Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
قال: (اشتريت منك هذا الثوب بعشرة دراهم) صح العقد، ولو لم يصف العشرة إذا كان هناك نقد معروف، دل على أنها لا تتعين.
والجواب: أن جواز إطلاق العوض في العقد لا يدل على أنه إذا عقد على عينه لا يتعين.
الدليل عليه: إطلاق الوصية بعبد، أو شاة، أو بعير، أو دابة، أو ثوب، أو قفيز من طعام يصح، ويتعين بعقد الوصية ما عين منها.
وكذلك يجوز إطلاق اليمين في الدراهم والدنانير، [و] لو حلف على دراهم بأعيانها، أو دنانير بأعيانها، تعينت، وتعلقت اليمين بها.
وكذلك يجوز إطلاق العبد في المهر والكتابة، ويتعين بالتعيين.
وكذلك يجوز بيع قفيز من صبرة وصاع زيت، أو شيرج، أو برد من شيء مجتمع، وإذا عين جزء منه، وأفرد بالعقد، صح وتعين، كذلك هاهنا.
وعلى أن الدراهم والدنانير إذا أطلقت فهي بمعنى الموصوفة؛ لأن نقد البلد إذا كان واحدًا انصرف العقد إليه، ويكون بمنزلة المشروط فيه؛ لأن العرف القائم بينهم يقوم مقام الشرط، ألا ترى أن النقود إذا كانت مختلفة لا مزية لبعضها على بعض لم يجز إطلاق العقد فيها، وإنما يجوز إطلاق العقد إذا كان النقد المتعامل به واحدًا لا يختلف، فيحمل إطلاق العقد عليه، ويكون بمنزلة قوله: بعتك من هذا النقد بكذا.
стр. 1367
وليس كذلك العروض؛ فإنه يجوز العقد عليها بالوصف، وتثبت في الذمة، ولا يجوز إطلاق العقد عليها من غير وصف؛ لأنه لا عرف فيها يحمل العقد عليه، ويقوم مقام الشروط فيه، فلو كان في نوع من العروض عرف قائم في المعاملة، لحملنا إطلاق العقد عليه من غير وصف، وأقمنا العرف فيه مقام الشرط والوصف.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية جعفر بن محمد النسائي في الرجل يبتاع، فيفتح جرابًا، فيريه، ثم يقول: الباقي على صفة هذا، قال: إذا جاءت على صفة، فليس له رده.
وهذا يدل على أن الثياب قد يثبت لها عرف في بلدها، فتعلق عليها الصفة، كالنقود.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد في رواية الأثرم في رجل باع ثوبًا بكذا وكذا درهمًا، أ، اكترى دابة بكذا وكذا درهمًا، فاختلفا في النقد، فقال: له نقد الناس. فقيل له: إن نقد الناس بينهم مختلف، فقال: له أقل ذلك؟!
ونقل ابن القاسم عنه في رجل اشترى ثوبًا بدراهم، والدراهم على ما علمت من اختلافهم، ثم اختلفا في النقد: فليس له أن يعطيه أردأ الدراهم، ولا أفضلها، ولكن الوسط. قيل له: فإن اختلفا، فأي الدراهم يعطيه؟ قال: أقلها؛ يعني: المقطعة.
قالوا: وهذا يدل من كلام أحمد على أنه يجوز إطلاق الثمن، وإن كان نقد البلد مختلفًا، فامتنع أن تكون العلة.
стр. 1368
وكذلك نقل صالح عنه في رجل صالح رجلًا على ألف درهم، ولم يذكر صحاحًا، ولا مكسرة: وقع الصلح على الصحاح ما لم يتواصفا على شيء.
وقد أطلق الصلح على ألف، وإن كانت مختلفة بالصحاح والمكسرة، والصح بيع.
قيل: أما كلامه في مسائل الأثرم وابن القاسم، فهو محمول على أن نقد البلد مختلف، والأقل منه أغلب، فجعل له الأقل؛ لأنه غالب نقد البلد.
ويمكن أن يحمل ذلك على أن البائع عين أحد النقدين، ثم اختلفا في ذلك النقد، فأسقط التحالف بينهما، وردهما في موضع إلى الأقل، وفي موضع إلى الوسط.
والأول أشبه؛ لأن الاختلاف في الأجود والأقل اختلاف في قدر الثمن، وذلك يوجب التحالف.
وكذلك يجب أن يحمل قوله: (يعطى الوسط)، أو (يعطى الصحاح) إذا كان ذلك غالب نقد البلد، وإنما كان كلامه محمولًا على الوجه الذي ذكرنا؛ لأنه قد نص على أن تعين الثمن شرط، فقال في رواية حرب في رجل ابتاع من رجل برًا على سعر ما يبيع: لم يجز حتى يبين له السعر.
стр. 1369
وكذلك نقل ابن منصور.
واحتج بأنه لو أطلق العقد، ولم يعينها، ولم يصفها، لم تتعين، فإذا عينها يجب أن لا تتعين، كالمكيال والميزان.
والجواب عن جواز الإطلاق عليها: ما تقدم.
وأما المكيال والميزان:
فإن لم يعرف مقدار المكيال، ولا مقدار الصنجة، لم يصح العقد؛ لجهالة ذلك.
وإن كان مقدار المكياج معروفًا في البلد، وكذلك مقدار الصنجة، صح العقد؛ لأنه معروف المقدار، ولكن لا يتعين؛ لأنه ليس بمستحق بالعقد، وإنما يتوصل به إلى معرفة مقدار الحق، فلهذا لم يتعين، وكذلك الميزان، وليس كذلك الموزون؛ فإنه نفس المستحق، فلهذا تعين.
واحتج بأنه ثمن، فوجب أن يكون موضعه الذمة، كما لو أطلق العقد.
والجواب: أنه إذا أطلق العقد؛ لم يثبت في الذمة لكونه ثمنًا بدليل: أنه لو أطلق العقد في الإجارة، أو النكاح، أو الخلع، ثبت في الذمة، وإن لم يكن ثمنًا.
وعلى أن المعنى في الأصل: أن الثمن هناك غير معين، ولا مشار إليه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه بدل مشار إليه، فتعين.
دليله: العروض.
стр. 1370
واحتج بأنها لو تعينت بالعقد لم يجز التصرف فيها قبل القبض، كالعروض إذا تعينت بالعقد، لم يجز التصرف فيها قبل قبضها، فلما جاز التصرف فيها قبل القبض، دل على أنها لم تتعين، وأنا محلها الذمة.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية ابن منصور: وقد سئل عن اقتضاء دراهم من دنانير ودنانير من دراهم في البيع، فقال: يأخذ بالقيمة، وإن اقتضاه في الدين فبالقيمة.
فأجاز التصرف فيه قبل القبض بأخذ العوض عنه.
والجواب: أنه إنما جاز التصرف في الثمن إذا كان متعينًا؛ لأنه يجوز التصرف في الثمن- أيضًا- إذا كان متعينًا قبل القبض؛ لأن من أصلنا: لو ابتاع ثوبًا جاز بيعه قبل قبضه، فإذًا الثمن والعروض على حد سواء في باب التصرف.
وإن كان الثمن في الذمة جاز التصرف أيضًا فيه؛ لأنه قد أمن انتقاض العقد بهلاك الثمن، ولم يؤمن انتقاضه بهلاك المبيع.
