Полный текст (1 579 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
عنه، يلزمه لو وطئ أهله ناسياً، وهو محرم، أن لا يكون عليه شيء، وإذا قتل صيداً ناسياً لا يكون عليه شيء.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي قولان"
قال في الجديد: لا يفسد، ولا شيء عليه.
وقال في القديم مثل قولنا.
دليلنا: أن الوطء سبب يجب به قضاء الحج، فاستوى فيه العمد والخطأ.
دليله: فوات الحج.
فإن قيل: الفوات ترك ركن مأمور به، فلهذا استوى حكم العامد والناسي، كترك الركوع والسجود والقيام والقعود في أداء الصلاة، وترك النية في الصلاة، وليس كذلك الجماع؛ لأنه فعل منهي عنه في العبادة، فيختلف حكم العامد والساهي، كالأكل في الصوم.
قيل له: هذا باطل بالحلق، وقتل الصيد، والأكل والجماع في الصلاة، والمشي فيها، والحدث؛ فإنه منهي عنه، ويستوي عمده وخطؤه.
وعلة الأصل تبطل بخطأ عرفة.
стр. 737
وقياس آخر، وهو: أنه وطء في موضع مخصوص في إحرام تام، فأفسده.
دليله: وطء العامد.
ولأنها عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها سهواً، كالصلاة.
ولأنه معنى يوجب الهدي، فاستوى عمده وسهوه، كترك الإحرام من الميقات.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".
فعم، ولم يخص.
والجواب عنه: ما تقدم في مسألة المحرم إذا تطيب ناسياً.
واحتج بأنها عبادة يفسدها الوطء عمداً، فلم يفسدها سهوه، كالصيام.
والجواب: أنا لا نسلم الأصل؛ لأن الصوم يفسد بوطء الناسي، وقد تقدم الكلام عليه.
مع أن هذا يبطل بالصلاة؛ فإن جماع الناسي فيها يفسدها؛ عمداً وسهواً.
واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها كفارة، فوجب أن يكون في
стр. 738
محظوراتها ما يختلف حكم عمده وسهوه قياساً على الصوم؛ منه ما يختلف حكم عمده وسهوه، وهو الأكل.
والجواب: أنا نقول بموجبه على إحدى الروايتين في الطيب واللباس يختلف حكم عمده وسهوه.
وعلى الرواية الأخرى لا يختلف في باب الحج، ويختلف في باب الصوم، وكأن المعنى فيه: أن الصيام ليس عليه أمارة تدل [على] كونه صائماً، فلهذا جاز أن يُعذر في النسيان، والمحرم عليه أمارة تدل على كونه محرماً، وهو التجرد والتلبية وأعمال النسك، فلم يُعذر.
فإن قيل: هذا يبطل بالطهارة، وليس عليها أمارة، ومع هذا يستوي عمدها وسهوها في الفساد.
قيل له: إنما تعتبر الأمارة في حال التلبس بالعبادة [ .... ].
وعلى أن الصوم اختلف فيه العمد والخطأ في ما يختص محظوراته، كالأكل، فأما الجماع فلا يختص الحج.
وعلى أن هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأن عنده أن جميع محظورات الصيام يختلف حكم عمدها وسهوها، فلا يصح قوله: فجاز أن يكون في محظوراتها ما يختلف، وجميعها تختلف.
واحتج بأن الوطء القصد منه الاستمتاع دون الإتلاف،
стр. 739
فاختلف عمده وسهوه.
دليله: اللباس والطيب.
والجواب: أن في ذلك روايتين:
إحديهما -وهي الصحيحة-: أنه يستوي عمده وسهوه.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
والثانية: يفرق بينهما أن الوطء أغلظ بدليل أنه يرتفق به شخصان، والطيب واللباس يرتفق به شخص واحد، والوطء في ملك الغير أشد من الطيب واللباس في ملك الغير، والإباحة لا تجري في جنسه.
ولأن الوطء في الصوم يوجب الكفارة، وغيره من محظورات الصوم لا يوجب الكفارة، فدل على تأكيده.
فإن قاسوا على الاستمتاع في ما دون الفرج، فالمعنى فيه: أن عمده لا يفسده، فخطأه لا يفسد، وليس كذلك هذا؛ لأن عمده يؤثر في الحج، كذلك خطؤه، كقتل الصيد.
وإن قالوا: لو ألزمناه القضاء لم يؤمن مثل ذلك في القضاء.
فالجواب: أنه يبطل بالفوات، ومجاوزة الميقات، وبإيجاب الكفارة في قتل الصيد، وبالوطء في الصلاة ناسياً، وبالحدث في الطهارة ناسياً.
* … * … *
стр. 740
١٦٢ - مسألة
إذا وطئ دون الفرج، فأنزل، أو قبل، أو لمس، فأنزل، فسد حجه في إحدى الروايتين:
نص عليها في رواية المروذي وأبي طالب وابن إبراهيم:
فقال: في رواية المروذي في المحرم يُقبل امرأته: عليه دم، فإن أنزل أفسد حجه.
وقال في رواية أبي طالب في محرم أتى أهله في ما دون الفرج: فسد حجه؛ لأنه قد قضى حاجته.
وقال -أيضاً- في رواية ابن إبراهيم في محرم وطئ دون الفرج، فأنزل: فسد حجه، فإن لم ينزل فعليه بدنة.
وبهذا قال مالك.
وفيه رواية أخرى: لا يفسد حجه.
رواها الميموني وابن منصور:
قال في رواية الميموني: إذا باشر حتى يُمني، فالحسن وعطاء يقولان: حجه فاسد. وأرجو أن يكون هذا أهون، ويكون جائزاً، وابن عباس جعل عليه بدنة.
وقال في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في المحرم يجامع
стр. 741
في غير الفرج، وينزل: يقولون: عليه بدنة، وقد تم حجه، والمرأة عليها ما على الرجل إذا كانت تشتهي، فأنزلت. فقال أحمد: جيد.
ونقل عنه في موضع آخر: وذُكر له قول سفيان: إذا قبل فأمنى فبدنة، وإن أمذى فبقرة، وإن لم يُمن ولم يُمذ فشاة. قال أحمد: أرجو أن تجزئ شاة.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وجه الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
فقد نهى عن الرفث، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فهو عام في جميع الرفث، والوطء دون الفرج والقبلة من الرفث.
ولأن كل عبادة أفسدها الوطء، أفسدها الإنزال عن مباشرة.
دليله: الصوم.
فإن قيل: الصوم أوسع من باب الفساد، ألا ترى أنه يفسد بالإنزال عن النظر، والأكل والشرب، والحج لا يفسده إلا الوطء فقط.
