Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وروى حرب- أيضًا- عنه: وقد سئل عن بيع الدقيق بالخبز، فلم يعجبه، وسهل في الدقيق بالبر وزنًا.
واختلف أصحاب مالك في تحصيل مذهبه في بيع الحنطة بالدقيق؛ فمنهم من قال: المسألة على روايتين.
ومنهم من قال: المسألة على اختلاف حالين؛ فإن كان كيلًا لم يجز، وإن كان وزنًا جاز.
وكذلك الخلاف في بيع الحنطة بالسويق، وبيع السويق بالدقيق.
وقال في رواية حنبل: لا بأس بالبر بالسويق، والسويق بالدقيق وزنًا، ولا يجوز كيلًا.
وقال في رواية أبي الحارث: السويق بالحنطة أكرهه.
وكذلك في رواية مهنا: أكره حنطة مقلية بغير مقلية.
فالدلالة على أنه لا يجوز في الجملة هو: أنه جنس فيه الربا، بيع بعضه ببعض على صفة ينفرد أحدهما بالنقصان عن الآخر في المستقبل، في ما قدر به، فلم يجز.
دليله: بيع الرطب بالتمر.
وافق مالك على ذلك، والرواية لا تختلف عن أحمد في ذلك أيضًا.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأنهما يتساويان في النقصان.
ولا تلزم عليه الحنطة العفنة بالجيدة؛ لأن النقصان لا يحصل في ما قدر به.
стр. 1297
وإن شئت قلت: جنس فيه الربا، بيع بعضه ببعض على صفتين مختلفتين، أشبه الرطب بالتمر.
ولا يلزم عليه الرطب بالرطب؛ لأن الصفة واحدة.
والأولى أصح؛ لأن هذه تنتقض بالعفنة والجيدة، والبياض مع السواد.
فإن قيل: فيجب إذا باع حنطة بدقيق، ثم طحنت الحنطة، فلم يزد كيلها على كيل الدقيق؛ أن يجوز.
قيل له: الغالب أنها تزيد، والحكم للغالب.
واحتج المخالف بأن الدقيق هو الحنطة بعينها، وإنما تفرقت أجزاؤها، فصار كالصحاح بالمكسرة.
والجواب: أن التساوي هناك بالوزن، وقد وجد، وهو المعتبر، والتساوي هاهنا يعتبر بالكيل، وهما [غير] متساويين.
ولأن الحنطة إذا طحنت زادت على كيل الدقيق، فلذلك لم يجز.
*فصل:
فإن قلنا: يجوز بيع الحنطة بالسويق، وبيع السويق بالدقيق، فإنما يجوز متساويًا، ولا يجوز متفاضلًا.
стр. 1298
نص عليه في رواية حنبل.
وقال مالك وأبو يوسف ومحمد: يجوز متساويًا ومتفاضلًا.
دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثل).
واسم الطعام يتناول الدقيق والسويق باتفاق، فوجب اعتبار المساواة فيه لعموم الخبر؛ لأن الدقيق والسويق من أجزاء الحنطة، فلا يجوز التفاضل فيهما.
دليله: الدقيق بالدقيق، والخبز بالخبز.
وإن شئت قلت: هما من أجزاء الحنطة، فكانا جنسًا واحدًا.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن الصنعة قد غيرت حكم السويق، وجعلته جنسًا مفردًا عن الحنطة، وللتغيير بالصنعة تأثير في اختلاف الجنسية، ألا ترى أن لحم الضأن والمعز لا يجوز متفاضلًا، ثم بيع النيئ بالمطبوخ منه متفاضلًا جائز؛ لاختلاف الأغراض منه، كذلك السويق والدقيق.
وربما قالوا: كل واحد منهما لا يعود مثل صاحبه، فهو كالناطف والخل.
والجواب: أن هذا المعنى موجود في الدقيق مع الحنطة؛ فإن
стр. 1299
الصنعة قد غيرت حكم الدقيق، وجعلته في حكم جنس آخر لاختلاف المنافع، وكذلك الحنطة المقلية وغير المقلية جنس واحد عند أبي يوسف ومحمد، ولا يعود مثل صاحبه، ومع هذا فلا يجوز التفاضل.
وقد نص أحمد على هذا في رواية مهنا: وقد سئل عن الحنطة المقلية بغير المقلية، فكرهه.
وما ذكروه من اللحم النيئ بالمطبوخ، وأنه يجوز متفاضلًا، فغير صحيح؛ لأنه لا يجوز عندنا؛ لا متفاضلًا، ولا متساويًا؛ لأنه يجري مجرى الرطب بالتمر، والخبر بالحنطة.
وكذلك الناطف بالخل لا يجوز.
وقد نص أحمد على هذا في رواية ابن القاسم: وقد سئل عن اللحم المطبوخ باللحم النيئ، وأن مالكًا يقول: لا بأس بهم تفاضلًا لما قد دخله من الصنعة، فكرهه. قيل له: يقولون في اللحم النيئ بالمشوي: لا يجوز، فقال: نعم، هكذا هو. وقيل له: واللحم الطري بالقديد؟ فقال: هذا بمنزلة الرطب بالتمر؛ لأن اللحم الطري رطب، وهذا يابس.
وقد نص- أيضًا- في بيع الخبز بالحنطة في رواية ابن
стр. 1300
إبراهيم، فقال: لا يعجبني.
ونص في رواية ابن القاسم وسندي في بيع الخبز بالدقيق: لا يجوز.
…
٢٨٤ - مسألة
يجوز بيع الدقيق بالدقيق إذا كانا على صفة واحدة من النعومة:
ذكره أبو بكر في كتابه (الشافعي).
وهذه المسألة تدل على أن للدقيق مثل؛ إذ لو لم يكن له مثل لم يجز بيع بعضه ببعض لعدم المساواة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز، ولا مثل له عنده.
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ).
واسم الطعام يتناول الدقيق باتفاق.
وكل عين جاز بيع بعضها ببعض قبل تفرق أجزائها، جاز بعد تفرقها إذا جاز تفريقها.
دليله: الشيرج بالشيرج، والعصير بالعصير.
стр. 1301
وإن شئت قلت: ما كان له مثل قبل تفريق أجزائه، كان له مثل، وإن تفرقت.
دليله: الدراهم.
وكل جنس جاز بيع بعضه ببعض إذا كان على صفة الادخار، جاز بيع بعضه ببعض إذا زال عن حال الادخار.
دليله: بيع الحنطة بالحنطة؛ يجوز إذا كان على صفة الادخار، ويجوز إذا زالا عن ذلك بالعفن.
