← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13922

التعليقة الكبيرة - أبو يعلى - من الاعتكاف للبيوع

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الذي يلي الحجر الأسود، ولا ستلم غيرهما. وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: ليس بسنة. دليلنا: ما روى عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" كان يستلم الركن اليماني الأسود في كل طواف، ولا يستلم الآخرين الذين مما يلي الحجر. وفي لفظ آخر: لم أر رسول الله "صل الله عليه وسلم" يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. وروى جابر: أن النبي "صل الله عليه وسلم" بدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه من البكاء حتى انتهى إلى الركن الآخر، واستلمه، ورمل ثلاثاً، ومشى أربعاً. وروى ابن عباس: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" لم يستلم غير الركنين اليمانيين. وروى معاوية -أيضاً- استلم رسول الله "صل الله عليه وسلم" الركنين اليمانيين.

стр. 492

رواه أحمد في «علل أبي بكر الخلال». فإن قيل: تحمل هذه الأخبار على الاستحباب. قيل له: هذا يرفع الخلاف. ولأن معنى قولنا: أنه مسنون؛ معناه: أنه مستحب، فإذا قال: قلتم: أنه مستحب، فقد اتفقنا على الحكم، واختلفنا في عبارة، ولا فائدة في ذلك. وأيضاً فهو إجماع الصحابة؛ روي عن عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس: أنهم استلموا الركن اليماني، وقلبوا أيديهم، ولا يعرف لهم مخالف. والقياس أنه ركن مبني على قواعد إبراهيم، فوجب أن يكون استلامه مسنوناً قياساً على الركن الذي فيه الحجر الأسود، وعكسه الركنان الآخران. فإن قيل: لو كان بمثابة الركن الأسود لكان من سنته التقبيل، كما كان من سنته ذلك. قيل له: إنما اختص الحجر الأسود بالتقبيل لفضيلته على اليماني؛ لأن الحجر فيه وفيه فضائل، ولأنه يبدأ به ويختم، به فجاز أن يختص بالقبلة.

стр. 493

فإن قيل: فهذا المعنى الذي أوجب تخصيصه بالاستلام. قيل له: هذا المعنى يوجب اختصاصه بمزية على غيره من وجه من الوجوه، ولا يوجبه من جميع الوجوه، وهذا كما قلنا وإياهم: وإن الجرم يساوي الكعبة في أنهما] أمان [لمن دخلهما وهو قاتل، وإن كان للكعبة مزية من وجه آخر، وهو: أنها قبلة المصلين، ومحل للطائفين، وكذلك إحرام الحج آكد من إحرام العمرة، وقد تساويا في أحكام. واحتج المخالف بأنه ركن لا يسن تقبيله، فلا يسن استلامه. أصله: الركن العراقي والشامي. ولأنه ركن لا يجب الافتتاح به، أو ركن لا يجب العود إليه؛ يعني: عند الفراغ من الطواف، أشبه ما ذكرنا. والجواب: أن هذا قياس يعارض السنة. على أن المعنى في الأصل: أنهما غير مبنيين على قواعد إبراهيم. وقد روت عائشة: أن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: «إن قومك حين بنوا الكعبة

стр. 494

اقتصروا عن قواعد إبراهيم» فقلت: يا رسول الله! أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: «لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت». والذي دل على أن العلة ما ذكرنا: ما روى سالم عن أبيه قال: ما أرى ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم. ذكره أحمد في «كتاب المناسك» عن ابن عمر، عن عائشة. ] و [ذكره ابن المنذر أيضاً. ١٠٠ - مسألة إذا استلم الركن اليماني لم يستحب تقبيل يده: نص عليه في رواية الأثرم فقال: يضع يده، فقيل له: ويقبل؟ فقال: يقبل الحجر الأسود، فقيل له: كيف يصنع في استلام الحجر من لم يقدر على تقبيله؟ قال: إن قدر مسه بيده، وقبل يده. دليلنا: ما روى جابر قال: استلم رسول الله " ﷺ " الركن

стр. 495

اليماني، ولم يقبله. ولأن كل ركن لم يسن تقبيله لم يسن تقبيل ما لمسه، كالعراقي والشامي، وعكسه الحجر الأسود. ولأن تقبيل المواضع الشريفة خلاف القياس، هكذا قال عمر: إنك حجر لا تضر، ولا تنفع، فلم يجز إثبات ذلك إلا بتوقيف، ولا توقيف في ذلك. واحتج المخالف بأن هذا ركن سن استلامه، فيسن تقبيل اليد بلمسه، كالأسود. والجواب: أن الأسود لما سن تقبيله سن تقبيل ما لمسه، وهذا لما لم يسن تقبيله لم يسن تقبيل ما لمسه، بل هذا أولى؛ لأنه إذا لم يباشر بالقبلة، فأولى أن لا يقبل ما لمسه. ١٠١ - مسألة إذا لم يقدر على تقبيل الحجر، وضع يده عليه، ثم وضعها على فيه، وقبلها: نص عليه في رواية الأثرم قال: يضع يده على الحجر

стр. 496

الأسود، ثم يقبل يده. وقال في رواية ابن منصور: وقد سئل عن تقبيل اليد إذا لمس الحجر فقال: لا بأس به. فظاهر هذا: أنه جائز غير مكروه، ولا مستحب. وقال مالك: يضعها على فيه من غير تقبيل. دليلنا: ما روى الأثرم بإسناده عن عطاء: أنه رأى أبا سعيد وابن عمر وجابر وأبا هريرة يستلمون الركن، ثم يقبلون أيديهم، قال: قلت: وابن عباس؟ فقال: وابن عباس -حسبت- كثيراً. وهذا إجماع منهم. وأيضاً رواه البرقاني بإسناده عن ابن عباس قال: طاف رسول الله "صل الله عليه وسلم" حول البيت على بعير ثم استلم الحجر بمحجن معه، ثم قبله. وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن ابن عمر: كان رسول الله "صل الله عليه وسلم" يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبله. وبإسناده عن جابر] قال [: طاف رسول الله "صل الله عليه وسلم" على راحلته، ثم