وعلى أن هذا لا يصح على أصلهم؛ لأن العقار يتعين بالعقد، ويصح بيعه قبل قبضه، فامتنع أن يكون جواز التصرف دلالة على عدم التعيين.
والمسلم فيه غير متعين، ولا يجوز التصرف فيه، فامتنع أن يكون ثبوته في الذمة دلالًة على جواز التصرف فيه.
стр. 1371
واحتج بأنه لا غرض في إثبات الدراهم والدنانير، وإنما الغرض في مقدارها، فإذا عينت لم تتعين، وكان ذلك بمنزلة تعيين المكيال والميزان والأوزان، وكما لو استأجر أرضًا يزرعها حنطة؛ فإنه يجوز أن يزرعها حنطة وما ضرره ضرر الحنطة.
والجواب: أن هذا باطل بالدراهم والدنانير في الوديعة والغصب؛ فإنه لا يجوز إبدالها بمثلها، وإن وجد معناها.
وكذلك يبطل به إذا ابتاع قفيزًا من صبرة بعينها، أو صاع زيت من جملة زيت؛ فإنه يتعين، ولا يجوز للبائع إبداله بغيره من تلك الصبرة ومن ذلك الزيت، وإن لم يكن في أعيانها غرض؛ لأنه طعام واحد وزيت واحد، وإنما الغرض في قدرها.
وعلى أن الدراهم والدنانير قد تكون أعيانها مقصودة بأن تكون دراهم يعتقد أنها حلال لا شبهة فيها، وغيرها مشكوك فيه، أو تكون دراهم يتيقن أنها مملوكة له، وغيرها يشك في ذلك من حالها، فلا يأمن إذا أخذها ربما ظهر استحقاقها.
ويفارق هذا المكيال والميزان من الوجه الذي ذكرنا.
ويفارق هذا إذا استأجر أرضًا ليزرعها حنطة؛ لأن في ذلك الموضع حق المستأجر منفعة الأرض دون الحنطة، وإنما يستوفي حقه بالحنطة، فملك استيفاءها بالحنطة وما يقوم مقامها، كما لو كان لرجل على رجل
стр. 1372
دين؛ فإنه يملك استيفاءه بنفسه وبوكيله.
وليس كذلك الدراهم والدنانير إذا عينت؛ لأنها حق للمشتري، وإذا أبدلها البائع بغيرها كان متصرفًا في حق غيره، لم يكن له ذلك.
…
٢٩٨ - مسألة
من باع نخلًا غير مؤبرٍ، فثمرته للمشتري:
قال في رواية الأثرم في من اشترى رقبة الأرضـ، وفيها ثمر ونخل لم يبد صلاحه: فالثمرة تابعة للأرض إذا لم يقصد الثمر، وإنما قصد الأرض.
معنى قوله: إذا قصد الأرض، ولم يقصد ثمره: لم يبد صلاحها على البقاء، وجعل شراء الأرض ذريعة إلى ذلك.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: الثمرة للبائع إلا أن يشترطها المبتاع.
دليلنا: ما روى أحمد في (المسند) قال: نا إسماعيل قال: نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع).
ومن دليلان: أحدهما: من دليله، والثاني: من لفظه.
أما من دليله: فهو أنه خص المؤبر بالذكر، وعلق الحكم عليه.
стр. 1373
فدل على أن غير المؤبر حكمه بخلافه.
فإن قيل: تخصيص الشيء بالذكر لا يدل عندنا على أن ما عداه بخلافه، بل يكون موقوفًا على الدلالة.
قيل له: عندنا يدل على أن ما عداه بخلافه، ولنا أن نبني فروعنا على أصولنا.
والدلالة الثانية من لفظه، وهو: أن (من) [من] حروف الشرط في اللغة، فيدل اللفظ على أن التأبير شرط في كون الثمرة للبائع.
وإذا ثبت أنه شرط فيه، لم يملكه بعدم الشرط، وعندهم وجود الشرط وعدمه سواء.
فإن قيل: لم يخرج هذا على وجه الشرط، وإنما خرج على العادة الجارية بينهم بتأبير النخل، ولم يكونوا يتركونه يخرج كلامه على العادة، كما قال تعالى: ﴿ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾ [النساء: ٢٣]، فخص الربيبة التي تكون في حجره، وحرمها عليه؛ لأن العادة أن الربيبة تكون في حجر الرجل، فخرج الكلام على العادة، ثم لم يكن الحكم مقصورًا عليها، بل التي ليس في حجره كالتي في حجره في التحريم.
وكما قال النبي ﷺ : «لا قطع في الثمر حتى يؤويه الجرين»،
стр. 1374
فخص الجرين بالذكر؛ لأن العادة أن الثمرة قد استحكمت إذا اجتمعت في الجرين، فخرج كلامه على العادة، ثم لم يكن الحكم مقصورًا عليه، كذلك هاهنا.
قيل له: حقيقة اللغة ما ذكرنا، فوجب أن نحمل اللفظ على حقيقته، فإن تركناه في موضعٍ فلدلالةٍ دلت عليه.
وعلى أن هذه العادة لا نعرفها، والإنسان يبيع النخل وقت حاجته إلى بيعها، وقد تكون في وقت الحاجة مطلعة، وقد لا تكون مطلعة، فكيف يبيعها مؤبرة؟ فسقط هذا السؤال.
فإن قيل: يحتمل أن يكون خرج هذا على سؤال سائل عن بيع النخل بعد أن يؤبر، فقال: (من باع نخلًا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع).
فذكر التأبير لذكر السائل، لا أنه شرط فيه.
قيل له: لم يجئ للسؤال، فلم يجب حمله عليه.
وعلى أنه يجب حمله على ما تقتضيه اللغة، وإن كان قد تقدمه سؤال؛ لأن السؤال بغير حكمه.
وعلى أن أبا بكر الأثرم رواه في (مسائله) بإسناده عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: (من باع عبدًا، وله مال، فله ماله، وعليه دينه، ومن
стр. 1375
أبَّر نخلًا، فباعه بعد تأبيره، فله ثمرته، إلا أن يشترط المبتاع).
هذا معناه، وهذا يدل على أن الاعتبار بالتأبير.
والقياس: أنه نماء كامن لظهوره غاية، فجاز أن يكون قبل ظهوره تابعًا لأصله.
دليله: الحمل واللبن.
وقولنا: (نماء) احتراز من الدقيق.
و (كامن) احتراز من الظاهر.
(لظهوره غاية) احتراز من الجوز واللوز؛ فإن اللب لا يخرج من قشره إلا بكسره وإخراجه، وكذلك الحنطة في السنبل.
وقولنا: (فجاز أن يكون تابعًا) احتراز من النخل الكبير إذا كان بعضها مؤبرًا، وبعضها غير مؤبر، فباعها؛ أنه لا يبيع مالم يؤبر منها على الأصل على اختلاف أصحابنا؛ لأن التعليل للجواز.
ولا يلزم عليه عقد الرهن؛ فإن النماء يتبعه أيضًا، كالبيع.
ولا يلزم عليه طلع الفحول؛ لأنه لا يفرق بينه وبين غير الفحول.