أو نقول: كل جنس جاز بيع بعضه ببعض إذا كان على صفة ادخاره، جاز بيع بعضه ببعض على غير تلك الصفة.
دليله: اللبن باللبن، والعصير بالعصير.
فإن قيل: معظم منافع اللبن حال رطوبته تجرى مجرى ادخاره.
قيل له: عامة منافع اللبن طريًا توجد حال رطوبته، وكذلك عامة منافع الدقيق؛ لأنهما قد اتفقا في الصفة والمقدار، أشبه بيع الحنطة بالحنطة.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالتمر؛ لاختلافهما في الصفة.
واحتج المخالف بأنه جنس فيه الربا، بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان في حال الكمال والادخار، فوجب أن لا يصح.
دليله: بيع الحنطة بالدقيق، والرطب بالتمر، واللحم بالحيوان.
والجواب: أنه ينتقض ببيع الحنطة العفنة بالعفنة؛ فإن هذا
стр. 1302
الوصف موجود فيه، وقد يجوز.
وقد احترز بعضهم، فقال: قوت زال عن هيئة الادخار بصنعة آدمي، فأشبه الحنطة بالدقيق، والناعم بالخشن.
والجواب: أن قولهم: (قوت) لا تأثير له؛ لأن غير القوت، وهو اللحم الطري باللحم الطري لا يجوز، وإن لم يكن قوتًا.
ثم لا نسلم أنه زال عن حال بقاء نوعه، وإنما زال عن حال بقاء أصله، وهذا لا يمنع البيع، كالعصير بالعصير، وقد زال عن حال بقاء أصله، وهو الزبيب، ومع هذا يجوز.
ثم المعنى في الناعمة بالخشنة، والحنطة بالدقيق، والرطب بالتمر، واللحم بالحيوان: أنه يفضي إلى أن ينفرد أحدهما بالنقصان في الثاني؛ لأن الخشن لو أعيد الطحن عليه زاد، وهذا لا يوجد في الناعمين.
وكذلك الحنطة لو طحنت تفرقت أجزاؤها، فزادت.
وكذلك الرطب إذا جف، وبلغ في الجفاف حالة التمر، نقص عنه.
وكذلك الحيوان إذا ذبح، نقص عن قدر اللحم، فلهذا لم يجز.
وليس كذلك هاهنا؛ لأن المساواة موجودة حال العقد على وجه لا يفضي إلى أن ينفرد أحدهما بالنقصان في الثاني، فهو كالحنطة بالحنطة.
стр. 1303
وإن شئت قلت: المعنى في هذه الأصول: أن الصفة مختلفة، وهاهنا الصفة متفقة.
واحتج بأن أجزاءه مختلفة بالنعومة والخشونة، فلم يكن له مثل.
والجواب: أن هذا النوع من الاختلاف غير مؤثر بدليل الحنطة الرزينة بالخفيفة، والتمر الحديث بالعتيق؛ فإنه لا يمنع المثلية لأجل المساواة في المكيال، كذلك هذا.
واحتج بأن بيع الدقيق بالدقيق يؤدي إلى التفاضل حال كونها بوزن؛ لأن دقيق الحنطة الثقيلة أكثر من دقيق الحنطة الخفيفة، فكأنه باع حنطة بحنطة متفاضلة، وهذا لا يجوز.
والجواب: أن هذا يبطل بخل العنب والعصير؛ فإنه يجوز مثلًا بمثل، ونحن نعلم أنا إذا رددناهما إلى العنب كان أحدهما أكثر من الآخر؛ لأن العصير من بعض العنب يكون من بعض، ثم لا يجري مجرى العنب بالعنب متفاضلًا.
…
٢٨٥ - مسألة
يجوز بيع الخبز وزنًا:
قال في رواية أبي الحارث: رغيف برغيف لا بأس به إذا لم يرد
стр. 1304
الفضل خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم: لا يجوز.
دليلنا: أن ما يخالطه من الماء والملح يراد لمصلحته، وهو غير متفاوت، فلم يمنع من البيع، كبيع الثمر بالثمر وفيه نواة، والجوز واللوز في قشره؛ فإن النوى والقشر غير مأكول، ولم يمنع من البيع.
ولا يلزم عليه إذا باع طعامًا وماءً وملحًا بطعام وماء وملح؛ لأن ذلك ليس من مصلحته.
ولا يلزم عليه إذا باع الهريسة بعضها ببعض والعصيدة؛ لأن التفاوت يكثر في ما يحصل فيها من اللحم والدبس.
واحتج المخالف بأن مع البر من غير جنسه، وهذا لا يجوز.
ولأن أصل كل واحد الكيل، فلا يجوز بيعه وزنًا.
ولأن عمل النار فيه لا يختلف.
والجواب عن قولهم: (إن مع البر من غير جنسه) فيبطل بالنوى في التمر، والقشر في اللوز والجوز.
وأما قوله: (إن الأصل فيه الكيل) فقد انتقل عن ذلك إلى الوزن، فهو كاللبن؛ يباع بعضه ببعض كيلًا، فإذا صار أقطًا أو جبنًا بيع وزنًا.
وأما قوله: (إنه يتفاوت في الجفاف) فيبطل ببيع التمر بالتمر؛ فإنه يختلف جفافه في الشمس، ومع هذا يجوز بيع بعضه ببعض، كذلك هاهنا.
وهذه المسألة تدل على أن للخبز مثلًا؛ إذ لو لم يكن مثله
стр. 1305
لم يجز بيع بعضه ببعض؛ لعدم المساواة.
…
٢٨٦ - مسألة
لا يجوز بيع الحنطة المبلولة باليابسة:
وقد قال أحمد في رواية الميموني: إذا كانت الثمرة واحدة، فلا يجوز أن يشترط رطبًا بيابس.
واحتج بالتمر بالرطب، وقال: الحنطة اليابسة بالرطبة فلا.
دليلنا: أن إحدى الحنطتين تخالف الأخرى في الصفة المقصودة، فلم يجز.
دليله: المقلية بغير المقلية.
فإن قيل: المقلية فيها زيادة صفة لها قيمة، كالصبغ في الثوب، فيصير بمنزلة من باع قفيز حنطة بقفيز، وشرط مع أحدهما زيادة درهم.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المانع ما ذكرت؛ لأن المصوغ من الذهب والفضة للصنعة قيمة، ومع هذا لا يجوز بيعه بالتبر من جنسه.
وأيضًا قوله ﷺ في بيع الرطب بالتمر: (أينقص الرطب إذا يبس؟)
стр. 1306
قالوا: نعم. قال: (فلا إذًا).
