Полный текст (1 579 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
١٠٨ - مسألة
طواف الحامل غير جائز عنه، وطواف المحمول كطواف الراكب؛ إن كان لعذر أجزأه، وإن كان لغير عذر، فعلى الروايتين:
إحداهما: لا يجزئه.
والثانية: يجزئه، ولا دم عليه.
وقد ذكر الخرقي هذا في "مختصره" فقال: ومن طاف وسعى محمولاً لعلة أجزأه، وأجاز ذلك في حق المحمول للعذر.
وقال في موضع آخر: ومن طيف به محمولاً كان الطواف له دون حامله.
فنص على أنه غير جائز للحامل.
وقال أبو حنيفة: طواف الحامل جائز عنه، ولا دم، وطواف المحمول كطواف الراكب يجزئه، وعليه دم.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: يجزئ عن الحامل دون المحمول، وهو الصحيح عندهم. فالدلالة على أنه لا يجزئ عن الحامل خلافاً لأبي حنيفة وأحد القولين للشافعي: أنه قد جاز فعله عن طواف المحمول عندهم على الإطلاق، وعندنا إذا كان لعذر، لم يجز عن طواف نفسه؛ لأن فعلاً واحداً لا يتأدى به اثنين، أو لا يسقط به فرض اثنين.
стр. 527
ولأن الطواف إذا أجزأ عن المحمول لم يجز عن الحامل.
دليله: ابن خمس عشرة سنة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
وهذا الحامل قد طاف.
والجواب: أنه محمول على غير الحامل بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأن كونه حاملاً لإنسان ليس بأكثر من كونه حاملاً للمتاع، ولا خلاف أن ذلك لا يمنع من جواز طرفه، كذلك هاهنا.
والجواب: أن فيه ما هو أكثر من هذا، وهو أنه يؤدي إلى أن يسقط بفعل واحد فرضين، وهذا المعنى معدوم في حمل المتاع.
واحتج بان طواف المحمول جائز؛ لحصوله في تلك المواضع مع وجود النية، كذلك الحامل أولى بجواز طوافه من المحمول؛ لأن الحامل قد فعل الطواف بنفسه، والمحمول لم يفعله.
والجواب: أنه إنما حصل المحمول؛ لأنه مقصود بالطواف.
ولأنه يؤدي إلى أن يحصل الفعل الواحد لفاعلين، وليس كذلك الحامل؛ لأنه غير قاصد، ولا هو يؤدي إلى أن يحصل الفعل لفاعلين، فلهذا فرقنا بينهما.
стр. 528
واحتج بأن محرماً لو حمل محرماً بعرفة لكان ذلك مجزءاً عنهما، كذلك الطواف.
والجواب: أن الطواف مخالف للوقوف؛ لأنه لو وقف من غير نية وغير علم بالموضع لصح الوقوف، وليس كذلك الطواف؛ فإنه لا يصح إلا مع القصد والنية، فافترقا.
ولأنه إذا كان حاملاً له في الموقف لم يرد إلى أن يسقط بفعل واحد فرضين؛ لأت المأخوذ عليه الكون، وليس كذلك الطواف؛ لأن الفعل واحد، فيؤدي إلى أن يسقط به فرضين.
واحتج بأن فعل الواحد يكون في حكم الفعلين كما نقول في من حلف: لا يدخل هذه الدار، وحلف آخر - أيضاً - مثل ذلك، فحمل أحدهما صاحبه برضاه، ودخل الدار: إنهما يحنثان جميعاً، ويصير فعل الداخل في حكم الفعلين، وكذلك إذا ركبا جميعاً دابة واحدة، ودخلا.
والجواب: أنه يجوز أن يحنث رجلان بفعلة واحدة، ولا يجوز أن يسقط فرض اثنين بفعل واحد.
* فصل:
وأما المحمول قائماً جاز طوافه؛ لأنه بمنزلة الراكب، ولو طاف على دابة لصح طوافه عندهم على الإطلاق، وعندنا على التفصيل بين المعذور وعدمه، كذلك المحمول.
فإن قيل: فعل الدابة منسوب إليه، وقائم مقام فعله، وواقف على
стр. 529
اختياره، وليس كذلك فعل الحامل؛ لأنه بخلافه.
قيل له: وكذلك الحامل فعله منسوب إلى المحمول؛ لأنه قصده بذلك بدليل أنه يصح أن يأخذ الأجرة على حمله، فلولا أنه قاصد للمحمول ما صح أخذ الأجرة؛ لأنه لا يصح أخذ الأجرة عن ما يفعله عن نفسه.
واحتج المخالف بأن الفعل للحامل؛ لأنه هو الطائف، وهو الحامل، فيجب أن يقع الفعل عنه.
والجواب: أن الراكب لم يوجد من جهته فعل الشيء، وإنما وجد من جهة البهيمة، ومع هذا يجزئه، كذلك هاهنا؛ لأنا قد بينا: أن هذا الفعل مضاف إلى المحمول بدليل أنه قصده، ويأخذ العوض عنه.
* … * … *
١٠٩ - مسألة
يجوز تقديم السعي على طواف الزيارة، وهو أن يفعله عقيب طواف القدوم:
نص عليه فى وراية نصر خلافاً لما حكي عن أبي ثور قال: لا يجوز تقديمه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].
стр. 530
وقال ﷺ : "اسعوا؛ فإن الله كتب السعي".
وليس فيه بيان أنه يقع عقيب طواف الزيارة.
ولأنه طواف في إحرام الحج، فجاز السعي عقيبه.
أصله: طواف الزيارة.
* … * … *
١١٠ - مسألة
ركعتا الطواف غير واجبتين:
نص على ذلك في مواضع:
فقال في رواية أبي طالب: تجزئ المكتوبة من الركعتين، وليس هما واجبتان، ولكن يستحب إذا طاف صلاهما.
وقال - أيضاً - في رواية الأثرم: وقد سئل: هل تجزئ المكتوبة من ركعتي الطواف دم؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه.
وكذلك نقل حنبل عنه أنه قال: إن ركعهما كان أحب إلي، فإذا لم يفعل أجزأه.
стр. 531
وقد علق القول في رواية حرب في من نسى ركعتي الطواف، فقال: يعيد متى ذكر.
وهذا محمول على طريق الاختيار.
وقال بو حنيفة ومالك: هما واجبتان.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: مثل قولنا.
