك إلى ما دعوتنا إليه لم يضرنا؛ لأنا إذا جعلنا نصف الأهلة للحج، ثبت جواز الإحرام قبل شوال بأشهر، ومخالفنا يمنع جوازه قبل شوال. فإن قيل: إذا شرع الله التوقيت أقتضى الجواز والإباحة، فأما الكراهة فلا، وعندكم يكره الإحرام في غير أشهره. قيل له: الكراهة لا ترجع إلى الوقت، وإنما ترجع إلى معنى أخر، وهو الدخول في الخلاف، أو خوف مواقعه المحظور. والقياس: أنه زمان يصلح لإحرام العمرة، فوجب أن يصلح لإحرام الحج. دليله: أشهر الحج. فإن قيل: العمرة غير مؤقتة بأشهر الحج، فجاز تقديمها عليه، وليس كذلك الإحرام بالحج؛ فإنه مؤقت بأشهر الحج، فلم يجز تقديمه عليه، كما لا يجوز [تقديم] سائر أفعال الحج. قيل له: أفعال الحج مؤقتة بأشهر الحج، كالوقوف، والطواف الفرض، والرمي، والإحرام متميز من الأفعال؛ لأنها لا تتعقبه، فيصير كنية الصوم، والوضوء للصلاة.

стр. 146

فإن قيل: [العمرة] لا يتأفت إحرامها، والحج تتأفت أركانه، فتأفت إحرامه. قيل له: أركان الحج فيها ما يتوقف، وفيها ما لا يختص فعله بوقت، وهو طواف الزيارة، فلم توجب اعتبار الإحرام بما يتوقف دون ما لا يتوقف؟ فإن قيل: المعنى في أشهر الحج: أنها زمان للتمتع، فلهذا انعقد الإحرام بها، وليس كذلك غيرها؛ لأنه ليس بزمان للتمتع. قيل له: التمتع هو الجمع بين أفعال العبادتين، وأفعال الحج لا تصح في غير الأشهر؛ فلذلك لم يصح التمتع، وليس إذا لم يصلح الوقت للجمع، لم يصلح للإفراد، كوقت الصلاة. فإن قيل: العمرة عبادة لا يلحقها الفوات، فلم يكن لها وقت معين، والحج لما لحقه الفوات كان له وقت معين، كالجمعة. قيل له: علة الأصل تبطل بالطواف؛ فإن الفوات لا يلحقه؛ لأنه لو خرجت أيام التشريق فعله، ولا دم عليه، ومع هذا أول وقته معين، وهو يوم النحر.

стр. 147

وأما علة الفرع فيأتي الكلام على أصلها، وأنه أحد طرفي الحج، فوجب أن يجوز في غير أشهر الحج. دليله: الطواف الثاني. فإن قيل: لا يمتنع أن يكون الطرف الثاني في غير أشهره، والأول في أشهره، كالطرف الثاني من الجمعة يصح في وقت العصر، ولا يصح الأول فيه، وكذلك العدة والردة، والإحرام لا تمنع استدامته الإحرام، ويمنع ابتداؤه. قيل له: عند مخالفنا لا يصح فعل الطرف الأول منها في وقت العصر، ولا يصح بقاء الثاني فيه، والعمرة يصح الطواف الأول منها في الوقت الذي يصح الثاني. على أن الصلاة يجوز أن يقع الطرف الثاني في غير وقتها، كما [لو] قالوا في صلاة المغرب: يقع طرفها الثاني في غير وقتها إذا استدام الصلاة إلى غيبوبة الشفق؛ لأن تلك حال ضرورة بفوات الوقت، فأما يوم النحر فإنه وقت للطرف الثاني حال الاختيار وحالة الابتداء، فبان الفرق.

стр. 148

ولأنه لو كان الإحرام مؤقتًا لوجب أن يتراخى موجبه عنه، ألا ترى أن إحرام الصلاة لما كان مؤقتًا كان موجبه من فرضه متصلًا به، ولم يتراخ عنه، فلما اتفقنا على أن الأفعال الموجبة بأفعال الحج يجوز أن تتراخى عنه، وجب أن لا يكون الإحرام مؤقتًا، كالعمرة، والطهارة. وأيضًا للحج ميقاتان: أحدهما: المكان. والآخر: الزمان. ثم اتفقوا على جواز تقديم الإحرام على الميقات؛ الذي هو المكان، وجب أن يجوز تقديمه على الميقات؛ الذي هو الزمان. فإن قيل: ميقات المكان ضرب لئلا يتجاوز قبل الإحرام، فلم يجز التجاوز، كذلك ميقات الزمان ضرب لئلا يتقدم عليه بالإحرام، وجب أن يحرم التقدم، كما حرم التجاوز في ميقات المكان. قيل له: إلا أنه إن خالف وتجاوزه انعقد إحرامه مكروهًا، وإن كان ممنوعًا منه، كما انعقد إحرامه بعد مجاوزته، وإن كان ممنوعًا منه. فإن قيل: لما جاز تقديم الإحرام على المكان، لم يجز تأخيره، ولما جاز تأخير الإحرام عن أول الشهر، لم يجز تقديمه. قيل له: لا فق بينهما؛ لأنه يجوز تقديم الإحرام على الميقات،