وهذا موجود هاهنا.
واحتج بأن المساوة موجودة حال العقد، أشبه إذا كانا يابستين.
والجواب: أنه يبطل بالمقلية مع غير المقلية.
وعلى أن الكلام يأتي في ذلك في مسألة بيع الرطب بالتمر.
…
٢٨٧ - مسألة
خل العنب وخل التمر جنسان، يجوز التفاضل فيهما:
ذكره أبو بكر في كتاب (الخلاف)، وحكاه عن أحمد في رواية مهنا.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: هما جنس واحد، لا يجوز التفاضل فيهما.
وقد روى مهنا عن أحمد: وقد سئل عن الخل من الخمر بخل
стр. 1307
التمر، فقال: كل واحد لا يصلح إلا مثلًا بمثل.
هكذا رواه أبو بكر في كتاب (الشافعي).
وهو قول مالك.
فالدلالة على الجواز: قوله ﷺ : (ما وزن مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا.
وخل العنب وخل التمر نوعان، فدليل الخطاب يقتضي أن لا تجب الماثلة فيهما.
ولأنهما نوعان لأصلين هن أجناس، ويجوز التفاضل فيها، وكانت الفروع أجناسًا، يجوز التفاضل فيها.
دليله: الأدقة، والأخباز، والشبرق مع الزيت.
ولا يلزم عليه اللحمان والألبان؛ لأنهما أجناس على الصحيح من الروايات.
واحتج المخالف بأن منافعهما متقاربة، أشد تقاربًا من لحم الضأن والماعز، ومع هذا فهما جنس واحد، كذلك هاهنا.
стр. 1308
ولأنه لو حلف: لا يأكل خلًا، فأي خل أكل حنث، فنقول: شمله اسم جمع خاص، أشبه لحم الضان والماعز، وخل العنب بخل العنب.
والجواب: أنه يبطل بالأخباز والأدقة وبالزيت مع الشبرق؛ فإن هذه الأشياء قد شملها الاسم الخاص في كونها دقيقًا وخبزًا، وكونها دهنًا، ولو خلف: لا أكل دقيقًا- أو خبزًا- أو دهنًا، حنث بكل واحد منهما.
وأما خل العنب بخل العنب فالمعنى فيهما: أنه لما جرى الربا في أصلهما، جرى في فرعهما.
وأما اللحمان وألبان الغنم مع البقر ففيه روايتان؛ فعلى إحداهما: لا نسلم.
والثانية: يجري فيهما الربا، وإن لم نجزه في أصولهما؛ لأنه لما لم يجز الربا في أصولها، لم يمكن اعتبار حالها بها، فاعتبرنا الاتفاق والاختلاف حالة حدوث حكم الربا في الفروع، وليس كذلك هاهنا؛ لأن أصولها يجري فيها الربا، فكان اعتبار الفروع بها.
стр. 1309
٢٨٨ - مسألة
لا يجوز بيع شيء من المكيلات والموزونات على التحري:
أومأ إليه في رواية حنبل: وذكر له قول مالك: لا خير في الخبز قرصًا بقرصين إذا كان بعض ذلك أفضل، فأما إذا كان يتحرى مثلاُ بمثل، فلا بأس، وإن لم يوزن، ويرد مثل وزنه، فقال أحمد: الموزون أحب إلي، وكذلك الخمير الذي يعار يوزن، ويرد مثل وزنه.
وقال- أيضا- في رواية الأثرم: الدنانير عددًا، وهي تنفق برؤوسها، وفي مكان أقل فلا.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز بيع اللحم باللحم، والخبز بالخبز على التحري، وكذلك بيع الحلي المكسور والتبر من الذهب والفضة، وكذلك بيع الدنانير بالدنانير، والدراهم بالدراهم، إلا أنه مكروه عندهم في الدنانير بعضها ببعض، والدراهم بالدراهم.
ووافقوا في المكيلات: أنه لا يجوز بيع بعضها ببعض بالتحري.
واختلف أصحابه بعد هذا؛ فمنهم من أجاز ذلك على الإطلاق.
ومنهم من شرط فيه تعذر الموازين، كالبوادي والأسفار.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال:
стр. 1310
(لا يصلح صاع تمر بصاعين، ولا درهم بدرهمين، والدرهم بالدرهم، والدينار بالدينار، لا فضل بينهما إلا وزنًا).
فأمر بالمساواة بينهم بالميزان، وهذا عام.
ولأنه جنس فيه الربا، فلم يجز بيعه بجنسه على التحري.
دليله: المكيلات في الحضر والسفر، والموزونات في الحضر.
فإن قيل: المكيل لا يعدمون ما يكيلونه به، وإن لم تكن مكاييل معتادة؛ لأنه يجوز بالزنبيل والغرارة والكوز ونحو ذلك، وليس كذلك الموزون؛ فإنهم يعدمون ما يزينونه [به] في الغالب، فجاز أن يسامحوا في ذلك للضرورة، ألا ترى أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا، ويجوز في العرايا لأجل الحاجة والضرورة، كذلك هاهنا.
قيل: لا فرق بينهما، وذلك أنهم كما لا يعدمون مكيلًا، وإن خرج عن المعتاد، كذلك لا يعدمون ميزانًا، وإن خرج عن المعتاد؛ لأنهم لا يعدمون خشبة وخيطًا وشيئًا يشبه الكف من أي شيء كان، فيزين بعضًا ببعض.
ولأنه إذا تعذر الميزان فقد لا يتعذر غيره، وهو أن يعرض كل واحد منهما لصاحبه ثوبه بعد ذلك.
стр. 1311
واحتج المخالف بأن قرض الخبز يجوز من غير ميزان مع القدرة على الوزن، والعلم بحصول التفاضل فيه؛ لأنهم لا يقصدون الربا في ذلك، فأولى أن يجوز ذلك في حال الضرورة.
وقد قال أحمد في رواية الميموني: قد سهل قوم أن يأخذ أكبر، ويدفع أصغر، فإذا لم تكن مروضة، ولا مواطأة، فلا بأس.
وقال- أيضًا- في رواية الفضل بن زياد في الرغيف بالرغيفين: ما لم يرد به الربا، فلا بأس به.
والجواب: أن الضرورة عادة في قرض اليسير من الخبز والخمير؛ لأن العادة أن ذلك القدر لا يبيعه الناس من بيوتهم، وبهم حاجة إلى إقراضه، وهذا معدوم هاهنا؛ لأنهم يتوصلون إلى وزنه بغير الميزان المعتاد، ويتوصل إلى ملكه- أيضًا- بعقد في الذمة من غير جنسه.