فإن قيل: لو كان هذا بمنزلة الولد، لوجب إذا باع مئة نخلة في بستان؛ بعضها مؤبر، وبعضها غير مؤبر، أن لا يدخل المؤبر في البيع، ويدخل ما لم يؤبر، كما لو باع عشرين شاة، وقد ولدت واحدة منها، ولم تلد تسعة عشر؛ أن التي ولدت لا يتبعها ولدها، والتي لم تلد يتبعها.
стр. 1376
قيل له: تأبير بعضه جعل بمنزلة تأبير جميعه، كما جعل بدو الصلاح في بعضه كهو في جميعه، ولم نجد في الأصول أن ظهور الحمل في أحد الغنم جعل بمنزلة ظهور ما لم يظهر حملها، فلهذا فرقنا بينهما.
فأما إذا لم يظهر واحد منهما، فهو في [الكمون] سواء، فيجب أن يتساويا في الحكم.
فإن قيل: لو كان بمنزلة الولد، وجب أن يكون المؤبر منها وغير المؤبر سواء في كونه تابعًا؛ لاتصاله به في الحالين جميعًا، كالولد المتصل.
فلما اتفقنا على أن الثمرة الظاهرة مع اتصالها بالنخل لا تكون تابعًا لها في البيع، ولا تكون بمنزلة الولد المتصل بالأم، بل هي كمال منفرد عن النخل، لا يتبع النخل في البيع، كذلك التي لم تؤبر.
قيل له: الحمل له استتار وظهور، وليس له اتصال؛ لأنه غير متصل بالأم، وإنما هو مودع في الجوف، فكانت الثمرة في حال استتارها بالطلع كالحمل، وفي حال ظهورها كالولد الظاهر، وليس له اتصال.
ولأن الثمرة إذا ظهرت أخذت شبهًا من الولد الظاهر لظهورها من وعائها، وشبهًا من الجنين لاتصالها بالأصل، فلم يكون أحدهما أولى من الآخر، فبقيت الثمرة على ملك مالكها كما كانت.
стр. 1377
وليس كذلك إذا كانت الثمرة كامنة في وعائها؛ فإنها بمنزلة الحمل قبل ظهوره، وكانت تابعة للأصل.
فإن قيل: لو كانت كالحمل واللبن لم يجز استثناؤها في البيع، كما لا يجوز استثناء الحمل واللبن.
قيل له: روى ابن القاسم وسندي جواز استثناء الحمل في البيع.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
ونقل ابن منصور وحنبل: لا يصح.
وإنما اختلفتا من هذا الوجه؛ لأن الحمل واللبن أجريا مجرى أجزاء الجارية في أنها تتبع في البيع، فحين لم يجز بيع بعض أعضائها بشرط القطع، لم يجز استثناء الحمل واللبن، والطلع أجري مجرى أجزاء النخل، فلما جاز إفراد بعض أجزاء النخل من السعف وغيره بشرط القطع، جاز استثناء القطع أيضًا، فاختلفا في هذا؛ لاختلافهما في هذا المعنى، وهما متساويان فيما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن العقد على الشجر لا يوجب دخول الثمر في البيع بغير شرط.
دليله: المؤبر، وإذا باع مئة نخلة في بستان واحد، ونخلة منها مؤبرة، وتسع وتسعون نخلة غير مؤبرة؛ أنه لا يدخل شيء منها في البيع.
والجواب: أنها إذا أبرت فقد ظهرت، وإذا لم تؤبر، فلم تظهر، وفرق بينهما.
стр. 1378
الدلالة عليه: الحمل واللبن.
ولأنها إذا أبرت فقد أخذت شبهًا من الحمل ومن الولد الظاهر، فتعارضها، وبقيت الثمرة على ملك مالكها، وليس كذلك إذا لم تؤبر؛ فإنها جارية مجرى الحمل، فكانت تابعة للأصل.
فإن قيل: ليس من حيث كانت في إحداهما ظاهرة والأخرى كامنة، يجب أن يختلف حكمها، ألا ترى أن صوف الشاة ظاهر، ولبنها كامن، وجميعها يتبعان الأصل في البيع، والزرع ظاهر، والبذر كامن، ولا يتبع الأصل في العقد عليه.
قيل له: إنما كان الشعر كاللبن في البيع، وإن اختلفا في الظهور؛ لأنهما في حكم واحد بدليل: أنه لا يجوز إفراد الشعر الظاهر بالعقد، كما لا يجوز إفراد اللبن الباطن بالعقد.
وأما الزرع والبذر فإنما لم يتبعا؛ لأن البذر مودع، وليس بنماء الأرض، ولا جزء منها، فهو بمنزلة المال المدفون، والزرع الظاهر بمنزلة الطلع المؤبر.
وأما إذا أبر بعض نخيل بستان، ولم يؤبر جميعه، فإن أصحابنا اختلفوا في ذلك:
стр. 1379
فقال أبو بكر: لا يكون تأبير البعض تأبيرًا للكل، بل يكون للبائع ما أبر دون ما لم يؤبر.
وقال شيخنا: تأبير بعضه قد جعل بمنزلة تأبير جميعه، كما جعل بدو الصلاح في بعضه بدوًا في جميعه.
واحتج بأن الثمرة لا تتبع الأصل في البيع بحال.
دليله: ثمار سائر الأشجار، وإذا كان النخل مؤبرًا.
والجواب عنه إذا كان مؤبرًا: ما تقدم.
وأما سائر الأشجار فإن ثمارها تتبع أصولها إذا كانت كامنة في وردها، فإذا ظهرت الثمار، وتناثر الورد، لم تتبع أصولها، فإذًا لا فرق بينهما.
واحتج بأنه نماءٌ خارج من الأصل، وله غاية ينتهي إليها في العادة، وهي كالشجرة نفسها.
وفيه احتراز عن الولد في البطن، واللبن في الضرع؛ لأنهما غير خارجين عن الأصل.
والجواب: أن الشجرة نفسها نماء ظاهر، فلهذا لم تتبع الأرض في البيع، فهي كالثمرة المؤبرة، والولد الظاهر.
واحتج بأن الطلع يجوز إفراده بالبيع، فلم يكن تابعًا.
стр. 1380
أصله: الثمر المنفصل.
والجواب: أنه يبطل بأغصان الشجرة، وسعف النخلة؛ تتبع الأصل، وبالشجرة تكون في الدار تتبع الدار في البيع، وإن كان يجوز إفرادها بالبيع، وكذلك البناء يتبع الأرض في البيع، وإن جاز إفراده بالبيع.
…
٢٩٩ - مسألة
إذا باع نخلًا مؤبرًا، فثمرته للبائع، وله تركها حتى تدرك:
ذكره الخرقي في (مختصره).
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ البائع بقطعه، ويجبر عليه.
دليلنا: حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: (أرأيت لو منع الله الثمرة، بم يأخذ أحكم مال أخيه؟!).
وهذا يدل على أن الثمرة المبيعة يجب تركها إلى حال إدراكها؛ لأنه لو كان يجب قطعها في الحال لما أصابتها الجائحة، ولا منعت الثمرة.
وأيضًا فإن من ابتاع شيئًا متعلقًا بحق غيره، فإنما يجبر الغير على إزالته ونقله على حسب العادة في ذلك، ألا ترى أن المشتري إذا زرع الأرض، فاستحق الشفيع الأرض، لم يجبر على قلع الزرع حتى
стр. 1381
يبلغ أوان الحصاد.