دليلنا: ما روي أن أعرابياً سأل النبي ﷺ عن الفرائض في اليوم والليلة، فقال: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة"، فقال الأعرابي: هل عليَّ غيرها؟ فقال له النبي ﷺ : "لا، إلا أن تطوع".
فإن قيل: إنما سأله عن الصلاة المكتوبة، ولا مكتوبة في غير الخمس.
قيل له: السؤال عن جنس الصلوات، والسؤال عاد إلى نفس الجنس.
ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود ليس لها وقت راتب، فلم تكن واجبة بأصل الشرع.
دليله: تحية المسجد وغيرها من النوافل.
ولا يلزم عليه صلاة الجنازة؛ لقولنا: ذات ركوع وسجود.
стр. 532
ولا يلزم عليه الفرائض؛ لقولنا: ليس لها وقت راتب.
ولأنها صلاة تابعة لغيرها، فلم تكن واجبة بنفسها.
دليله: ركعتي الصبح.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
والأمر يدل على الوجوب.
والجواب: أنه محمول على الاستحباب.
واحتج بما روي: أن النبي ﷺ طاف راكباً، فلما أراد أن يصلي الركعتين، نزل فصلاهما، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والجواب: أنه محمول على الاستحباب.
واحتج بما روي عن عمر: أنه طاف بالبيت، وترك ركعتي الطواف، فلما كان بذي طوي قضاهما.
فلو كانتا غير واجبتين، سقطتا بفوات موضعهما؛ لأن السنن إذا فاتت عن مواضعهما لا تقضى.
والجواب: أن النوافل الراتبة تقضي عندنا استحباباً.
واحتج بأنهما تابعان للطواف، فوجب أن تكونا واجبتين، كالسعي.
стр. 533
والجواب: أن كونها تابعة لا يدل على وجوبها، كالسنن الراتبة بعد الفرائض، ومع هذا فهي غير واجبة، كذلك هاهنا.
وعلى أن السعي غير تابع للطواف، وإنما هو تابع للركعتين؛ لأنه يُفعل بعدهما، فالوصف غير صحيح في الأصل.
ولأن السعي ليس بتابع للطواف، وإنما هو فرض مقصود كالطواف، ولهذا نقول: إن بقاء السعي يمنع من استباحة النساء، كما يمنع بقاء الطواف.
وإنما هو مرتب عليه، وكونه مرتباً عليه لا يدل على أنه تابع له، كالسجود مرتب على الركوع، وليس بتابع له، بل كل واحد منهما فرض مقصود.
وعلى أن السعي ركن واجب، فوجب أن يكون من توابعه ما هو واجب، كالوقوف من توابعه ما هو واجب، وهو الرمي.
والجواب: أنا نقلبه فنقول: وجب أن لا يكون من توابعه صلاة واجبة، كالوقوف.
وعلى أن الرمي له وقت، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه صلاة ليس لها وقت معين، وهي ذات ركوع وسجود، فأشبه ما ذكرنا.
* … * … *
стр. 534
١١١ - مسألة
لا بأس أن يجمع بين الأسابيع من غير أن يفصل بين كل أسبوعين بركعتين، ثم يصلي بعد ذلك:
نص على هذا في رواية الأثرم وابن حنبل وأبي داود وابن منصور وحرب:
قال في رواية الأثرم: وقد سئل: يقرن بين السُّبعين في الطواف؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس. قيل له: فتكره القران بين الأسابيع؟ فقال: ما أكرهه.
وقال في رواية حنبل: من طاف فجمع بينهما يصلي لكل أسبوع ركعتين، ويجمع بينهما.
وقال فب رواية أبي داود: وقد سئل عن الرجل يقرن الطواف، فرخص فيه، وقال: قد قرنت عائشة، والمسور بن مخرمة.
وقال في رواية ابن المنصور: وقد سئل: يقرن بين الطواف؟ قال: إن قرن أرجو أن لا يكون به بأس، وإن لم يقرن فهو أفضل.
فظاهر كلامه: جواز ذلك من غير كراهية سواء قطع على وتر، أو شفع.
ونقل ابن منصور عنه في موضع آخر في من طاف ثمانياً أو تسعاً: يتم طوافين، أو يقطع؟ قال: إن شاء أتم طوافين، وإن شاء قطع، ولا ينصرف إلا على وتر.
стр. 535
وظاهر هذا: أنه إن قطع على شفع كُره.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يُكره ذلك.
وقال أبو يوسف: إن قطع على شفع كُره ذلك، وإن قطع على وتر لم يُكره.
دليلنا: ما روى حنبل بإسناده عن عطاء، عن عائشة: أنها كانت تطوع الأسبوعين والثلاثة، ثم تصلي لكل أسبوع ركعتين.
وروى في لفظ آخر بإسناده عن محمد بن السائب ابن بركة، عن أمه بركة: أنها أخبرته عن عائشة: أنها أرسلت إلى أصحاب المصابيح أن أطفئوها، فأطفؤوها، فطفت معها في ستر، أو حجاب، فكانت كلما فرغت من أسبوع استلمت الحجر الأسود، وتعوذت بين الباب والركن، حتى إذا فرغت من ثلاثة أسابيع ذهبت دبر سقاية زمزم مما يلي النساء، فصلت ست ركعات، كلما ركعت ركعتين انحرفت إلى النساء وكلمتهن، تفصل بذلك صلاتها حتى فرغت.
وروى بإسناده عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن الجمع بين الأسبوعين والثلاثة، فقال: لكل أسبوع ركعتان.
وروى بإسناده عن المسور بن مخرمة: أنه كان يقول لغلامه:
стр. 536
أحصِ ما أطوف، فإذا مشى قضى لكل أسبوع ركعتين.
وقد روى عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" عن عيسى بن يونس، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن النبي ﷺ قرن بين ثلاثة أطواف، ليس بينهما طواف.
قال عبد الرحمن: هو حديث منكر، وعبد السلام ضعيف.
ورواه أبو حفص العُكبري قال: ثنا ابن السماك قال: ثنا أيوب بن سليمان الصعيدي قال: ثنا أحمد بن المصيصي قال: ثنا عيسى بن يونس قال: ثنا عبد السلام بن أبي الجنوب قال: حدثني الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: طاف النبي ﷺ بالبيت ثلاثة أسباع جميعاً، ثم أتى المقام، فصلى خلفه ست ركعات.
وقال أبو هريرة: إنما أراد أن يعلمنا.
وأيضاً فإن الطواف يتناوله اسم الصلاة بدليل قوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة".