واحتج بأن النقل مستفيض عن الصحابة: أنهم كانوا يقتسمون اللحوم على التحري، والقسمة: إما بيع، أو في حكم البيع.
والجواب: أن القسمة عندنا إقرار حق، وليست ببيع.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الأثرم في الشريكين إذا كان بينهما النخل، فأراد أن يقتسما بالخرص: جاز.
فقد أجاز قسمة الثمار بالخرص، ولو كان بيعًا لم يجز؛ لأنه لا يجيز بيع الثمار بعضها ببعض خرصًا إلا في العرايا فقط.
стр. 1312
واحتج بأن الحزر في الشرع قد جعل طريقًا إلى جواز البيع في ما شرط فيه الكيل والوزن عند تعذرهما، كالزكاة والعرايا، كذلك في مسألتنا للضرورة، وهو: أن الموازين تتعذر، وتشق، فلو قلنا: إنهم لا يقتسمون اللحم في الأسفار إلا بميزان لشق، ولأدى إلى ضياعه، وإلى فوات الانتفاع به، فجاز لهذه الضرورة.
وإذا جاز اقتسامه على التحري جاز في البيع؛ لأن أحدًا لا يفرق بينهما.
والجواب: أن بيع العرايا لأجل الحاجة إلى شراء الرطب، ولا يكون في يده ثمن، ولا تباع بالنسيئة، فجوز لتلك الحاجة، ولا حاجة هاهنا إلى بيع الجزاف من الوجه الذي ذكرنا من اعتبار ميزان يخرج عن العادة، والبيع بغير جنسه.
وأما الخرص للثمار فلأجل الحاجة أيضًا، وهو أن يعرف قدر نصيب الفقراء، فيتصرف المالك في الثمرة، لا طريق لنا غير ذلك، وهذا معدوم هاهنا.
…
٢٨٩ - مسألة
اللحوم أجناس باختلاف أصولها، وكذلك الألبان في إحدى الروايات:
رواها حنبل عنه، فقال: لا بأس بلحم بقر بلحم غنم رطلين
стр. 1313
برطل، ولحم جمل رطل برطلين، وكذلك من الوحش من الظباء والأيل.
وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا.
وهو قول أبي حنيفة. وفيه رواية أخرى: أنها أربعة أجناس لحم الأنعام صنف، والوحش صنف، ولحوم الطير صنف، ولحوم دواب الماء صنف، يجوز بيع كل واحد بخلافه متفاضلًا، ولا يجوز بصنفه إلا متماثلًا.
نص عليه في رواية مهنا، وأبي الحارث، وإبراهيم بن هانئ، وحرب، ويعقوب بن لحيان، وابن مشيشٍ، واللفظ له، ومهنا: وقد سئل عن رطل لحم غنم برطلي لحم بقر، فكرهه. قيل له: فلحم سمك؟ قال: هذا أبعد. قيل له: فلحم الطير؟ قال: هذا أبعد.
فمنع من التفاضل بين لحوم الأنعام، وأجازه بين لحوم الطائر والسمك بقوله: هذا أبعد؛ يعني: أبعد من الربا.
وبه قال مالك.
والثالثة: ما أطلق الخرقي القول، فقال: وسائر اللحمان جنس واحد، وهذا يعم سائر اللحمان من لحم الأنعام والوحش والطير والسمك.
وقد أطلق أحمد هذا في رواية.
стр. 1314
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل رواية حنبل، وأنها أجناس باختلاف أصولها.
الثاني: أن جميعها جنس واحد.
ما نقله حنبل: أن اللحمان والألبان فروع لأصول هي أجناس، فوجب أن تكون هي أجناسًا في أنفسها.
دليله: الأدقة والأخباز.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن أصولها فيها الربا، فأمكن اعتبار تلك الحالة فيها، فبني فروعها عليها في اختلاف الأجناس.
وليس كذلك في اللحمان والألبان؛ فإن أصولها لا ربا فيها، فلا يمكن اعتبار حالها بها، فاعتبر الاتفاق والاختلاف حال حدوث حكم الربا في الفروع.
قيل: هذا يبطل بالفواكه؛ فإنه لا ربا في أصولها التي هي الشجر، ومع ذا فهي أجناس في أنفسها، وكذلك اللحمان والألبان.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ). وهذا عام.
والجواب عنه: ما تقدم، وأنه قد حصل لهذه التسمية عرف تنصرف إليه، وهي الحبوب.
стр. 1315
ولأن هذا عام، فنحمله على غير مسألتنا بما ذكرنا.
واحتج بأنه شمله اسم جمع خاص حين حدوث الربا فيه، وإن كان صنفًا واحدًا، كالتمور.
وقولنا: (جمع خاص) احتراز من الفواكه؛ لأنها أصناف، ولكن شملها اسم عام يعم العنب والتفاح والسفرجل وغير ذلك.
وقولنا: (حين حدوث الربا) فيه احتراز من الأدقة والأخباز؛ لأنها أصناف؛ لأن الاسم شملها بعد حدوث الربا فيها؛ فإن الربا في هذه الحبوب كان قبل كونها دقيقًا.
والجواب: أنا لا نسلم: أن اللحم اسم خاص، بل هو عام؛ لأنه يشتمل على أجناس مختلفة، فهو عام من هذا الوجه، خاص بالإضافة إلى غيره، كقولنا: حيوان اسم خاص بالإضافة إلى غيره، عام في اشتماله على أجناس مختلفة.
ولأن الاسم الخاص إذا دل على الجنس الواحد، فلا فرق بين أن يسمى به حال حدوث الربا، وبعد حدوثه، فلا معنى لهذا الوصف.
ثم المعنى في التمور: أن أصولها جنس واحد، وكانت في حكم أصولها، واللحمان خرجت من أجناس مختلفة، وكانت مختلفة، كالأدقة والأخباز.
стр. 1316
وفي ما ذكرنا دلالة على مالك، ونخصه بأن هذا لحم، فكان معتبرًا بأصله.
دليله: لحم الغنم والطائر ولحم السمك؛ لما كانت أول تلك أجناسًا، كانت فروعها أجناسًا، كذلك لحم الغنم والبقر؛ لما كانت أصولها أجناسًا، وكذلك فروعها.
فإن قيل: لحم السمك والطائر ليس من جنس لحم البقر والغنم؛ لأنهما لا يتفقان في غرض، ولا منفعة، ولا يؤكل أحدهما على الوجه الذي يؤكل عليه الآخر، فدل على أنهما جنسان.