وكذلك لو ابتاع من رجل دارًا ليلًا، وفيها طعام وقماش كثير، لم يجبر على نقله ليلًا؛ لأن العادة لم تجر بذلك، ولا يجبر- أيضًا- على جمع الحمالين دفعة واحدة، بل ينقله شيئًا فشيئًا على حسب العادة.
وكذلك لو ابتاع أرضًا ذات نخل وشجر، واستثنى البائع النخل والشجر، لم يجبر البائع على نقلها؛ لأن ذلك لا ينقل في العادة.
وكذلك الثمار في العادة لا تقطع إلى وقت الجذاذ، فلم يجبر البائع على إزالتها ونقلها قبل تلك الحالة.
فإن قيل: القياس كان يتقضي أنه يجب على المشتري نقل زرعه، لكن تركناه استحسانًا.
قيل له: المعنى الذي تركت لأجله القياس في حق الشفيع موجود هاهنا، فيجب أن تتركه له.
فإن قيل: إنما لم يجبر على نقل الطعام والقماش ليلًا؛ لأنه لا يمكن نقله ليلًا، ولا يجد من ينقله.
قيل له: النقل بالليل يمكن، ويوجد، ولكن تلحق المشقة فيه، وكذلك في قطع الثمرة قبل بدو صلاحها يمكن، لكن تلحقه المشقة فيه.
فإن قيل: فإذا استثنى النخل والشجر ملك ذلك بأصله من الأرض، لهذا لم يجبر على نقله.
قيل له: إنما ملك ذلك بأصله من الأرض؛ لأن العادة جارية ببقاء
стр. 1382
النخل على الدوام، ألا ترى أنه لو باع أرضًا فيها زرع مستثنى للبائع، لم يكن له ذلك بأصله من الأرض؛ لأن العادة فيه أنه لا يبقى على الدوام.
فإن قيل: هذا يبطل بالثمرة إذا جذها، وتركها في أرض يشمسها، أو قطف العنب، وتركه فيها ليصير زبيبًا، ثم باع الأرض؛ فإنه يجبر على نقله قبل جفافه، وإن لم تجر العادة بذلك.
قيل له: لا عادة في تجفيفه في أرض بعينها، فلهذا لزمه نقلها؛ ليجففها في أي موضع شاء.
وأيضًا من ابتاع شيئًا، وحصلت منفعة مستثناة لغير المشتري، فإن المستحق لتلك المنفعة له استيفاؤها على الكمال، كما لو باع أمًة مزوجة؛ فإن منفعة البضع تكون مستثناة للزوج على الكمال.
فإن قيل: فالزوج لا يملك استيفاء منفعة البضع ليلًا ونهارًا، وإنما له ذلك ليلًا، فلا يحصل له ذلك على التمام.
قيل له: القدر الذي حصل مستثنى هو الذي حثل للزوج بعقد النكاح، وذلك القدر هو الاستمتاع بالليل دون النهار، وعلى المشتري تمكينه، فأما الاستمتاع نهارًا، فلم يكن ذلك حقًا للزوج حتى يكون مستثنى بالعقد.
واحتج المخالف بأن ملك المشتري مشغول بمال البائع، فيجبر على نقله على حسب الإمكان، كما لو جذ الثمرة بعد ما أدركت، وتركها في أرضه، وأراد تجفيفها، ثم باع الأرض، أو قطف العنب، وتركه في أرضه؛ ليصير زبيبًا، ثم باع الأرض، أو باع داره، وله فيها متاع؛ أنه
стр. 1383
يجبر على نقل ذلك كله على حسب الإمكان.
والجواب: أن الواجب في ذلك نقلها على ما جرت العادة دون الإمكان بدليل ما ذكرنا من الشفيع لا يجبر المشتري على نقل الزرع قبل حصاده، وإن كان ذلك ممكنًا، وكذلك لا يجبر البائع على نقل المتاع ليلًا، وإن كان ممكنًا، كذلك هاهنا.
وأما إذا كان فيها ثمرة يشمسها ويجففها، فإنما كلف نقلها قبل ذلك؛ لما ذكرنا، وهو: أن ذلك لا يختص بمكان دون مكان.
واحتج بأنا لو أجبرنا المشتري على تركها إلى وقت إدراكها صار كأن البائع باع شيئًا، واستثنى لنفسه منفعته، وهذا لا يجوز، ألا ترى أنه لو قال: (بعتك هذه الدار على أن أسكنها سنة) لم يصح العقد؟
والجواب: أنه يصح ذلك عندنا، ويأتي الكلام فيه في ما بعد، إن شاء الله.
على أن هذا باطل بالزرع في حق الشفيع؛ فإنه لا يملك إجبار المشتري على قطعه، وإن أدى ذلك إلى المعنى الذي ذكره.
…
٣٠٠ - مسألة
إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها لم يجز، إلا أن يشترط قطعها:
نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي: لا بأس أن يشتري
стр. 1384
البلح ليقطعه، والحصرم إذا كان يقطعه.
كذلك نقل أبو طالب عنه: يجوز أن يبيع البلح على أن يصرمه.
وقد علق القول في رواية عبد الله: إذا اشترى بلحًا في نخل ليقطعه على المكان فنعم، فإن اشتراه ورأيه قطعه، وباعه على مثل ذلك، ثم إن المشتري تركه حتى أدركته عاهة، يرجع على البائع بماله، هو في ملك البائع قبل أن يجذه.
وظاهر هذا: أنه أجاز البيع من غير شرط إذا كان عزمه قطعه.
والمذهب: أنه لا يصح، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا لم يشترط قطعها جاز البيع.
دليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن تباع الثمار حتى يبدو صلاحها، وتنجو من العاهات.
وروى بإسناده في لفظ آخر عن ابن عمر: نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة.
وروى بإسناده في لفظ آخر عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري.
стр. 1385
وبإسناده عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر حتى تشقح. قلت: متى تشقح؟ قال: تحمار، وتصفار، ويؤكل منها.
وروى بإسناده عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة.
وروى بإسناده عن أنس: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، وعن العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد.
ذكر عبد الله هذه الأخبار في (مسائله)، وظاهر هذه الأخبار يقتضي تحريم بيعها في جميع الأحوال، إلا أن الدلالة دلت على جواز بيعها بشرط القطع، فأجزناه، وبقي ما عداه على موجب حكم النهي مستعملًا في بيعها على الإطلاق.
وفيها دليل آخر، وهو: أن النبي ﷺ علق النهي فيها بعدم صفة من الثمرة، وهو بدو الصلاح فيها وحصول الإزهاء، وعندهم النهي لا يتعلق بذلك، وإنما يتعلق بشرط التبقية.
فإن قيل: المراد بالخبر: النهي عن بيعها بشرط التبقية بدلالة ما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ
стр. 1386
أحدكم مال أخيه).
والموجود من الثمرة في الحال غير ممنوع، وإنما يجوز أن تمنع الأجزاء التي ينتظر حدوثها بتركها إلى أن يتنامى عظمها بأن لا يوجدها الله تعالى.
قيل له: لا يصح هذا التأويل؛ لأن النبي ﷺ علق جواز البيع ببدو الصلاح، والبيع المشروط فيه التبقية لا يجوز عندكم بعد بدو الصلاح.