стр. 149

وتأخيره عن أول حدود الميقات إلى آخر حده، ولا يجوز تأخيره عن جميع حدوده. كذلك يجوز تقديمه على الأشهر، وتأخيره عن أولها، ولا يجوز أن يتأخر لهذه السنة عن جميعها. فإن قيل: ميقات الزمان لا يختلف في حق الجميع، كما لا يختلف ميقات المكان والزمان في الوقوف، والطواف، والرمي، ويخالف ميقات المكان في الإحرام؛ لأنه يختلف في حقوق الناس؛ فإن لكل أهل ناحية ميقاتًا مخالفًا لميقات أهل ناحية أخرى، وكان إلحاق ميقات زمان الإحرام من ميقات الوقوف، والطواف، والرمي، والسعي أولى. قيل له: تلك المناسك يستوي فيها ميقات المكان والزمان في البطلان عند المخالفة، وفي الصحة عند الموافقة، يجب- أيضًا- أن يستوي في الإحرام ميقات المكان والزمان، فيصح مع الموافقة، ويكره مع المخالفة. وعلى أنهم تساووا في ميقات الزمان؛ لأن الوقت يجمعهم، ولا يجمعهم ميقات واحد؛ لاختلاف طرقهم وبلادهم. واحتج المخالف بقوله تعالى:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴿] البقرة: ١٩٧ [، ومعناه: وقت إحرام الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف] على عادة العرب في كلامها.

стр. 150

ومن [ذلك قوله تعالى:﴾ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ ﴿. وقوله تعالى:﴾ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴿] الواقعة: ٥٥ [؛ أي: مثل شرب الهيم. وقوله:﴾ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴿] آل عمران: ١٣٣ [؛ أي مثل السموات والأرض. وقوله:﴾ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴿[يوسف: ٨٢]؛ أي أهل القرية. وإذا كان كذلك، دل على أن الإحرام مؤقت بأشهر معلومات، فمن جعل جميع السنة وقتًا له، فقد خالف الظاهر. والجواب: أن الآية لا حجة له فيها؛ لأنا قد علمنا أن فيها إضمارًا، وأن تفسير الأشهر لا يكون حجًا، والمضمر متنازع فيه، فنحن نضمر الفضيلة ونفي الكراهة، ومخالفنا يضمر الجواز، فسقط التعلق بالظاهر؛ لأن المضمرات لا يدعى فيها العموم. وقد قيل: إنه يمكن استعمال الآية من غير حذف، ويكون قوله:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ ﴿] البقرة: ١٩٧ [كقولهم: [هذا] الشعر، معناه: أنه أفضل الشعر وأحسنه، ولا ينفي ذلك شعر غيره، ومن يستعمل الآية من غير تقدير حذف فهو أولى.

стр. 151

وجواب آخر، وهو: أنهم يضمرون إحرام الحج في أشهر معلومات، ونحن نضمر أفعال الحج تقع في أشهر معلومات، وهو الطواف، والسعي، والوقوف، ولم نرد به أن جميع الحج يقع فيها، وهذا كما قال ﵇: «الحج عرفة»، ولم يرد به أن جميع الحج يقع في يوم عرفة؛ لجواز الطواف والسعي عليه، ووجوب تأخير طواف الزيارة عنه، وإنما أراد أن معظم أركان الحج والمقصود منه يقع فيه. وقيل في معنى الآية﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ ﴿] البقرة: ١٩٧ [: ومعناه: أن الحج المقصود المأمور به هو ما وقع ف أشهر، كما تقول: (القتال قتال العرب) ولا ينفي ذلك] وجود القتال من غيرهم [. وقيل: إن الله- تعالى- ذكر التمتع بقوله:﴾ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴿] البقرة: ١٩٦ [الآية، ثم قال بعد ذلك:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ ﴿يعني: الحج الذي يكون به متمتعا، وعندنا: أن الحج الذي يكون به متمتعًا ما وقع في الأشهر. فإن قيل: أفعال الحج لا تقع في شهور، وإنما تقع في يوم. قيل له: الطواف، والسعي من أفعاله، وتقع في جميع شهور

стр. 152

الحج، وجميع السنة. واحتج بأن الحج مجمل في الكتاب، مفتقر إلى البيان، وفعل النبي ﷺ إذا ورد في هذا الباب، فإنما يرد على وجه البيان، وفعله إذا ورد مورد البيان كان على الوجوب. وقد روي: أن النبي ﷺ أحرم في أشهر الحج. والجواب:] أن النبي ﷺ [قد بين الواجب، وبين المستحب. ] واحتج بقول النبي ﷺ [: «خذوا عني مناسككم»، والإحرام من المناسك، وقد فعله في هذه الأشهر، فيجب أن نأخذ به. والجواب: أن وجوب الأخذ منه ليس يختص بالواجب دون المسنون؛ لأنه يجب علينا أن نأخذ منه المسنون، كما نأخذ الواجب. واحتج بما روى النجاد بإسناده عن مقسٍم، عن ابن عباس قال: من السنة ألا يهل بالحج إلا في أشهر الحج. وبإسناده عن ابن الزبير، عن جابر قال: لا يحرم المحرم إلا في أشهر الحج. والجواب: أن هذا محمول على طريق الاستحباب. وعلى أنه قد روي عن عمر وعلي: «إتمامهما أن تحرم بهما من

