← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

إحداهما: تتداخل. رواه ابن منصور عنه: أنه سئل عن محرم من طيبًا، ولبس ثوبًا، وحلق رأسه، ولبس الخفين، وما أشبه ذلك مما لا ينبغي له أن يفعل، قال: عليه كفارة واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحد فعليه دم لكل واحد. وقد نص على التداخل في الجنسين، وهذا اختيار أبي بكر، ذكره في كتاب "الخلاف". ووجهه: أنها أفعال مضمونة ببدل، لا على سبيل التعديل، فإذا فعلت في وقت واحد لم تجب إلا كفارة واحدة. دليله: إذا كانت من جنس واحد. فعلى هذا: لا فرق بينهما. وروى عنه ابن منصور في موضع آخر كلامًا يقتضي: أنها لا تتداخل، فقال ابن منصور: قلت: قال سفيان: في الطيب كفارة، وفي الثياب كفارة، وفي الشعر كفارة، قال أحمد: جيد، في كل واحد كفارة. فقد أوجب كفارات، ولم يعتبر تكفيرًا متقدمًا عن الفعل الأول. وقال في موضع آخر من "مسائله": إذا جامع، ثم أصاب صيدًا، أو حلق رأسه، أو أشباه ذلك، فالإحرام قائم، وكلما أصاب من

стр. 457

ذلك فعليه كفارة. وقال - أيضًا - في رواية ابن إبراهيم في محرم مرض في الطريق، فحلق رأسه، ولبس ثيابه والحلي: عليه هدي. فعلى هذا: الفرق بينهما أن تلك أفعال مختلفة، وموجباتها، مختلفة، فإذا اجتمعت لم تتداخل، كما لو زنا، وقذف، وشرب الخمر، فعليه لكل واحد حد؛ لانهالا أجناس مختلفة، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه جنس واحد، وفعل واحد، فجاز أن تتداخل، كالزنا إذا تكرر، والسرقة إذا تكررت، ولما يحد. ولأن الأجناس المختلفة اتصلت، ولم تتداخل، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الجنس الواحد لو اتصل تداخل، كذلك إذا تفرق، فبان الفرق بينهما. ٩٣ - مسألة إذا وطئ وكفر، ثم وطئ ثانيًا، فعليه كفارة ثانية: وهي [ ..... ] على قياس قول أحمد في الصائم: إذا وطئ في اليوم الواحد مرتين، وقد كفر عن الأول، فعليه كفارة ثانية، وهي العتق.

стр. 458

وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا. والثاني: عليه شاة. دليلنا: انه وطء صادف إحرامًا لم يتحلل منه بشيء، أشبه الأول. ولأنه كلما ابتدأ به [وجبت] كفارة، فإذا كرره وجبت تلك الكفارة، كاللباس، والطيب. واحتج المخالف بأنه استمتاع لم يفسد الحج، فلم تجب به بدنة، كالوطء دون الفرج. والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يفسد، وتجب به بدنة، كالنعامة. وعلى أن الوطء دون الفرج لو ابتدأ به لم تجب بدنة، كذلك إذا كرره، وهذا لو ابتدأ به وجبت به، كذلك إذا كرره، كقتل النعامة. واحتج بأنه وطء صادف إحرامًا نقصت حرمته بالوطء، فصار كما لو وطئ بعد التحلل، وقد نص أحمد على الشاة في رواية بكر بن محمد. والجواب: أن الوطء هناك صادف إحرامًا تحلل منه بدليل أنه تباح فيه جميع المحظورات غير النساء. واحتج بأنها عبادة تجب بالوطء فيها الكفارة العظمى، فلا يتكرر الوطء، كالصوم. والجواب: أنا لا نسلم الأصل؛ لأنها تتكرر عندنا إذا كفر عن الأول.

стр. 459

وعلى أن الحج يفارق الصوم؛ لأن محظوراته بعد الفساد يتعلق بها الجزاء، كما يتعلق بها قبل الفساد، والصوم بخلافه. ٩٤ - مسألة إذا جمع في حلق الشعر بين الرأس والبدن دفعة واحدة؛ فحلق من شعر رأسه ثلاث شعرات فصاعدًا، ومن بدنه ثلاث شعرات فصاعدًا، فعليه فديتان: نص عليه في رواية المروذي، وجعفر بن محمد، وعبد الله، وابن إبراهيم [قال]: في الرأس كفارة، وفي البدن كفارة، خلافًا لأبي حنيفة ومالك والشافعي في قولهم: كفارة واحدة، كما لو حلقه من أحدهما. دليلنا: أن الرأس والبدن في حكم الجنسين بدليل: أن النسك يتعلق بأخذ شعر الرأس دون البدن، فجرى مجرى من حلق وغطى رأسه، أو حلق ولبس في بدنه، فإنه يلزمه كفارتان. وكذلك في اللباس؛ لأن الرأس يمنع من المخيط وغير المخيط، والبدن يمنع المخيط فقط. وكذلك في الطيب؛ قالوا: لو دهن رأسه بالزيت افتدى، ولو دهن بدنه لم تجب فدية.

стр. 460

ولأن شعر البدن لا يتعلق بالنسك بأخذه، فلم يضم إلى شعر الرأس، كشعر الصيد. واحتج المخالف بأنه لو جمع بين الرأس والجسد في اللباس والطيب، لزمته كفارة واحدة. نص عليه في رواية أبي طالب في من لبس عمامة وجبة: فهو كفارة إذا لم يفرق. وقال في رواية الأثرم: إذا اعتل علة واحدة، فلبس اليوم عمامة، واحتاج في الغد في علته هذه، فلبس جبة، واحتاج إلى قميص في علته، وكان [شيئًا] متقاربًا، فكفارة، أرجو. والجواب: أنا قد بينا: أنها في حكم الجنسين في الحلاق واللباس. وعلى أن الحلاق إتلاف فهو آكد، ولهذا سووا بين عمده وسهوه، واللباس بخلافه، فهو اخف. ٩٥ - مسألة فإن أصاب صيدًا، وحلق، وتطيب، ولبس على وجه الرفض لإحرامه، فعليه لكل واحد من ذلك كفارة: وقد قال أحمد في رواية ابن منصور في من أحرم دون الميقات، ثم ترك إحرامه: فهو لا يستطيع أن يتركه، وهو محرم، وكل ما أصاب