ثم ثبت أنه يجوز الجمع بين الصلاتين على وجه يؤدي إلى تأخير الصلاة المسنونة فيما بينهما، كذلك الطواف.
ولأنه لو فصل بينهما بكلام، أو فعل مباح، جاز فلأن يجوز
стр. 537
الفصل بينهما بالطواف أولى.
واحتج المخالف بأن النبي ﷺ صلى عقيب الطواف، وقال: "خذوا عني مناسككم".
والجواب: أن النبي ﷺ فعل الأفضل، وكذلك نقول، وخلافنا في الجائز الذي ليس بمكروه، وليس في الخبر ما يدل عليه.
واحتج بأنه لو أراد أن يفصل بين الطواف والسعي بطواف آخر لم يجز، كذلك إذا أراد أن يفصل بين الطواف والصلاة.
ولأن الصلاة مسنونة عقيب الطواف، كما أن السعي مسنون عقيب الصلاة.
والجواب: أنه لا يمتنع ذلك.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس أن يفرق ذلك، ويؤخره حتى يستريح، وإلى العشاء.
يعني: يؤخر السعي عن الطواف.
واحتج بأن سنتها أن تقع عقيب الطواف، كالسنن التي تُفعل عقيب الفرائض، ثم ثبت أنه لا يُفصل بينهما وبين المفروضات بصلاة أخرى فائتة ذكرها بعد الفراغ من الفرض.
وكذلك تكبيرات التشريق لما كانت مسنونة عقيب الصلوات
стр. 538
المفروضات لم يجز أن يُفصل بينهما وبين المفروضات بشيء آخر.
وكذلك سجود التلاوة لما كان من سننها أن تفعل عقيب التلاوة كُره تأخيرها إلى آخر الصلاة قبل أن يسلم؛ لما يحصل بينها وبين القراءة من الفصل بعدها.
والجواب: أن الصلاة حجة لنا؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين الصلاتين على وجه يؤدي إلى تأخير السنن الراتبة من غير كراهة، فأولى أن يجوز الجمع بين الأسابيع على وجه يؤدي إلى قضاء الصلاة في الثاني.
وأما سجود التلاوة وتكبيرات التشريق فإنما لم تؤخر؛ لأنه بالتأخير يؤدي إلى إسقاطه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه بالجمع لا يؤدي إلى إسقاط الصلاة، فلهذا فرقنا بينهما.
يبين صحة هذا: أنه يجوز أن يفعل الطواف عند أبي حنيفة على صفة تؤدي إلى تأخير الصلاة، وهو أن يطوف في الوقت المنهي عن الصلاة فيه، ويصلي بعد ذلك.
وجواب آخر، وهو: أن تأخير السنن الراتبة وسجود التلاوة وتكبير التشريق لا حاجة به إلى تأخيره، وليس كذلك تأخير الركعتين؛ لأن به حاجة، وهو كثرة الزحام، ويشق عليهم الخروج والعود في كل أسبوع، فجاز الجمع، كما جاز الجمع بين الصلاتين.
* فصل:
وهو مخير: إن شاء قطع على وتر، وإن شاء قطع على شفع
стр. 539
في إحدى الروايتين.
وهو ظاهر كلامه في رواية الأثرم: وقد سئل: يقرن بين السبعين في الطواف؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا طاف أربع عشرة طوافاً صلى أربعاً.
وفي رواية أخرى: يُكره له أن يقطع على شفع.
وهو ظاهر كلامه في رواية ابن منصور: لا ينصرف إلا على وتر.
وهو قول أبي يوسف.
وجه الأولى: ما تقدم؛ فروي عن عائشة: أنها كانت تطوف الأسبوعين والثلاثة، ثم تصلي لكل أسبوع ركعتين.
وظاهر هذا: أنها قد كانت تقطع على أسبوعين.
وكذلك روي عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن الجمع بين الأسبوعين والثلاثة، فقال: لكل أسبوع ركعتان.
وظاهر هذا: أنه لم يكره الأسبوعين.
وكذلك المسور بن مخرمة كان يقول لغلامه: أحص ما أطوف.
وظاهر هذا: أنه ما كان يعتبر عدداً معلوماً يقطع عليه؛ لأنه فوَّض
стр. 540
ذلك إلى علم غلامه.
ولأنه لما جاز الجمع بين الصلاتين، وهما شفع، كذلك جاز الجمع بين أسبوعين، وهما شفع.
ووجه الثانية: أن النبي ﷺ قطع على وتر، وهو الثلاث، فدل على أنه أفضل.
ولأن عدد الطواف وتر فاستحب له أن يقطع على وتر.
* … * … *
١١٢ - مسألة
إذا أخر طواف الزيارة إلى أيام التشريق لم يلزمه شيءٌ:
نص عليه فى رواية ابن منصور: وذكر له سفيان: إذا أخر الطواف إلى الإفاضة يهريق دماً، قال أحمد: ليس بشيء.
وكذلك نقل حرب عنه في من نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى بلده: رجع إلى مكة، وطاف طواف الزيارة، وليس عليه دم.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا أخره إلى اليوم الثالث من أيام التشريق وجب عليه دم.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
ولم يقدره بوقت فوجب أن يجوز فعله كل وقت، إلا ما أجمعوا
стр. 541
على المنع منه، وإذا ثبت جواز فعله في كل وقت لم يجب الدم عليه.
فإن قيل: فالآية حجة لنا؛ لأنه أمر بالطواف، والأمر على الفور، فلو خلينا والظاهر لم يجز فعله في اليوم الثالث.
قيل له: قد ثبت بالإجماع أن هذا الأمر ليس على الفور؛ لجواز تأخيره عن أول وقته أياماً، فسقط السؤال.
وأيضاً فإنه ركن أخره عن وقت الاختيار إلى وقت الجواز، فوجب أن لا يتعلق به دم قياساً على من لم يقف بعرفة نهاراً، ووقف ليلاً؛ فإنه يجزئه، ولا دم عليه.
ولا يلزم عليه تأخير صيام دم المتعة عن وقته أنه يجب به دم؛ لقولنا: ركن، وذلك الصوم ليس بركن.
فإن قيل: لنا في الوقوف بعرفة مثل ما للمخالف؛ لأنه مؤقت، فيجب أن يكون الطواف مؤقتاً.
قيل له: الوقوف لما لم يصح فعله بعد خروج وقته؛ لهذا كان مؤقتاً، كالرمي، وهذا لما صح فعله بعد خروج وقته، دل على أنه غير مؤقت.