قيل: هذا اختلاف في غير المباشرة، [أما في المباشرة]؛ فإنهما سواء، الدلالة عليه: المباشرة في الفرج.
يبين صحة هذا: أنا قسمنا ضمان صيد الحرم في حق المحل على
стр. 742
المحرم خلافاً لداود، وقلنا: صيد ممنوع من إتلافه لحق الله تعالى، فضُمن بالجزاء، كالصيد الممنوع منه لحرمة الإحرام.
فقال: حرمة الإحرام آكد بدلالة أنها تمنع الطيب واللباس والجماع، وحرمة الحرم لا تمنعه.
فقلنا: هذا اختلاف في غير الصيد، فأما في الصيد فهما متساويان في المنع من تنفيره، ومثله كذلك.
فإن قيل: إذا أفسدنا الصوم، فلم تسقط مزية الجماع؛ فإن الجماع ساوى غيره مع الكفارة العظمى.
قيل له: لا تسقط مزية الجماع؛ لأن الجماع في الفرج يوجب الفساد والكفارة العظمى من غير إنزال، وفي مسألتنا لا يحصل ذلك إلا بإنزال.
ولأن المقصود من الجماع الإنزال، وهو أبلغ من الإيلاج من غير إنزال، وقد وُجِدَ ذلك بالمباشرة دون الفرج، فيجب أن يفسد حجه.
فإن قيل: هذا باطل به إذا كرَّر النظر، فأنزل قد وجد المقصود، ومع هذا فلا يفسد حجه.
قيل له: لا يمتنع أن يوجد المقصود مع المباشرة، فتفسد العبادة، ويوجد مع النظر، فلا تفسد، كما قلتم في الصوم: لو نظر فأنزل، لم يفسد صومه، ولو قبِّل فأنزل، فسد، وكما قلنا نحن: إذا فكَّر فأنزل، لم يفسد صومه، ولو قبِّل فأنزل، فسد، كذلك هاهنا.
ولأنها مباشرة أثرت في إيجاب الدم في إحرام لم يتحلل منه،
стр. 743
فأثرت في إفساد الحج.
دليله: الوطء في الفرج.
ولا تلزم عليه المباشرة بعد رمي الجمرة وقبل الطواف؛ لأنها حصلت في إحرام قد تحلل منه.
فإن قيل: الوطء متبوع، فلهذا أفسد، وما دون الفرج تابع، فلا تبطل.
قيل: لا يمتنع أن يكون تابعاً ويفسد، كما أفسد الصوم، وإن كان تابعاً.
واحتج المخالف بأن هذا استمتاع لا يجب به الحد بحال، فلم يفسد، كالمباشرة إذا تجردت عن الإنزال.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يُوجب الحد ويُفسد، كما أفسدت الصوم، وإن لم توجب الحد.
وكذلك وطء زوجته أو أمته لا يوجب الحد، ويفسد، وكذلك الفوات يفسد الحج، وإن لم يوجب الحد.
واحتج بأن كل عبادة حرمت بالوطء وغيره، كان للوطء مزية على غيره، فلو أفسدنا الحج بغير الوطء، لم يكن له مزية؛ لأن الكفارة التي تجب به، وهي البدنة، تجب بقتل النعامة.
стр. 744
والجواب: أنا نقول بموجبه، وأن للوطء مزية؛ لأن الوطء في الفرج يوجب القضاء والبدنة؛ أنزل أو لم ينزل، وفي ما دون الفرج إذا لم ينضم إليه إنزال لا يفسد حجه، ولا تجب البدنة، وإنما تجب شاة.
* فصل:
إذا قلنا: لا يفسد على الرواية الثانية، ففيه بدنة.
وقال الشافعي: فيه شاة.
دليلنا: أنها مباشرة تؤثر في فساد الصوم، فأوجبت الكفارة العظمى.
دليله: الوطء في الفرج.
واحتج المخالف بأنه استمتاع لا يوجب فساد الحج، فلا يوجب البدنة، كالطيب واللباس.
والجواب: أنه يلزم عليه قتل النعامة، يوجب البدنة، ولا يفسده؛ لأن إلحاقه بالوطء أشبه من إلحاقه بالطيب بدليل أن الاعتكاف والصوم لا يمنع الطيب واللباس، ويمنع القبلة لشهوة.
* … * … *
١٦٣ - مسألة
فإن قبَّل، أو لمس، أو وطئ دون الفرج، فلم يُنزل وجبت عليه الفدية:
وفي مقدارها روايتان:
стр. 745
إحداهما: شاة.
نص عليه في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عنه في الرجل يقبض على فرج امرأته: فليهريق دماً، شاة تجزئه.
وكذلك نقل صالح في الذي يقبِّل لشهوة: أكثر الناس يقول: فيه دم.
وهو اختيار الخرقي.
وفيها رواية أخرى: يلزمه بدنة.
نص عليها في رواية إسحاق بن إبراهيم في محرم وطئ دون الفرج، فأنزل: فسد حجه، فإن لم ينزل فعليه بدنة.
وقال الشافعي: عليه شاة.
والدلالة على وجوب البدنة: أنه استمتاع بمباشرة، فأوجبت البدنة.
دليله: الوطء.
وإن شئت قلت: استمتاع بالنساء أشبه إذا استمتع بالفرج.
واحتج المخالف بأن هذا استمتاع لم يُضامه إنزال، فلم يوجب الدم.
دليله: إذا كان من فوق حائل، أو كان لزحمة.
والجواب: أن ذلك ليس باستمتاع، ولهذا لا يوجب الدم أصلاً، وليس كذلك هذا؛ لأنه استمتاع بالنساء يوجب الدم، فأوجب البدنة.
واحتج بأن القبلة من دواعي الجماع، فهي كالطيب.
стр. 746
والجواب: أن كفارة القبلة آكد؛ لأنه لا تخيير فيه، وفدية الطيب فيها تخيير.
ولأن القبلة أغلظ حكماً، وأبلغ من الاستمتاع، وأدعى إلى الحدث، ولهذا تنقض الطهر، ويُمنع منها الصائم بخلاف الطيب.
* … * … *
١٦٤ - مسألة
فإذا كرر النظر، فأنزل، وجبت عليه بدنة، وإن أمذى فعليه شاة في أصح الروايات:
نقلها حنبل، فقال: إذا أمنى من نظر، وكان لشهوة، فعليه بدنة، وإن أمذى فعليه شاة.
وهو اختيار الخرقي.
وفيه رواية أخرى: تجب شاة في المني.
قال في رواية ابن إبراهيم: إذا كرَّر النظر، فأنزل، عليه دم.