ولأن لحم السمك لا يحتاج إلى زكاة، فكان جنسًا يفارق ما يحتاج إلى زكاة، كالعسل والخل، وهذا معدوم في بقية اللحوم.
ولأن لحم السمك لا يضاف إليه، وإنما يقال: سمك، ولا يقال: لحم سمك.
قيل له: ولحم الإبل والغنم لا يتفقان في الغرض، ولا يؤكل أحدهما على الوجه الذي يؤكل الآخر؛ لأنا نعلم خلقًا من الناس يمنعون من لحم الإبل، وكذلك لا تتفق الأغراض في كثير من الوحش، كالثعلب والضبع، كما تتفق في لحوم الغنم.
واحتج المخالف بأن الإبل والبقر من بهيمة الأنعام، ومن ذوات الأربع، فلم يجز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا.
دليله: ضمها في الزكاة.
стр. 1317
وهذه فروع لأصول هي أجناس.
دليله: الأخباز والأدقة.
…
٢٩٠ - مسألة
لا يجوز بيع الرطب بالتمر:
نص عليه في رواية الجماعة؛ حنبل، والميموني، وعبد الله- واللفظ لحنبل- فقال: لا يباع الرطب بالتمر، ولا الزبيب بالعنب، ولا رطب بيابس؛ لأنه ينقض إذا جف.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
دليلنا: ما روى أحمد في (المسند) قال: أنا سفيان، عن إسماعيل ابن [أمية، عن عبد الله بن] يزيد، عن أبي عياش قال: سئل سعد عن بيع سلت بشعير، أو شيء من هذا، فقال: سئل النبي ﷺ عن تمر برطب، فقال: (أتنقص الرطبة إذا يبست؟) قالوا: نعم. قال: (فلا إذًا).
وروى الدارقطني بإسناده عن سعد قال: نهي رسول الله ﷺ عن التمر بالرطب، وقال: (إذا يبس نقص).
стр. 1318
فإن قيل: هذا الخبر يرويه زيد أبو عياش، وهو مجهول.
وقال أبو حنيفة: لا أقبل خبره.
وقد صوب هذا الطعن عبد الله بن المبارك، فقال: كيف يقال: إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد أبو عياش لا أقبل خبره؟!
قيل له: من أصل أبي حنيفة: أن من عرف إسلامه، وجهلت حاله، فهو على العدالة، وخبره حجة مل لم يثبت جرحه.
وأما على مذهبنا فإن زيدًا أبا عياش معروف بالثقة والعدالة، وقيل: هو من أهل المدينة، مولى لبني مخزوم.
وقد احتج بهذا الحديث أحمد، ومالك، وذكره أصحاب الحديث، فسقط الطعن.
فإن قيل: الطعن أولى من التعديل، وقد طعن أبو حنيفة فيه.
قيل له: أبو حنيفة لم يطعن، وإنما قال: أبو عياش مجهول غير معروف، وهذا ليس بطعن، ولا يعارض شهادة من عرفه، وشهد بعدالته.
فإن قيل: قد يقف العالم على قبول الحديث مع عدالة الرواة، فلا يلزمه، ألا ترى أن عمر بن الخطاب وقف على قبول خبر عمار في التيمم للجنب مع عدالة عمار، فلا يلزم حكم الخبر عمر لشكه فيه.
قيل له: لا يجوز التوقف في قبول الخبر مع عدالة الرواة، بل يجب العمل به؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣].
стр. 1319
وأما توقف عمر [ .... ].
فإن قيل: قد اختلف في هذا الحديث: فروي: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الرطب نسيئة.
وروي: أن سعدًا سئل عن الرجل يسلف الرطب بالتمر، فقال سعد: نهى رسول الله ﷺ عن هذا.
قيل له: هذا الاختلاف لا يمنع الاحتجاج؛ لأنه يمكن الجمع بينهما، والقول بهما.
فإن قيل: يحمل الخبر على أن المراد به: النهي عن بيعه بالتمر نساءً.
يدل عليه ما روي عنه: أنه نهى عن بيع الرطب بالتمر نساءً.
وراوي هذين واحد، ومن أصلنا أن نجعل الزيادة كأنها مذكورة فيهما.
ولأن من أصلكم بناء المطلق على المقيد، ويجعل النساء كالمذكور في خبر المطلق.
ويلزم على أصلكم في القول بدليل الخطاب: أن نقول: إن نهيه عن بيع أحدهما بالآخر نساء يدل على أن بيع أحدهما بالآخر يدًا بيدٍ جائز.
قيل له: إنما جعل الزيادة كأنها مذكورة فيهما، وبناء المطلق على
стр. 1320
المقيد، والدليل الخاص يقضي على اللفظ العام، إذا لم يكن في المطلق ما يمنع من حمله عليه، وفي هذا المطلق ما يمنع من حمله عليه، وفي هذا المطلق مانع من ذلك، وهو تعليل النبي ﷺ بنقصان الرطب إذا يبس، وهذا لا يصلح للمنع من النسيئة؛ لأن التمر اليابس لا يجوز أن يباع بعضه ببعض نسيئة، وكذلك بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، والبر بالشعير؛ فإنه [لا] يجوز نسيئة.
وتعليله عندهم: وجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل.
وتعليله عندنا: أنه يجري الربا في نقده.
وإذا كان كذلك، لم يجز أن يحمل المطلق على النسيئة.
فإن قيل: فإذا لم يجز هذا، وجب أن يتعارضا، ويسقط الاحتجاج به.
قيل له: لا يجب هذا؛ لأنا نجمع بينهما فنقول: لا يجوز بيع الرطب بالتمر نقدًا ونسيئة؛ جمعًا بين الخبرين.
فإن قيل: يحمل نهيه على وجه الإرشاد، لا على وجه التحريم؛ كأنه لما شاوره مشتري الرطب بالتمر بين له أن لا حظ له في هذا البيع؛ لأنه يأخذ أقل مما يعطي.
قيل له: ظاهر النهي يقتضي التحريم، والإنسان لا يحرم عليه ذلك.
стр. 1321
وأيضًا ما رواه أحمد في (المسند): ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرايا بأن يشترى بخصرها؛ يأكلها أهلها رطبًا.
وروى الدارقطني بإسناده عن سالم، عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يباع الرطب بالتمر الجاف.
وهذه الأخبار نصوص.
والقياس: أنه جنس فيه الربا، بيع ببعض على صفتين مختلفتين، فلم يجز العقد.
دليله: بيع الحنطة بالدقيق.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأن الصفة واحدة.