وقياس آخر، وهو: أن بعد الأيام الثلاثة وقت يجوز فيه الطواف، فوجب أن لا يجب بتأخير فعله دم قياساً عليه إذا أخره عن يوم النحر إلى اليوم الأول والثاني من أيام التشريق.
ولا يلزم عليه صوم دم المتعة إذا أخره أنه يجب به دم؛ لقولنا: وقت يجوز فيه الطواف، فلم يجب بتأخيره دم.
стр. 542
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يؤخره عن وقته، وهذا قد أخره عن وقته.
قيل له: لا نسلم أنه مؤقت حتى يكون أخره عن وقته.
ولأنه نسك أخره إلى وقت جواز فعله، فلم يلزمه دم.
دليله: السعي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
فأباح النفر في اليومين، وهو اليوم الثاني والثالث من أيام النحر، ومعلوم أنه لا يجوز له النفر قبل الطواف، فثبت أنه مؤقت بهذه الأيام.
والجواب: أنه لا دلالة في هذا على تخصيص الطواف بهذه الأيام، وإنما فيها بيان جواز التعجيل وترك الرمي في اليوم الثالث، وانه لا حرج عليه.
واحتج بأن الطواف نسك يجب فعله في الإحرام، فوجب أن يكون مؤقتاً، كالوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، وإذا ثبت أنه مؤقت ثبت بتأخيره عن وقته وجوب دم؛ لأن أحداً لا يفصل بينهما.
والجواب: أن قولك: (يجب فعله في الإحرام) لا تأثير له؛ لأن الرمي مؤقت، وليس في الإحرام.
ثم المعنى في الوقوف والرمي: لما كان مؤقتاً لم يصح فعله بعده،
стр. 543
فلو كان الطواف مؤقتاً لم يصح بعده أيضاً، ولما صح فعل الطواف بعده، دل على أنه غير مؤقت، كالسعي.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إنه إذا أخر هدي المتعة أو بدله - الذي هو الصوم - حتى خرجت أيام الحج، كان عليه دم التأخير؟ فيجب أن تقولوا كذلك في مسألتنا.
قيل له: ولم كان كذلك؟ وما أنكرت أن لا يجب عليه دم، كما لم يجب بتأخير السعي والوقوف؟
وعلى أن لنا في ذلك روايتين، وكذلك في تأخير الحلاق روايتان، وتتخرج في الطواف روايتان.
والصحيح عندي في الطواف إذا أخره، وفي الحلاق، وفي هدي التمتع، وفي بدله الذي هو الصوم: أنه لا يجب بتأخير ذلك دم.
* … * … *
١١٣ - مسألة
أول وقت طواف الزيارة إذا مضى النصف الأول من ليلة النحر، وذلك مبنى على رمي جمرة العقبة؛ يجوز في النصف الثاني:
نص عليه فى رواية حرب وحنبل:
стр. 544
وقد قال في رواية حرب: إذا خرج من المزدلفة نصف الليل، فأتى مني وعليه ليل، فرمى الجمار: أرجو أن لا يكون به بأس. فقيل له: فإن مضى من ليلته حتى أتى مكة، فطاف طواف الزيارة قبل أن يطلع الفجر؟ فقال: لا يمكنه أن يأتي مكة وعليه ليل؛ لأنه لا يجوز أن يخرج من جمع حتى يغيب القمر، فلا يمكنه أن يأتي مكة بليل.
وليس هذا منه على أنه لا يعتد بطوافه، وإنما خرج هذا منه على غالب الحال، ولأنه لا يتسع له الزمان، فإن اتسع له بأن يكون خرج في أول النصف الثاني، فطاف بعد الرمي أجزأه؛ لأنه لا يجوز له الدفع منها قبل نصف الليل.
نص عليه في رواية حرب - أيضاً - في الإفاضة من جمع بليل من غير عذر: أرجو؛ إلا أنه في وجه السحر، أو آخر الليل.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: أول وقت الطواف إذا طلع الفجر الثاني.
والكلام معه في هذه المسألة مبني على أنه يجوز رمي جمرة العقبة في النصف الثاني من ليلة النحر، وكل وقت صح فيه الرمي صح فيه الطواف.
دليله: يوم النحر.
стр. 545
وعنده لا يجوز الرمي، والكلام معه يأتي في ذلك، إن شاء الله.
ويُبنى أيضاً على أصل آخر، وهو جواز الدفع من المزدلفة في هذا الوقت، وكل وقت جاز الدفع فيه جاز الطواف فيه.
دليله: بعد الفجر.
وعنده لا يجوز الدفع لغير المعذور، والكلام عليه يأتي، إن شاء الله.
وندل على المسألة من غير بناء، فنقول: طاف بعد نصف الليل من ليلة النحر، فأجزأه.
دليله: إذا طاف بعد طلوع الفجر.
واحتج المخالف بأن ما قبل طلوع الفجر وقت للوقوف بعرفة، فلم يكن وقتاً للطواف.
دليله: النصف الأول.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون وقت نسك وقتاً لنسك آخر، كما كان وقت الوقوف وقتاً للإحرام، ووقت الرمي وقتاً للطواف.
وعلى أنه لا يجوز اعتبار النصف الأول بالثاني من الليل، كما لم يجز اعتبار النصف الأول من النهار بالنصف الثاني منه في الرمي في أيام التشريق؛ لأنه يجوز في النصف الثاني، ولا يجوز في الأول.
وعلى أن النصف الأول لا يجوز الدفع فيه، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأنه لو جاز الطواف في النصف الأخير، لوجب أن يصح
стр. 546
أداء حجتين في عام واحد؛ لأنه يرمي ويطوف ويسعى في النصف الأخير من ليلة النحر، ثم يحرم بحجة أخرى، ويقف بعرفة قبل طلوع الفجر، ويمضي فيها، فيكون قد حج حجتين، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز في عام واحد إلا حجة واحدة، فكان قولكم مخالف للإجماع.
والجواب: أنه لا يجوز أن يحرم بحجة أخرى، فإن كان قد رمى وطاف وسعى، وقد نص أحمد في رواية أبي طالب في من قال: (لبيك بحجتين): ليس عليه إلا حجة، لا يكون إهلال بشيئين.
فإن قيل: فإن لم تقولوا بجواز حجتين في عام واحد لزمكم أن تقولوا به؛ لأنه إذا تحلل من إحرامه، وخرج منه، لم يكن لمنعه من الإحرام مع بقاء وقته معنى.