وفي رواية ثالثة: عليه شاة بمجرد النظر؛ أنزل أو لم ينزل.
قال في رواية الأثرم في محرم جرد امرأته، ولم يكن منه غير التجريد: عليه شاة.
وقال الشافعي: لا شيء عليه؛ أنزل، أو لم ينزل.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن مجاهد، عن ابن عباس
стр. 747
في محرم نظر إلى امرأته حتى أمنى قال: عليه شاة.
ورواه بلفظ آخر قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: فعل الله بهذه، وفعل! إنها تطيبت، وأتتني، وكلمتني، وحدثتني حتى سبقتني الشهوة، فقال ابن عباس: انحر بدنة، وتم حجك.
ولا يُعرف له مخالف.
ولأن النظر من دواعي الجماع، فجاز أن يؤثر في إيجاب الدم، كالقُبلة والطيب.
ولأنه إنزال بسبب محظور أشبه لو أنزل عن قُبلة.
واحتج المخالف بأنه إنزال عن غير مباشرة أشبه إذا أنزل عن احتلام.
والجواب: أن ذلك إنزال بسبب مباح، وهذا بسبب محظور، فهو كالإنزال عن قبلة.
* … * … *
١٦٥ - مسألة
إذا كرر النظر، فأنزل، لم يفسد حجه، وعليه بدنة:
نص عليه في رواية حنبل، وذكره الخرقي في "مختصره".
وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا كرر النظر، فأنزل، عليه دم.
وقال في رواية الأثرم في محرم جرد امرأته، ولم يكن منه غير التجريد: عليه شاة.
стр. 748
وظاهر هذا: أنه أوجب الشاة بمجرد النظر، وإن لم ينضم إليه إنزال، ويمكن أن يُحمل هذا على أنه لمسها في حال التجريد، فأوجب ذلك لأجل الملامسة.
وقال الشافعي: لا فدية عليه.
دليلنا: أنه إنزال بسبب محظور في الحج، فأوجب الفدية.
دليله: لو قبل فأنزل.
ولأنه أحد نوعي الاستمتاع، فجاز أن يؤثر في الفدية.
دليله: المباشرة.
واحتج المخالف بأنه إنزال من غير مباشرة، فلم يوجب بدنة، كالاحتلام والفكر.
والجواب: أن ذلك الإنزال لا يأثم به، وهذا يأثم بسببه، فهو كالقُبلة.
* … * … *
١٦٦ - مسألة
إذا وطئ امرأةً في دبرها، أو عمل عمل قوم لوط، أو وطئ بهيمة، فسد حجه، وعليه البدنة:
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يفسد حجه بالإيلاج.
стр. 749
دليلنا: أنه وطء في الفرج، فأفسد.
دليله: الوطء في القبل.
ولأنه يجب الغسل بالإيلاج فيه، فأفسد الحج، كالقبل.
ولأن هذا الوطء أغلظ من وطء في قُبُل المرأة، فإذا جاز أن يفسد الحج بالوطء في قُبُلها، فالوطء في الدبر أولى.
ونبني المسألة على أصل، وهو: أن الحد يجب بالإيلاج فيه، وندل عليه بما نذكره في كتاب الحدود إن شاء الله.
وإذا ثبت هذا الأصل قلنا: فرج يجب الحد بالإيلاج فيه، ففسد الحج بالإيلاج فيه.
دليله: القبل.
واحتج المخالف بأنه وطء في موضع لا يتعلق به وجوب المهر بحال، فوجب أن لا يتعلق به فساد الحج.
دليله: الوطء في ما دون الفرج.
والجواب: أن هذا غير مسلم في دبر المرأة؛ لأن لا يوجب المهر، وحُكمه حكم القبل إلا في خمسة أحكام: الإحصان، والإحلال، والفيئة في الإيلاء، والعنة، ويعتبر إذن البكر.
стр. 750
وأما في دبر البهيمة واللواط؛ فإنه لا يوجب المهر بحال، وليس إذا لم يتعلق به الضمان لم يتعلق به الفساد، ألا ترى أن وطء جارية مملوكة لا يجب ضمانه، ويتعلق به فساد العبادات؟
وعلى أن هذا الوطء، وإن لم يكن مضموناً، فهو أغلظ مما يستباح بالعوض، ويُحكم على متلف بضمانه، ألا ترى أنه إذا قال: والله لا آكل لحماً، فأكل لحم ميتة أو خنزير، حنث بيمينه، كما يحنث إذا أكل لحم المذكى، وإن كان لا يستباح إلا عند الضرورة.
واحتج بأن وطء لا يتعلق به الإحصان، فلا يتعلق به الفساد.
أصله: ما ذكرنا.
والجواب: أن الفساد آكد وأعم من الإحصان، ألا ترى أنه إذا وطئ جاريته، أو زنا، أو وطئ امرأة نكاحاً فاسداً، أو شبهة؛ فإنه يتعلق به الإفساد، ولا يتعلق به الإحصان.
ثم المعنى في الأصل: أنه لا يوجب الغسل، وهذا فرج يجب الغسل بالإيلاج فيه، فهو كالقُبُل.
* … * … *
١٦٧ - مسألة
إذا وطئ في العمرة أفسدها، وعليه القضاء وشاة:
نص عليه في رواية أبي طالب، فقال: تجزئة شاة.
стр. 751
وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: عليه بدنة.
دليلنا: أنها عبادة يجب بإفسادها الكفارة العظمى، فلم تجب تلك الكفارة بإفساد جميع نوعها، كالصوم لا تجب الكفارة بإفساد القضاء والنذر وغيره.
ولأن حرمة العمرة أنقص من حرمة الحج بدلالة نقصان أركانها، ونقصان حرمة الإحرام يمنع من كمال الكفارة.
وأصله: الوطء بعد التحلل.
فإن قيل: ليس هناك إحرام.
قيل له: قد دللنا عليه في ما تقدم.
ولأنه وطء صادف العمرة، فلم تجب لأجلها بدنة، كالناسي.
فإن قيل: ذلك الوطء لا يفسد العمرة، فلهذا لم يوجب بدنة.
قيل له: يفسدها عندنا.
ولأنه إحرام تضمن طوافاً وسعياً، فإذا أفسده، وجب به شاة.
دليله: إذا وطئ بعد التحلل الأول.
فإن قيل: ذلك لم يصادف إحراماً؛ لأن التحلل قد سبق.
قيل: التحلل حصل من بعض المحظورات، فأما من الوطء فلا، بدليل بقاء تحريمه، وبدليل بقاء ركنين من أركان الحج، وهو الطواف والسعي، ولا نجد عبادة نتحلل منها، وقد بقي من أركانها.