стр. 497

أتى الحجر فاستلمه تعصيباً، وعصبت معه، ثم قبل العود. وبإسناده عن أبي الطفيل قال: طاف رسول الله "صل الله عليه وسلم" بالبيت سبعاً، واستلم الركن بمحجنه وقبل طرف المحجن. ولأنه لما استحب تقبيله تعظيماً له استحب تقبيل ما باشره تعظيماً له. واحتج المخالف بأنه لو كان مسنوناً لفعله النبي "صل الله عليه وسلم". والجواب: أنه قد فعله بما روينا، فسقط هذا. واحتج بأن الركن اليماني لا يستحب تقبيل ما باشره، كذلك الأسود. والجواب: إنما لم نستحب تقبيل اليماني، لهذا لم نستحب تقبيل ما باشره وهذا بخلافه. ١٠٢ - مسألة لا تكره القراءة في الطواف في أصح الروايتين: نقلها الأثرم وأبو طالب فقال: القراءة في الطواف جائزة.

стр. 498

وظاهر هذا: أنها غير مكروهة. وقال -أيضاً- في رواية أبي داود: وقد سئل: أيما أحب إليك: القرآن، أم الدعاء في الطواف؟ فقال: كل. وروى الميموني وحنبل عنه: لا يقرأ في الطواف. وظاهر هذا: أنه مكروه. وهو قول مالك. وجه الأولى: ما روي عن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: «الطواف بالبيت صلاة إلا إن الله أباح فيه النطق». فشبهه بالصلاة، واستثنى الكلام فقط، والصلاة يقرأ فيها. وروى عبد الله بن السائب قال: كان رسول الله "صل الله عليه وسلم" يقول في طوافه: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». وهذا من القرآن. وروى الأثرم بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله "صل الله عليه وسلم" «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله».

стр. 499

والقرآن من ذكر الله تعالى. واحتج المخالف بما روى حنبل بإسناده عن يحيى البكاء: أن عمر رأى رجلاً يقرأ في الطواف، فضرب صدره. والجواب: أن هذا يقابله ما روى الأثرم بإسناده عن عطاء قال: أدركت الطواف وما فيه إلا قراءة القرآن والذكر، فصار الناس يتتابعون. وهذا لإشارة إلى فعل الصحابة. واحتج بأنه موطن للدعاء، فكرهت قراءة القرآن فيه، كالركوع والسجود والتشهد. والجواب: أنه يبطل بالوقوف بعرفات، وعند المشعر الحرام؛ فإنه موطن للدعاء، ولا تكره القراءة فيه. وأما الركوع والسجود والتشهد فإنما لم تجز القراءة فيها لنهي النبي "صل الله عليه وسلم" عن ذلك. وعلى أن الصلاة حجة لنا؛ لأن الطواف مثلها. و] على [أنه يحتمل أن يكون المحل الواحد لجنسين، كما أن القيام لدعاء الاستفتاح وللقراءة.

стр. 500

تابع كتاب الحج ١٠٣ - مسألة إذا طاف محدثاً، أو على بدنه نجاسة، أو مكشوف العورة، لم يجزئه، وعليه الإعادة في أصح الروايتين: نص عليها في رواية أبي طالب: إذا طاف محدثاً، أو جنباً، أعاد طوافه. وكذلك نقل حنبل عنه إذا طاف بالبيت طواف الواجب غير طاهر لم يجزئه. وكذلك نقل الأثرم وابن منصور. وبهذا قال مالك والشافعي. وروى أبو بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد في من طاف للزيارة أو للصدر، وهو جنب أو على غير وضوء: أرجو أن يجزئه أن يهريق دماً إذا كان ناسياً. وكذلك نقل الميموني فقال: الناسي أهون بكثير. وظاهر هذا أن الطواف جائز، وعليه دم.

стр. 501

وهو قول أبي حنيفة. وقد ذكر أبو بكر المسألة على روايتين فى كتاب "الشافي". وقال أبو حفص العُكبري: لا يختلف قوله إذا تعمد -وطاف على غير طهارة-: لا يجزئه، واختلف قوله في النسيان على قولين: أحدهما: أنه معذور بالنسيان. والآخر: لا يجزئه مثل الصلاة. وجه الرواية الأولى: ما روى طاوس، عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ قال: "الطواف صلاة، إلا أن الله - تعالى - أحل لكم به النطق، ولا ينطق إلا بخير". رواه حنبل بهذا اللفظ في "مسائله" بإسناده. قوله: "الطواف صلاة"؛ معناه: مثل الصلاة، والعرب تحذف المضاف كثيراً، وأكثر ما يُحذف منه المثل، وقد ورد بذلك القرآن في مواضع كثيرة: قال تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥]؛ أي: مثل شرب الهيم. وقال أيضاً: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ أي: مثل عرض السموات والأرض.

стр. 502

وقال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ أي: مثل أمهاتهم. فإذا كان كذلك، وجب أن يكون الطواف بمنزلة الصلاة فى جميع الأحكام، إلا فيما استثناه، وهو إباحة النطق. وأيضاً ما روي: أن النبي ﷺ قال: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت". وهذا نهي، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. والقياس: أن الطواف عبادة تجب فيها الطهارة، فوجب أن تكون الطهارة شرطاً فى صحتها قياساً على الصلاة. فإن قيل: لا يمنع أن تكون الطهارة واجبة للطواف، ولا تكون شرطاً فى صحته، كالرمي، وطواف الصدر، والإحرام من الميقات، وترك المحظورات من الطيب وغيره، واجب فى الحج، وليس بشرط فى صحته. قيل له: لم نقل: إن كل واجب شرط، وإنما قلنا: الطهارة إذا وجبت كانت شرطاً فى الصحة، كما نقول فى الصلاة: الفريضة، والنافلة، وصلاة الجنازة، وسجود القرآن. يبين صحة هذا: أن سجود السهو يجب فى الصلاة، ولا يكون شرطاً فى صحتها، وتجب الطهارة للصلاة، وتكون شرطاً فى صحتها، ولم يعتبر أحدهما بالآخر.