قيل له: الرمي المستحق عليه بالإحرام السابق يمنع من إحرام آخر؛ لأنه عمل واجب بالإحرام السابق، فلا يجوز مع بقائه أن يحرم بغيره.
وقد قيل: يجوز حجتان في سنة واحدة في مسألة، وهو: أن يفسد حجه، ثم يحصر، فيتحلل بالهدي، ثم يزول الإحصار، وقد بقي وقت الإحرام، فيحرم بالحج، فيقضي ما أفسده في سنته، ولا يكون هذا إلا في هذه المسألة.
* … * … *
стр. 547
١١٤ - مسألة
طواف الزيارة يفتقر إلى تعيين نية الفرض، فإن طاف بنية التطوع بعد دخول وقته، أو طاف للوداع، لم يقع عن طواف الزيارة:
نص عليه في مواضع:
فقال في رواية أبي طالب في من نسى طواف الزيارة، وكان قد طاف تطوعاً: فلا حتى يطوف، لا تجزئ نافلة عن فرض.
وقال - أيضاً - في رواية ابن إبراهيم: إذا نسى طواف الزيارة، وطاف طواف الصدر، لا يجزئ؟ كيف يجزئه التطوع من الفرض، لا يجزئه حتى يطوف طواف الزيارة.
وقال - أيضاً - في رواية ابن منصور في رجل نسى طواف الإفاضة حتى رجع إلى بلاده: فلا بد أن يرجع إلى البيت يعتمر، فإن كان قد طاف طواف الوداع لم يجزئه من الإفاضة إلا أن ينوي ذاك.
وقال في موضع آخر: وذكر له سفيان في من طاف يوم النحر لم ينو طواف الزيارة: يجزئه منه، فقال: معاذ الله! لا يجزئه إلا بالنية.
وكذلك نقل المروذي عنه في من نسى طواف الزيارة، فطاف طواف الصدر: لا يجزئه، كيف يجزئ التطوع عن الفرض.
فقد نص على نفس النية.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يفتقر إلى تعيين النية، فإن
стр. 548
نوى الطواف مطلقاً، أو طاف بنية الوداع، ونوى تطوعاً، انصرف إلى طواف الزيارة.
دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى".
وهذا لم ينو الطواف الواجب، فيجب أن لا يجزئه.
ولأنها عبادة واجبة متعلقة بالبيت، فافتقرت إلى تعيين النية.
دليله: صلاة الفرض.
ولا يلزم عليه الإحرام والوقوف والسعي؛ لأن ذلك لا يتعلق بالبيت.
واحتج المخالف بأن الطواف ركن من أركان الحج، فلم يفتقر إلى نية التعيين.
دليله: الإحرام والوقوف.
والجواب: أن ذلك الركن لا يتعلق بالبيت، وليس كذلك هاهنا؛ لأنها عبادة واجبة متعلقة بالبيت، أشبه بالصلاة؛ لأن الوقوف لا يفتقر إلى النية أصلاً؛ لأنه لو اجتاز بعرفة غير ناوٍ أجزأه، ولو طاف حول البيت في طلب صيد، أو غريم له، لا يقصد الطواف، لم يجزئه، فبان الفرق.
فإن ارتكب بعضهم، ومنع من إيجاب النية في الجملة، دللت
стр. 549
عليه بأن الطواف عبادة تفعل في حال النسك، وينتفل بها في حال غير النسك، فافتقرت إلى النية.
دليله: ركعتا الطواف.
فإن قيل: لو نوى الإحرام التطوع وقع عن فرضه، كان يجب في الطواف مثله.
قيل: لا يجب مثل هذا؛ لأن الإحرام لا يتعلق بالبيت، وهذا يتعلق بالبيت، فهو كالصلاة.
وعلى أنا حكينا عن أحمد رواية فيما تقدم: إذا أحرم بنية التطوع لا يجزئه عن الفرض كالطواف سواء.
* … * … *
١١٥ - مسألة
السعي ركن في الحج، لا ينوب عنه دم في أصح الروايتين:
رواها الأثرم عنه في من انصرف، ولم يسع: يرجع فيسعى، وإلا فلا حج له.
وقال في رواية ابن منصور: إذا بدأ بالصفا والمروة قبل البيت لا يجزئه.
وبه قال مالك والشافعي.
وفيه رواية أخرى: ليس بركن.
стр. 550
نص عليه في رواية أبي طالب والميموني وحرب:
فقال في رواية أبي طالب في من نسى السعي بين الصفا والمروة، أو تركه عامداً: فلا ينبغي له أن يتركه، أرجو أن لا يكون عليه شيء.
وقال في رواية الميموني: السعي بين الصفا والمروة تطوع، والحاج والقارن والمتمتع عنه واحداً إذا طافوا، ولم يسعوا.
وقال في رواية حرب في من نسى السعي بين الصفا والمروة حتى أتى منزله: لا شيء عليه.
وبهذا قال أبو حنيفة؛ إلا أن أبا حنيفة يقول: يجب بتركه دم، وعلى هذه الرواية: لا دم عليه.
وجه الرواية الأولى: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن صفية بنت شيبة أنها قالت: أخبرتني حبيبة بنت أبي تجراة؛ إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: نظرت إلى رسول ﷺ ، وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: "اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي".
ومنه أدلة:
стр. 551
أحدها: أنه فعل السعي، وقال: "خذوا عني مناسككم".
الثاني: قوله: "اسعوا"، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
والثالث: قوله: "فإن الله كتب عليكم السعي" إخبار عن إيجاب الله تعالى؛ لأنه لا فرق أن يقول: قال الله: أوجبت عليكم، وبين أن يقول: كتب الله عليكم.
فإن قيل: الخبر يدل على الوجوب، ونحن نقول بموجبه، وليس فيه: أن الدم لا ينوب عنه.
قيل له: إذا ثبت وجوده اقتضى إيجاده؛ لأن ما أوجبه الشرع اقتضى إيجاده إلى أن يدل الدليل على أن غيره يقوم مقامه.
والقياس: أنه نسك يدخل في الحج والعمرة، فوجب أن لا ينوب عنه الدم.
أصله: الطواف والإحرام.
ولا يلزم عليه الحلاق؛ لأنه لا ينوب عنه الدم، ولا يتحلل إلا بالحلق أو التقصير على الصحيح من الروايتين، وقد حكيناه فيما تقدم.
ولا تلزم عليه التلبية؛ لأن الدم لا ينوب عنهما، وإنما يدخل الحلاق والتلبية على من جعل حكم العلة أن يكون ركناً، وذلك ليس بركن.