وإن شئت قلت: بيع بعضه ببعض على صفة، ينفرد أحدهما بالنقصان عن الآخر في المستقبل، في ما قدر به، أشبه ما ذكرنا.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأن أحدهما لا ينفرد بالنقصان.
ولا يلزم عليه التمر الحديث بالمسوس، والحنطة الجيدة بالعفنة؛ لأن أحدهما لا ينقص عن اآخر في ما قدر به؛ لأن المكيال يأخذ من
стр. 1322
كل واحد مثل ما يأخذ من الآخر.
ولا يلزم عليه العرايا؛ لأن ذلك البيع يقع على صفة لا ينقص أحدهما عن الآخر في المستقبل؛ لأنه لا يجوز ببعضه حتى يغلب الظن: أنهما يتساويان حال الجفاف.
وهذه العبارة أجود من التي قبلها.
فإن قيل: المعنى في الحنطة بالدقيق: أن المساواة معدومة في الحال؛ لأن قفيز حنطة أكثر من قفيز بدلالة: أنه إذا فرق أجزاءها بالطحن كان أكثر من قفيز، ومعلوم أنه لم تزد فيها بالطحن أجزاء لم تكن موجودة.
وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن المساواة موجودة في الحال، وإنما يحدث النقصان في أحدهما في الثاني في أجزاء كانت موجودة حال العقد، وهذا [لا] اعتبار به، كما ينقص التمر الحديث.
قيل له: هذا يبطل ببيع حنطة جيدة مكتنزة بحنطة ضامرة؛ فإن البيع صحيح، وإن علمنا أن دقيق إحدى الحنطتين أكثر.
فإن قيل: فقد أجزت بيع الرطب بالتمر على وجه حزر، وهو العرايا، ولم تجز بيع الدقيق بالحنطة بحال، فدل على الفرق بينهما.
قيل له: الموضع الذي أجزت بيعه به حزرًا إنما بيع على صفة يتساويان حال الجفاف، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا.
стр. 1323
وقد احتجَّ من نصر هذه المسألة بأنه جنس فيه الربا، بيع منه ما هو على هيئة الادخار بما منه من غير هيئة الادخار على صفة يتفاضلان حال الادخار، أشبه الحنطة بدقيقها.
وهذه العبارة لا تصح على أصولنا؛ لأنا لا نعتبر في جواز البيع أن يكونا- أو أحدهما- على هيئة الادخار، ولهذا يجوز بيع الدقيق بالدقيق والرطب بالرطب.
وعلى أنها تبطل بيع التمر المسوس بالحديث، والحنطة العفنة بالجيدة؛ فإن العفن والمسوس على غير هيئة الادخار، والآخر على هيئته، ويجوز البيع.
واحتج المخالف بأن الرطب لا يخلو: إما أن يكون من جنس التمر، أو من غير جنسه.
فإن كان من جنسه جاز لقوله ﷺ : (التمر بالتمر).
وإن كان من غير جنسه فهو أحرز لقوله: (إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم).
ولا يلزم عليه الحنطة بالدقيق؛ لأن هذا ليس باعتلال، وإنما هو استدلال بظاهر الخبر، فلا يتوجه النقض عليه.
والجواب: أن الرطب من جنس التمر، إلا أنه لا يتناوله اسم التمر،
стр. 1324
كما أن الماعز من جنس الضأن، ولا يتناوله اسم الضان، وإذا لم يتناوله اسم التمر لم يدخل تحت قوله: (التمر بالتمر).
وكذلك الدقيق من جنس الحنطة، ومع هذا لا يسمى حنطة، ولا يدخل تحت قوله: (الحنطة بالحنطة).
على أنا نحمل قوله: (التمر بالتمر) إذا تساويا في الصفة بما ذكرنا.
واحتج بأن المساواة موجودة حال العقد، وإنما يحدث النقصان في أحدهما في الثاني، وحدوث النقصان في أحدهما في الثاني لا اعتبار به، إذا كانت المساواة موجودة في حال العقد، كما تقول في التمر الحديث بالتمر العتيق.
والجواب: أن النقصان الذي يحدث في التمر الحديث لا يمكن الاحتراز منه؛ لأنه ما من تمر إلا وقد يكون فيه قليل رطوبة إذا زاد جفافه زالت، فعفي عن ذلك؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه لقلته، فهو كالتراب اليسر الذي يكون في الطعام، فعفي عنه لقلته.
ولأنه لا يمكن الاحتراز منه، وليس كذلك الرطوبة التي في الرطب؛ لأنها كثيرة يمكن التحرز منها، فلهذا لم يعف عنها.
واحتج بأنه باع التمر بجنسه متساويًا، أشبه التمر الحديث بالعتيق.
والجواب: أن قوله: (باع التمر) لا تأثير له؛ لأنه إذا باع الزبيب
стр. 1325
بجنسه، أو باع حنطة بجنسها، أو شعيرًا بجنسه، ونحو ذلك في ما يجري فيه الربا كان هكذا، فلم يصح الوصف.
ثم المعنى في الأصل ما تقدم.
واحتج بأن النقصان الحادث بعد العقد لا يؤثر في العقد، كما لو سرق أحد المبيعين.
والجواب: أن النقصان بالجفاف مفارق لما يحصل بالسرقة، ألا ترى أنه إذا باع طعامًا بطعام، ثم سرق أحدهما لم يفسد العقد، ولو باع طعامًا بدقيق لم يصح؛ لحصول المفاضلة بينهما في الثاني، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه بيع رطب بتمر نقدًا، أشبه بيع العرايا.
والجواب: أن بيع العرايا لا يجوز إلا مع المساواة في الثاني، وهو أن يغلب على الظن: أنهما يتساويان حال الجفاف، وهذا معدوم في مسألتنا.
واحتج بأن ما جاز بيعه بالدراهم، جاز بالرطب، كالعنب.
ولأن ما جاز بيعه بالرطب قبل الجذاذ، جاز بيعه بعده، كالعنب.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يجوز بيعه بالدراهم، ولا يجوز بالرطب، كالدقيق؛ يجوز بيعه بالدراهم، ولا يجوز بالحنطة.
ولذلك لا يمتنع أن يجوز بيعه قبل الجذاذ، ولا يجوز بعده، كالحنطة بالحنطة؛ يجوز قبل حصول الطحن في أحدهما، ولا يجوز
стр. 1326
بعد حصوله في أحدهما.
ثم المعنى في العنب مع الرطب: أنهما جنسان، وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما جنس واحد فيه الربا، بيعا على صفتين مختلفين، أشبه بيع الحنطة بالدقيق.