стр. 503

وإن شئت قلت: عبادة تتعلق بالبيت فكانت الطهارة شرطاً فى صحتها. دليله: الصلاة. أو تقول: عبادة تتعلق بالبيت فلم تُجبر بالدم. دليله: ما ذكرنا. ولأنه ترك من الطواف ما يسقط إلى غير شيء، فلم يعتد به، كما لو أخل بأشواط. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وهذا قد طاف، فوجب أن يجزئه بظاهر الآية. والجواب: أن طواف المحدث منهي عنه، وإنما المنهي عنه معنى غيره، وهو ترك الطهارة. قيل له: الطهارة غير مقصودة فى نفسها، وإنما أُمر بها للطواف، والطواف بغير طهارة منهي عنه، فلا يدخل تحت الأمر. واحتج بأنه ليس من شرط صحته ترك الكلام فيه، فوجب أن لا يكون من شطره الطهارة، كالصوم. يبين صحة هذا: أن الكلام أكبر فى إفساد العبادة المقصودة لنفسها من الحدث بدلالة أنه من تكلم فى صلاته مع علمه بحاله فسدت صلاته،

стр. 504

والمستحاضة تجزئها صلاتها مع وجود الحدث، وعلمها بحالها، وكذلك المتيمم. فإن كان كذلك، وقد ثبت: أن الكلام لا يفسد الطواف، فلأن [لا] يفسده الحدث أولى. والجواب: أنه يبطل بمس المصحف؛ من شرطه الطهارة، وليس من شرطه ترك الكلام. وكذلك اللبث فى المسجد من شرطه الطهارة الكبرى، وليس من شرطه ترك الكلام. فإن قيل: مس المصحف والكون فى المسجد حاصل، وإن ترك الطهارة، فيجب أن يحصل الطواف. قيل له: مس المصحف حاصل غير صحيح؛ لأنه لا يكون مساً شرعياً، كالنافلة إذا صلاها من غير طهارة، لا تكون صلاة صحيحة. ثم المعنى فى الأصل: أن الطهارة غير واجبة فيه، وليس كذلك الطواف؛ لأن الطهارة واجبة فيه، فكانت شرطاً فيه. واحتج بأنه لو كان من شرطه الطهارة، لوجب أن يكون من شرطه استقبال القبلة فى غير حال العذر، كالصلاة، ولما لم يكن من شرطه استقبالها، وجب أن لا يكون من شرطه الطهارة، كسائر أفعال المناسك.

стр. 505

والجواب: أن من شرطه استقبال القبلة؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ الطواف غير مستقبل للرُّكن. وعلى أن استقبال القبلة قد سقط فى الصلاة فى حال المسابقة، وفى النوافل على الراحلة فى السفر، ولا تسقط الطهارة، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر. واحتج بأنه لو كانت الطهارة شرطاً فى صحة الطواف، لوجب أن تكون شرطاً فى صحة الإحرام، ألا ترى أنها لما كانت شرطاً في أفعال الصلاة، كانت شرطاً في إحرام الصلاة. والجواب: أنها إنما لم تكن شرطاً في صحة الإحرام؛ لأنها غير واجبة فيه، وليس كذلك فى الطواف؛ لأنها واجبة فيه. وهكذا الجواب عن قولهم: إن الطواف فعل من أفعال الحج، فلم تكن الطهارة شرطاً فيه، كالسعي، والوقوف، وسائر الأفعال؛ لأن تلك الأفعال لا تجب [لها] الطهارة، وليس كذلك الطواف؛ لأن الطهارة تجب له، مع أن هذا يبطل بركعتي الطواف؛ لأنها من أفعال الحج، ومن شرط صحتها الطهارة. على أن إسحاق بن إبراهيم نقل عنه قال: الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة. وظاهر هذا: أن الطهارة شرط له في السعي، ولكن المذهب الصحيح أن الطهارة لا تجب في ذلك.

стр. 506

نص عليه في رواية أبي طالب [قال]: إذا حاضت المرأة، وهي تطوف بالبيت قبل أن تقضي الطواف، خرجت، ولا تسعى بين الصفا والمروة؛ لأنها لم تتم الطواف، فإن طافت بالبيت، ثم خرجت تسعى، فحاضت، فلتمضِ في سعيها؛ فإنه لا يضرها، وليس عليها شيء. وكذلك نقل حرب عنه أنه قال: الحائض لا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، إلا أن تكون قد طافت قبل ذلك، فإنها تسعى. * … * … * ١٠٤ - مسألة إذا انعكس الطواف - وهو أن يجعل البيت عن يمينه - لم يغنه: نص عليه في رواية حنبل فقال: من طاف بالبيت طواف الواجب منكوساً لم يجزئه حتى يأتي به على ما أمر الله تعالى، وسنة النبي ﷺ ، فإن طاف كذلك وانصرف، فعليه أن يأتي به، ولا يجزئه. وقال - أيضاً - في رواية حرب في محرم نسي، فبدأ بالمروة قبل الصفا: يعيد الشوط. وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يعيد إن كان بمكة، وإن رجع إلى أهله، فعليه دم، ويجزئه. دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ : [أنه] لما طاف جعل الكعبة عن

стр. 507

يساره، وقال: "خذوا عني مناسككم". وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. فإن قيل: الواجب عليه إذا أراد الطواف أن يطوف غير منكوس، وليس فيه أنه إذا خالف: أنه لا يعتد به. قيل: إذا ثبت أنه أوجب عليه، لم يسقط إلا بفعله؛ لأن الإيجاب يقتضي الإيجاد، فمن أراد أن يقيم ما لم يتضمنه الأمر مقام ما تضمنه يحتاج إلى دليل. ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وتركه، ولا يجوز تركه إلى غيره بدليل. وأيضاً ما روت عائشة عن النبي ﷺ : أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". وروي: "من أحدث من أمرنا ما ليس منه فهو رد". وأيضاً الطواف عبادة متعلقة بالبيت، فإذا نكسها لم يعتد بها، كالصلاة، وهو أن يبدأ بالسلام، ثم بالتشهد، ثم بالسجود، ثم بالقيام، ثم الركوع، ثم يستوي قائماً يقرأ. وإن شئت قلت: كل عبادة يجب بها الترتيب، كان شرطاً فى صحتها.