ولأن النبي ﷺ علق النهي عن البيع لمعنى يعود إلى الثمرة، وهو عدم بدو الصلاح فيها، والبيع المشروط فيه التبقية يبطل عندهم لا لمعنى يعود إلى الثمرة.
وأما قولهم: إنه جعل العلة في إبطال العقد هلاك الثمرة، وهذا إنما يكون في الأجزاء التي تنتظر، وذلك إنما يكون بشرط التبقية، فليس كذلك؛ لأن عندنا أن الثمار إذا بيعت مطلقًا، فإن إطلاق العقد يقتضي تبقيتها إلى أوان الجذاذ، فيلحقها التلف والعاهة، كما لو شرط تبقيتها.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد بالخبر النهي عن بيع الثمرة قبل ظهورها بدلالة قوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة)، وإنما يمنع المعدون بأن لا يوجدها.
قيل له: لا يمكن حمله على هذا؛ لأنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو
стр. 1387
صلاحها، فاقتضى أن يكون هناك ثمرة موجودة يتوجه النهي إليها.
والقياس: أنها ثمرة نامية أفردت بالبيع قبل بدو صلاحها، لا على شرط القطع، فلم يصح بيعها.
دليله: لو باعها بشرط التبقية.
وقولنا: (نامية) احتراز منه إذا باع ثمرة في أصلها، والأصل مقطوع من الأرض؛ لقولنا نامية.
وقولنا: (أفردت بالعقد) احتراز منه إذا بيعت مع أصلها.
وقولنا: (قبل بدو صلاحها) احتراز منه إذا باعتها بعد بدو الصلاح.
وقولنا: (لا على شرط القطع) احتراز منه إذا شرط قطعها.
فإن قيل: إذا شرط تركها، فقد نفى موجب العقد، فبطل العقد، وليس كذلك إذا أطلق العقد؛ لأنه لم ينف موجبه.
قيل له: لا نسلم أنه نفى موجب العقد؛ لأن تسليم الثمرة على أصولها يكون بالتخلية بينها وبين المشتري، ولو تلفت بعد ذلك كانت من ضمان المشتري، فلم يكن شرط التبقية منافيًا؛ لأن نقلها بعد التسليم ليس من أحكام العقد، وإنما هو بحكم العادة، كما قالوا في المشتري إذا زرع: لم يكن للشفيع أخذه بالقطع.
وأيضًا فإنا نبني المسألة على أن إطلاق العقد يقتضي التبقية، ونستدل عليه بما تقدم من أن من باع دارًا ليلًا، وفيها طعام وقماش، لم يجبر على نقله ليلًا، ولا يجبر على نقله دفعة واحدة.
стр. 1388
وإذا باع أرضًا فيها نخل وشجر، واستثنى ذلك، لم يجبر على نقله.
وكذلك المشتري إذا زرع، لم يجبره الشفيع على قطعه.
وإذا كان كذلك، فالعادة في الثمار: أنها لا تنقل وتزال عن النخل إلى وقت الجذاذ، فحمل إطلاق العقد عليه، فنقول: إطلاق العقد إذا كان له عرف وعادة تحمل عليه صار بمنزلة المشروط في العقد.
دليله: الأثمان؛ فإنها تحمل عند الإطلاق على نقد البلد، ويصير كالمشروط فيه، كذلك هاهنا.
فإن قيل: إنما حملنا المطلق من الثمن على النقد المعتاد؛ لأنه لا يؤدي إلى فساد البيع، وفي الثمرة إذا حملنا الإطلاق على العادة في التبقية يؤدي إلى فساد البيع؛ لأنه يصير بمنزلة من باع طعامًا في بيت، وشرط تركه فيه.
قيل له: نقد البلد لو كان مختلفًا- ولم يكن بعضها أغلب من بعض- ببطل، وإن كان نقد أقرب البلدان إليه واحدًا، ووجب حمله على نقد بلده، وإن أدى إلى فساد البيع.
ثم هذا باطل بالمشتري إذا زرع، ثم أخذه الشفيع؛ فإنه لا يجبره على نقله، وإن أدى إلى المعنى الذي قال.
وما ذكره من بيع الطعام والمتاع فإنما وجب نقله؛ فإنه لا عادة في تركه، وتبقيته عليه.
فإن قيل: لو وجب حمل البيع على المعتاد، لوجب بأن يكون بيع
стр. 1389
الثمار باطلًا؛ لأن العادة ببغداد أن أصحاب الثمار يشترطون [ ..... ] على المشتري، ومعلوم أن هذا بيع باطل.
قيل له: العادة إذا كانت مخالفة للشرع ولم يحمل العقد عليها، وإنما يحمل على عادة صحيحة جائزة غير مخالفة الشرع.
واحتج المخالف بأنه لو شرط قطعها جاز، كذلك إذا أطلق العقد [و] لم يشترط، يجب أن يجوز، كما لو بدا صلاحها.
والجواب: أنه إذا شرط القطع لا يكون معقودًا على غرر؛ لأنها إذا قطعت سلمت من العاهة، فلهذا صح البيع، وكذلك إذا بدا الصلاح قد نجت من العاهة، فلا يكون العقد على غرر.
وليس كذلك إذا لم يبد صلاحها، وباعها مطلقًا؛ لأن ذلك يقتضي تبقيتها على ما قررناه، وفي ذلك غرر، ولهذا نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وحتى تنجو من العاهة، وحتى تزهي، ولهذا قال: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه).
واحتج بأن العقد على الأعيان لا بفتقر في صحته إلى شرط نقلها عن ملك البائع بدلالة: العقد على الطعام في أرض البائع أو في داره، والثوب، والعبد.
стр. 1390
والجواب: أن العرف في سائر الأعيان تسليمها في الحال، فحمل مطلق العقد فيها على العرف، فيجب على هذا القياس أن يحمل مطلق العقد على الثمرة قبل بدو صلاحها على العرف فيها، وهو التبقية، فوجب حمله عليه، كما حمل على العرف في الأثمان.
وإن قاسوا على الثمرة المبيعة مع الأصل، فالمعنى فيها: أن الغرر قد سقط هناك؛ لكونها تبعًا للأصل، فجاز، كما قلنا للمجهول من أساس الدار وأطراف الجذوع وطي البئر، وكذلك بيع الحمل، والصوف على الظهر.
وإن قاسوا على الوصية بها مطلقًا؛ احتمل المنع، واحتمل الجواز، ويكون الفرق بينهما: أنه لا ضرر على الموهوب له والموصى له في ملكها قبل بدو صلاحها؛ لأنه لم يبذل عوضًا في مقابلها حتى إذا تلفت ذهب عوضه، فلذلك صحت تلك العقود.
فأما المبتاع فعليه ضرر في الابتياع قبل بدو الصلاح؛ لأنه بذل عوضًا في مقابلها، فإذا ذهب عوضها، فكان فيه ضرر، فلم يجز، ألا ترى أن الوصية تجوز بالمعدوم والمجهول، وإن لم يخرص البيع.
***
стр. 1391
٣٠١ - مسألة
إذا باع الثمرة بعد بدو صلاحها بشرط التبقية صح:
ذكره الخرقي في (مختصره).
وقد نص أحمد في رواية الجماعة على أنه إذا اشترى الثمرة، ولحقتها جائحة: أنها تتلف من مال البائع.