стр. 752
واحتج المخالف بأن العمرة عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب أن تكون الكفارة العظمى، كالحج والصوم.
والجواب عن الحج: أن حرمة العمرة تنقص بدلالة نقصان أركانها، وأنها تجتمع معه في إحرامه، وتدخل أفعالها في أفعاله، وإذا نقصت عن الحج في هذه الأحكام، نقصت في باب الكفارة.
وأما الصوم فهو دليلنا؛ لأن الكفارة العظمى لما وجبت بإفساده، اختص من بين نوعه بها، ولما وجبت الكفارة العظمى بالوطء في الحج، وجب أن تختص من بين نوع الإحرام به، ونقلبه فنقول: فلا تجب الكفارة العظمى بإفساد ما هو أنقص منه، كالصوم.
* … * … *
١٦٨ - مسألة
إذا وطئ القارن، فأفسد حجه وعمرته، لم يسقط عنه دم في القران بالإفساد، وكذلك المتمتع:
نص عليه في التمتع الفاسد: أنه لا يسقط عنه الدم، فقال في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في رجل أهل بعمرة في أشهر الحج، ثم جامع أهله قبل أن يطوف بالبيت، ثم أقام إلى الحج: يحج، وعليه دم لعمرته، وليس عليه دم للمتعة؛ لأنه أفسدها، فقال أحمد: عليه دم المتعة، ودم لما أفسد من العمرة.
فقد نص على أن دم التمتع لا يسقط بالفساد، وفي القران آكد.
стр. 753
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يسقط دم القران والتمتع.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية المروذي: وقد سئل عن متمتع دخل مكة، فوطئ قبل أن يطوف بالبيت، فقال: لا تقل متمتع، لكن قل: معتمر، يرجع إلى الميقات الذي أهل منه، فيحرم بعمرة، وعليه دم، وإن كان الوقت ضيقاً أهل بالحج، وإذا فرغ منه أهل بالعمرة من الموضع الذي أهل بها.
فلم يوجب عليه دم التمتع.
دليلنا: أن كل ما وجب الإتيان به في القران الصحيح، وجب الإتيان به في القران الفاسد، كالطواف.
وإن شئت قلت: كل ما وجب الإتيان به في التمتع الصحيح، وجب الإتيان به في الفاسد، كالطواف.
واحتج المخالف بأنه لم يجمع بين الإحرامين على وجه القُربة، فلم يلزمه دم، كالمكي إذا جامع.
والجواب: أن المكي لم يسقط الدم عنه عندنا؛ لأنه لم يجمع بين الإحرامين على وجه القُربة، ألا ترى أنه لو تمتع، ولم يطأ، فلا دم عليه؟ وإنما يسقط الدم عنه؛ لما ذكرنا في ما تقدم من نص الآية، ولأنه لم يترفه بإسقاط أحد السفرين.
стр. 754
* فصل:
فإذا قلنا: إن تمتعه قد فسدت، وسقط عنه الدم على ظاهر رواية المروذي، فأهل بعمرة أخرى ينوي قضاءها، فهل يكون متمتعاً؟
فإن أنشأ سفراً تقصر في مثله الصلاة، ثم عاد، وأهل بها، ومضى فيها، وحج من عامه ذلك، كان متمتعاً.
وإن لم ينشئ سفراً، لم يكن متمتعاً؛ سواء جاوز الميقات، أو لم يجاوزه.
وهذا ظاهر ما نقله إسحاق بن إبراهيم: وقد سأله من يكون متمتعاً؟ قال: إذا أنشأ سفراً تقصر فيه الصلاة، فهو متمتع.
ونقل إسحاق عنه رواية أخرى تقتضي أنه إذا بلغ الميقات، واعتمر، وحج من عامه ذلك، كان متمتعاً؛ سواء أكان قدره سفراً تُقصر فيه الصلاة، أم لا، فقال إسحاق: سألته عن رجل تمتع من مكة، قال: لا تكون متعة حتى يخرج إلى ميقاته.
وقال أبو حنيفة: إن رجع إلى أهله، ثم عاد، فأهل بها، وحج من عامه، فهو متمتع، وإن لم يرجع إلى أهله، لم يكن متمتعاً.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن جاوز وقتاً من المواقيت، ثم اعتمر، وحج من عامه، كان متمتعاً؛ رجع إلى أهله، أم لم يرجع.
دليلنا على أنه لا اعتبار بالميقات: أنه لما فسد العمرة حصل السفر
стр. 755
لغير المتمتع، ألا ترى أنه لو اعتمر بعد ذلك من التنعيم، وحج من عامه ذلك، لم يكن متمتعاً؟
فإذا ثبت ذلك قلنا: لما تعلق بذلك السفر حكم، وهو بطلان التمتع، لم يبطل ذلك الحكم بمجاوزته الميقات، كما قلنا في من دخل مكة بعمرة من بلده في أشهر الحج، ولم يفسدها: لما تعلق بذلك بذلك السفر حكم، وهو صحة التمتع؛ لأنه لو مضى في عمرته، وحج من عامه ذلك، كان متمتعاً، لم تبطل ذلك الحكم مجاوزة الميقات، كذلك هاهنا.
فإن قيل: ترك السفر في مسألتنا تعلق به صحة التمتع، وفي المسألة التي رددتم إليها يتعلق به بطلان التمتع، فكيف يجوز قياس أحدهما على الآخر؟
قيل له: إذا اشترك الفرع والأصل في الحكم، جاز قياس أحدهما على الآخر، وقد بينا اشتراكهما في ذلك، وهو أن سفره يتعلق به حكم، فلم يبطل ذلك الحكم بمجاوزة الميقات قياساً على ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأنه حصل في موضع لأهله التمتع أشبه إذا سافر ما تُقصر فيه الصلاة.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأنه متى لم يكن بينه وبين مكة مسافة تُقصر فيها الصلاة، فأحرم بعمرة، لم يكن متمتعاً يجب عليه دم التمتع.
على أن هذا يوجب أن يكون من دخل من بلده إلى مكة في أشهر
стр. 756
الحج، وفرغ منها، ثم جاوز بعض المواقيت: أن يبطل تمتعه، كما لو رجع إلى بلده، وفي اتفاقهم على أنه لا يبطل تمتعه دليل على أن مجاوزته إلى الميقات، لا تجري مجرى رجوعه إلى بلده.
واحتج إذا جاوز الميقات كان حكمه حكم سائر الآفاق بدليل أنه لا يجوز له دخول مكة إلا بإحرام، كما لا يجوز لسائر أهل الآفاق، واتفقوا أنه يصح منهم التمتع، كذلك هاهنا.