стр. 153

دويرة أهلك»، ومن بعدت داره من مكة لا يحرم من دويرة أهله في الأشهر الحرم. واحتج بأن يوم النحر وقت لفوات العبادة، فلم ينعقد إحرامها فيه، كالجمعة في وقت العصر. والجواب: أن الجمعة لا يجوز أن تبقى أركانها عندهم إلى وقت العصر، فلم تنعقد فيه،] و [الحج من [صريح] ركنه أن يفعل يوم النحر، فلذلك انعقد فيه. واحتج بأن الإحرام ركن من أركان الحج، فوجب أن لا يجوز فعله قبل أشهر الحج، كالوقوف بعرفة. والجواب: أن الوقوف ليس في طرف الحج، فاختص بأشهر الحج، وليس كذلك الإحرام؛ لأنه أحد طرفي الحج، فوجب ألا يختص بأشهر الحج، كالطواف. واحتج بأنه نسك لا يتم الحج إلا به فكان مؤقتًا، كالوقوف، والطواف، والرمي. ولا يلزم عليه السعي؛ فإنه مؤقت؛ لأنه لا يجوز إلا بعد

стр. 154

الإحرام، وبعد الطواف. والجواب: أن الوقوف، والطواف، والرمي لما اختص بمكان لا يجوز التقدم عليه، كذلك يختص بوقت لا يجوز التقدم عليه،] أما الإحرام فلما جاز أن يتقدم على مكانه [، جاز أن يتقدم على وقته أيضًا. واحتج بأنه نسك لا يجوز تأخيره عن وقته، فلا يجوز تقديمه عليه. أصله: الوقوف، والرمي. والجواب: ما تقدم. واحتج بأنها عبادة أفعالها مؤقتة، فوجب أن يكون إحرامها مؤقتًا، كالصلاة. وعبارة أخرى: الحج عبادة يلحقها الفوات، فوجب أن يكون الدخول فيها مؤقتًا، كالصلاة. والجواب: أن الوقت الذي يصح فيه أحد فروض الصلاة يصح فيه إحرامها، فيجب أن يكون الوقت الذي يصح فيه أحد فروض الحج يصح فيه الإحرام بالحج. وعند مخالفنا لا يصح؛ لأن أحد فروضه يقع في أيام النحر، ولا يصح الإحرام بالحج في يوم النحر عنده، مع أنه قد قيل: الإحرام لا يفوت، وإنما يفوت الوقوف.

стр. 155

وجواب آخر، وهو أن تحريمه الصلاة تتصل أفعالها بها، ولا تتراخى عنها، فلم يجز أن تتقدم على وقت الأفعال، وأفعال الإحرام تتأخر عنه، فجاز أن يفعله قبل الوقت، كالطهارة. واحتج بأنها عبادة لا تفعل في السنة إلا مرة، فكان وقت التلبس بها محدودًا، كالصوم. والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن الصوم لا تتراخى أفعاله عن الدخول، فلم يجز التلبس به في عير وقت فعله، والحج تتراخى أفعاله عن وقت الدخول فيه، كالطهارة،] ونية الصوم [. واحتج بأنه لو كان ابتداء إحرام الحج في غير أشهر الحج، لوجب- إذا فاته الوقوف-] أن يبقى على [إحرامه إلى السنة القابلة؛ ليؤدي به موجباته. ألا ترى أنه لما جاز ابتداء إحرام صلاة الظهر بعد فوات وقتها، جاز البقاء عليه؛ ليؤدي به موجباته. فلما لم يجز البقاء على إحرام الحج بعد الفوات، ولزمه التحلل

стр. 156

منه، لم يجز ابتداؤه فيه. والجواب: أنه لما لم يجز [له أن] يبقى على ذلك الإحرام إلى السنة القابلة؛ لأنه أوجب عليه الوقوف بعرفة في تلك السنة، فإذا فاته وقت الوقوف لم يمكنه أن يؤدي به موجب الإحرام في السنة الثانية، فلزمه التحلل منه بعمل عمرة. وليس كذلك إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج؛ لأنه يمكنه أداء موجب الإحرام؛ لأن وقته لم يفت. على أن هذا دلالة لنا؛ لأنه إذا فاته الحج، فإن إحرامه لا يبطل، فهو باق ما لم يتحلل منه بعمل عمرة، فلو كان الوقت منافيًا لإحرام الحج لما صح بقاؤه فيه، كما أن وقت العصر لما كان منافيًا لإحرام الجمعة عندهم لم يصح بقاؤه فيه. وجواب آخر، وهو: أنه إذا فاته الحج انقطع إحرام الحج، وتحول إحرام عمرة، وإذا كان كذلك امتنع بقاؤه؛ لأنه قد تحول من طريق الحكم إلى عمرة. وهذا جواب جيد.