стр. 461

من لباس، أو صيد، أو غير ذلك، فعليه في كل واحد كفارة. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: عليه دم واحد استحسانًا. وقال مالك: لكل صيد أصابه جزاء بعد جزاء، وأما اللباس والطيب والجماع فعليه لكل ذلك كفارة واحدة، وإن فعله مرارًا. دليلنا: أن هذه جنايات مختلفة حصلت منه في حال الإحرام، فوجب ان يكون لكل جناية كفارة، كما لو فعلها على وجه الرفض. واحتج المخالف بأنها حصلت على وجه واحد، وتعلقت بسبب واحد، فوجب في جميعها ما يجب في الواحد، كالوطء الكثير إذا حصل في النكاح الفاسد؛ أنه يجب بجميعه مهر واحد. والجواب: أنه يبطل به إذا تطيب، وحلق، ولبس لمرض واحد، فالسبب والحد، وتجب كفارات. وأما الوطء في النكاح الفاسد فإنما تداخل؛ لأنه وجد منها إباحة للثاني؛ لأنها دخلت على ان تستحق مهرًا واحدًا. وهذه أجناس مختلفة والأصول مثبتة، على أن اختلاف الأجناس بمنع التداخل، كالحدود المختلفة. فإن قيل: معنى الكفارات واحد، وهو الترفه. قيل: لا ترفه في قتل الصيد. وعلى أن هذا يوجب أن يكون معنى حد الزنا والشرب معنى

стр. 462

واحد، وهو اللذة، وقد أجمعنا على خلاف ذلك. ٩٦ - مسألة نكاح المحرم لنفسه ولغيره باطل: نص عليه في رواية الجماعة؛ الميموني، وابن منصور، وأحمد ابن أبي عبدة، وغير ذلك. فقال في رواية الميموني: لا ينكح المحرم، فإن نكح رحلا. وقال في رواية ابن منصور: إذا نكح المحرم يفرق بينهما. وقال - أيضًا - في رواية حرب: لا يتزوج، ولا يزوج، والرجل والمرأة سواء، وإن فعل يفرق بينهما. وقال في رواية أبي عبده: لا يراجع زوجته. وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: نكاح المحرم صحيح. دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" قال: ثنا عبد الله بن بكر، ومحمد بن جعفر قالا: ثنا شعبة، عن مطر ويعلي بن حكيم، عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان: أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب".

стр. 463

وهذا نهي، والنهي يقتضي التحريم، وفساد المنهي عنه. فإن قيل: نبيه بن وهب ضعيف. قيل: نبيه ثقة صدوق من أهل المدينة، وكبار التابعين. وقد رواه أحمد عنه، ومالك في "الموطأ"، وقد قال أحمد في رواية المروذي: أذهب إلى حديث نبيه، وهو رجل من أهل المدينة، ثقة، ولا أعلم إلا خيرًا. فإن قيل: نبيه لم يلق أبان بن عثمان. قيل: روى أبو بكر الحميدي في كتابه عن نبيه بن وهب: أنه سمع أبان بن عثمان يحدث عن أبيه. وهذا يدل على أنه لقيه، ولو لم يلقه لم يضر؛ لأن أكثر ما فيه أنه مرسل، وهو حجة على المذهبين. فإن قيل: النكاح عير الوطء حقيقة، فقوله: "لا ينكح" معناه: لا يطأ، و"لا ينكح"؛ يعني المحرمة لا تمكن من الوطء، وقد دل على هذا قول الشاعر: ومن أيم قد أنكحتها رماحنا يعني: مكنتنا من وطئهن. قيل له: إن كان هذا حقيقة في اللغة، فإن عرف الشرع في ذلك

стр. 464

العقد، فيجب أن يحمل عليه. قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ [النساء: ٣]، وقال: ﴿إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩]، وقال: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور:٣٢]، وقال: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، و ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وقول النبي ﷺ : "انكحي أسامة"، و"ولا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها"، و"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل". وجواب آخر، وهو: لو صح هذا في قوله "لا ينكح"، لم يصح في قوله: "ولا ينكح"؛ لأن المراد به العقد، لا غيره، ولا يصح حمله على التمكين؛ لأن الولي لا يمكن من الوطء، وإنما المرأة هي التي تمكن من الوطء، وهي المطالبة بالتمكين دون الولي. ولأن الولي المحرم يجوز أن يمكن المنكوحة من الوطء، وهو إذا كان الزوج والمرأة حلالين، جاز للولي أن يقول لها: مكنيه من نفسك. ولا يصح حمله على المرأة بمعنى: لا تمكن من وطئها إذا كانت محرمة؛ لأن اللفظ لفظ تذكير، ولو كان المراد به المرأة لأورده بلفظ التأنيث.

стр. 465

ولأن هذا يؤدي إلى حمل اللفظ على معنيين مختلفين في شخصين، وهو الجماع في حق الذكور، والتمهيد في حق النساء، ونحن نحمله على عقد النكاح. وجواب ثالث، وهو: أن في الخبر: "ولا يخطب" فلما قرن بالنهي عن الخطبة دل على أن المراد بقوله:"لا ينكح"، ولا ينكح" هو العقد. فإن قيل: قوله: "لا يخطب" معناه: لا يسأل وليها أن يمكنه منه؛ ليطأها؛ لأن الخطبة عبارة عن المسألة، يقال: فلان يخطب عمل كذا؛ يعني: يطلبه ويسأله. قيل له: الخطبة المشهورة المعروفة في الشرع هو طلب العقد، كقوله تعالى: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٥]. وقول النبي ﷺ : "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه". وقولهم: فلان خطب بنت فلان. فالمعقول في العرف هو طلب العقد. وجواب رابع، وهو: الراوي حمل ذلك على العقد، وهو ما روى نبيه بن وهب في هذا الحديث: أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج ابنه طلحة بابنة شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير

стр. 466

الحاج، وهما محرمان: إني أردت أن أنكح طلحة ببنت شيبة، وأردت أن تحضر ذلك، فأنكر ذلك عليه أبان، وقال: إني سمعت عثمان ابن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب". وجواب خامس، وهو: أنه قد روي في الخبر لفظ صريح يدل على أن المراد به العقد رواه الدارقطني بإسناده عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال:"لا يتزوج المحرم، ولا يزوج"، وهذا نص. وروى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن عكرمة بن خالد: أنه قال: سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها، وهو محرم، فقال: لا تزوجها وأنت محرم، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك. وأيضًا فالمسألة إجماع الصحابة. وروى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن أبي عطاف بنطريف أخبرني: أن أباه طريفًا تزوج امرأة، وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه.