والجواب: أن أهل الآفاق إذا تعلق بسفرهم بحكم، وهو بطلان التمتع، أو صحته، فإن ذلك الحكم لا يبطل إلا بحصول الرجوع إلى بلده.
وأما اعتبار أبي حنيفة بالرجوع إلى أهله، فقد تقدم الكلام معه في المتمتع إذا فرغ من عمرته، ثم سافر ما تُقصر فيه الصلاة، وهل يسقط عنه دم التمتع، أم لا؟ فعندنا: لا يسقط، وعندهم: يسقط بإلمامه بأهله، ومضى الكلام فيه.
* فصل:
ويلزم القارن دم واحد لأجل الفساد.
نص عليه في رواية ابن منصور، وقد سأله عن القارن إذا أفسد حجه بإصابة أهله: ما عليه من الهدي؟ قال: عليه هدي واحد.
стр. 757
ونقل عنه في موضع آخر في قارن طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم جامع قبل أن يأتي منى: فإن كان نوى بطوافه أن يحل من حجه وعمرته، فقد حل إذا هو قصر أو حلق، وله أن يحل منهما إذا لم يسق، ولا بد أن يُهل بالحج من عامه، وليس عليه شيء إذا وطئ بعد الحلق.
وهذا بناء على أصلنا أن له فسخ الحج إلى العمرة؛ سواء كان قارناً، أو مفرداً.
وقال أبو حنيفة: إذا وطئ قبل طواف العمرة أفسدها، وعليه شاتان؛ إحديهما لإفساد العمرة، والثانية لإفساد الحج.
وإن وطئ بعد طواف العمرة لم تفسد عمرته، وفسد حجه، وعليه دم واحد.
وقد يتخرج مثل هذا على ما ذهبنا على الرواية التي [توجب أن] يأتي القارن بطوافين وسعيين.
والدلالة على أنه يلزم دم واحد للفساد: أنه مستنك يجتزئ بحلاق واحد، فلم يلزمه بالوطء إلا كفارة واحدة، كالمفرد.
واحتج المخالف بأنهما عبادتان، لو أفرد كل واحدة منهما بالوطء، لزمه كفارتان، فإذا جمعهما، ووطئ فيهما، لزمه كفارتان، كالصائم إذا كان محرماً بعمرة.
والجواب: أن كفارة صوم رمضان وكفارة العمرة كفارتان مختلفتان،
стр. 758
فلم تتداخلا، وليس كذلك كفارة الحج وكفارة العمرة؛ لأنهما من جنس واحد، فإذا اجتمعا جاز أن يتداخلا، كما يقول في حرمة الحرم وحرمة الإحرام.
واحتج بأن وطأه صادف ما يسقط به الحج والعمرة، فوجب أن يلزمه دمان، كالمتمتع إذا وطئ في العمرة، ثم في الحج.
والجواب: أن هناك إحرامان منفردان، وهاهنا الإحرامان مجتمعان، فتداخلت كفارتهما، كما إذا اجتمعت حرمة الحرم والإحرام، والكلام في هذه المسألة مستوفى في قتل الصيد.
* … * … *
١٦٩ - مسألة
لا يجوز تفريق الهدي -عن المتعة، والقران، وما كان معناه من الهدي الواجب بترك الإحرام من الميقات- على غير فقراء الحرم، وكذلك الإطعام في جزاء الصيد، ويجوز ذلك في فدية الأذى، وما كان في معناه من اللباس، والطيب، ودم الإحصار إذا وُجد سبب ذلك في الحل:
وقد نص على ذلك في رواية الأثرم في محرم أصاب صيداً في غير مكة: فجزاء الصيد بمكة، وعليٌّ إنما ذبح عن حسين على بعض
стр. 759
المياه؛ لأنه كان في فدية الأذى.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: كل شيء يصيب بمكة، فكفارته بمكة، وما كان معناه حديث علي، فعلى ما صنع علي.
وقال -أيضاً- في رواية أبي الحارث: وما كان من دم واجب وجزاء الصيد، فلا يُذبح إلا بمكة، وما كان من كفارة، أو فدية حلق الرأس، أو لبس ثوباً، أو غيره من الفدية، فحيث حلق أو لبس افتدى.
وقال -أيضاً- في رواية المروذي: إذا مات، ولم يصم، يُطعم عنه بمكة موضع وجب عليه.
وقال في رواية الميموني: إن أعطى الطعام جعله في أهل مكة خاصة.
وقال في رواية الميموني في القارن يحصره العدو: فإن كان معه هدي نحره مكانه، وحل، وليس عليه شيء أكثر من هذا.
فقد نص على التفصيل الذي ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز تفريق لحم الهدي على غير فقراء الحرم، وكذلك الإطعام في الجزاء والفدية.
وقال الشافعي: لا يجوز ذلك إلا في دم الإحصار، والإطعام عن دم الإحصار خاصة.
стр. 760
دليلنا على أبي حنيفة ومالك: قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وظاهر الآية يقتضي أنه إذا وصل الهدي حياً إلى الكعبة أجزأه، إلا أن الديل دل على وجوب إيقاع فعل فيه، ولا يجوز أن يكون المراد بذلك النحر فحسب؛ لأنه ليس في النحر أكثر من تلويث الحرم بالدم، وتنجيسه، وذلك موضع شريف لا يُؤمر بتنجيسه مقصوداً، فثبت أنه أراد بذلك الأمر بالتفرقة، إلا أن التفرقة قد تتضمن النحر؛ لأنها لا تحصل إلا بعد، واقتضت الآية وجوب الأمرين معاً.
وأيضاً روي عن ابن عباس: أنه قال: الهدي والإطعام بمكة، والصوم حيث شاء.
ولا يُعرف له مخالف، وعندنا وعندهم أن قول الصحابي مقدم على القياس.
والقياس: أن التفرقة إحدى مقصودي الهدي، فجاز أن يختص بالحرم، كالنحر.
ولا يلزم عليه هدي المحصر؛ لأنه قد يختص الحرم، وهو إذا كان الحصر في الحرم، وكذلك فدية الأذى تختص بالحرم إذا كان الحلق في الحرم.
فإن قيل: تفرقة اللحم غير مقصودة عندنا وعندكم؛ لأنه لو سُرق بعد الذبح لم يجب بدله، ولو سُرق قبل الذبح وجب بدله.
стр. 761
قيل له: نريد بقولنا: (مقصودة): أنها واجبة عليه مع القدرة عليها، ولا خلاف أنه واجب عليه مع القدرة عليه، كالذبح.