стр. 552
فإن قيل: ذكر الطحاوي في "اختلاف الفقهاء" عن محمد أنه قال: إذا وقف بعرفة، ثم حضرته الوفاة، فأوصى أن يتم عنه حجه؛ فإنه يذبح عنه للمزدلفة دم، ولرمي الجمار دم، وللحلق دم، ولطواف الزيارة بدنة، ولطواف الصدر دم.
قيل له: الدم لا يقوم مقام الطواف مع القدرة على فعله.
فإذا قلنا في حكم العلة هكذا لم يصح ما قاله.
وقد ذكر في هذا المهنى عبارات لا تأثير لها، منها أنها عبادة مبنية على تكرار المشي، أشبه الطواف.
أو مشي يتكرر فعله من بقاع الحرم.
أو سعي مشروع يتضمن رملاً ومشياً، فلا ينوب عنه الدم، كالطواف.
وإنما لم يؤثر ذلك؛ لأن ما كان مبيناً على التكرار، وما لم يتكرر، سواء في أن الدم، لا ينوب عنه، كالوقوف والإحرام.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].
فأثبته حاجاً ومعتمراً قبل السعي؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ يقتضي: فمن فرغ من الحج، فلو كان السعي ركناً لما أثبت له الحج والعمرة قبل وجوده.
والجواب: أن هذا لا يدل على ما قاله؛ لأن من قال: من صلى
стр. 553
فليقرأ فيها بفاتحة الكتاب، أو فليقرأ فيها من القرآن، لا يدل على أن الصلاة تخلو من القرآن.
قول النبي ﷺ : "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا" لا يدل على أن استقبال القبلة ليس منها، وأنه يجوز خلو الصلاة منه.
فإن قيل: فقول القائل: لا جناح عليك في فعل كذا، يقتضي إباحته.
قيل له: الظاهر يقتضي كون الشيء مباحاً، وقد أجمعنا على خلافه؛ لأنه عنده واجب، وعندنا شرط.
وعلى أن هذا ورد على سبب، وهو أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بين الصفا والمروة تقرباً إلى صنمين، كان أحدهما على الصفا، والآخر على المروة، ويسمى أحدهما إساف، أو إيساف، والآخر نائلة، فتحرج المسلمون من ذلك؛ لما فيه من التشبه بفعل الجاهلية، فأنزل الله - تعالى - أنه لا حرج في التشبه بالذي تفعل الجاهلية، وكان ذلك راجعاً إلى هذا المعنى دون فعل السعي.
واحتج بأنه نسك مخصوص بالحرم كالجمار.
ولا يلزم عليه الإحرام؛ لأنه غير مخصوص بالحرم، وكذلك الوقوف بعرفة لا يحصل في الحرم.
стр. 554
ولا يلزمه عليه الطواف؛ لأنه يجوز أن يقدم الدم مقامه؛ لأن الطحاوي ذكر في "اختلاف الفقهاء" عن محمد: إذا وقف بعرفة، ثم حضرته الوفاة، تُذبح عنه بدنة للطواف.
ولا يلزم عليه ركعتا الطواف؛ لأنهما غير مخصوصين بالحرم، فلم يجز أن يقوم الدم مقامهما.
والجواب: أن العلة منتقضة بالطواف؛ فإنه يختص الحرم، ولا يقوم الدم مقامه مع القدرة عليه.
والذي ذكره محمد إنما هو عند عدم القدرة، ومسألة الخلاف في قيام الدم مقامه مع قدرته على السعي، ولا يجوز ذلك.
ولأن قياس السعي على الطواف أولى من قياسه على الوقوف بالمشعر والرمي؛ لأنه من جنس الطواف.
ولأن السعي آكد منهما؛ لأنه يفعل في الحج والعمرة، فهو كالطواف.
واحتج بأن السعي نسك، ولا يجوز أن يكون بانفراده مقصوداً بالإحرام، فوجب أن يكون من توابع الإحرام.
دليله: الوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار.
ولا يلزم عليه الوقوف؛ لأنه يجوز أن يكون بانفراده مقصوداً بالإحرام، وهو أنه إذا أحرم ووقف بعرفات، ثم مات: أن حجه تام، ولا يقضي عنه، ويقوم مقام الثاني دم.
стр. 555
ولا يلزم عليه الطواف؛ لأنه يجوز أن يكون بانفراده مقصوداً بالإحرام بدليل أنه لو طاف للزيارة جُنباً، وعاد إلى أهله، حل له النساء، وعليه أن يعود إلى مكة، فيعيد، فإن عاد إليه بإحرام جديد، ولم يلزمه الإحرام عند الطواف الذي قصده بإحرامه، وكذلك إذا أحرم بعمرة، وترك السعي، أجزأه، وناب عنه دم.
والجواب: أن الركوع لا يكون بانفراده مقصوداً بالإحرام، ومع هذا فليس من توابع التحريمة.
وعلى أن الرمي والوقوف بالمزدلفة إنما كانا من توابع الإحرام؛ لأنهما يسقطان بسقوط الوقوف، ألا ترى أن العمرة لما لم يكن فيها وقوف لم يكن فيها رمي، ووقوف المزدلفة؟
ومن فاته الحج، لما سقط عنه الوقوف، سقط عنه الرمي، وليس كذلك السعي؛ لأنه لا يسقط بسقوط الوقوف.
فإن قيل: ركعتا الطواف لا تسقطان بسقوط الطواف، ومع هذا لا خلاف انها من توابعه.
قيل له: يسقطان بسقوط الطواف، ألا ترى لو أنه حُصر بعد الوقوف، سقط عنه الطواف وركعتاه.
واحتج بأن السعي تبع للطواف بدلالة أن من طاف جاز له أن يسعى عقيبه، ومن لم يطف لم يجز له ذلك، وإن كان في وقت السعي موجوداً، وإذا كان كذلك أشبه رمي الجمار.
стр. 556
والجواب: أنا لا نسلم: أن السعي تابع للطواف، وإنما هو فرض مقصود، كالطواف، ولهذا نقول: إن بقاء السعي يمنع من استباحة النساء، كما يمنع بقاء الطواف.
وقد نص على هذا في رواية أبي طالب في معتمر طاف، فواقع أهله قبل أن يسعى: فسدت عمرته، وعليه مكانها، ولو طاف وسعى، ثم وطئ قبل أن يحلق، أو يقصر، فعليه دم، إنما العمرة الطواف والسعي والحلاق.