стр. 508

دليله: الصلاة. فإن قيل: الصلاة آكد بدليل لا يصح فعل الفرض منها راكعاً لغير عذر، والطواف يجوز. قيل له: لا يجوز عندنا لغير عذر مع أن هذا لما لم يوجب الفرق بينهما في إيجاب الترتيب، لم يوجبه في أشراطه. ولأنه قد طاف منكوساً، فلم يجزئه، كما لو كان بمكة. فإن قيل: إذا كان مكة، فلا مشقة عليه في الرجوع، وإذا خرج منها شق عليه الرجوع، فيجبره بدم، كطواف الوداع. قيل: هذا باطل؛ لأنه إذا ترك جميع الطواف وخرج، كان عليه مشقة، ومع هذا لا ينوب عنه الدم. ويفارق هذا طواف القدوم؛ لأنه ينوب الدم عن جميعه. ولأن ما أوجب إعادة الطواف إذا كان بمكة، أوجبه إذا رجع إلى أهله. دليله: إذا طاف منكوساً قبل طلوع الفجر يوم النحر. فإن قيل: إنما يعتد به هناك؛ لأنه قدمه على وقته. قيل: لا نسلم لك هذا. ولأن هذا الفرق يبطل به إذا كان بمكة، وطاف بعد طلوع الفجر منكوساً؛ فإنه لا يجزئه، وإن لم يقدمه على وقته.

стр. 509

ولأنه ترك من الطواف ما لا يسقط على غير شيء، فلم يعتد به، كما لو ترك شرطاً من الشرائط. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وهذا قد طاف. والجواب: أن هذا الطواف منهي عنه، والله - تعالى - لا يأمر بالمنهي عنه. فإن قيل: نفس الطواف غير منهي عنه، وإنما المنهي عنه ترك الترتيب. قيل له: إذا وقع الطواف على هذه الصفة فهو منهي عنه. واحتج بأنه طاف بالبيت مع وجود النية، وهو ممن يصح منه فعل الطواف، فوجب أن يجزئه، كما لو طاف غير منكوس. والواجب: أنه لا يجوز اعتبار المنكوس بعدمه في مسألتنا، كما لم يجز ذلك في الصلاة، وإن كان الفعل موجوداً في الموضعين. واحتج بأنه قد فعل الطواف، وإنما خالف في هيئته، وذلك لا يمنع وقوعه موقع الجواز، كما لو طاف راكباً لغير عذر، أو طاف، ولم يرمل، ويضطبع. وقد نص أحمد على أنه إذا ترك الرمل صح، ولا دم عليه.

стр. 510

في رواية أبي طالب في من ترك الرمل عامداً: أرجو أن ليس عليه شيء. وكذلك نقل ابن منصور عنه قال: من ترك الرمل لا شيء عليه. قيل له: من ترك السعي بين الصفا والمروة؟ قال: كلاهما عندي واحد. والجواب: أن عندنا أنه إذا طاف راكباً لغير عذر لا يُعتد به في إحدى الروايتين، والأخرى يعتد به. فعلى هذا: لا يدل على إسقاط الترتيب، ألا ترى أن صلاة النافلة في السفر وصلاة الفرض في الخوف تجوز على الراحلة، ومن شروطها الترتيب. وأما إذا لم يرمل، ولم يضطبع، فالمعنى فيه: أنه يسقط إلى غير شيء، فلم يكن شرطاً، وإذا ترك الترتيب فقد ترك إلى ما يسقط إلى بدل، فلهذا لم يعتد بطوافه. واحتج بأنها عبادة لم تشترط فيها الموالاة، فلم يشترط فيها الترتيب، كالزكاة. وقد نص أحمد على أن الموالاة غير واجبة، فقال في رواية حنبل: وذكر له أن الحسن طاف بين الصفا والمروة أسبوعاً، فغشي عليه، فحمل إلى أهله، فجاء من العشا، فأتمه، قال أحمد: إن أتمه فلا بأس، وإن استأنف فلا بأس.

стр. 511

ونقل ابن منصور عنه: وقد سئل: إذا قطع الطواف يبني، أو يستأنف؟ قال: يبني. وقال - أيضاً - في رواية ابن إبراهيم في الرجل يطوف، فيرى جنازة: يقطع، ويصلي عليها، ويبني. وسئل عن الرجل يطوف بالبيت، فيعيي: هل يستريح؟ فقال: نعم، قد فعله ابن عمرو وابن الزبير؛ طافا واستراحا. وظاهر هذا: أن الموالاة غير واجبة. والجواب: أن حرباً نقل فى امرأة طافت ثلاثة أشواط، ثم حاضت: تقيم حتى تطوف. فقيل له: تبني على طوافها؟ قال: لا، تبتدئ. وقال في رواية أبي طالب: إذا طاف خمساً أو ستاً، ورجع إلى بلده، يعيد الطواف. وظاهر هذا: اعتبار الموالاة؛ لأنه إنما بقي عليه شوط واحد. وقد خرجها أبو بكر في كتاب "التنبيه" على روايتين فقال: لو طافت خمساً، ثم حاضت، بنت، وقيل: تبتدئ. قال: وهو اختياري. وعلى أن الزكاة لا ترتيب فيها بحال، والطواف فيه ترتيب، ألا ترى أنه يجبر تركه بالدم؟ وبهذا المعنى بين بين الموالاة وبين الترتيب، وهو أن الموالاة تركها لا يوجب الدم، والترتيب تركه يوجب الدم. ولأن الزكاة عبادة لا تتعلق بالبيت، ولا هي شرط في ما يتعلق