стр. 467

وروى بإسناده عن قتادة، عن الحسن، عن علي: أنه قال: من تزوج- وهو محرم- نزعناها منه، ولم يجز نكاحه. وروى- أيضاً- بإسناده عن شوذب مولى زيد بن ثابت: أنه تزوج، وهو محرم، ففرق زيد بن ثابت بينهما. فاتفق عمر وعلي وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت على إبطال نكاح المحرم. والقياس: أن العقد معنى ثبت به تحريم المصاهرة؛ أعني: تحريم أم المرأة، فوجب أن يمنع منه الإحرام، كالوطء. ولا تلزم عليه الرضاعة؛ لأن ذلك التحريم الحاصل ليس تحريم المصاهرة، وإنما هو تحريم النسب. فإن قيل: نقلبه فنقول: إذا وجد في الإحرام ثبت حكمه وموجبه، كالوطء. قيل: قد ثبت بعض أحكامه عندنا، وهو وقوع الطلاق فيه، وثبوت المسمى، والوطء- أيضاً- ثبتت بعض أحكامه في النسب وغيره، ولا تثبت جميع أحكامه، وهو استدامة الوطء. فإن قيل: المعنى في الوطء: أنه تمنع استدامته فمنع ابتداؤه،

стр. 468

ولا يمنع الإحرام استدامة النكاح، فلا يمنع ابتداءه. قيل: علة الأصل تبطل بالإسلام؛ يمنع استدامة الملك على العبد، ولا يمنع ابتداءه عندهم، وكذلك الخلع؛ يمنع الاستدامة، ولا يمنع الابتداء. وعلة الفرع تلزم عليها العدة؛ لا تمنع الاستدامة، وتمنع ابتداء النكاح. وإن شئت قلت: العقد سبب تصير به المرأة فراشاً، فوجب أن يحظره الإحرام. دليله: ما ذكرنا. فإن قيل: قد فرقت الأصول بين الوطء والعقد، ألا ترى أن الصوم يمنع الوطء، ولا يمنع العقد؟ قيل له: الإحرام أغلظ فيما يحرم ويمنع من الصوم، ألا ترى أنه يحرم القبلة، وقص الشعر، وقتل الصيد، والصوم لا يمنع ذلك، فجاز أن يحرم العقد أيضاً، وإن لم يحرمه الصوم. وقياس آخر، وهو: أن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه؛ أعني: القبلة واللمس بشهوة، فوجب أن يمنع عقد النكاح، كالعدة. ولا يلزم عليه الصيام؛ لأنه لا يمنع دواعي الوطء، كالقبلة والطيب إذا كان الصائم ممن لا تحرك القبلة شهوته، وفي المعتكف نظر.

стр. 469

وقد قيل: يثبت تحريم الطيب أشبه العدة. وهذا غير صحيح؛ لأن العدة التي تحرم الطيب، والتي لا تحرم الطيب سواء في منع النكاح؛ لأن الرجعية لا يحرم عليها الطيب، وهي محرمة النكاح، وكذلك الموطوءة لشبهة، وفي النكاح الفاسد. والأجود في ذلك ما ذكرنا. فإن قيل: العدة لا تمنع النكاح؛ لأن له أن يتزوجها، وهي معتدة منه. قيل له: إن لم تمنع الزوج من العقد، فهي مانعة لغيره، فالعدة في الجملة تمنع العقد. وقياس آخر، وهو:؛ أن العقد من دواعي الجماع، فوجب أن يمنع منه الإحرام، كالطيب. ولا تلزم عليه الرجعة؛ لأن الصحيح من الروايتين: أنه يمنع منها الإحرام. ولأنه عقد لا تتعقبه استباحة استمتاع في عين من الأعيان بحال، فأشبه نكاح المعتدة والمرتدة. ولا يلزم عليه نكاح الصغيرة ابنة يوم؛ لأن ذلك العقد قد يتعقبه استباحة الاستمتاع في عين أخرى، وهي الكبيرة. ولأن المقصود بالنكاح استباحة الاستمتاع، والإحرام يمنع ذلك، فمنع صحة العقد.

стр. 470

دليله: شراء الصيد؛ لما كان المقصود بشراء الصيد تملكه، والإحرام يمنع تملكه، فمنع الشراء. ولا يلزم عليه شراء الطيب والمخيط؛ لأن المقصود من ذلك تملكهما دون استعمالهما، والإحرام لا يمنع ذلك. واحتج المخالف بما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ تزوج، وهو محرم، واحتجم، وهو محرم. وعن عائشة: أن النبي ﷺ تزوج بعض نسائه، وهو محرم. وعن ابن عباس: أنه قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة، وهو محرم. والجواب: أن أبا الحارث قال: سئل أبو عبد الله - يعني: أحمد - عن حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم، فقال: هذا الحديث خطأ. وقال في رواية المروذي: قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوج، وهو حلال، وإن ابن عباس ابن أخت ميمونة، ويزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة يقول: نكحها، وهي حلال [ ..... ].

стр. 471

وقال أبو رافع: كنت السفير بينهما. وهذا من أحمد تضعيف له. وعلى أن الرواية مختلفة في ذلك: فروى مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو حلال. وروى يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنت الحارث: أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف. وروى الأثرم عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو حلال، وبنى بها، وهو حلال، وكنت السفير بينهما. وروى الحميدي عن عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار: أن رسول الله ﷺ بعث العباس بن عبد المطلب وأبا رافع، فزوجاه بسرف، وهو حلال بالمدينة.