وكونه مرتباً عليه لا يمنع كونه مقصوداً، كترتيب السجود على الركوع، وكل واحد منهما فرض مقصود.
فإن قيل: إنما كان كذلك؛ لأن القيام يجوز أن ينفرد عن الركوع، وهو في صلاة الجنازة، والركوع يثبت حكمه من غير تقدم القيام له، وهو الركوع والسجود والتلاوة، والسجود ثبت حكمه من غير ركوع تقدم، وهو سجود التلاوة، فإذا جاز أن ينفرد أحدهما عن الإحرام لم يكن تبعاً، والسعي لا ينفرد عن الطواف.
قيل له: السجود لا يجوز أن ينفرد عن الركوع في صلاة الفرض مع القدرة عليه، ومع هذا فليس بتبع له.
واحتج بأنه نسك يتكرر، ولا تعلق له بالبيت، فوجب أن لا يكون ركناً، ويكون تابعاً، كرمي الجمار.
والجواب: أن هذا الوصف لا تأثير له عند الخالف؛ لأن الوقوف
стр. 557
بالمزدلفة في النصف الثاني لا يتكرر، ولا يختص البيت، وليس بركن.
على أن المعنى في الأصل: ما تقدم.
واحتج بأن السعي لو كان ركناً لكان مؤقتاً، كالطواف والوقوف.
والجواب: أنه يبطل بالإحرام؛ فإنه ركن، وليس بمؤقت، والرمي مؤقت، وليس بركن، فلم يكن لهذا المعنى تأثيراً.
واحتج بأنه لو كان ركناً لكان من جنسه ما ليس بركن، كالطواف والوقوف؛ فإن من جنس الطواف ما ليس بركن، وهو طواف الصدر، ومن جنس الوقوف ما ليس بركن، وهو الوقوف بالمزدلفة.
والجواب: أن الإحرام ركن، وليس من جنسه ما ليس بركن، والركوع والسجود والقراءة والقيام في الصلاة أركان، وليس للركوع والسجود من جنسهما ما ليس بركن، وهو القراءة المستحبة، والقيام بعد الركوع.
* فصل:
فإن قلنا: ليس بركن، لم يجب بتركه دم خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يجب الدم.
والدلالة عليه: أنه يترتب على الطواف، فلم يجب بتركه دم، كركعتي الطواف.
ولأنه سعي مشروع يتضمن رملاً ومشياً، فلا يجب بتركه دم.
دليله: طواف القدوم.
стр. 558
واحتج المخالف بأنه من توابع الوقوف بدليل أنه يسقط بفواته، كما أن الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار من توابع الوقوف؛ لأنه يسقط بفواته، ثم وجب الدم بترك المبيت والرمي، كذلك السعي.
والجواب: أنه يلزم عليه ركعتا الطواف.
وأما الوقوف والرمي فإلحاق السعي بركعتي الطواف، وطواف القدوم قائم بنفسه.
* … * … *
١١٦ - مسألة
يكفي القارن طواف واحد وسعي واحد لهما في أصح الروايتين:
رواها الأثرم وحنبل وابن إبراهيم وابن منصور وأبو طالب والمروذي وابن القاسم:
فقال في رواية الأثرم: والقارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد، والمتمتع طوافان وسعيان.
وقال في رواية حنبل: وقد سُئل عن القارن: كم يطوف ويسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: يجزئه طواف واحد إذا دخل بالحج والعمرة، فإن دخل متمتعاً بعمرة، ثم حج، فأرى أن يسعى سعياً للعمرة، وسعياً للحج.
وقال في رواية ابن إبراهيم: وقد سأله عن القارن: يجزئه طواف
стр. 559
واحد، وسعي واحد؟ قال: يجزئه.
وقال في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان عن رجل أهل بالحج والعمرة، فقرن بين الطواف، والسعي بين الصفا والمروة: يعيد. قال أحمد: طواف واحد يجزئه، ولم ير ما قاله سفيان.
وقال أبو طالب: سألته عن حديث عائشة لما حاضت: كيف تصنع مثلها؟ قال: لما دخلت بعمرة حاضت بعد ما أهلت، فقال لها رسول الله ﷺ : "أمسكي عن العُمرة، وأهلي بالحج"، فهذه شُبهت بالقارن، فتذهب، فتقضي المناسك كلها، فإن كان يوم النحر جاءت إلى مكة، وطافت بالبيت، وسعت بين الصفا والمروة. قيل له: طواف واحد؟ قال: نعم، طواف واحد يجزئ القارن، وهذه يجزئها طواف واحد.
وقال المروذي: قال أبو عبد الله: إن شاء القارن طاف طوافاً واحداً.
وقال في رواية ابن القاسم: القارن يجزئه طواف واحد.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وفيه رواية أخرى: لا يجزئ القارن عن عمرته، بل تجب عليه عمرة مفردة.
نص عليه في رواية الأثرم في القارن: ليس فيه شك أنه لا يجزئه قرانه مع عمرته، وهو بين في حديث عائشة، وإنما تكون العمرة تجزئ؛ لأنه يجيء به مفرداً بعمرة، فيكون قد أنشأ لها سفراً.
стр. 560
وكذلك قال في رواية بكر بن محمد في من يهل بحجة وعمرة: أخاف أن لا يجزئه من العمرة الواجبة.
وكذلك قال في رواية أبي طالب: ومن قرن لم تجزئه عمرته؛ لأنهما أمر واحد.
وهو اختيار أبي بكر وأبي حفص.
وقال أبو حفص: والذي عندي: أن القرآن لا يسقط فرض العمرة؛ لأنه لم يجيء بها مجردة.
وقال أبو حنيفة: يطوف طوافين، ويسعى سعيين.
وقد أجزأه لهما - على قوله: يجزئه ذلك - بإحرام واحد.
وعلى ما نقله الأثرم وبكر وأبو طالب: لا يجزئه حتى يفرد لهما إحراماً.
وجه الرواية الأولى - وهو اختيار الخرقي-: ما روى أحمد في "المسند" قال: نا أحمد بن عبد الملك الحراني قال: نا الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرن بين حجته وعمرته، أجزأه لهما طواف واحد".
وروى أبو الحسن الدارقطني في لفظ آخر قال: "من أحرم بالحجِّ
стр. 561
والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد، ولا يحل من واحد منهما حتى يحل منهما".
وفي لفظ آخر: "من أهل بالحج والعُمرة".