стр. 157

٣٣ - مسألة الأفضل أن يحرم من الميقات: نص عليه في رواية الأثرم- وقد سئل: أيما أعجب إليك: الإحرام من الميقات، أم قبل؟ - فقال: من الميقات أعجب إلي. وكذلك نقل ابن منصور عنه- وقد سئل: إنهم كانوا يحبون أن يحرم الرجل أول ما يحج من بيته، أو من بيت المقدس، أو من دون الميقات؟ -فقال: وجه العمل المواقيت. وكذلك نقل أبو بكر بن محمد عن أبيه، وقد سئل عن الحديث: «أن تحرم من دويرة أهلك»؟ فقال: ينشئ لها سفرًا من أهله، كأنه يخرج للعمرة عامدًا، كما يخرج للحج عامدًا، وهذا مما يؤكد العمرة. فقد نص في الحج والعمرة على الإحرام من الميقات. وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: الأفضل أن يحرم من دويرة أهله. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا. والثاني: مثل قول أبي حنيفة. ونقل صالح عنه: إن قوي على ذلك أرجو أن لا يكون به بأس. دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ حج في عمره مرًة، واعتمر مرارًا.

стр. 158

ولم ينقل أنه أحرم قبل الميقات، فلو كان تقديمه على الميقات أفضل لكان النبي ﷺ يفعله؛ لأنه لا يختار من الأفعال إلا أفضلها. فإن قيل: قد يختار غير الأفضل للتعليم. قيل له: إنما يكون ذلك بمرة، فأما في جميع أفعاله فلا، وقد روينا: أن العمرة تكررت منه من الميقات. وعلى أنه قد كان يمكنه أن يعلم بقوله، ويعمل الأفضل بفعله. ثم هذا يجوز] أن يقال في الفعل الذي يتكرر منه، فأما الفعل [الذي [لا] يتكرر منه، فلا يجوز أن يترك الفضيلة والاختيار فيه، والحج لم يقع منه مكررًا. ولأن ترك الإحرام قبل الميقات مباح، فلو أحرم قبله؛ فإنه يطول بقاؤه عليه، فلا يأمن مواقعة المحظور، وهو الطيب، والحلق، واللباس، وإذا أحرم من الميقات فإنه يسلم من الغرر والخطر، وما كان أبعد من الغرر فهو أولى. روي عن ابن عباس: أنه سئل عن رجلين؛ أحدهما [قليل الطاعة

стр. 159

قليل المعصية [، والآخر كثير الطاعة كثير المعصية، أيهما أفضل؟ فقال: يا ابن أخي [! السلامة لا يعدلها عندك شيء. يعني: من قلت طاعته، وقلت معصيته، فهو أسلم. فإن قيل: فيجب أن يعتبر هذا المعنى في العمرة، وقد قال أحمد في رواية صالح: كلما تباعد فهو أعظم للأجر، والعمرة على قدر تعبها. فظاهر هذا: أن الأفضل الإحرام بها من دويرة أهله. قيل له: نعتبر في العمرة ما نعتبره في الحج. وإنما قال أحمد هذا في المكي: إن الأفضل في حقه أن يتباعد بالإحرام بالعمرة من ميقات أهل البلدان أفضل من الإحرام من أدنى الحل، وقد بين هذا في رواية بكر بن محمد- وقد سئل: من أين يعتمر الرجل؟ -قال: يخرج إلى المواقيت فهو أحب إلي، كما فعل ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة ﵃ أحرموا من المواقيت، فإن أحرم من التنعيم

стр. 160

فهو عمرة، وذلك أفضل، العمرة على قدر تعبها. وإنما كان الأفضل الإحرام بالعمرة من ميقات أهل البلد؛ لأنه ميقات شرعي [وهو] عزيمة، وأدنى الحل جعل ميقات أهل مكة على وجه الرخصة، وهذا المعنى معدوم في الإحرام من دويرة أهله. فإن قيل: هذا يوجب أن يكون الإحرام يوم التروية أفضل من تقديمه عليه؛ لأنه يؤدي إلى ما ذكرت. قيل له: لأن ما قبله ميقات للحج شرعي بقوله تعال:﴾ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴿] البقرة: ١٩٧ [، وهي شوال، وذو القعدة، وعشرة من ذي الحجة. على أنا لا نسلم ذلك، بل نقول: الإحرام يوم التروية أفضل. وقد نص على ذلك في رواية الميموني، وأبي داود في المتمتع: يهل يوم التروية، فإن أهل قبله فجائز. فتبين أن الاختيار يوم التروية. ولأن الميقات ميقاتان: ميقات زمان: وهو شهور الحج. وميقات مكان. ثم ثبت أنه يكره التقديم على ميقات الزمان، فلا يستحب أن يحرم قبل أشهر الحج، كذلك [الإحرام] من ميقات المكان. فإن قيل: إنما كرهنا له ذلك إذا لم يأمن مواقعه المحظور، فإن

стр. 161

أمن كان الإحرام بالحج قبل أشهر الحج أفضل. قيل له: فيجب أن تقول هاهنا: (إذا لم نأمن مواقعه المحظور بالإحرام قبل الميقات يكره)، كما كرهت ذلك في الإحرام في غير أشهره، وقد أطلقت القول بالفضيلة في تقديم الإحرام على المكان. والمخالف] يسوي بينهما، ويقول [: إذا أمن من مواقعة المحظور لم يكره ذلك؛ لا في الزمان، ولا في المكان،] ولا يتصور الأمن [؛ لأنه تعرض عوارض لا يمكن دفعها. واحتج المخالف بما وت أم سلمة] قالت: سمعت [النبي ﷺ يقول: «من أهل بحجٍة أو عمرٍة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر»، أو: «وجبت له الجنة» شك الراوي. ] وروت أم سلمة قالت [: سمعت النبي ﷺ يقول: «من أهل بعمرٍة أو حجٍة من بيت المقدس كانت كفارًة لما قبلها من الذنوب».