ولأنه لو حال الحول على النصاب، ووجبت الزكاة فيه، ثم سُرق قبل المطالبة بها، سقطت الزكاة عند أبي حنيفة، ولم يدل ذلك على أن تفرقتها ليس بمقصودة.
ولأن الضمان إنما سقط؛ لأن الشيء تلف بغير تفريط فيه، وهذا لا يدل على أنه غير مقصود، كما أن من نذر أضحية ونحوها، فسُرق لحمها، لم يضمن، وإن كانت التفرقة مقصودة.
فإن قيل: سوق الهدي وتقليده مقصود، ولا يختص الحرم.
قيل له: ذاك غير مقصود، وإنما تقلد لئلا تختلط، وتُساق؛ لتُنحر في محلها.
فإن قيل: الذبح عبادة بدنية، وعبادات الأبدان يجوز أن تختص بمكان، وتفرقة اللحم من حقوق الأموال، وذاك لا يختص بمكان.
قيل له: عبادات الأبدان منها ما يختص بمكان، ومنها ما لا يختص، فيجب أن يكون في عبادات الأموال كذلك؛ لأنها أحد نوعي القُرب.
فإن قيل: الذبح لما اختص بزمان لم يختص تفريق اللحم به، كذلك ما اختص منه بمكان لا يختص تفريق اللحم به.
قيل له: لا يمتنع الإخلال بالزمان دون المكان، كطواف الزيارة
стр. 762
يختص عند المخالف بزمان -وهو أيام التشريق- ومكان، والإخلال بالمكان يمنع الصحة، والإخلال بالزمان لا يمنع الصحة.
وقياس آخر، وهو: أن كل ما تعلق بالإحرام، ولم يكن من شرطه الجمع بين الحل والحرم فيه، فإذا اختص بعضه بالحرم اختص جميعه به، كالطواف والرمي.
ولا يدخل عليه الإحرام؛ لأن من شرطه الجمع بين الحل والحرم فيه.
ولا تدخل عليه فدية الأذى؛ لأنه يختص بعضها بالحرم؛ لأنه يجوز ذبحه في موضع سببه، وتفرقة لحمه أيضاً.
فإن قيل: التفرقة ليست بعض الهدي، بل الذبح نسك، والتفرقة نسك آخر، وأحدهما يختص الحرم، والآخر لا يختص، كالوقوف بعرفة، والوقوف بالمزدلفة، ولهذا نقول: لو ذبح الهدي، ثم سُرق اللحم، أجزأه.
قيل له: الهدي نسك واحد وجب فعله بشرطين:
أحدهما: الذبح.
والآخر: التفرقة.
بدليل أنه لو ذبح، ولم يفرق، وأتلف اللحم، لم يجزئه، ولم يقع ذلك الذبح موقعه.
وليس إذا سُرق اللحم، فأجزأه، دل على أن التفرقة غير متعلقة
стр. 763
بالذبح، كما أن المال إذا تلف سقطت الزكاة عندهم، ولم يدل ذلك على أن الزكاة غير متعلقة به.
وأيضاً فإن الحقوق التي تتعلق بالقرب على ضربين:
ضرب في المال.
وضرب على البدن.
وما يتعلق على البدن فيه ما يختص بموضع دون موضع، كالطواف والسعي وذبح الهدي، فيجب أن يكون في المال ما يختص بموضع دون موضع.
وإذا ثبت هذا ثبت اختصاص الهدي بالحرم؛ لأن أحداً لا يفرق بينهما.
فإن قيل: نقول بموجبه، وهو: إذا قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم على مساكين الحرم إن شفى الله مريضي؛ فإنه يجب أن يتصدق بها.
قيل له: ليس عن أبي حنيفة في ذلك رواية، ومحمد يقول: يجب، وأبو يوسف يقول: يجوز أن يفرقها على مساكين الحل، والقول عندهم قول أبي يوسف في ما لم يكن عن أبي حنيفة فيه رواية.
وقد نص أحمد على اختصاص ذلك بفقراء الحرم في رواية ابن إبراهيم في رجل جعل دراهمم يتصدق بها هدياً إلى البيت: يبعث بها إلى مكة، يتصدق بها على فقرائها ومساكينها.
стр. 764
وكذلك نقل المروذي في من أهدى إلى البيت دراهم: يبعث بها إلى مكة، يتصدق بها على مساكينها.
فإن قيل: الحق الذي يتعلق بالبدن منه ما يختص بزمان، وليس كذلك في حقوق الأموال.
قيل له: فيها ما يختص بزمان، وهو زكاة الفطر؛ فإنه لا يجوز تقديمها على رمضان.
فإن قيل: لما كان في ما يتعلق على البدن ما يختص بموضع دون موضع، كالطواف والسعي والذبح، لم يختلف الواجب منه والتطوع، فلو كان في المال ما يختص بموضع دون موضع، لوجب أن لا يختلف الواجب منه والتطوع، ولما وافقنا في هدي التطوع: أنه لا تختص فرقة لحمه بموضع، ويجوز في الحرم وغيره، كذلك الواجب.
قيل له: هدي التطوع لما لم يختص أحد موجبيه بالحرم، وهو النحر، لهذا لم تختص تفرقته به، وفي مسألتنا لما اختص أحد موجبيه -وهو النحر- بالحرم، اختص بقيته.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥].
ولم يخص مكاناً دون مكان.
стр. 765
والجواب: أن هذا عطف على قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقد ثبت أن وصول الهدي إلى الحرم واجب، وإيقاع فعل فيه أيضاً، كذلك يجب أن يكون الإطعام في حكمه.
فإن قيل: هذا عطف على قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ﴾، فتقديره: أو كفارة طعام، ولا يكون عطفاً على قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾؛ لأن بلوغ الكعبة صفة، والعطف يكون على الموصوف دون الصفة.
قيل له: بلوغه الكعبة صفة للموصوف الذي هو المثل، فالإطعام عطف عليه بصفاته.
واحتج بقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍأَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا عام.
وكذلك قول النبي ﷺ لكعب بن عُجرة: "تصدق على ستة مساكين بثلاثة آصع من طعام"، ولم يُفصل.
والجواب: أن هذا وارد في فدية الأذى، وعندنا لا تختص الحرم.
واحتج بأنها كفارة، فلا تختص مساكين الحرم قياساً على كفارة اليمين.
ولأنه حق يتعلق بالمال يجب إخراجه إلى المساكين، فوجب أن
стр. 766
لا يختص به مساكين الحرم قياساً على النذور والكفارات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لا يختص بعضه بالحرم، فلم يختص جميعه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يختص بعضه بالحرم، وهو الذبح، فوجب أن يختص تمامه به.