стр. 472

وروى ميمون بن مهران، عن صفية بنت شيبة، وكانت عجوزًا: أن النبي ﷺ ملك ميمونة، وهو حلال، وبنى بها، وهو حلال، وخطبها، وهو حلال. وإذا ثبت هذا الاختلاف: فإما أن تتعارض الروايات في نكاح ميمونة، فتسقط، وتبقى رواية عثمان أنها لم تختلف. أو نرجح، فتكون رواية من روى الإحلال [أرجح] من وجوه: أحدها: أن أحدًا لا يطعن في روايتنا، وقد طعن سعيد بن المسيب في روايتهم، فروى أبو داود عن سعيد ابن المسيب: أنه قال: وهم ابن عباس في قوله: تزوج ميمونة، وهو محرم. والثاني: أنها أكثر رواة؛ لأنه رواها أبو رافع وميمونة وصفية بنت شيبة، فكانت أولى من رواية ابن عباس. الثالث: أن ميمونة صاحبة القصة، وهي أعرف، وأبو رافع كان السفير بينهما، فهو أعرف، ألا ترى أن الصحابة كانوا يرجعون إلى عائشة في الغسل من التقاء الختانين، وإلى علي في السمح؟ وابن عباس كان في وقت موت النبي ﷺ ، وهو ابن عشر سنين، وكان تزوج ميمونة في سنة سبع التي أحرم فيها بعمرة القضية، فيجب أن يكون لعبد الله بن عباس في ذلك الوقت سبع سنين، وفي هذا السن

стр. 473

لا يُحصِّل هذا المعنى، ولا يضبطه، وإنما يجب أن يكون سمعه من غيره، فكانت رواية من حضر أولى. الرابع: أن من روى: أنه كان حلالاً نقل الحكم والسبب؛ لأن العقد يتعلق بكونه محلاً، ومن روى: أنه كان محرمًا لا يكون سببًا؛ لأن جواز العقد لا يتعلق بكونه محرمًا. فإن قيل: روى: أن النبي ﷺ قال لأهل مكة: "دعوني أعرس بينكم؛ لتأكلوا من وليمتها"، فقالوا: لا حاجة لنا في وليمتك، فاخرج من عندنا، فخرج حتى أتى سرفًا، وعرس بها. وهذا يدل على أن العقد كان قد تقدم الإحلال، وبلوغه سرف، وهذا يضاد ما روي عن ميمونة أنها قالت: تزوجني بسرف. قيل له: يحتمل قوله: "دعوني أعرس" معناه: أعقد واعرس، فلما منعوه خرج إلى سرف، فعقد وعرس. على أنا قد بينا: أن ما رويناه عنها أولى. فإن قيل: يحتمل قولها: تزوجني: بنى بي. قيل له: التزويج لا يعبر به عن الوطء. فإن قيل: ما رويناه عن ابن عباس أولى؛ لأنه أخبر عن أمر طارئ؛ لأن الأصل الإحلال والإعراس حادث عليه، علمه هو ولم يعلم به غيره، فكان روايته أولى من رواية من خبر عن الأصل، كشاهدين شهدا: أن هذا عبد فلان، وشهد آخران: أن فلانًا ذلك أعتقه؛ فإن شاهدي

стр. 474

العتق أولى؛ لما ذكرنا. قيل له: ما رواه أبو رافع هو الزائد؛ لأنه أثبت عقدًا في وقت نفاه ابن عباس، وذلك أن العقد كان بسرف، وهو بقرب مكة، والنبي ﷺ لم يحرم قط من المدينة، وإنما أحرم من ذي الخليفة، فعلم أبو رافع ومن معه: أن النكاح عقد بسرف، والنبي ﷺ بالمدينة لم يخرج إلى ذي الخليفة، وخفي ذلك على من روى: أنه كان محرمًا حين العقد، وقدر أن النكاح عقد بعد خروجه وإحرامه، فكان ما نقله أبو رافع من عقد النكاح، وهو محل بالمدينة زيادة علم خفيت على غيره. فهذا الكلام على الخبر من جهة الترجيح، وإن صرنا إلى الاستعمال: فيحتمل أن يكون النبي ﷺ مخصوصًا بذلك. والثاني: أنه قد كان من مذهب ابن عباس: أن من قلد الهدي صار محرمًا، فيحتمل أن يكون رآه وقد قلد الهدي، فاعتقد أنه محرم، فرواه على هذا الاعتقاد، وعن ابن عباس روى أنه حلال. فإن قيل: هذه المسألة خلاف في السلف، وليس فيها نص عن النبي ﷺ ، وطريقها الاجتهاد، فلا يجوز أن يقطع ابن عباس، ويحمل حال النبي ﷺ على رأيه، وما يغلب على ظنه يؤدي اجتهاده إليه، مع علمه بان غيره يخالفه في ذلك. قيل له: يجوز ذلك إذا كان معتقدًا لصحة ما يراه، ويذهب إليه.

стр. 475

تأويل ثالث: يحتمل أن يكون من روى: أنه تزوجها، وهو محرم، أراد: أنه نكحها في الشهر الحرام، وقد يسمى من كان في الشهر الحرام والبلد الحرام محرمًا. قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا وأراد: أنه كان في البلد الحرام، لا أنه كان محرمًا بالنسك. تأويل رابع: يحتمل أن يكون النبي ﷺ كان قد تزوجها قبل أن يحرم، ولم يعلم به ابن عباس، وعلم ذلك أبو رافع وميمونة؛ لأنهما كانا خبيرين بالقصة، ثم ظهر ذلك بعدما أحرم، فنقل ابن عباس: أنه تزوج، وهو محرم، ونقل غيره: أنه كان محلاً. وهذا تأويل جيد. واحتج بأن كل حالة جاز له أن يعقد فيها عقد البيع، جاز أن يعقد فيها عقد النكاح، كالصوم. ولا يلزم عليه إن كان تحته أربع نسوة؛ لأنه يجوز أن يعقد النكاح لغيره من جهة الولاية، أو الوكالة، وعندكم لا يجوز للمحرم بذلك بحال. والجواب: أنه لا يمتنع أن يجوز له عقد البيع، ولا يجوز له عقد النكاح بدليل أن من تحته أربع يجوز له عقد البيع لنفسه، ولا يجوز له

стр. 476

عقد النكاح لنفسه، وكذلك المعتدة يجوز لها أن تعقد البيع لنفسها، ولا يجوز لها عقد النكاح لغير زوجها، فبان أن حكم البيع أوسع من النكاح. وجواب آخر، وهو: أن الإحرام لا يمنع المقصود بالبيع، فلم يمنع صحة البيع، ويمنع المقصود بالنكاح، وهو الوطء ودواعيه، فمنع صحة النكاح، ألا ترى انه لما منع المقصود بشراء الصيد، منع العقد عليه. فإن قيل: ليس إذا منع المقصود بالنكاح يجب أن يمنع النكاح، ألا ترى أنه يمنع المقصود بالرجعة، وهو الوطء، ولا يمنع الرجعة، وكذلك الصوم يمنع المقصود بالنكاح، ولا يمنع النكاح، وهكذا لا يمنع العقد على الطيب والمخيط، وإن منع من مقصوده، وهو الاستعمال. قيل له: لنا في الرجعة روايتان: إحداهما - وهي الصحيحة-: أنها لا تصح. فعلى هذا سقط السؤال. وأما الصوم، فلا يمنع دواعي الجماع، وهو القبلة إذا أمن الإنزال. ولأنه أخف بدليل أنه لا يمنع الطيب.