стр. 162

والجواب: أن قوله: «من أهل» معناه: من قصد من المسجد الأقصى، ويكون إحرامه من الميقات. واحتج بما روي عن علي، وابن مسعود: أنهما قالا في قوله تعالى:﴾ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴿] البقرة: ١٩٦ [: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وأحرم ابن عمر من بيت المقدس بعمرة، وأهل ابن عباس من الشام، وأحرم عمران بن حصيٍن من البصرة، وأحرم ابن مسعود من القادسية. والجواب: أن هذا يعارضه ما رواه أبو بكر النجاد بإسناده عن الحسن: أن عمران بن الحصين أحرم من البصرة، فقدم على عمر، فأغلظ له، وقال: يتحدث الناس أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أحرم من مصر من الأمصار. وبإسناده عن مسلم: أن رجلًا أحرم من الكوفة، فرآه عمر سيئ الهيئة، فأخذ بيده، وجعل يديره في الخلق، ويقول: انظروا إلى هذا ما صنع بنفسه وقد وسع الله عليه؟! وبإسناده عن الحسن: أن عبد الله بن عامر أحرم من سمرقند، فبلغ ذلك عثمان، فلامه. وفي لفظ آخر: أحرم من خراسان، فلما قدم عثمان لامه ولامه، وكره ما صنع.

стр. 163

وبإسناده عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: استمتعوا بثيابكم؛ فإن وكاءكم لا يغني عنكم من الله شيئًا. واحتج بأن إحرامه من دويرة أهله يوجب بقاءه على العبادة، والبقاء على العبادة أفضل، ألا ترى أن الإحرام قبل يوم التروية أفضل لهذه العلة؟ والجواب: أن الإحرام قبل أشهر الحج يوجب البقاء على العبادة، ومع هذا قلتم: إنه يكره ذلك. ٣٤ - مسألة يحرم في دبر صلاته: نص عليه ف رواية المروذي فقال: إذا أراد الإحرام يستحب أن يغتسل، وأن يلبس إزارًا وردًا ورداًء، فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم، وإن شاء إذا استوي على راحلته، فيلبى بتلبية رسول الله ﷺ . وقال- أيضًا- في رواية حنبل: إذا أراد الإحرام؛ فإن وافق صلاة مكتوبة صلى، ثم أحرم إن شاء، وإذا استوى [على راحلته].

стр. 164

وكذلك نقل أبو طالب عنه قال: إذا أراد الإحرام استحب له أن يغتسل، ويلبس إزارًا ورداًء؛ فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم، وإن شاء إذا استوى على راحلته، فلبى بتلبية النبي ﷺ . وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور- وقد سئل: تحرم في دبر الصلاة أحب إليك؟ -قال: أعجب إلي أن يصلي، فلا تأثير. وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: إذا بلغ الميقات فالاختيار له أن يغتسل، ويلبس ثوبين نظيفين، ويتطيب، فإن حضر وقت صلاة مكتوبة، وإلا صلى ركعتين، فإذا أراد التمتع، وهو اختيار أبي عبد الله- ﵀ فيقول: (اللهم إني أريد العمرة) ويشترط، فإذا استوي على راحلته لبي. نص على أنه يحرم إذا صلى، ويلبي إذا استوي على راحلته. وقال في رواية الأثرم: وقد سئل: أيما أحب إليك: الإحرام في

стр. 165

دبر الصلاة، أو إذا استوت به ناقته؟ فقال: كل قد جاء؛ دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوسع فيه كله. وظاهر هذا: أنه مخير في جميع ذلك، وليس أحدهما بأولى من الآخر، والمذهب على ما حكينا، وأن المستحب أن يحرم دبر الصلاة. وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: إذا استوت به راحلته. وقال الشافعي في القديم مثل قولنا، [وقال] في «المناسك الكبير»: إذا انبعثت به راحلته. دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم في «مسائله» بإسناده عن سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس إهلال رسول الله ﷺ فقال: أوجب رسول الله ﷺ حين فرغ من صلاته، ثم خرج فلما ركب راحلته، واستوت به قائمة أهل، فأدرك ذلك قوم، فقالوا: أهل حين استوت به راحلته، وذلك أنهم لم يدكوا إلا ذلك، ثم سار حتى علا من البيداء، فأهل، فأدرك ذلك رجال، فقالوا: حين علا البيداء. وهذا نص لا يحتمل التأويل، وبيان لوجوه اختلاف الرواة فيه، فكان تقديمه على غيره أولى. وروي في حديث آخر عن ابن عباس: أنه قال: أهل رسول الله ﷺ في مسجد ذي الحليفة، وأنا معه، وناقة رسول الله ﷺ عند باب المسجد، وابن عمر معها، ثم خرج، فركب، فأهل، فظن ابن عمر أنه أهل