واحتج بأنه إذا كان النقصان من الطرفين لا يمنع، وهو بيع رطب برطب، أولى أن لا يمنع من أحدهما.
والجواب: أن إذا وجد من الطرفين حصلت المساواة في الصفة، وإذا وجد من أحدهما عدمت المساواة، فجرى مجرى البر بالدقيق.
…
٢٩١ - مسألة
يجوز بيع الرطب بالرطب:
نص عليه في رواية الحسن بن ثواب.
وهذا يدل على أن له مثلًا؛ إذ لو لم يكن له مثل لم توجد المساواة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز، ولا مثل له عنده.
دليلنا: أن كل جنس جاز بيع بعضه ببعض حال جفافه، جاز حال رطوبته.
دليله: اللبن باللبن.
وإن شئت قلت: الرطوبة التي فيهما مقصودة بالعقد، فجاز بيع
стр. 1327
أحدهما بالآخر، كاللبن باللبن.
يبين صحة هذا، وأن الرطوبة التي في الرطب مقصودة: جواز بيع العرايا، وهو رطب بتمر؛ لأنه يقصد في هذه الحال، كما يقصد اللبن حال رطوبته.
فإن قيل: عامة منافع اللبن توجد حال رطوبته، فاعتبر التساوي في هذه الحال؛ التي هي حال كماله، وعامة منافع الرطب تحصل حال جفافه، فكانت تلك حال الكمال، فاعتبر التساوي فيها.
قيل له: منافع اللبن طريًا توجد حال رطوبته، وكذلك عامة منافع الرطب، فأما الادخار فاللبن والتمر سواء، تؤخذ منافعهما بعد.
ولأنهما قد اتفقا في الصفة والمقدار، أشبه الحنطة بالحنطة، والتمر بالتمر.
ولا يلزم عليه الرطب بالتمر؛ لاختلافهما في الصفة.
ولأنه يجوز بيع بعضه ببعض على صفة الادخار، فجاز على غير صفته.
دليله: الحنطة العفنة بالعفنة، والتمر المسوس بالمسوس.
والقياس على هذا الأصل أجود؛ لأن فيه إسقاط أن التمر والحنطة على هيئة الادخار؛ لأن العفن والمسوس قد خرج عن ذلك.
стр. 1328
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع الرطب بالتمر، وجعل العلة فيه النقصان، وهذا المعنى موجود في الرطب [بالرطب].
والجواب: أن النبي ﷺ جعل المؤثر في العقد نقصان الرطب عن كمال التمر الموجود في الحال، وهذا لا يوجد في الرطب بالرطب؛ لأنه لا كمال في واحد منهما، ويجري هذا مجرى قول النبي ﷺ لبريرة: (ملكت بضعك فاختاري).
ومعناه: ملكتيه تحت عبد، فاختاري؛ لأن زوجها كان عبدًا.
ولم يعتبر عموم التعليل، كذلك هاهنا؛ لما نهى عن بيع الرطب بالتمر، وعلل فيه بهذا التعليل، يجب أن يكون المراد به: الرطب بالتمر.
واحتج بأن كل ما لم يجز بيع بعضه ببعض عند التفاضل في الكيل، لم يجز بيع بعضه ببعض مع الجهل بالمساواة، كالطعام بالطعام.
والجواب: أنا نقول: إن أردت بقولك: (لم يجز بيعه مع الجهل بالمساواة) حال العقد، فلا نسلم أنه مجهول المساواة حال العقد؛ لأن التساوي موجود كيلًا.
стр. 1329
وإن أردت بالجهل المساواة في الثاني، فيبطل ببيع اللبن باللبن.
ثم المعنى في الطعام إذا باعه صبرة بصبرة: أن المساواة معدومة حال الكيل، وهاهنا هي موجودة مع الاتفاق على الصفة، فهي كالحنطة بالحنطة، والتمر بالتمر.
واحتج بأنه جنس فيه الربا، بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان حال الادخار، فلم يجز.
أصله: الرطب بالتمر.
والجواب: أنه يبطل ببيع اللبن باللبن، والعصير بالعصير.
ثم المعنى في ذلك: اختلافهما في الصفة، وهاهنا قد اتفقا في المقدار والصفة.
واحتج بأن كل معنى لو وجد في البدلين منع صحة العقد، فإذا وجد فيهما منع.
أصله: الجهل.
والجواب: أنه يبطل ببيع اللبن باللبن؛ فإن هذه الرطوبة لو وجدت في أحد البدلين منعت صحة العقد، وإذا وجدت فيهما لم تمنع.
وعلى أنه إذا وجد في أحدهما، فالاتفاق في الصفة معدوم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما يتفقان في الصفة والمقدار، فلهذا فرقنا بينهما.
стр. 1330
٢٩٢ - مسألة
لا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض، ومع أحدهما، أو معهما، من غير جنسهما مثل مد عجوة ودرهم بمدي عجوة، أو درهمين وثوب بدرهمين، أو مد حنطة ومد شعير بمدي حنطة ومد شعير، أو مد حنطة جيدة ومد حنطة رديئة بمدين جيدين، أو رديئين، أو وسطين، أو دينار جيد ودينار وسط بدينارين جيدين، أو وسطين:
وقد نص على هذا في مواضع:
فقال في رواية أبي داود: لا يباع السيف المحلى بفضة بدارهم حتى تنزع الحلية منه.
وكذلك نقل حنبل عنه في الخاتم والمنطقة والسيف وما أشبه ذلك: لا أرى أن يباع حتى يفصل، وتخرج الفضة منه، والقلادة على ذلك.
وكذلك نقل صالح عنه في من باع ثلاثة دنانير مكسرة بدينارين عينًا ودراهم: لا يعجبنا هذا، ولكن إن شاء باعها بدراهم، واشترى بها من الذهب ما شاء.
стр. 1331
وكذلك نقل أبو الحارث عنه في ذهب محمول عليه: لا يباع بورق حتى يخلص، فإن باع الذهب منه بفضة، والفضة بذهب، لم يجز حتى يخلص.
وكذلك نقل الحسن بن علي عنه في ألف درهم صحاح ودينار بألف درهمٍ ومائة درهمٍ مقطعةٍ ودينارٍ: باطل.
وكذلك نقل عبد الله عنه في ألف درهم وستين دينارًا بألف درهم وخمس مائة دينار: فهو خبيث رديء، لا يعجبنا.
وقد علق القول في رواية ابن القاسم: وذكر له قول مالك في دراهم صحاح وفضة مكسورة بدراهم مكسورة وزنًا بوزن سواء: لا يجوز، فقال: نعم، فيه شيء؛ إنما أراد أن يدخل الفضة مع الصحاح؛ لتجوز معها.