وهذا يدل من أصوله على أن له شرط البقاء إلى وقت الجذاذ.
وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا شرط البقاء بطل البيع.
دليلنا: ما تقدم من نهي النبي ﷺ عن [بيع] الثمرة حتى يبدو صلاحها، وحتى تزهي، وحتى تنجو من العاهة، وحتى تشقح، وحتى تطيب.
ومنه دليلان:
أحدهما: أنه أجاز البيع بعد بدو صلاحها على الإطلاق، فيدخل فيها البيع بشرط القطع، والبيع مطلقًا من غير شرط.
والثاني: أنه علق النهي بغاية، وهو بدو الصلاح فيها، وما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، فلما كان البيع قبل بدو الصلاح بشرط التبقية باطلًا، اقتضى بحكم الغاية أن يكون بعد بدو الصلاح بشرط التبقية صحيحًا.
стр. 1392
وأيضًا فإن العادة في الثمار تبقيتها على أصولها إلى أوان الجذاذ، فإذا جاز إطلاق العقد فيها، جاز بشرط التبقية، ألا ترى أن النقد إذا كان معروفًا معتادًا في البلد، جاز إطلاق العقد عليه، وجاز شرطه.
ولأنا نبني هذه المسألة على ما قبلها، وأنا إطلاق العقد في الثمار يقتضي التبقية، فإذا شرط ذلك في العقد كان تأكيدًا، فلم يغيره، كما لو شرط تسليم المبيع.
واحتج المخالف بأن تسليم المبيع في الحال من موجب العقد، فإذا شرط ترك الثمرة، فقد نفى موجب العقد، ونفي موجب العقد يفسد العقد، كما لو اشترى عبدًا على أن لا يسلمه إليه إلى شهر بطل العقد؛ لأنه نفى موجبه.
والجواب: أنه موجب العقد هو التسليم، وتبقية الثمرة ليس بتأخير التسليم؛ لأن تسليم الثمرة على رؤس النخل بالتخلية بينها وبين المشتري، وإنما الكلام في نقلها، والنقل ليس من موجب البيع، وإنما يجب النقل على حسب العادة بدليل: أن الثمرة لو بقيت مع الأصل، لم يجب على البائع نقلها إلى أوان الجذاذ، وإن لم تكن الثمرة مبيعة، ولا معقود عليها.
واحتج بأنه اشترى ثمرة على شرط الترك، فوجب أن لا يجوز، كما لو اشتراها قبل بدو صلاحها، وشرط تركها.
والجواب: أن [في] بيعتها قبل بدو صلاحها غرر كثير؛ لأنها
стр. 1393
تعرض للهلاك، ولهذا قال رسول الله ﷺ : (أرأيت إن منع الله الثمرة)، وإذا بدا الصلاح زال الغرر، فجاز بيعها.
واحتج بأنه شرط الانتفاع بملك البائع في عقد البيع، فهو كما لو باع بيتًا فيه طعام على أن ينقله بعد شهر.
والجواب: أنه يجوز ذلك على أصلنا.
على أنه لا عادة في تبقية الطعام، وفي الثمار عادة.
…
٣٠٢ - مسألة
إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فلم يقطعها حتى بدا صلاحها، وأتى عليها أوان جذاذها، بطل البيع، وتكون الثمرة بزيادتها للبائع، ويرد الثمن على المشتري في أصح الروايتين:
نقلها أبو طالب، وحنبل في موضع:
فقال في رواية أبي طالب: لو باعه نخلًا على أن يصرمه، فتركه حتى اصفر، أو احمر، فسد البيع، وكذلك الحشيش إذا لم يقطعه وسنبل، فسد البيع، وتكون الثمرة والسنبل لصاحب الأرض.
وكذلك نقل حنبل في موضع: إذا باعة نخلًا على أن يصرمه،
стр. 1394
فتركه حتى بلغ، فذلك للبائع، ويرد عليه الثمن.
وكذلك نقل أبو طالب في من اشترى قصيلًا؛ ليجزه وهو حشيش، فتركه حتى سنبل، فسد البيع.
وهذه الرواية اختيار الخرقي وأبي بكر.
وفيه رواية أخرى: العقد صحيح لم يبطل.
نص عليه في رواية [ ...... ] ابن سعيد، وحنبل في موضع آخر:
فقال في رواية ابن سعيد: لا يشتري الرطبة إلا جزة، فإن تركها حتى تطول وتكبر، كان للمبتاع ما جز منها، وكان البائع شريكًا للمبتاع في النماء الزائد، إلا أن يكون يسيرًا قدر يوم، أو يومين، وكذلك النخل.
وكذلك نقل حنبل: لا يجوز بيع الرطببة الأجزه، فإن باعة على أن يجزه، أو نخلًا على أن يصرمه، فتركه حتى زاد، فالزيادة لا يستحقها واحد منهم، ويتصدقان به.
فقد اتفقا عنه على أن البيع لم يبطل، واختلفا في قدر الزيادة؛ فنقل ابن سعيد: أنهما يشتركان فيها، ونقل حنبل: يتصدقان بالزيادة.
وقوله: يتصدقان، ويشتركان بالزيادة؛ يريد به: الزيادة في القيمة؛ لأن الزيادة هاهنا في عين الثمرة، وليست أعيانًا يشار إليها؛ فينظر: كم كان قيمتها وقت العقد؟ فإذا قيل: مئة، قيل: وكم قيمتها بعد الزيادة؟ قالوا: مئتان، فيتصدقان أو يشتركان في القيمة الزائدة.
стр. 1395
وهذا عندي على طريق الاستحباب؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، وهذه الثمرة قبل قطعها ليست من ضمان المشتري بدليل: أنها لو تلفت بآفة سماوية، أو بعطش كانت من ضمان البائع، ولهذا كره له أخذ ربحها.
وكره للبائع أيضًا؛ لأنها حدثت على ملك المشتري.
وقوله: (يشتركان) على طريق الاستحباب؛ لأن المشتري تعدى بتركها في نخل البائع، فاستحب له أن يستطيبه بجزء منها.
والفقه في ذلك إذا قلنا: العقد لم يبطل: أن تكون بزيادتها للمشتري.
ونقل أبو طالب في موضع آخر: إذا اشترى قصيلًا، ثم مرض، أو توانى حتى صار شعيرًا، فإن أراد الحيلة فسد البيع.
وظاهر هذا: أنه إذا لم يقصد ذلك فالعقد صحيح.
ومعنى هذا: أنه إذا لم يقصد الحيلة فهو أسهل في بابه، بمعنى: أنه إذا لم يأثم بذلك لو قصد الحيلة، وهو: أن يشترط القطع حال العقد، وفي نيته تبقيته إلى وقت الجذاذ، أثم بذلك؛ لأنه يغر البائع، وإلا فهما يتفقان في حكم البطلان والصحة، وإنما يختلفان في المأثم؛ لأن ما يبطل البيع لا فرق بين القصد فيه وعدمه، كتلف المبيع قبل قبضه.
стр. 1396
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: العقد صحيح لم يبطل، والثمرة للمشتري بزيادتها.
وجه الأولى، وأن العقد باطل، والثمرة بزيادتها للبائع: ما تقدم من نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى تزهو، وحتى يبدو صلاحها.