стр. 512

بالبيت، فلهذا لم تفتقر إلى الترتيب، والطواف عبادة تتعلق بالبيت، فأشبهت الصلاة. * … * … * ١٠٥ - مسألة إذا ترك بعض الطواف لم يعتد به، ولم يجبره بالدم: نص عليه في رواية الأثرم في من ترك من الطواف الواجب فقال: لا يجزئه حتى يأتي بسُبع تام، لا بد منه. وكذلك نقل ابن منصور: وقد ذكر له قول سفيان: إذا لم يكمل سبعه فهو بمنزلة من لم يطف؛ يكون حراماً، ثم يرجع، فيقضي؛ حجة كانت، أو عمرة، فقال أحمد: ما أحسن ما قال. وكذلك نقل عنه حنبل في رجل طاف ستة أشواط، وصلى ركعتين، ثم ذكر بعد: يطوف شوطاً، ولا يعيد، وإن طاف ابتداء فهو أحوط. وكذلك نقل أبو طالب عنه: وقد ذكر له قول عطاء: إذا طاف أكثر الطواف؛ خمساً، أو ستاً، فقال: أنا أقول: يعيد الطواف. قيل له: فإن كان بخراسان؟ قال: يرجع، فإذا بلغ التنعيم أهل، ثم طاف، ويهدي مثل قول ابن عباس. وبهذا قال مالك والشافعي. قال أبو حنيفة: إذا طاف الأكثر، وترك الأقل؛ فإن كان بمكة أتمه،

стр. 513

وإن رجع إلى أهله ناب عن الباقي الدم. دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ : أنه طاف سبعاً، وقال: "خذوا عني مناسككم". وهذا الأمر يقتضي الوجوب. فإن قيل: نقول: إن السبعة كلها واجبة، والخلاف في الدم؛ هل يقوم مقام الأقل، أم لا؟ وليس في وجوبها ما يمنع، كما تقول في طواف الصدر، ورمي الجمار، والإحرام من الميقات. قيل له: إذا ثبت وجوب السبعة لم يسقط منها شيء إلا بفعله؛ لأن الإيجاب يقتضي الإيجاد، ومن أراد أن يُقيم ما لم يتضمنه الأمر مقام ما تضمنه يحتاج إلى دليل. ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وتركه، فلا يجوز تركه إلى غيره إلا بدليل. والقياس أنه ترك بعض الأشواط الواجبة عليه، فلا يتحلل من إحرامه قبل إتمامه قياساً على الأكثر إذا تركه.

стр. 514

وإن شئت قلت: يلزمه إتمامه إذا كان بمكة، فوجب أن يلزمه إذا رجع إلى أهله. دليله: ما ذكرنا. وإن شئت قلت: ترك من الطواف ما لا يسقط إلى غير شيء، فلم يجزئه. دليله: ما ذكرنا. فإن قيل: لا يجوز أن يكون حكم الأقل حكم الأكثر، كما لم يجز أن يكون حكم الأقل من أفعال الحج حكم الأكثر، وحكم أقل أفعال الركعة حكم الأكثر، وإنما لزمه إتمامه ما دام في مكة؛ لأنه يمكنه أن يجبر النقص الداخل فيه من جنسه، ولا يتعذر عليه، وإذا رجع إلى أهله تعذر عليه العود إلى مكة، فجاز أن يجبر النقص بالدم. قيل: أما قولك: (إنه إذا تعذر عليه العود، فجاز أن يجبره بالدم) فيبطل به إذا ترك الأكثر؛ فإنه يتعذر، ومع هذا لا يجبره. وأما قولك: (إنه لا يجوز اعتبار الأقل بالأكثر) فغير صحيح؛ لأن أكثر الركعات لا تقوم مقام الجميع، وكذلك أكثر أعضاء الوضوء، وأكثر غسل البدن في الجنابة، وأكثر الآذان والإقامة، وأكثر أيام رمضان، وسائر صيام الكفارة، وأكثر النصاب، وأكثر الزكاة، وغير ذلك مما يكثر تعداده. ثم هذا المعنى يبطل به إذا كان مقيماً بمكة؛ فإنه لم يقم

стр. 515

الأكثر مقام الجميع. ولأنه لو كان الأكثر قائماً مقام الجميع لم يجبر بالدم، كما لا يجبر في الإدراك مع الإمام أكثر أفعال الركعة. ولأن أكثر أفعال الركعة ليس بقائم مقام الجميع، وإنما تُحسب له بفعل الإمام، ولا نظير له من الطواف. ولأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت، فلا يقوم المال مقام شيء منها، كالصلاة. فإن قيل: الحج آكد من الصلاة بدليل أن معظمه يقوم مقام جميعه في باب المنع من ورود الفساد عليه، ألا ترى أنه لو جامع بعد الرمي وقبل الطواف، لم يفسد حجه، ومعظم الصلاة لا تمنع من ذلك، فإن كان كذلك، فلهذا فرقنا بينهما. قيل له: إنما افترقنا من هذا الوجه؛ لأن للحج تحليلين، فإذا وجد أحدهما، ثم تعقبه محظور، لم يؤد إلى الفساد، والصلاة لها تحلل واحد، فإذا وجد المحظور سرى إلى جميعها. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وهذا قد طاف.