стр. 477

وأما الطيب والمخيط فليس المقصود منه الاستعمال، وإنما المقصود منه التملك، وذلك يحصل في حال الإحرام. فإن قيل: عقد النكاح لا يشبه شراء الصيد، وذلك أن الصيد لما لم يجز اجتذاب ملكه، لم يجز إزالة ملكه بالبيع، والنكاح يجوز إزالة ملكه بالطلاق، فجاز اجتذاب ملكه. قيل له: إنما استوى البيع والشراء في الصيد؛ لأنه تصرف في الرقبة؛ لأن الشراء تمليك بعوض، والبيع تملك بعوض، وليس كذلك النكاح؛ لأنه ملك بعوض، والطلاق إسقاط حق كالعتاق، وليس بتمليك، فلم يمنع الإحرام الطلاق ومنع النكاح. ولأن الطلاق موجبه التحريم، والإحرام لا يمنع موجبه، فلم يمنعه، والنكاح موجبه استباحة الاستمتاع، والإحرام بمنعه، فمنع العقد، وليس كذلك الشراء والبيع؛ لأن موجبهما واحد، والإحرام يمنع موجبهما في الصيد، فمنع صحتهما. واحتج بأن النكاح سبب يملك به البضع، فوجب أن لا يمنع منه الإحرام قياسًا على شراء الأمة. والجواب: أن الوصف غير مسلم في الأصل؛ لأن شراء الأمة لا يملك البضع، وإنما يملك به الرقبة، ويستبيح وطأها بحق الملك. ثم المعنى في الشراء: أن القصد منه تملك الرقبة، والإحرام

стр. 478

لا يمنع من ذلك، فلم يمنع صحة العقد، وليس كذلك النكاح؛ لأن المقصود منه الاستمتاع، والإحرام يمنع من ذلك، فمنع صحة النكاح، ولهذا نقول: إنه يجوز للمحرم شراء الطيب والمخيط؛ لأنه ليس المقصود بالشراء استعمالهما، وإنما القصد تملكهما، والإحرام لا يمنع ذلك. ولأن شراء الأمة لا ينافيه التحريم، ألا تراه يشتري من هي محرمة عليه؟ وأكثر ما في الإحرام التحريم، فلم يناف ذلك، والنكاح ينافيه التحريم. واحتج بأن هذا سبب يتوصل به إلى استباحة الوطء، فأشبه الرجعة، وكفارة الظهار. والجواب: أن في الرجعة روايتين، والصحيح: أنها محرمة، فلا فرق بينهما. وأما الكفارة فيأتي الكلام عليها في المسألة التي بعدها. واحتج بأن الإمام إذا أحرم جاز له أن يزوج، كذلك ولي محرم. والجواب: أنا لا نعرف الرواية عن أصحابنا في ذلك، ولا يمنع أن نقول: لا يجوز له أن يزوج، ولكن يزوج خلفاؤه، فعلى هذا: لا نسلم. وعلى أنه يجوز أن يزوج بولاية الحكم ما لا يجوز بولاية النسب، كما نقول: إن الإمام يزوج الكافرة، ولا يجوز للولي المناسب أن يزوج مع اختلاف الدينين.

стр. 479

واحتج بأنه لما جاز أن يكون شاهدًا في عقد النكاح، جاز له أن يكون عاقدًا، كالمحل. والجواب: أن أحمد قال في رواية حنبل: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب"، ومعناه: لا يشهد النكاح، فعلى هذا: لا نسلم. وإن سلمنا ذلك، فلا يمتنع جواز شهادته، وإن لم يجز عقده، كالمحرم يجوز أن يكون شاهدًا في شراء الصيد، ولا يجوز أن يكون عاقدًا، ويجوز أن يكون المصلي شاهدًا في عقد النكاح، ولا يجوز أن يكون عاقدًا. ولأن الشاهد لا فعل له في العقد، وإنما يعتبر سماعهما للإيجاب والقبول، وليس كذلك القابل والموجب] ............. [عاقدان بقولهما، فكان حكمهما أغلظ من حكم الشهادة. ٩٧ - مسألة لا تصح الرجعة في حال الإحرام في أصح الروايتين: نقلها أحمد بن أبي عبده، والفضل بن زياد، وحرب.

стр. 480

وروى عبد الله عنه جواز ذلك. وهو قول مالك والشافعي. وجه الأولى: أنه عقد يتوصل به إلى استباحة بضع مقصود في عينه، فمنع] منه [الإحرام. دليله: عقد النكاح. ولا يلزم عليه شراء الأمة؛ لأنه ليس القصد منه استباحة البضع، وإنما القصد الملك. ولا يلزم عليه المظاهر إذا كفر في حال الإحرام؛] فإنه [يصح، وإن كان يتوصل به على الإباحة؛ لأنه ليس القصد منها الاستباحة، وإنما القصد إسقاط ما وجب في ذمته؛ لأن عندهم لو قال: أنت علي كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثًا، وجبت الكفارة في ذمته. وعلي أنا قلنا: عقد، والتكفير ليس بعقد. فإن قيل: كيف يجوز أن تقولوا: إن الرجعة سبب يتوصل به] إلى [استباحة البضع، وعندكم أنها مباحة؛ لأن الطلاق الرجعي لا يوجب التحريم؟! قيل: في ذلك روايتان: نقل أبو داود عنه أنه قال: أكره أن يرى شعرها. وظاهر هذا يقتضي أنها محرمة عنده، فعلى هذا: لا يصح السؤال.