وهذا عام فيه إذا كان بشرط القطع، وبشرط البقاء، إلا أنا خصصنا جواز ذلك إذا كان بشرط القطع وتعقبه القطع بالإجماع، وبقي ما عداه- وهو إذا لم يقطع- على موجب الظاهر.
وأيضًا فإنه أخر قبضًا مستحقًا لحق الله تعالى، أشبه تأخير قبض رأس مال السلم والصرف.
ولأنها ثمرة أفردت بالعقد، لم يبد صلاحها، ولم تقطع في وقت إمكان القطع، فبطل العقد، كما لو شرط البقاء، أو أطلق العقد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن العقد أوجب الغرر، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الغرر حدث بعده.
قيل: لا يمتنع أن يحدث بعده، ويجري مجرى الموجود حال العقد بدليل: التفرق قبل قبض رأس مال السلم، وثمن الصرف.
ثم لا نسلم: أن الغرر حدث بعده، وهو أنه قد يشرط القطع؛ ليسلم له العقد، ويعتقد الترك؛ ليحصل له الغرض، فيجعل الشرط ذريعة إلى ذلك، والذرائع معتبرة لما نبينه في ما بعد.
ونبني المسألة على أصل، وهو: إذا ابتاع ثمرة، فلم يقبضها حتى
стр. 1397
حدثت ثمرة أخرى، ولم تتميز الثانية من الأولى؛ أن العقد يبطل عندنا، وعند أبي حنيفة، وأحد القولين للشافعي، كذلك إذا كانت الزيادة متصلة بعلة: أنه أحد نوعي الزيادة، فإذا حدثت قبل القبض، جاز أن تؤثر في بطلان العقد، كالزيادة المنفصلة إذا لم يتميز المبيع منها.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الزيادة منفصلة، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها متصلة بالمبيع، فهي كما لو ابتاع عبدًا هزيلًا، فقبل أن يقبضه سمن.
قيل: هذا لا يوجب الفرق بينهما في البطلان، كما لم يوجبه في الفسخ، وقد ثبت أنه لو ظهر على عيب، وقد زاد المبيع زيادة متصلة أو منفصلة ملك الفسخ، وكذلك إذا أفلس بالثمن وهناك زيادة.
ونبني المسألة على أصل آخر، وهو: القول بالذرائع، وذلك أنا لو حكما بصحة البيع كان ذريعًة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها على الترك إلى وقت الجذاذ؛ لأنه يشترط القطع؛ ليسلم له العقد، ويعتقد الترك؛ ليحصل له الغرض، والذرائع معتبرة في الأصول، ألا ترى أن الله- تعالى- نهى عن سب الآلهة، وإن كان مباحًا؛ لئلا يكون ذريعًة إلى سب الله- تعالى- بقوله: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
стр. 1398
وامتنع النبي ﷺ من قتل المنافقين؛ لئلا يقولوا: إن محمدًا يقتل أصحابه.
ومنع من أن يأكل من هديه إذا عطب دون محله؛ لئلا يكون ذريعة إلى أنه قصر في علفه.
والجماعة يقتلون بالواحد؛ لئلا يكون ذريعة إلى أن من أراد قتل غيره شارك غيره؛ ليسقط القصاص عنه.
وكذلك حرام القاتل الإرث؛ لئلا يكون ذريعة إلى تعجيل الميراث.
وكذلك لم يجز قرض الإمام المباح وطؤهن؛ لئلا يكون ذريعة إلى الاستباحة بغير عقد ولا ملك.
وكذلك قال أصحابنا: الفرار من الزكاة لا يسقط؛ لأنه يكون ذريعة إلى إسقاط الزكاة جملة.
وكذلك إذا باع طعامًا إلى أجل، فلما حل الأجل، باع المشتري من البائع ذلك الطعام بالثمن الذي له عليه، فلم يصح البيع؛ لأنه ذريعة إلى حصول بيع طعام بطعام.
وكذلك من أراد أن يقرض دينارًا بدينارين إلى أجل، فباعه سلعة بدينارين إلى سنة، لا بقصد البيع، ثم رجع، فابتاعها منه بدينار نقدًا، ويبقى له دينار إلى سنة، كذلك هاهنا.
وقد روي أن رجلًا باع من رجل حريرة بمئة، ثم اشتراها بخمسين، فسئل ابن عباس عن ذلك، فقال: دراهم بدراهم متفاضلة،
стр. 1399
دخلت بينهما حريرة.
وقد ذكر الحضرمي في كتاب (البيوع) هذا الحديث بلفظين أخرجه إلينا أبو محمد النجشي بإسناده قال: قال ابن عباس: اتقوا هذه العينة، لا تكون دراهم بدراهم بينهما حريرة.
وبإسناده عن أنس: أنه سئل عن العينة؛ يعني: بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله.
وروى ابن بطة في تحريم النبيذ بإسناده عن الأوزاعي، عن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع)؛ يعني: العينة.
وهذا يقتضي أن ذكر البيع في ما يقصد به الربا لا يبيحه، [و] ذلك يقتضي أن ذكر الشرط في ما يقصد به عدمه لا يبيحه.
فإن قيل: الذرائع غير مؤثرة في التحريم، ألا ترى أن النبي ﷺ لما أمر أخا [بني] عدي على خيبر جاءه بتمر جنيبٍ، فقال: (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: لا، لكن بعت الصاعين بالصاع، فقال: (لا تفعل، ولكن بع تمركم بعرضٍ، واشتروا به تمرًا).
وهذا نفس الذريعة إلى بيع تمر بتمر متفاضلًا.
وكذلك من أراد أن يزني بامرأة، فعقد عليها عقد نكاح، جاز أن يطأها، وإن كان العقد ذريعة إلى ذلك الفعل الذي كان ممنوعًا منه، كذلك هاهنا.
стр. 1400
قيل: أما حديث [أخي بني] عدي فيحتمل أن يكون أمره بشراء العرض من غير من ابتاع منه التمر الجيد، فيكون العرض في تلك الحال مقصودًا، وإنما يمنع لو ابتاع به عرضًا ممن يبتاع منه التمر الجيد؛ لأنا تعلم أن العرض غير مقصود في تلك الحال.
وأما عقد النكاح فإنه مقصود في نفسه، وإن كان يتوصل به إلى الوطء؛ لأنه يقصد به لحوق النسب، وثبوت التوارث، وغير ذلك من الأحكام، فلهذا صح؛ لأنه مقصود في نفسه.
فإن قيل: فالعقود لا يعتبر فيها القصد.
قيل: المكره لا تصح عقوده لعدم القصد لها، والوكيل يعتبر قصده بالشراء لموكله.
واحتج المخالف بأن المبيع بحاله وذاته، وإنما انضاف إليه غيره على وجه لا يتميز عنه، وهذا لا يوجب بطلان العقد، كما لو كان المبيع عبدًا صغيرًا، فكبر، وطال، وسمن؛ فإن البيع لا يبطل، كذلك الثمرة.
والجواب: أن القبض هناك لحقهما، وهاهنا لحق الله تعالى، وقد فات مع الإمكان، فهو كالقبض في السلم والصرف.
والثاني: أن ذلك ليس بذريعة إلى فعل المحظور، وهذا يحصل
стр. 1401
ذريعة إلى فعل المحظور، وهو بيع ما لم يبد صلاحه على الترك.