стр. 516

والجواب: أن المراد به: سبعة أطواف بالإجماع، وما أجمعوا عليه فهو بمنزلة المنطوق به، فكأنه قال: وليطوفوا سبعة أطواف، فإذا طاف بعضها، كان باقياً عليه. واحتج بأن كل ما حظر عليه بعقد الإحرام جاز أن يستبيحه قبل استيفاء فروضه، كاللبس والطيب والصيد والحلق، وعندكم لا يستبيح الجماع إلا بعد الفراغ من الطواف. وربما قالوا: تحلل من إحرام الحج، فجاز أن يحصل قبل استيفاء فروضه، كالتحلل الأول. والجواب: أن هذه الأشياء تُستباح بالتحلل الأول، والاستمتاع بالنساء لا يستباح إلا بعد الفراغ من الطواف، وإنما يقوم الدم مقام ما بقى منه، وجعله بمنزلة فعل الجميع، فلم يصح الجمع بينهما؛ لأن استباحة الاستمتاع لا يجوز أن تكون سابقة للفراغ من الطواف، أو ما يقوم مقام الفراغ منه. واحتج بأن الحج آكد من الصلاة بدليل أن معظمه يقوم مقام جميعه في باب المنع من ورود الفساد عليه؛ لأنه لو جامع بعد الرمي وقبل الطواف، لم يفسد حجُّه، ومعظم الصلاة لا يمنع من ذلك، ثم ثبت أن في أركان الصلاة ما يقوم معظمه مقام جميعه، وهو إدراك المأموم الإمام في الركوع، فلا يكون في أركان الحج ما هو بهذه الصفة أولى.

стр. 517

والجواب عنه: ما تقدم. واحتج بأن الطواف ركن في الحج، فجاز أن يجبر الدم بعض أجزائه، كالوقوف. والجواب: أن الدم لا يجبر بعض الوقوف؛ لأن القدر الذي يجب في الوقوف هو الحصول في الموقف فحسب، والزيادة على ذلك مسنونة فيه. وعلى أن الدم يجبر معظم الوقوف، ولا يجبر معظم الطواف، فافترقا. واحتج بأنه أتى بمعظم الطواف، أشبه لو أتى بالسُّبْع، وأخل بالرَّمل والاضطباع. والجواب: أن هناك قد أتى بجميع العبادة، والرمل والاضطباع صفة فيها، فلم يؤثر تركها في الطواف، فهو كالصلاة إذا أتى بركعاتها، وأخل بهيآتها من الجهر، والإخفات، والرفع، ووضع اليمين على الشمال؛ فإنه يحكم بصحتها، ولو نقص من ركعاتها ركعة، لم يعتد به. ويبين صحة الفرق بينهما: أنه لا يجب بترك الرمل والاضطباع دم، ويجب الدم بترك شوط، فبان الفرق بينهما. * … * … *

стр. 518

١٠٦ - مسألة إذا سلك في الطواف الحجر لم يجزئه إلا أن يستأنف الطواف، فيبنى على الموضع الذي دخل من الحجر: نص عليه فى وراية الأثرم في من طاف في الحجر، فاخترقه: لم يجزئه؛ لأن الحجر من البيت، فإذا كان شوطاً واحداً أعاد ذلك الشوط، وإن كان قبل الطواف أعاده. وكذلك نقل حنبل عنه في من طاف، واخترق الحجر: لا يجزئه، ويعيد. وكذلك نقل حرب. وبهذا قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجزئه. دليلنا: أن النبي ﷺ طاف حول الحجر، فروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس قال: من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر؛ فإن الله - تعالى - يقول: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وقد طاف النبي ﷺ من وراء الحجر. وإذا ثبت هذا من فعله دخل تحت قوله: "خذوا عني مناسككم".

стр. 519

وهذا أمر فهو على الوجوب. وأيضاً ما روي عن عائشة: أنها قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أصلي في البيت، فقال: "صلي في الحجر؛ فإن الحجر من البيت". وروي أن النبي ﷺ قال لعائشة: "لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت، ورددته على قواعد إبراهيم؛ فإن قومك قلت نفقاتهم، فاقتصروا بالبيت عن قواعد إبراهيم". فثبت بهذه الأخبار: أن الحجر من البيت، ووجب الطواف حوله بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. فإن قيل: هذه أخبار آحاد، ولا نقطع بها. قيل: ليس الأمر على هذا، بل كل أحد من أهل العلم ومن أهل التفسير والسنن يعلم: أن الحجر من البيت على ما ذكرنا. وعلى أن إثباته من البيت أنه يفيد إيجاب الطواف حوله، ومثل هذا المعنى يجوز إثباته بأخبار الآحاد؛ لأنه لم يستوعب البيت العتيق بطوافه، فلم يعتد به، كما لو ترك بعض البناء. واحتج المخالف بأنه مكان لا يُقطع على كونه من البيت، فالطواف عليه ليس بشرط كسائر البقاع. ولأن فرض الصلاة لا يسقط بالتوجه إليه، أشبه سائر البقاع.

стр. 520

والجواب: أن كونه غير مقطوع عليه لا يمنع من ثبوته بدليل سائر الأحكام الذي ثبتت بأخبار الآحاد، والاجتهاد، وسائر المسائل المختلف فيها؛ فإنه غير مقطوع عليها، ومع هذا فإنها ثابتة، كذلك هاهنا. وأما التوجه إليه في الصلاة؛ فإنه يجزئه، وتصح صلاته، كما إذا توجه إلى حائط الكعبة. واحتج بأنه ركن تعلق بمكان، فلا يكون من شرطه استغراق جميع المكان بالكون فيه، كالوقوف بعرفة. والجواب: أنه بيطل بالسعي؛ بإنه يختص بمكان، ومن شرطه استغراق جميع جميع المكان. على أن الطواف يجب استيعاب الأكثر فيه، والوقوف لا يجب، ويجزئ الأقل، فبان الفرق بينهما. * … * … * ١٠٧ - مسألة إذا طاف راكباً لغير عذر لم يجزئه في إحدى الروايتين: نص عليه فى وراية محمد بن أبي حرب الجرجرائي: وقد سئل عن الرجل يطوف حول البيت على بعيره، وهو صحيح، فقال: لا، إنما طاف رسول الله ﷺ لكي يراه الناس. وكذلك قال في رواية حنبل: ولا يطوف راكباً، إنما طاف النبي ﷺ لكي يراه الناس.