стр. 481

ونقل أبو طالب عنه: لا تحجب عنه. وقال في رواية أبي الحارث: تتشوف له ما كانت في العدة. وظاهر هذا: أنها مباحة، فعلى هذا: الرجعة تتعلق بها استباحة الوطء؛ لأنه لو تركها حتى مضت المدة حرم وطؤها، فإذا راجعها استباح بالرجعة الوطء بعد مضي مدة العقد. فإن قيل: الرجعة لا توجب ابتداء تملك البضع، وإنما توجب بقاء البضع في ملكه بدلالة: أن العبد لا يحتاج إلى إذن المولى في الرجعة، ويحتاج إلى إذنه في ابتداء العقد، والإحرام لا يمنع بقاء الملك، وإنما يمنع ابتداء الملك، فلهذا صحت الرجعة، ولم يصح ابتداء العقد. قيل: الرجعة توجب استباحة مبتدأة، ولهذا قال مخالفنا: إذا وطئها الزوج في مدة العدة قبل الرجعة كان عليه مهرها. فلو كان الملك باقيًا لم يلزمه المهر، كما لا يلزمه بعد الرجعة. فإن قيل: فالدلالة على بقاء الملك: أن خصائص الملك باقية بدلالة وقوع الطلاق، وصحة الظهار، واللعان، والإيلاء، والإرث. قيل: والدلالة على أنها في حكم الملك المبتدأ ثبوت المهر عندك بوجود الوطء، والمهر لا يجب إلا في حق أجنبية. وعلى أن بقاء الملك لا يدل على جواز الرجعة لوجود المانع من النكاح. ألا ترى أن الردة لا تمنع بقاء الملك على البضع مادامت العدة

стр. 482

باقية، ومع هذا تمنع من الرجعة؛ لأنها تمنع من النكاح، كذلك ههنا؛ لما كان الإحرام يمنع النكاح منع من الرجعة. وعلى أن الطلاق لا يختص الملك عندنا، ولهذا يقع في النكاح الفاسد، وكذلك اللعان يقع بالوطء في النكاح الفاسد، وكذلك الظهار ينعقد قبل النكاح. فإن قيل: المعنى في النكاح: أنه يفتقر إلى الولي والشهود، والرجعة لا تفتقر إلى ذلك. قيل: عقد الشراء على الصيد لا يفتقر إلى ذلك، ومع هذا لا يصح. على أن الشهود إنما اعتبروا في عقد النكاح احتياطًا للنسب خوف التجاحد، وهذا المعنى معدوم في الرجعة؛ لأن السبب ثابت بالعقد السابق، والولي شرط خوفًا] أن [تضيع نفسها في غير كفء، وقد أمن ذلك في الرجعة. فأما نفس الرجعة، فإن معناها ومعنى النكاح سواء، وهو أنها تدعو إلى الجماع، أو أنها استباحة مقصودة. فإن قيل: الرجعة تزيل التحريم العارض في عقد النكاح، ويستباح الوطء بعقد النكاح، فهي بمنزلة أن يكفر المظاهر، فيحل له الوطء، ويكون الوطء مستباحًا بعقد النكاح، والتكفير مزيل للتحريم العارض في النكاح. قيل: الرجعة استباحة مبتدأة من الوجه الذي بينا، وأما التكفير

стр. 483

فإنما جاز في حال الإحرام لوجهين: أحدهما: ليس القصد بها استباحة الوطء. الدلالة على ذلك: أنه لو وطئ، ثم طلق، أو ماتت الزوجة، لزمه إخراج الكفارة، وإن كان الاستمتاع معدومًا في المستقبل، والنكاح القصد منه الاستمتاع، وذلك معدوم حال الإحرام. والثاني: أنه لا يمنع أن تجوز الكفارة في حالة لا تجوز فيها الرجعة، كما أن الكفارة قد تجوز عندهم في حالة لا يجوز عقد النكاح بدليل أن من تحته أربع زوجات قد ظاهر من إحداهن، وأراد أن يكفر عن ظهاره جاز، ولو أراد أن يعقد عليها عقد النكاح لم يجز، وكذلك لو كانت معتدة، وهي تحته _بأن تكون وطئت بشبهة_ صح أن يكفر عن ظهاره، ولا يصح أن يعقد النكاح في مثل تلك الحالة، وكذلك في حالة الإحرام. وطريقة أخرى، وهو: أنه لما منع من ابتداء عقد النكاح، منع استصلاحه، ألا ترى أن الصيد لما منع ابتداء تملكه، منع استصلاحه، وهو إذا باع المحل بشرط الخيار، ثم أحرم، فاختار الفسخ، لم يصح، كما لم يصح ابتداء تملكه. فإن قيل: الفسخ هناك ابتداء تملك؛ لأن ملكه زال بالبيع،

стр. 484

والملك هاهنا لم يزل. قيل: قد ثبت أنه في حكم ما قد زال ملكه بدليل وجوب المهر. وطريقة أخرى، وهو: أن كل من لم يصح منه عقد النكاح، لم تصح منه الرجعة، كالصبي، والمجنون. ولا يلزم عليه العبد؛ أنه لا يملك العقد بنفسه، ويملك الرجعة؛ لأن العبد في الجملة يصح منه عقد النكاح، لكن بإذن سيده، والمحرم لا يصح منه العقد بحال. وإنما فرقنا بين العقد والرجعة في حق العبد، وسوينا بينهما في حق المحرم؛ لأن المانع من النكاح عدم الإذن، وذلك معدوم في الرجعة؛ لأن إذنه في النكاح يقتضي استدامته، والملك باق في حق الرجعية، والمانع من النكاح هو الإحرام، وذلك موجود في الرجعة، فهو كالردة يمنع العقد والرجعة. وطريقة أخرى، وهو: أن الرجعة من دواعي الجماع، أشبه لطيب. فإن قيل: هي مباحة عندكم، فكيف يكون من دواعي الجماع؟ قيل: قد بينا: أنها تؤثر في الاستباحة، وهو تحصيلها فيما بعد العدة. وطريقة أخرى، وهو: أن المقصود بالرجعة الاستمتاع، كما أن المقصود بشراء الصيد ملكه، فلما لم يصح تملكه، لم يصح شراؤه، كذلك الرجعة. وطريقة أخرى، وهو: أن المعتدة في حال الإحرام محرمة الوطء