فقيل له: فالتمر البرني مع [ .... ] بتمر آخر، ويزيد مثل ذلك، فقال: التمر غير هذا، فأجازه في التمر، ولم يجزه في الفضة.
وظاهر هذا: الفرق بينهما، ولا فرق بينهما؛ لأن الجميع يدخله الربا.
ونقل الميموني- أيضًا- كلامًا فيه احتمال، فقال كلامًا طويلًا، ومنه أنه قال: الذهب والفضة إذا اجتمعا، وهذه الأشياء لا نشتريها مجتمعة حتى نفصلها.
стр. 1332
قيل له: وإن اشتراها بذهب، وفيها فضة، يفصلها؟ أو بفضة، وفيها ذهب وفضة، يفصلها؟ قال: على ظاهره، كذا هو، ولو كان ذهب بدراهم، أو دراهم بذهب، فليشتر كيف شاء، وإنما تكلموا إذا اجتمعا فلا يشتريه بأحدهما حتى يفصله.
وهذا موضع نظر.
قال الميموني: ورأيت أبا عبد الله إذا اجتمعا جميعًا ذهب وفضة، أو جوهر، فاشتراه بأحدهما، فلا بأس، وإنما يقع التفصيل إذا اشترى منها ذهبًا بذهب، وما فصله، أو فضة بفضة، ولم يفصلها.
قال أبو بكر الخلال في كتاب (العلل): هذا توهم من الميموني، ومذهب أبي عبد الله: أن لا يشتري أصلًا على أي معنى كان، إلا أن يفصل.
والمذهب على ما حكينا في المنع.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع النوعين بالنوع على الإطلاق، فأما الجنس بعضه ببعض إذا كان مع أحدهما غيره:
فإنما يجوز ذلك إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره، فيقابل العوض بعضه، ويكون الباقي في مقابلة مثله من جنسه.
стр. 1333
فأما إذا كان مثله، أو دونه، فلا يجوز.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أبي حرب الجرجرائي: إذا دفع دينارًا كوفيًا ودرهمًا، وأخذ دينارًا شاميًا، فإن كان وزن الدينارين سواء، فلا يجوز، إلا أن ينقص أحد الدينارين، فيعطيه بحسابه فضة.
وقال في رواية ابن منصور في بيع الزبد باللبن الذي فيه زبدة، فقال: إذا كان الزبد أكثر من الزبد الذي في اللبن، فيكون بعضه في مقابلة الزبد الذي في اللبن، وبعضه في مقابلة المخيض.
وقد نقل مهنا عنه خلاف هذا، فقال: أكره بيع الزبد باللبن.
فمنع منه على الإطلاق.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن فضالة بن عبيد قال: أتي رسول الله ﷺ عام خيبر بقلادة فيها خرز معلقة بذهب، ابتاعها رجل بسبعة دنانير، أو تسعة دنانير، فقال النبي ﷺ : (لا حتى تميز بينه وبينه)، قال: إنما أردت الحجارة. قال: (لا حتى تميز بينهما)، قال: فرده حتى ميز بينهما.
فنقل السبب، وهو بيع الخرز والذهب بالذهب، والحكم، وهو إبطال النبي ﷺ ذلك البيع، فاقتضى الظاهر تعلق ذلك الحكم بذلك السبب، ثم أكد النبي ﷺ ذلك بقوله: (لا حتى تميز بينه وبينه)؛ يعني: إنما لم يجز البيع؛ لأنه ذهب وخرز غير متميز بيع بذهب.
стр. 1334
فإن قيل: لنا في هذا الخبر مثل ما لكم؛ لأن (حتى) للغاية، وحكم ما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، فلما نهى عن بيعها قبل التفصيل اقتضت الغاية جواز بيعها بعد التفصيل بذهب.
قيل له: لم يرد بالتفصيل من جهة المشاهدة، وإنما أراد به في العقد، وأن لا يجمع بين الذهب والخرز في عقد واحد، وأنتم تبيحون الجمع بينهما.
فإن قيل: ما أنكرت أن يكون منع من بيعهما قبل التمييز؛ لأنه لم يعلم أن الذهب الذي في القلادة أكثر من الذهب الذي بإزائه، أو مثله، أو أقل، وعندنا لا يجوز حتى يعلم أن الذهب الذي مع الخرز أقل من الذهب الذي بإزائه.
قيل له: لو كان المانع من بيعه قبل التفصيل ما ذكرتم، لوجب أن يستفصل، ويسأل، ولما لم يسأل عن ذلك، دل على أن الحكم لم يختلف لأجل ذلك.
ولأن النبي ﷺ قال: (لا حتى تميز)، فجعل العلة في إبطال البيع هذا، وإذا حملوا الخبر على ما ذكروا أسقطوا هذه العلة؛ لأنه روي في الخبر: أن المشتري قال: إنما قصدت الحجارة، قال: (لا حتى تميز)، وإذا كان الحجر هو المقصود استحال أن يباع مع الذهب بمثل وزن الذهب الذي معه، إنما يكون بزيادة على ذلك؛ ليحصل له
стр. 1335
الغرض من الحجارة.
فإن قيل: فالدلالة على أنه لم يحظر بيعها قبل التفصيل لأجل أنه صفقة، وإنما حظر لأنه لم يعلم أن الذهب الذي مع الخرز أكثر من الذهب الذي بإزائه، أو مثله، أو أقل: ما روى الليث بن سعد، عن خالد ابن أبي عمران، عن حنش، عن فضالة بن عبيد قال: أصبت قلادة يوم خيبر فيها ذهب وخرز، فأردت أن أبيعها، فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: (افصل بعضها من بعض، ثم بعها كيف شئت).
فأطلق له بعد التمييز بيعها كيف شاء.
قيل له: معنى قوله: (بعها كيف شئت)؛ معناه: بعقد واحد إذا لم يقابله من جنسه، أو بعقدين إذا قابله من جنسه.
وأيضًا فإنه جنس فيه الربا، بيع بعضه ببعض، ومع أحدهما من غير جنسه، فلم يصح العقد.
دليله: إذا كان أحد العوضين مثل الآخر، ومع أحدهما من غير جنسه.
وأيضًا فإن الصفقة إذا تناولت شيئين مختلفي القيمة، يقسط الثمن على قيمتهما، لا على أجزائهما.
دليله: إذا باع شقصًا وسيفًا بمائة، فإن الشفيع يأخذ الشقص بقسطه
следующие страницы →