стр. 521

وكذلك قال في رواية أبي الحارث: وقد سأله عن من طاف بالبيت محمولاً من غير علة، ولا مرض، فقال: الذي سمعنا أن يكون مريضاً، فإذا كان صحيحاً فما سمعت فيه شيئاً، ما أدري. وظاهر هذا الكلام منع الإجزاء. وفيه رواية أخرى: يجزئه، ولا دم عليه. ذكره أبو بكر النجاد في كتاب "المناسك" فقال: قال أبو عبد الله: أكره أن يطوف راكباً من غير عذر، وإن طاف رجوت أن يجزئه، فإذا اشتكى طاف محمولاً لم يرمل به الذين يحملونه. وقال في رواية محمد بن منصور الطوسي في الرد على أبي حنيفة: طاف رسول الله ﷺ على بعيره. وقال هو: إذا حُمل عليه، فعليه دم. وهو اختيار شيخنا أبي عبد الله، وأبي بكر بن عبد العزيز، ذكره في كتاب "زاد المسافر" فقال: إذا طاف راكباً أجزأه ذلك، ولم يوجب عليه دم. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: إذا طاف لغير عذر راكباً كُره له ذلك، وقيل له: أعد، فإن لم يعد أجزأه، وعليه دم. وقد كنت أنصر قبل هذا أنه إذا طاف لغير عذر راكباً يجزئه، ولا دم

стр. 522

عليه، ورأيت أكثر كلام أحمد أنه لا يجزئه، فنصرت نفي الإجزاء. والدلالة على أنه لا يجزئه: ما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة"؛ معناه: مثل صلاة، فحذف المضاف. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون بمنزلة الصلاة في جميع الأحكام إلا ما استثناه، وهو إباحة النطق، وصلاة الفرض لا تجوز راكباً لغير عذر. وإنها عبادة متعلقة بالبيت، فلم يصح فعلها راكباً في غير حال العذر. دليله: الصلاة. ولأن المشي نفس الطواف، فإذا تركه حصل ناقصاً فلم يجزئه. دليله: لو ترك شوطاً، أو شوطين. فإن قيل: المشي هيئة وصفة فيه، فهو كالرمل والاضطباع. قيل: فيجب أن يجعل القيام في الصلاة هيئة، ويجوز له أن يصلي راكباً. ولأنه طاف محمولاً لغير علة، فلم يجزئه. دليله: إذا كان الحامل له آدمياً؛ فإن الصحيح من قولي الشافعي: أن الطواف للحامل دون المحمول، كذلك هاهنا. فإن قيل: الفرق بينهما أن فعل الحامل منسوب إليه دون المحمول،

стр. 523

وليس كذلك فعل الراكب. ولأن فعل الدابة منسوب إليه، وقائم على اختياره. قيل: وكذلك فعل الحامل منسوب إلى المحمول؛ لأنه قصده بذلك بدليل أنه يأخذ الأجرة عليه، ولا يصح أن يأخذ الأجرة على نفع نفسه. ونخص أبا حنيفة بطريق آخر فنقول: طاف راكباً لغير عذر، فلم يجزئه. دليله: لو طاف قبل طلوع الفجر من يوم النحر، وكما لو كان مقيماً بمكة. ولأنه ترك من الطواف ما لا يسقط إلى غير شيء، فلم يعتد به، كما لو ترك من الطواف بعض الأشواط؛ لأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت، فلا يقوم المال مقام شيء منها. دليله: الصلاة. واحتج المخالف لما رواه أحمد فيما ذكره الخلال في كتاب "العلل" بإسناده عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك. قال أبو إسماعيل الترمذي: سألت أحمد عن هذا الحديث فقال:

стр. 524

[ … ] ثقة، والحديث غريب. وروى أبو الطفيل قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجن، ثم يقبله. والجواب: أن النبي ﷺ طاف راكباً لعذر بدلالة ما روي عن ابن عباس: أنه قال: طاف رسول الله ﷺ راكباً لشكاة كانت به. وروى جابر: أنه طاف راكباً؛ ليشرف على الناس، ويرونه؛ فإن الناس غشوه. وهذا عذر يبيح الركوب. وعلى هذا حمله أحمد، وتأوله عليه، وجعله عذراً. ومثل هذا ما روى سهل بن سعد: أن النبي ﷺ صلى على المنبر، فركع، ورجع القهقهري حتى نزل، وسجد. وحمل هذا على أنه فعله؛ ليأتموا به، ويتعلموا صلاته، وليس أن يمتنع أن يقع البيان على وجه مكروه، كما أخر صلاة المغرب عن أول وقتها ليبين الجواز. واحتج بأنه ركن من أركان الحج، فإذا فعله راكباً صح.

стр. 525

دليله: الوقوف والإحرام والسعي. والجواب: أنه قد قال أحمد في رواية حرب: لا بأس بالسعي بين الصفا والمروة على الدواب لضرورة. وظاهر هذا يقتضي: أن السعي كالطواف، وأنه يجوز راكباً للضرورة، فلا فرق بينهما. وكأن المعنى فيه: أن المشي نفس السعي، كما أنه نفس الطواف، وأما الوقوف والإحرام: فالمعنى في الإحرام: أنه وجود النية والقصد، وهذا يوجد في حق الراكب، كما يوجد في حق الراجل. وأما الوقوف فهو الكون بعرفة، وهذا موجود في حق الراكب. فأما الطواف فإن المشي نفس الطواف، فإذا ركب، فلم يوجد ذلك. أو نقول: الطواف عبادة تتعلق بالبيت أشبه بالصلاة. واحتج بأن المشي هيئة في الطواف فهو كالرمل والاضطباع، وقد ثبت أن الإخلال بذلك لا يمنع صحة الطواف، كذلك المشي. والجواب عنه: ما تقدم. * … * … *