стр. 166

في ذلك الوقت. وروى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «أتأني آٍت من ربي وأنا بالعقيق، فقال لي: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل: لبيك بعمرة في حجٍة». ولم يجعل بين الصلاة والتلبية أمرًا فاصلًا. ولأن التلبية ذكر أمر بتقديم الصلاة عليه، وكان فعله عقيبها أفضل من تأخيره عنها، كتكبيرات التشريق وخطبته. فإن قيل: لا يصح] هذا على أصلكم [؛ لأن عندكم أن التلبية تتأخر عن عقد الإحرام، ويأتي بها إذا استوت به راحلته. قيل له: إن كان الإحرام في مصر، فالتلبية تتأخر عنه؛ لما نذكره فيما بعد، وأنها لا تستحب] في الأمصار [. وإن كانت في الصحراء أو البرية، فإنه يستحب ذكها عقيب الإحرام. نص] عليه في رواية حرب [-وقد سأله عن الرجل إذا أحرم في

стр. 167

دبر الصلاة: أيلبي ساعة يسلم، أم متى؟ -قال:] يلبي متى شاء؛ ساعة [يسلم، وإن شاء بعد ذلك. وسهل فيه. واحتج المخالف بما روى الأثرم بإسناده:] أن ابن عمر [قال: لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى انبعث به راحلته. رواه النجاد بإسناده عن ابن عمر، عن النبي صلى الله: أنه كان إذا استوب به] راحلته لبى. وروى الأثرم [بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ أتى ذا الحليفة فبات بها حتى أصبح، فلما أصبح بها ركب، حتى إذا كان بظاهر البيداء، واستوت أخفافها، واعتدلت صدورها، ونظرت إلى الناس مد بصري أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، ينزل القرآن، وهو يعلم تأويله، فنحن ننظر ما يصنع فنصنع، أخل رسول الله ﷺ ، فأهللنا معه.

стр. 168

وروى أحمد فيما ذكره الأثرم بإسناده عن أنس: أن النبي ﷺ صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا جبل البيداء أهل. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن سعد قال: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقبلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحٍد أهل إذا علا شرف البيداء. والجواب: أن هذه الأخبار لا تعارض خبر ابن عباس؛ لأن الجماعة رووا في وقت عرفة [ما روى] ابن عباس، فساواهم، وانفرد بمعرفة إهلاٍل في وقت لم يعرفوه، فخبره زائد، فهو أولى. فإن قيل: أخبارنا أولى؛ لأنها أكثر رواة، وابن عباس انفرد به. قيل له: المثبت أولى من النافي، وإن كان النفي ترويه الجماعة. فإن قيل: فأخبارنا يرويها الرجال، وابن عباس كان صبيًا. قيل له: لا أحد يقدم خبر غيره عليه لهذه العلة.

стр. 169

وعلى أنهم رجَّحوا خبره في مسألة القرآن، فقالوا: هو من الأهل على رواية أنس، فكيف يجوز مناقضة ذلك؟! فإن قيل: فقد تعارضت الرواية عن ابن عباس: فروى أحمد فيما ذكره أبو بكر بإسناده عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، فأشعر صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين، ثم دعا براحلته، فلما استوت على البيداء أهل بالحج. قيل: هذا ليس بمعارض، وإنما بعض خبر سعيد بن جبير؛ لأنه بين في ذلك الخبر: أنه أهل عقيب الصلاة، وحين استوى على راحلته، وحين استوى على البيداء، فهذا بعض الخبر. واحتج بأن الشافعي روى عن مسلم بن خالد، عن [ابن] جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي ﷺ قال لهم: «إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج». قالوا: وهذا بعد إهلاله بذي الحليفة، فيكون نسخًا. والجواب: أن معناه: إذا أردتم الرواح، بدلالة: أنه لم يذكر الصلاة، ولا خلاف أن الصلاة تقدم على الإحرام، فعلم أنه قصد بهذا وقت الدخول، ولم يقصد به بيان كيفية الدخول.

стр. 170

وما ذكرناه أولى؛ لأن المحرم عقيب الصلاة أخشع منه عند الركوب، فإهلاله مع الخشوع أولى. ولأن في الأصول ذكر عقيب الصلاة، وليس فيها ذكرًا يتعلق] بالتوجه، ولا بالإشراف [على البيداء، فكان إثبات ما له نظير أولى. ٣٥ - مسألة التلبية غير واجبة، ويدخل في الإحرام بمجرد النية: نص عليه في رواية الأثرم- وقد سئل: بأي شيء يكون الرجل محرمًا؟ -] فقال: بالنية. قيل له: فيكون محرمًا بغير تلبية؟ قال [: نعم إذا عزم على الإحرام فهو محرم، وقد يلبي الرجل، ولا يحرم، ولا يكون عليه شيء. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: التلبية واجبة في ابتداء الإحرام، فإن لم يلب، وقلد الهدي وساقه، ونوى الإحرام، صار محرمًا. وقال مالك: يجب بترك التلبية دم.