دليله: الطواف والرمي.
واحتج بأنه أحد ما يقع به التكفير، فلم يختص الحرم، كالصوم.
والجواب: أن الصوم لا منفعة لمساكين الحرم فيه، فلم يختص الحرم، ولهم منفعة في الإطعام.
فإن قيل: فالذبح لا منفعة لهم فيه، ويختص الحرم، وكذلك الطواف والسعي والرمي.
قيل له: أما الذبح فلهم فيه منفعة، وهو وصول اللحم إليهم غضاً طرياً، فأما الصوم، فلا منفعة لهم فيه بوجه.
وأما الطواف والسعي والرمي فلا تختص الحرم، وإنما تختص بقعة منه، والتفرقة تتعلق بجميع الحرم، ألا ترى أن أي موضع من الحرم فرق في أجزأه، إذا كان كذلك، لم يدخل الطواف والسعي على علة الأصل؛ لأنا قلنا: (لا منفعة لهم فيه، فلم يختص الحرم)، ونريد به: لا يختص جميع الحرم.
فإن قيل: أليس قد سويت بين الصوم في كفارة اليمين والظهار وبين
стр. 767
الإطعام في أن جميع ذلك لا يختص الحرم، وإن كان الصوم لا منفعة لهم فيه، والإطعام لهم فيه منفعة؟
قيل له: لما بينا، وهو: أن تلك الكفارات لا يختص بعضها بالحرم، فلم يختص جميعها، وهذه يختص بعضها بالحرم، فاختص جميعها.
واحتج بأنه يجوز أن يصرف إلى المجتازين في الحرم، وإن لم يكونوا مقيمين فيه.
والجواب: أن الاعتبار بكون المساكين فيه؛ سواء كانوا من أهله، أو من غيره، كما أن الصيد محرم فيه؛ سواء كان من صيد الحرم، أو من غيره لكنه حصل فيه؛ فإن الحرمة تثبت له بكونه فيه.
واحتج بأن كل موضع يجوز أن يجب الهدي فيه، يجوز أن يُفرق فيه الهدي، كالحرم.
والجواب: أن الحرم موضع للذبح، فلهذا كان موضعاً لتفرقته فيه.
واحتج بأنه هدي تجوز تفرقة لحمه في الحرم، فجاز في غير الحرم.
أصله: دم الإحصار، وفدية الأذى.
والجواب: أنه يجوز ذبح ذلك في غير الحرم، فلهذا جازت تفرقته.
فإن قيل: لا نسلم لك هذا.
قيل: نحن نبني ذلك على أصلنا.
وإن شئت قلت: حال الحصر حال عذر، فجائز ترك الحرم معها،
стр. 768
كما ترك بقية المناسك.
وإن شئت قلت: لما كان الحل موضع محله، كان موضع نحر.
* فصل:
والدلالة على أن فدية الأذى -وما في معناها من اللباس والطيب- لا يختص ذبح الهدي فيها بالحرم، ولا تفرقة الإطعام عن دم الفدية بالحرم: ما تقدم من قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍأَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا عام.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾، والنسك لا يكون [إلا] في الحرم، كذلك الإطعام.
قيل له: النُّسك لا يختص عندنا الحرم، وقد بينا أنه يجوز ذبحه في الحل.
وليست تسميته نسكاً مما يوجب تخصيصه بالحرم، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ يوم الأضحى: "إن أول نُسكنا في يومنا هذا الصلاة، ثم الذبح".
فسمي الصلاة وذبح الأضحية نسكاً، ولا يختصان الحرم؟
وما تقدم من قول النبي ﷺ لكعب بن عُجرة: "تصدق على ستة
стр. 769
مساكين بثلاثة آصع من طعام"، ولم يُفصل.
وأيضاً ما احتج به أحمد، ورواه الأثرم بإسناده عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر: أنه أخبره: أنه كان مع عبد الله بن جعفر، فخرج معه من المدينة، فمروا على حسين بن علي، وهو مريض، فأقام عليه عبد الله بن جفر حتى إذا خاف الفوات خرج، وبعث إلى علي بن أبي طالب وأسماء ابنة عُميس، وهما بالمدينة، فقدما عليه، ثم إن حُسيناً أشار إلى رأسه، فأمر علي بن أبي طالب برأسه فحُلق، [ثم نسك] عنه بالسُّقيا، فنحر عنه بعيراً.
فحصل هذا مذهب لعلي وللحسين ولعبد الله بن جعفر وأسماء، ﵃، وهؤلاء أربعة من الصحابة، ولا يُعرف خلافهم.
فإن قيل: فابن عباس يخالف، وهو قوله: الهدي والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء.
قيل له: هذا يخالف ما روينا عنهم؛ لأنه يحمل قول ابن عباس على غير فدية الأذى.
وكل موضع يجوز فيه إخراج دم الإحصار، والإطعام عن دم الإحصار، يجوز إخراج فدية الأذى.
دليله: الحرم.
стр. 770
ولأن الحل محل الحلق بدليل المحصر من سنته أن يحلق في الحل، وكذلك لو أخر المحرم الحلاق حتى خرج من الحرم أُمر بالحلق فيه، ولم يكلف الرجوع إليه، وإذا كان محلاً له [كان محلاً] لكفارته.
دليله: الحرم.
واحتج المخالف بأن هذا الدم متعلق بالإحرام، فاختص الحرم، كسائر الدماء.
والجواب: أنه يبطل بدم الإحصار.
فإن قيل: فنقول: يتعلق بالإحرام؛ لا يجوز ذبحه في غير الحرم.
قيل: لا نسلك لك هذا، بل بجوز ذبحه في غير الحرم.
على أنا قد بينا الفرق بينه وبين سائر الدماء، وهو: أن الحل ليس بمحل لفعل تلك الأشياء التي توجب الدم، فلهذا لم يكن الحل محلاً لكفارته، وليس كذلك في الحلق؛ لأن الحل له محل، فكان محلاً لكفارته، كالحرم.
وأجود ما يُقال في هذا: أن الحل قد أُجري مجرى الحرم في باب الحلاق بدليل أن المحصر عندنا وعند الشافعي [يحلق] كما لو كان في الحرم، فيجب أن يكون محلاً لفديته.
стр. 771
١٧٠ - مسألة
إذا ذبح الهدي، ثم سُرق، لم يلزمه غيره، وسقط عنه الواجب:
نص عليه في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في رجل نحر، فلم يطعم منه حتى سُرق: لا أرى عليه بأساً، إذا نحره فقد فرغ. قال أحمد: جيد.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا يسقط عنه الواجب حتى يذبح آخر، أو يدفعه إلى المساكين.