فإن قيل: قوله: "من جمع بين الحج والعمرة" يقتضي ظاهره: من جمع بين أفعالهما؛ لأن الحج والعمرة عبارة عن الأفعال، ونحن نقول: من فرغ منهما، وأتى بأفعالهما، كفاه لهما طواف واحد للصدر.
قيل له: طواف الوداع ليس بسعي، والخبر يقتضي طواف يعقبه سعي، وليس هذا للصدر.
على أن السعي لا يجزئ عنهما عند المخالف بحال، والخبر يقتضي أن السعي عنهما، فلو سلم التأويل في الطواف، فلا يسلم في السعي.
ولأن طواف الصدر لا يكون لهما؛ لأن العمرة ليس لها طواف الصدر.
فإن قيل: قد يجوز أن يقول: لهما، ويريد به: لأحدهما، كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وأراد به: من أحدهما.
قيل له: هذا مجاز.
стр. 562
فإن قيل: نحمله على طواف القدوم؛ فإنه إذا قدم، كفاه طواف واحد للقدوم، فيكون عنهما.
قيل له: طواف القدوم ليس معه شيء، فلا يجوز أن يكون المراد به ذلك.
ولأن طواف القدوم لا يكون لهما؛ لأن العمرة ليس لها طواف قدوم، ألا ترى أنه لو أفرد العمرة لم يطف لها للقدوم.
وعلى أن لفظة (الإجزاء) إنما تستعمل فيما كان واجباً، وطواف القدوم غير واجب.
وأيضاً ما روي عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: "طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعُمرتك".
فإن قيل: خلافنا في القارن، وعائشة لم تكن قارنة، وإنما كانت مفردة، يدلك على صحة ذلك ما روي: أنها أحرمت بعمرة، فحاضت، فلم يمكنها أن تطوف بالبيت، فقال لها النبي ﷺ : "انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج".
وفي بعض الألفاظ: "ارفضي العمرة، وأهلي بالحج".
стр. 563
قيل له: عائشة كانت قارنة بدليل قوله: "طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك".
وهذا يدل على أنها كانت محرمة بالحج والعمرة، وأن طوافها كان واقعاً عنهما.
وأما قوله: "انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج"، فلا حُجة فيه؛ لأنه يجوز للمحرمة أن تنقض شعرها، وتمتشط وترفق حتى لا تنتف شيئاً من الشعر.
وقوله: "وأهلي بالحج"؛ لتصيري قارنة بإدخال الحج على العمرة.
وأما قوله: "ارفضي العمرة، وأهلي بالحج" فمعناه: ارفضي أعمال عمرتك، وأهلي بالحج؛ لتصيري قارنة؛ لأنها لو أقامت على إحرام العمة حتى تطهر، ثم تطوف، ثم تحرم بالحج، فاتها الحج لضيق وقته، فأمرها بإدخال الحج على العمرة؛ لتفعل جميع المناسك؛ لأن الحائض لا ينافيها إلا الطواف.
فإن قيل: لا يجوز أن تحمل قوله: "ارفضي عمرتك" على الأفعال؛ لأنه روي في الخبر ما يمنع هذا، وهو أنها قالت حين فرغت من الحج: أو كل نسائك يرجعن بنسكين، وأنا أرجع بنسك واحد؟
وروي أنها قالت: أترجع صواحبي بحج وعمرة، وأرجع أنا بحج؟
стр. 564
فأمر النبي ﷺ أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر؛ ليُعمرها من التنعيم، فلما فرغت من العمرة قال: "هذه عمرة مكان عمرتك"؛ لأنها مضت في حجها وعمرتها.
قيل له: معناه عندنا: أنهن يرجعن بحج وعمرة مفردين، وأنا أرجع بالقران، واعتقدت أن الإفراد أفضل من القران، والتمتع أفضل من القران إذ كن متمتعات، وهذا مذهب أحمد.
فإن قيل: نحمل قوله: "طوافك يكفيك لحجك وعمرتك" أراد به: يكفيك لحجك وعمرتك المرفوضة.
وأفاد بذلك أنه لا يجب عليها أن تتحلل من العمرة بالطواف.
قيل له: الحجة المرفوضة ليس فيها طواف: وقوله: "يكفيك" يقتضي أن يكون هناك طواف واجب تقع الكفاية عنه بهذا الطواف الواحد.
فإن قيل: لو سلمنا أنها كانت قارنة لم يكن فيها دلالة على موضع الخلاف؛ لأن قوله: "طوافك بالبيت" لا يقتضي طوافاً واحداً، ويحتمل أن يريد به: طوافك لكل واحد منهما.
قيل له: لا يصح هذا؛ لأن قوله: "طوافك" يقتضي ما يقع عليه اسم الطواف؛ لأن قوله: "طواف" يقتضي طوافاً واحداً، فإذا أضاف الطواف إليها لم يُفد زيادة العدد، وإنما يفيد تعريف الفعل، وهو فعل المضاف إليه، فيجب أن يكون طوافها الواحد يجزئها لحجها وعمرتها؛
стр. 565
لأنها لو كان المراد به: أكثر من طواف واحد، وسعي واحد، لم يكن للبيان فائدة؛ لأنه لا يشكل ذلك على أحد؛ فإنه لا يشكل أن يكون في حال القران يصير الطواف ثلاثاً، وإن كان هذا لا يشكل، لم يكن لهذا البيان فائدة.
ولأن أبا الحسن الدارقطني روى بإسناده عن عبد الله بن عباس: أن النبي ﷺ قال لعائشة: "يكفيك طوافك الأول لحجك وعمرتك"؛ يعني: طواف الزيارة؛ لأنها لم تكن طافت طواف القدوم؛ لأنها حاضت بسرف، وقدمت مكة وهي حائض، فأمرها النبي ﷺ أن تُهل، وتصنع ما يصنع الحج غير أنها لا تطوف بالبيت، فكام أول طوافها طواف الزيارة.
ولا يصح أن يحتج في هذه المسألة بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "دخلت العمرة في الحج"؛ لأن أحمد حمل ذلك على دخول وقتها في الحج، ولم يحمله على دخول الأفعال.
قال في رواية عبد الله وابن منصور: لا بأس بالعمرة في أشهر الحج، قال النبي ﷺ "دخلت العمرة في الحج".
والقياس: أن الطواف والسعي نسك يدخل في الحج والعمرة، فوجب أن يقتصر القارن على واحد منهما، كالحلق.
следующие страницы →