стр. 171

دليلنا على أبي حنيفة: أن كل ذكر جاز تركه في العبادة مع القدرة عليه، لم يكن واجبًا. دليله: دعاء الاستفتاح والاستعاذة. وذلك أنه يجوز تركه عندهم، والعدول إلى التقليد وسوق الهدي، فلو كان واجبًا لم يجز تركه إلى غيره. فإن قيل: جواز الإحرام بالتقليد وسوق الهدي لا يدل على نفي وجوب الذكر في أوله، ألا ترى أن المسح على الخفين قد يقوم مقام غسل الرجلين، ولم يدل هذا على نفي وجوب غسلهما في الوضوء؟ قيل له: [المسح] فعل، [و] قد يجوز أن يقوم الفعل مقام غيره، والتلبية قول، ولسنا نجد في الأصول ذكرًا واجبًا يقوم غيره مقامه مع القدرة عليه. ألا ترى أن الذكر في أول الصلاة، والقراءة في أثنائها، لما كان واجبًا لم يقم غيره مقامه مع القدرة عليه. وعلى أن المسح على الخفين يقوم مقام الغسل؛ لضرب من المشقة في نزع الخفين وغسل الرجلين، وهذا المعنى غير معتبر فيه. ولأن الإحرام أحد طرفي الحج، فلم يكن فيه ذكر واجب. دليله: الطرف الثاني، وهو الرمي والطواف. فإن قيل: لا يجوز اعتبار أوله بآخره في باب الإيجاب، كما لم

стр. 172

يصح اعتبار آخره بأوله في باب الاستحباب. قيل له: نحن نعتبر أوله بآخره في باب الاستحباب؛ لأنه يتحلل بالرمي لجمرة العقبة، والتلبية مسنونة إلى أن يرمي الجمرة. فإن قيل: لا يصح اعتبار أوله بآخره في الإيجاب، كما لم يصح اعتبار أول الطهارة عندك بآخرها في إيجاب التسمية. قيل له: الذكر في أول الطهارة لما كان واجبًا لم يقم غيره مقامه مع القدرة عليه، فلو كان الذكر في الحج عندك يجري مجرى الطهارة عندنا، لوجب ألا يقوم غيره مقامه. ولأنها عبادة تجب بإفسادها كفارة- أو نقول: يدخل في جبرانها المال- فلم يكن فيها ذكر واجب. دليله: الصيام. وعكسه: الصلاة والطهارة؛ لما لم يدخل فيهما المال، وجب فيهما ذكر. ولا يلزم عليه الاعتكاف؛ لأن في] إيجاب الكفارة روايتين [. فإن قيل: الصوم ليس فيه ذكر مسنون، فلهذا لم يكن واجبًا، والحج فيه ذكر مشروع، فجاز أن يجب فيه. قيل له: الوضوء فيه ذكر مشروع،] وليس فيه ذكر واجب عندك،

стр. 173

فانتقضت معارضتك [. واحتج المخالف بأن فرض الحج مجمل في الكتاب، مفتقر إلى] البيان، وفعل النبي ﷺ إذا ورد [مورد البيان كان على الوجوب. وروي: أن النبي ﷺ ] لبى حين أحرم، فوجب أن يكون على [الوجوب. والجواب: أنه قد يبين الواجب، ويبين المسنون، فنحمل بيانه هاهنا على المسنون. يبين صحة هذا: أنه استدام التلبية إلى أن رمى الجمرة، ومعلوم أن الأولى واجب عندك، وما بعدها مسنون. واحتج بما روي: أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: «مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج». وهذا يقتضي وجوب التلبية ورفع الصوت جميعًا، غير أن الدلالة دلت على أن رفع الصوت غير واجب.

стр. 174

والجواب: أن الخبر يقتضي الأمر برفع الصوت، والتلبية تجب بالمعنى دون اللفظ، فإذا سقط وجوب اللفظ- وهو رفع الصوت- سقط تابعه. وعلى أن نحمل ذلك على طريق الاستحباب دون الإيجاب بدليل ما تقدم. واحتج بما روي: أن النبي ﷺ قال لعائشة: «انقضي رأسك، وامتشطي، واغتسلي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج». وأراد بالإهلال التلبية، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. والجواب: أن الإهلال قد يراد به التلبية- كما ذكرت- بدليل ما روي عن عكرمة قال: دفعت مع الحسين بن علي من مزدلفة، فرأيته يلبي حين انتهى إلى جمرة العقبة، فقلت: ما هذا الإهلال يا أبا عبد الله؟. وأراد به التلبية، ولم يرد به الإحرام؛ لأنه معلوم أن الحسين لم يبتدئ الإحرام بعدما دفع من المزدلفة. وكذلك ما روي: أنه قيل لابن عباس: كيف اختلف الناس في إهلال النبي ﷺ ؟ فقال: سأخبركم، أهل رسول الله ﷺ في مصلاه … إلى أن قال: فلما استوى على راحلته أهل، وقال: فلما استوى

стр. 175

على البيداء أهل. ومعلوم أن النبي ﷺ لم يجدد الإحرام في الأحوال الثلاثة. وقد يرد، ويراد به الإحرام، بدليل ما روي عن علي: أنه لما قدم على النبي ﷺ من اليمن قال: «بم أهللت؟» قال: بإهلاٍل كإهلال رسول الله ﷺ . يعني: كإحرام رسول الله ﷺ . وقال الشاعر: يهل بالفرقد ركبانها أراد به: يحرم. وإذا كان كذلك، حلمناه على الإحرام دون التلبية. واحتج بأن الحج عبادة مقصودة لنفسها، تنتظم أفعالًا متغايرة، فوجب أن لا يصح الدخول فيها بمجرد النية. دليله: الصلاة. وعبارة] أخرى: عبادة لها [إحرام وإحلال، فوجب أن يكون