دليلنا: أنه لما ذبحه تعلق حق المساكين بعينه؛ لأن عليه أن يتصدق به، وصار كأنه قال: لله علي أن أتصدق بهذا اللحم، أو هذا الثوب، فهلك بغير فعله: أنه لا يضمن.
ولا يلزم عليه إذا تلف قبل الذبح أنه يضمن؛ لأنه ما تعين، ألا ترى أن له بيعه عندنا؟ وإنما تعلق حقهم به.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الحق تعلق بعينه، لا على سبيل البدل عن ما في ذمته، فسقط بتلفه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الحق تعلق بعينه على سبيل البدل عن ما في ذمته، فإذا لم يوصله إلى مستحقه كان ما في ذمته باقياً عليه، كما لو اشترى ثوباً بدين له على رجل، فتلف الثوب قبل القبض: أن له أن يطالبه بما في ذمته.
стр. 772
قيل له: لا نسلم لك الفرع: أن الحق تعلق بعينه على سبيل البدل، بل نقول: تعين ما كان في ذمته، وتعلق الحق بعينه، وإذا تلف بغير فعله لم يضمن اعتباراً بما قدمنا.
يبين صحة هذا: أنه لو وجب في ذمته صلاة، فصلاها، لا نقول: إن هذه بدل عن ما ثبت في ذمته، لكن نقول: هي الصلاة الواجبة، وكذلك إذا وجبت عنه كفارة يمين، فهو مخير بين العتق والإطعام والكسوة، فأيهما أخرج قيل: هذا هو الواجب.
وأما الثوب المشترى إذا تلف قبل القبض [فقد] انفسخ العقد، وصار كأنه لم يكن، فيبقى الدين في ذمة البائع كما كان.
ولأن الذبح قد سقط فرضه عنه، فإذا هلك اللحم تعذرت الصدقة، ولا معنى لإيجاب الذبح؛ لأنهما فرضان مختلفان؛ أحدهما على البدن، والآخر في المال، فإذا أدى فرض البدن لم تلزمه الإعادة بتعذر فرض المال.
واحتج المخالف بأنه معبر عن ما في ذمته، فإذا لم يسلم سقط التعبير، وعاد الحق إلى الذمة، كما [لو] كان له في ذمة رجل دين اشترى به ثوباً، وتلف في يد البائع قبل التسليم.
والجواب عنه: ما تقدم.
وعلى أنه لا فرق بينهما؛ لأنه لما ذبح الهدي، فقد تصرف فيه بعد
стр. 773
تعيينه بأمر الله تعالى، فصار كما لو باع ثوباً بدين عليه، فأمره صاحب الدين بقطعه، ثم تلف قبل قبضه، لم يعد الدين.
واحتج بأنه لم يوصله إلى مستحقه، فوجب أن لا يسقط عنه فرضه، كما لو أكله، أو أتلفه.
والجواب: أنه ليس من حيث لو أتلفه ضمن، يجب إذا تلف بنفسه أن يضمن، ألا ترى أنه لو قال: لله علي أن أتصدق بهذا اللحم، ثم أكله ضمن، ولو تلف بغير فعله لم يضمن؟
* … * … *
١٧١ - مسألة
إذا فسد الحج لزمه القضاء من أبعد الموضعين؛ إما الميقات الشرعي، أو الموضع الذي أحرم منه.
وكذلك إذا أفسد العمرة لزمه القضاء من أبعد الموضعين:
نص عليه في رواية أبي طالب في الرجل يواقع امرأته، وهما معتمران: فسدت عمرتهما، وعليهما قضاؤها من حيث أهلا بالعمرة، ولا يجزئهما إلا من حيث أهلا، الحُرُمات قِصاص.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: إذا أفسدا حجهما بجماع يُهلان من حيث كانا أهلا من مواقيتيهما.
стр. 774
وقال -أيضاً- في رواية ابن مشيش: إذا أفسد الرجل حجه بوطء فعليه الحج من قابل من حين أوجب الإحرام. قيل له: فإن كان من أهل بغداد، وقد أوجب الإحرام على نفسه، ولم يكن له من قابل زاد ولا راحلة؟ [قال]: فعليه متى وجد.
ونقل أبو داود عنه في من أحرم من بغداد، فحُبِس في السجن، ثم خُلي عنه: هل يحرم من هاهنا؟ يعني: من بغداد، قال: يحرم من المواقيت أحب إلي.
فظاهر هذا: أنه لم يلزمه القضاء من أبعد الموضوعين؛ لأن التحلل من الحج لم يكن بإفساد.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء من الميقات، والعمرة من أدنى الحل.
وقال مالك: يلزمه الميقات في الحج والعمرة جميعاً.
دليلنا: أن كل مسافة لزمه قطعها بالإحرام في الأداء، لزمه قطعها بالإحرام في القضاء.
دليله: المسافة من الميقات إلى مكة.
وكل ما لزمه المضي فيه بإحرام، فإذا أفسده لزمه قضاؤه.
دليله: حجة التطوع.
стр. 775
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لزمه بالإفساد ما لو أراد الإحرام ابتداء لزمه، كذلك القضاء، وما زاد على ذلك لا يلزمه في الابتداء، فلم يلزمه في القضاء.
قيل: لو كان هذا صحيحاً لوجب إذا أحرم من الميقات، ثم أفسد، وأقام بمكة: أن يجزئه الإحرام بالقضاء من مكة؛ لأنه لو أراد الإحرام ابتداء لم يلزمه الخروج إلى الميقات، وأجزأه الإحرام من مكة، ولما قالوا: يلزمه الإحرام من الميقات، دل على أن القضاء معتبر بالأداء، فيلزمه الإحرام من الموضع الذي أحرم.
وقياس آخر، وهو: أن الشروع في الحج والعمرة سبب لوجوبه، فجاز أن يتعين به موضع الإيجاب.
أصله: النذر؛ فإنه لو نذر حجة من دويرة أهله، لم يجز له أن يحرم بها من الميقات، ولزمه ذلك من دويرة أهله.
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: إذا نذر أن يحج ماشياً، ولم ينوِ من أين يكون ذلك من حيث حلف.
ورأيت بعضهم لا يسلم ذلك، ويقول: إذا أوجب حجة من دُويرة أهله، جاز أن يحرم بها في الميقات اعتباراً بالفرض.
وإن لم يسلم هذا، فإنه يلزمه الحج ماشياً من دُويرة أهله، وإن لم يجب بأصل الشرع، وهذا مسلم بالإجماع.
ولا يلزم على هذا إذا أحرم بعد مجاوزة الميقات: أنه لا يتعين
следующие страницы →