стр. 485

بدواعيه، فلم يصبح رجعية منها. دليله: المعتدة في حال الردة، والمعتدة عن طلاق رجعي إذا وطئت بشبهة، ووجب عليها عدة الوطء؛ فإنه لا يصح الرجعة عليهما جميعًا، وكذلك هاهنا. ولا تلزم عليه المطلقة في الصيام والحيض، ولأن هناك لا تحرم دواعي الوطء من الطيب والقبلة، وكذلك الاعتكاف. وإن شئت قلت: تحريم يمنع عقد النكاح فمنع الرجعة. دليله: ما ذكرنا. وهذه العبارة أجود. فإن قيل: المعتدة من غيره، هل تصح رجعتها؟ على وجهين. والمرتدة لا تصح رجعتها وجهًا واحدًا. قيل: المشهور عندك في المعتدة: أنها كالمرتدة؛ لا تصح رجعتها. فإن قيل: تحريم الزنا آكد؛ لأنه يؤول إلى زوال النكاح، والإحرام لا يوجب زواله. قيل: فالمعتدة من غيره لا توجب زوال النكاح، ولا تصح رجعتها. وعلى أنه إن لم يوجب زوال النكاح، فقد منع من ابتداء النكاح،

стр. 486

كما منعت العدة والردة. على أن على الأصل تبطل بمن علق طلاقها بمجيء الشهر، ثم طلقها؛ فإنه تصح رجعتها، وإن كانت جارية إلى فرقة. فإن قيل: إذا كانت في عدة غيره إنما لم تصح الرجعة؛ لأنه قد يظهر بها حمل، فتكون معتدة من غيره، وتتأخر عدتها منه، فلهذا لم تصح الرجعة. قيل: فلو لم يظهر بها، فإنها تكمل عدتها أولًا، ثم من الزوج، ثم من الواطئ، ومع هذا فلا تصح الرجعة وهي في بقية عدتها منه. واحتج المخالف بأنه عقد لا يفتقر إلى الولي، ولا إلى الشهود، أشبه الشراء. والجواب: أنه يبطل بشراء الصيد. وعلى أنا قد بينا العلة في إسقاط الولي والشهود وثبوتها في الرجعة، والمعنى في الشراء: أنه نوع لا يقصد به استباحة البضع، وهذا بخلافه. واحتج بأنها زوجة بدليل أن أحكام الزوجات باقية في حقها من الطلاق والظهار والإيلاء والتوارث. والجواب: أن من أحكام الزوجات سقوط المهر بوطئها، وجواز المسافرة بها، وإباحتها، واعتبار مدة الإيلاء والعنة في حقها، وهذا معدوم هاهنا.

стр. 487

٩٨ - مسألة إذا أحرم بالحج من مكة؛ إما أن يكون متمتعاً، أو من أهل مكة، ففي حقه طواف قدوم مسنون، لكنه لا يطوف طواف القدوم حتى يرجع] من [مني: نص عليه في رواية الأثرم وحرب فقال في متمتع قدوم بعمرة، فطاف بها، ثم حج من مكة: يطوف إذا رجع من منى، ولا يطوف قبل خروجه، أذهب إلى حديث جابر: أنهم طافوا بعدما رجعوا من منى. وبه قال مالك. ونقل ابن منصور عن أحمد: أنه يجوز الطواف قبل الرجوع، فقال: وقد سئل عن طواف المكي قبل المغرب، فقال: لا يخرج من مكة حتى يودع البيت، وطوافه للحج بعد أن يرجع من منى. وكذلك نقل أبو داود، وحكى لي بعض الشافعية: أنه ليس في حق المكي، ولا المتمتع طواف قدوم؛ لا في حالة إحرامه، ولا بعد رجوعه من منى. فالدلالة على أن في حقه طواف قدوم: أنه إحرام بحج، فشرع فيه طواف القدوم. دليله: المفرد إذا قدم من بلده. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه يوجد في حقه معناه، وهو القدوم، وهذا معدوم في من أحرم من مكة.

стр. 488

قيل: بل يوجد معناه أيضاً، وهو قدومه من منى، ولهذا قلنا يؤخره حتى يقدم من حل. فإن قيل: فالمفرد والقادم من بلده لم يتعين عليه طواف الفرض،] و [ليس كذلك هاهنا؛ لأنه بعد قدومه من منى قد تعين عليه طواف الفرض، فسقط طواف القدوم، كما سقطت تحية المسجد في حق من أحرم بالفرض. قيل: هذا يبطل بطواف الوداع؛ فإنه لا يسقط في حق من تعين عليه طواف الزيارة، بل قالوا: إذا أراد أن ينفر إلى بلده عقيب طواف الزيارة شرع في حقه طواف الوداع، كذلك القدوم. وأما تحية المسجد فتفارق الطواف؛ لأنه لو كان في ذمته صلاة مفروضة، ودخل المسجد، فأخر فعل الفريضة، لم تسقط تحية المسجد] عنه [بحصول الفرض في ذمته، وعلى قول المخالف: إذا كان في ذمته طواف الزيارة سقط طواف القدوم. وقياس آخر، وهو: أن طواف القدوم يفعل إذا لم يتعين عليه غيره، فشرع فعله، وإن تعين عليه غيره. دليله: طواف الوداع؛ يفعله عند انصرافه سواء كان طواف الزيارة باقياً في ذمته،] أ [وكان قد فعله، كذلك هاهنا. ] و [لأن طواف القدوم تحية المسجد الحرام، كما أن الركعتين تحية

стр. 489

لسائر المساجد، ثم ثبت أن تحية المسجد] مسنونة [في حق من في ذمته صلاة مفروضة إذا أخر فعلها حتى الدخول، كذلك الطواف؛ يجب أن يكون مسنوناً في حق من في ذمته طواف واجب. والدلالة على تأخيره بعد قدومه: ما احتج به أحمد: فروى الأثرم بإسناده عن جابر قال: قدم رسول الله "صل الله عله وسلم"، فلما طفنا بالبيت وبالصفا والمروة قال: «اجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي» فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما كان يوم النحر طافوا. وروي بلفظ آخر عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله "صل الله عليه وسلم"، فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعدما رجعوا من منى لحجهم. وروى الأثرم بإسناده عن نافع قال: كان ابن عمر إذا أهل من مكة لم يرمل البيت، ولم يسع بن الصفا والمروة حتى يرجع من منى، وإذا جاء مهلاً بالحج رمل بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة. وروى بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس قال: طواف من قدم مكة قبل أن يخرج إلى عرفات، وطواف من أهل من مكة بعدما يرجع من عرفة.