стр. 176

الذكر في ابتدائها واجبًا، كالصلاة. والجواب:] أن العبارة الثانية تنتقض [بالصيام؛ لأن له تحليلًا وتحريمًا، وليس فيه ذكر واجب. وذلك أن الإحرام] هو: الدخول في العبادة [التي يحرم عليه فيها ما كان حلالًا قبل الدخول، من قولهم: (أظهر) إذا دخل [في وقت] الظهر، و (أتهم) و (أنجد (إذا دخل أرض نجٍد وتهامة. وكذلك التحليل هو: الخروج مما كان] محرمًا عليه. وهذا موجود في [الصيام. ثم المعنى في الصلاة: أن الذكر فيها لما يقم مقامه فعل، لهذا ما كان واجبًا، وذكر الحج يقوم مقامه سوق الهدي مع قدرته على الذكر، فبان الفرق بينهما. * فصل: والدلالة على مالك ما روي عن النبي ﷺ قال: «ليس في المال

стр. 177

حق سوى الزكاة». ولأنه ذكر في أثناء الحج، فلم يجب بتركه دم. دليله: الدعاء بعرفات، والمزدلفة، وعند رمي جمرة العقبة. واحتج المخالف بأن النبي ﷺ أمر بالتلبية، والأمر يدل على الوجوب. والجواب عنه: ما تقدم. وإن قاسوا على الصلاة في إيجاب الذكر، فنهي بالعبارة التي تقدمت. والجواب عنه: ما تقدم. وعلى أن الذكر في الصلاة آكد منه في الحج بدليل أنه يؤثر في فسادها، ولا يؤثر في فساد الحج. ٣٦ - مسألة إظهار التلبية غير مسنون في الأمصار ومساجد الأمصار، وإنما هو مسنون في الصحاري والبراري: نص عليه في مواضع:

стр. 178

فقال في رواية المروذي: لتلبية إذا برزوا عن البيوت. وقال في رواية أبي داود: لا يعجبني أن يلبي في مثل بغداد حتى يبرز. وقال في رواية حمدان بن علي: إذا أحرم في مصره لا يعجبني أن يلبي. وقال الشافعي: لا يكره إظهارها في الأمصار ومساجد الأمصار. دليلنا: ما روى حنبل بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس: أنه سمع رجلًا يلبي في المدينة، فقال: إن هذا لمجنون! ليست التلبية في البيوت، إنما التلبية [إذا] برزت. ولأن التلبية غير واجبة، والإسرار بالتطوع أولى؛ لئلا يدخله الرياء والسمعة على من لا يشاركه في فعل تلك العبادة، ولهذا استحب الإسرار بصدقة التطوع وصلاة التطوع، تفارق هذا الصحارى والبراري؛ لأن إظهاره مع من يشاركه في النسك، فلا يؤدي إلى الرياء، وكذلك إظهارها بمكة وعرفات ومنى؛ لأن هناك محل النسك، فلهذا استحب إظهاره. واحتج المخالف بما روي في حديث جبريل وقوله للنبي ﷺ : «مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية»، وقوله: «الحج العج والثج».

стр. 179

والجواب: أن هذا محمول على الصحارى بما تقدم. واحتج بأن إظهارها بمكة مستحب وإن كانت مصرًا، كذلك غيرها. والجواب عنه: ما تقدم. ٣٧ - مسألة لا تستحب الزيادة على تلبية النبي ﷺ ، فإن زاد جاز: نص على هذا في رواية أبي داود والأثرم: فقال في رواية أبي داود- وقد سئل عن التلبية، فذكرها، فقلت له: تكره أن يزيد على هذا؟ -قال: وما بأس أن يزيد؟ وقال الأثرم: فقلت له: هذه الزيادة التي يزيدها الناس في التلبية؟ فقال شيئًا معناه الرخصة. وقال في رواية المروذي: كان في حديث ابن عمر: «والملك لا شريك لك» فتركه؛ لأن الناس تركوه، وليس في حديث عائشة. وقال في رواية حرب في الرجل يزيد في التلبية كلامًا، أو دعاًء: أرجو ألا يكون به بأس.

стр. 180

وظاهر هذا: أن الزيادة مباحة. وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن. وظاهر هذا: أنها مستحبة، فالخلاف في الاستحباب. دليلنا: أن ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وابن عباس وأنس رووا تلبية النبي ﷺ المشهورة، وقال: «خذوا عني مناسككم». فروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن جابر قال: كانت تلبية رسول الله ﷺ : «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك [لك لبيك]، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك». وروى بإسناده عن ابن عمر: ان تلبية النبي ﷺ : «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك». وروى أحمد في «المسند» عن عائشة مثل ذلك. والمشهور من حديث عائشة أنه ثلاثة ألفاظ: «لبيك اللهم لبيك،
следующие страницы →