واحتج بأنه لو باع ثمرة بعد ما بدا صلاحها، فلم يقبضها حتى حدثت ثمرة أخرى مثل التين والباذنجان والبطيخ ونحوه، فلم يأخذه حتى حدثت ثمرة أخرى، ولم يتميز، فإن العقد لا يبطل، كذلك إذا كانت ثمرة واحدة، فزادت عينها وذاتها.
والجواب: أن الخلاف فيهما واحد، والقول في الثمرة إذا اختلطت بثمرة أخرى وفي الثمرة الواحدة إذا زادت سواء، وفي العقد روايتان؛ أظهرهما: بطلان العقد، ولا فرق بينهما.
وقد قال أبو بكر في كتاب (الشافي): أما بيع الباذنجان والورد والرطبة وما أشبهه، فلا يجوز البيع فيه إلا لقطة لقطة، والرطبة كل جزة، فإن بيع ما ظهر على قطعه جاز، ويفسد البيع إن تأخر حتى تطلع بقيته.
واحتج بعضهم بأنه مبيع لو قبضه في الحال صح، فإذا أخر قبضه لم يبطل.
دليله: غير الثمرة.
والجواب: أنه يبطل بالصرف، ورأس مال السلم؛ لو قبضه في حال صح، ولو أخره لم يصح.
ثم المعنى في الأصل، وفيه إذا قبضه في الحال: أنه قد أمن فيه الغرر، وبالتأخير الغرر حاصل، ولهذا المعنى تأثير في الفساد بدليل
стр. 1402
بيع الثمرة التي لم يبد صلاحها على الترك أو مطلقًا لم يصح لخوف الغرر، ولو شرط القطع صح، كذلك هاهنا، وهذا المعنى الذي نبه الشرع عليه.
فإن قيل: المعنى هناك العقد أوجب الغرر، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الغرر حدث بعده.
قيل: قد أجبنا عن هذا في السؤال عن القياس.
…
٣٠٣ - مسألة
إذا بدا الصلاح في نوعٍ من الثمار كان صلاحًا لبقية ذلك النوع في قراحٍ واحد في إحدى الروايتين:
نقلها حنبل فقال: إذا كان في بستان بعضه بالغ وغير بالغ، بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ.
وظاهر كلامه: أنه صلاح لبقيته إذا كان الغالب عليه الصلاح.
وفيه رواية أخرى: لا يكون ذلك صلاحًا لما لم يبد صلاحه من ذلك النوع، كما لا يكون صلاحًا لنوع آخر.
واختار أبو بكر ذلك في كتاب (الشافي).
وقال في رواية ابن منصور: لا يباع حتى تؤمن عليه العاهة، فإن احمر بعضه، وبعضه أخضر، يباع الذي بلغ.
стр. 1403
وكذلك نقل جعفر بن محمد، ومحمد بن أبي حرب.
ويجب أن يحمل هذا على أنه لا يكون صلاحًا لنخلة أخرى، أو شجرة أخرى، فأما في النخلة الواحدة والشجرة الواحدة، فيكون صلاحًا رواية واحدة؛ لأنه لا يمكن إفراد البيع لذلك من نخلة واحدة؛ لأنه لو أفرد البسر بالعقد اختلطت بغيرها في يوم واحد؛ لأن البسرة تصفر في يومها، وليس كذلك من نخلتين؛ لأنه لا يأمن الاختلاط؛ لأت التمييز قد حصل بتعيين النخلة.
واختار أبو إسحاق في بعض تعاليقه أن بدو الصلاح في نوع لا يكون صلاحًا لبقيته، وقال: قوله: (حتى يبدو صلاحه) يقتضي الكل بدلالة قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]؛ اقتضى ذلك الكل، لا البعض.
وقال مالك: إذا بدا الصلاح في نوع من الثمار كان صلاحًا لبقيته من ذلك القراح وما جاوره من الأقرحة في ذلك البلد، إذا كان الصلاح المعهود، لا المنكر في غير وقته.
فالدلالة على أنه لا يكون صلاحًا لثمرة قراح آخر، ولا يجوز بيع غير القراح الذي فيه النخلة التي بدا صلاحها: [ما] روي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع العنب حتى يسود.
وظاهر هذا: أنه لا يجوز بيع ما لم يسود من ذلك النوع في القراح
стр. 1404
الواحد، إلا أن الدليل دل على جواز ذلك، وبقي ما عداه في الأقرحة على ظاهره.
ولأنه إذا بدا الصلاح في بسرة منها لا يخلو: [إما] أن تعتبر تلك البسرة نفسها، أ، تعتبر حتى يبدو في جميعها.
فبطل أن يقال: تعتبر بنفسها؛ لأنه لو أفردها بالعقد اختلطت بغيرها في يوم واحد؛ لأن البسرة تصفر في يومها.
وبطل أن يقال: تعتبر في جميعها؛ لأنه لو اعتبر هذا لأكلت الثمرة قبل جواز بيعها.
ثبت أن الاعتبار يلحق غيرها بها بقدر الحاجة إليه، وليس غير الحائط الواحد.
واحتج المخالف بأن المعتبر في ذلك هو الأمن من الآفة على الثمرة دون الحيازة، ألا ترى أنها لو كانت حائطًا واحدًا، جاز بيع باقيه؛ لأن مجاورة الأقرحة لهذا القراح، كمجاورة سائر نخيل القراح لهذه النخلة، فيجب تساويهما.
والجواب: أنا لا نسلم أن العلة في القراح الواحد الأمن، وإنما جعلنا بدو الصلاح في بسرة كبدو الصلاح في كل النوع في الحائط الواحد لسوء المشاركة واختلاف الأيدي، وهذا معدوم في الحائطين، فوجب اعتبار كل حائط بنفسه.
стр. 1405
* فصل:
والدلالة على أنه يكون صلاحًا لبقية ذلك النوع في القراح الواحد، وهو: أن الصلاح لو بدا في نخلة واحدة كان صلاحًا لبقية ثمرة تلك النخلة، كذلك في بقية نخيل ذلك القراح.
فإن قيل: إنما كان صلاحًا في النخلة الواحدة؛ لأنه لو أفرد البسرة بالعقد اختلطت، وامتنع التمييز، وهذا المعنى لا يوجد في نخلتين.
قيل له: إن لم يوجد الاختلاط في نخلتين؛ فإنه يوجد معنى آخر، وهو سوء المشاركة واختلاف الأيدي، وهذا معدوم في الحائطين، فكان يجب أن يكون صلاحًا في القراح الواحد لهذه العلة.
واحتج من منع ذلك من أصحابنا بأنه لما لم يكن صلاحًا لقراح آخر، كذلك هاهنا.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أنه لا حاجة بنا إلى ذلك، وبنا حاجة في القراح الواحد من اختلاف الأيدي.
ولا يجوز قياس هذا على الأنواع المختلفة، وأن بدو الصلاح في بعضها لا يكون صلاحًا لنوع آخر؛ لأن الأنواع يختلف إدراكها وطلوعها، فلا تختلط، والنوع الواحد يتلاحق إدراكه، فيختلط، فلهذا لم تجعل كالنوع الواحد.
* فصل:
فإن باع نخلًا من قراحٍ قد أبر بعضه، فهل يكون الكل للبائع، كما
следующие страницы →