стр. 490

ولأنه إحرام يتضمن طواف، فلم يشرع الطواف إلا بعد قدومه من حل. دليله: الإحرام بالعمرة. فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الإحرام بها من الحل، فلهذا كان الطواف بعد مجيئه منه، وهاهنا إحرامه من الحرم، فلهذا كان عقيبه. قيل: إذا وجد في الحرم لم يوجد معناه، والذي قو القدوم، فلهذا لم يطف، ألا ترى أن طواف الوداع لما لم يوجد معناه في حق المكي لم يطف؛ لأن معناه الانصراف؟ كذلك هاهنا. فإن قيل: هذا الطواف غير واجب، فعلى أي وجه أوقعه جاز. قيل: طواف العمرة الثانية غير واجب، ولا يصح إلا بعد دخوله من الحل. ٩٩ - مسألة استلام الركن اليماني مسنون: نص عليه في رواية الأثرم فقال: لا يستلم إلا اليماني والحجر الأسود، ويقبل الحجر الأسود، ولا يقبل اليماني. وقال -أيضاً- في رواية حنبل: يستحب أن يستلم الركن اليماني

стр. 491

الذي يلي الحجر الأسود، ولا ستلم غيرهما. وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: ليس بسنة. دليلنا: ما روى عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" كان يستلم الركن اليماني الأسود في كل طواف، ولا يستلم الآخرين الذين مما يلي الحجر. وفي لفظ آخر: لم أر رسول الله "صل الله عليه وسلم" يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. وروى جابر: أن النبي "صل الله عليه وسلم" بدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه من البكاء حتى انتهى إلى الركن الآخر، واستلمه، ورمل ثلاثاً، ومشى أربعاً. وروى ابن عباس: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" لم يستلم غير الركنين اليمانيين. وروى معاوية -أيضاً- استلم رسول الله "صل الله عليه وسلم" الركنين اليمانيين.

стр. 492

رواه أحمد في «علل أبي بكر الخلال». فإن قيل: تحمل هذه الأخبار على الاستحباب. قيل له: هذا يرفع الخلاف. ولأن معنى قولنا: أنه مسنون؛ معناه: أنه مستحب، فإذا قال: قلتم: أنه مستحب، فقد اتفقنا على الحكم، واختلفنا في عبارة، ولا فائدة في ذلك. وأيضاً فهو إجماع الصحابة؛ روي عن عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس: أنهم استلموا الركن اليماني، وقلبوا أيديهم، ولا يعرف لهم مخالف. والقياس أنه ركن مبني على قواعد إبراهيم، فوجب أن يكون استلامه مسنوناً قياساً على الركن الذي فيه الحجر الأسود، وعكسه الركنان الآخران. فإن قيل: لو كان بمثابة الركن الأسود لكان من سنته التقبيل، كما كان من سنته ذلك. قيل له: إنما اختص الحجر الأسود بالتقبيل لفضيلته على اليماني؛ لأن الحجر فيه وفيه فضائل، ولأنه يبدأ به ويختم، به فجاز أن يختص بالقبلة.

стр. 493

فإن قيل: فهذا المعنى الذي أوجب تخصيصه بالاستلام. قيل له: هذا المعنى يوجب اختصاصه بمزية على غيره من وجه من الوجوه، ولا يوجبه من جميع الوجوه، وهذا كما قلنا وإياهم: وإن الجرم يساوي الكعبة في أنهما] أمان [لمن دخلهما وهو قاتل، وإن كان للكعبة مزية من وجه آخر، وهو: أنها قبلة المصلين، ومحل للطائفين، وكذلك إحرام الحج آكد من إحرام العمرة، وقد تساويا في أحكام. واحتج المخالف بأنه ركن لا يسن تقبيله، فلا يسن استلامه. أصله: الركن العراقي والشامي. ولأنه ركن لا يجب الافتتاح به، أو ركن لا يجب العود إليه؛ يعني: عند الفراغ من الطواف، أشبه ما ذكرنا. والجواب: أن هذا قياس يعارض السنة. على أن المعنى في الأصل: أنهما غير مبنيين على قواعد إبراهيم. وقد روت عائشة: أن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: «إن قومك حين بنوا الكعبة

стр. 494

اقتصروا عن قواعد إبراهيم» فقلت: يا رسول الله! أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: «لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت». والذي دل على أن العلة ما ذكرنا: ما روى سالم عن أبيه قال: ما أرى ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم. ذكره أحمد في «كتاب المناسك» عن ابن عمر، عن عائشة. ] و [ذكره ابن المنذر أيضاً. ١٠٠ - مسألة إذا استلم الركن اليماني لم يستحب تقبيل يده: نص عليه في رواية الأثرم فقال: يضع يده، فقيل له: ويقبل؟ فقال: يقبل الحجر الأسود، فقيل له: كيف يصنع في استلام الحجر من لم يقدر على تقبيله؟ قال: إن قدر مسه بيده، وقبل يده. دليلنا: ما روى جابر قال: استلم رسول الله " ﷺ " الركن

стр. 495

اليماني، ولم يقبله. ولأن كل ركن لم يسن تقبيله لم يسن تقبيل ما لمسه، كالعراقي والشامي، وعكسه الحجر الأسود. ولأن تقبيل المواضع الشريفة خلاف القياس، هكذا قال عمر: إنك حجر لا تضر، ولا تنفع، فلم يجز إثبات ذلك إلا بتوقيف، ولا توقيف في ذلك. واحتج المخالف بأن هذا ركن سن استلامه، فيسن تقبيل اليد بلمسه، كالأسود. والجواب: أن الأسود لما سن تقبيله سن تقبيل ما لمسه، وهذا لما لم يسن تقبيله لم يسن تقبيل ما لمسه، بل هذا أولى؛ لأنه إذا لم يباشر بالقبلة، فأولى أن لا يقبل ما لمسه. ١٠١ - مسألة إذا لم يقدر على تقبيل الحجر، وضع يده عليه، ثم وضعها على فيه، وقبلها: نص عليه في رواية الأثرم قال: يضع يده على الحجر
следующие страницы →