стр. 526

١٠٨ - مسألة طواف الحامل غير جائز عنه، وطواف المحمول كطواف الراكب؛ إن كان لعذر أجزأه، وإن كان لغير عذر، فعلى الروايتين: إحداهما: لا يجزئه. والثانية: يجزئه، ولا دم عليه. وقد ذكر الخرقي هذا في "مختصره" فقال: ومن طاف وسعى محمولاً لعلة أجزأه، وأجاز ذلك في حق المحمول للعذر. وقال في موضع آخر: ومن طيف به محمولاً كان الطواف له دون حامله. فنص على أنه غير جائز للحامل. وقال أبو حنيفة: طواف الحامل جائز عنه، ولا دم، وطواف المحمول كطواف الراكب يجزئه، وعليه دم. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا. والثاني: يجزئ عن الحامل دون المحمول، وهو الصحيح عندهم. فالدلالة على أنه لا يجزئ عن الحامل خلافاً لأبي حنيفة وأحد القولين للشافعي: أنه قد جاز فعله عن طواف المحمول عندهم على الإطلاق، وعندنا إذا كان لعذر، لم يجز عن طواف نفسه؛ لأن فعلاً واحداً لا يتأدى به اثنين، أو لا يسقط به فرض اثنين.

стр. 527

ولأن الطواف إذا أجزأ عن المحمول لم يجز عن الحامل. دليله: ابن خمس عشرة سنة. واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وهذا الحامل قد طاف. والجواب: أنه محمول على غير الحامل بدليل ما ذكرنا. واحتج بأن كونه حاملاً لإنسان ليس بأكثر من كونه حاملاً للمتاع، ولا خلاف أن ذلك لا يمنع من جواز طرفه، كذلك هاهنا. والجواب: أن فيه ما هو أكثر من هذا، وهو أنه يؤدي إلى أن يسقط بفعل واحد فرضين، وهذا المعنى معدوم في حمل المتاع. واحتج بان طواف المحمول جائز؛ لحصوله في تلك المواضع مع وجود النية، كذلك الحامل أولى بجواز طوافه من المحمول؛ لأن الحامل قد فعل الطواف بنفسه، والمحمول لم يفعله. والجواب: أنه إنما حصل المحمول؛ لأنه مقصود بالطواف. ولأنه يؤدي إلى أن يحصل الفعل الواحد لفاعلين، وليس كذلك الحامل؛ لأنه غير قاصد، ولا هو يؤدي إلى أن يحصل الفعل لفاعلين، فلهذا فرقنا بينهما.

стр. 528

واحتج بأن محرماً لو حمل محرماً بعرفة لكان ذلك مجزءاً عنهما، كذلك الطواف. والجواب: أن الطواف مخالف للوقوف؛ لأنه لو وقف من غير نية وغير علم بالموضع لصح الوقوف، وليس كذلك الطواف؛ فإنه لا يصح إلا مع القصد والنية، فافترقا. ولأنه إذا كان حاملاً له في الموقف لم يرد إلى أن يسقط بفعل واحد فرضين؛ لأت المأخوذ عليه الكون، وليس كذلك الطواف؛ لأن الفعل واحد، فيؤدي إلى أن يسقط به فرضين. واحتج بأن فعل الواحد يكون في حكم الفعلين كما نقول في من حلف: لا يدخل هذه الدار، وحلف آخر - أيضاً - مثل ذلك، فحمل أحدهما صاحبه برضاه، ودخل الدار: إنهما يحنثان جميعاً، ويصير فعل الداخل في حكم الفعلين، وكذلك إذا ركبا جميعاً دابة واحدة، ودخلا. والجواب: أنه يجوز أن يحنث رجلان بفعلة واحدة، ولا يجوز أن يسقط فرض اثنين بفعل واحد. * فصل: وأما المحمول قائماً جاز طوافه؛ لأنه بمنزلة الراكب، ولو طاف على دابة لصح طوافه عندهم على الإطلاق، وعندنا على التفصيل بين المعذور وعدمه، كذلك المحمول. فإن قيل: فعل الدابة منسوب إليه، وقائم مقام فعله، وواقف على

стр. 529

اختياره، وليس كذلك فعل الحامل؛ لأنه بخلافه. قيل له: وكذلك الحامل فعله منسوب إلى المحمول؛ لأنه قصده بذلك بدليل أنه يصح أن يأخذ الأجرة على حمله، فلولا أنه قاصد للمحمول ما صح أخذ الأجرة؛ لأنه لا يصح أخذ الأجرة عن ما يفعله عن نفسه. واحتج المخالف بأن الفعل للحامل؛ لأنه هو الطائف، وهو الحامل، فيجب أن يقع الفعل عنه. والجواب: أن الراكب لم يوجد من جهته فعل الشيء، وإنما وجد من جهة البهيمة، ومع هذا يجزئه، كذلك هاهنا؛ لأنا قد بينا: أن هذا الفعل مضاف إلى المحمول بدليل أنه قصده، ويأخذ العوض عنه. * … * … * ١٠٩ - مسألة يجوز تقديم السعي على طواف الزيارة، وهو أن يفعله عقيب طواف القدوم: نص عليه فى وراية نصر خلافاً لما حكي عن أبي ثور قال: لا يجوز تقديمه. دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].

стр. 530

وقال ﷺ : "اسعوا؛ فإن الله كتب السعي". وليس فيه بيان أنه يقع عقيب طواف الزيارة. ولأنه طواف في إحرام الحج، فجاز السعي عقيبه. أصله: طواف الزيارة. * … * … * ١١٠ - مسألة ركعتا الطواف غير واجبتين: نص على ذلك في مواضع: فقال في رواية أبي طالب: تجزئ المكتوبة من الركعتين، وليس هما واجبتان، ولكن يستحب إذا طاف صلاهما. وقال - أيضاً - في رواية الأثرم: وقد سئل: هل تجزئ المكتوبة من ركعتي الطواف دم؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه. وكذلك نقل حنبل عنه أنه قال: إن ركعهما كان أحب إلي، فإذا لم يفعل أجزأه.
следующие страницы →