← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢) ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله﴾ جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعاراً وعلماً للنسك به من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الاحرم والطواف والسعي والحلق والنحر ﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ أي أشهر الحج ﴿وَلاَ الهدى﴾ وهو ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله تعالى من النسائك وهو جمع هدية ﴿وَلاَ القلائد﴾ جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء الشجر أو غيره ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام وهم الحجاج والعمار وإحلال هذه الأشياء أن يتهاونوا بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج وأن يتعرضوا للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله وأما القلائد فجاز أن يراد بها ذوات القلائد وهي البدن وتعطف على الهدى للاختصاص لانها أشرف الهدى كقوله وجبريل وميكال كأنه قيل والقلائد منها خصوصاً وجاز أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها كما قال وَلاَ يبدين زينتهن فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حال من الضمير في آمين ﴿فَضْلاً مّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ثواباً ﴿ورضوانا﴾ وأن يرضى عنهم أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيماً لهم ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ خرجتم من الإحرام ﴿فاصطادوا﴾ إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم بقوله غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴿ولا يجرمنكم شنآن قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ جرم مثل كسب في تعديته إلى مفعول واحد واثنين تقوم جرم ذنباً نحو

стр. 1017

كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وأول المفعولين ضمير المخاطبين والثاني أن تعتدوا وأن صدوكم متعلق بالشنآن بمعنى العلة وهو شدة البغض وبسكون النون شامي وأبو بكر والمعنى ولا يكسبدنكم بعض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه إن صدوكم على الشرط مكي وأبو عمرو ويدل على الجزاء ما قبله وهو لا يجرمنكم ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله ﷺ والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى﴾ على العفو والاغضاء المائدة (٢ _ ٣) ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان﴾ على الانتقام والتشفي أو البر فعل المأمور والتقوى ترك المحظور والإثم ترك المأمور والعدوان فعل المحظور ويجوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى ولك إثم وعدوان فيتناول بعمومه العفو والانتصار ﴿واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه وما اتقاه

стр. 1018

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) ثم بين ما كان أهل الجاهلية يأكلونه فقال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ أي البهيمة التي تموت حتف أنفها ﴿والدم﴾ أي المسفوح وهو السائل ﴿وَلَحْمَ الخنزير﴾ وكله نجس وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ أي رفع الصوت به لغير الله وهو قولهم باسم اللات والعزة عند ذبحه ﴿والمنخنقة﴾ التي خنقوها حتى ماتت أو انخنقت بالشبكة أو غيرها ﴿والموقوذة﴾ التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر حتى ماتت ﴿والمتردية﴾ التي تردت من جبل أو في بئر فماتت ﴿والنطيحة﴾ المنطوحة وهي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح ﴿وَمَا أَكَلَ السبع﴾ بعضه ومات بجرحه ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح والاستثناء يرجع إلى المنخنقة وما بعدها فإنه إذا أدركها وبها حياة فذبحها وسمى عليها حلت ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت

стр. 1019

يذبحون عليها يعظمونها بذلك ويتقربون إليها تسمى الأنصاب واحدها نصب أو هو جمع والواحدنصاب ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام﴾ في موضع الرفع بالعطف على المتية أي حرمت عليكم الميتة وكذا وكذا والاستقسام بالأزلام وهي القداح المعلمة واحدها زلم وزلم كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب أمرني ربي وعلى الآخر نهاني والثالث غُفْلٌ فإن خرج الآمر مضى لحاجته وإن خرج الناهي أمسك وإن خرج الغفل أعاده فمعنى الاسقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام قال الزجاج لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج لطلوع نجم كذا وفي شرح التأويلات رد هذا وقال لا يقول المنجم إن نجم كذا يأمر بكذا أو نجم كذا ينهى عن كذا كما كان فعل أولئك ولكن المنجم جعل النجوم دلالات وعلامات على أحكام الله تعالى ويجوز أن يجعل الله في النجوم معاني وأعلاماً يدرك بها الأحكام ويستخرج بها الأشياء ولا لائمة في ذلك إنما اللائمة عليه فيما يحكم على الله ويشهد عليه وقيل هو الميسر وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة ﴿ذلكم فِسْقٌ﴾ الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة ويحتمل أن يعود إلى كل محرم في الآية ﴿اليوم﴾ ظرف لبئس ولم يرد به المائدة (٣ _ ٤) يوم بعينه وإنما معناه الآن وهذا كما تقول أنا اليوم قد كبرت تريد الآن وقيل أريد يوم نزولها وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ﴿يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ يئسوا منه أن يبطلوه أو يئسوا من دينكم أن يغلبوه لأن الله تعالى وفى بوعده من إظهاره على الدين كله ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ﴾ بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين بعد ما كانوا غالبين ﴿واخشون﴾ بغير ياء في الوصل والوقف أى أخلصوا إلى الخشية ﴿اليوم﴾ ظرف لقوله ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بأن كفيتكم خوف عدوكم وأظهرتكم

стр. 1020

عليهم كما يقول الملوك اليوم كمل لنا الملك أي كفينا من كنا نخافه أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوفيق على شرائع الإسلام وقوانين القياس ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ حال اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده وَمَن يَبْتَغِ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ﴿فَمَنِ اضطر﴾ متصل بذكر المحرمات وقوله ذلكم فسق اعتراض أكد به معنى التحريم وكذا ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل ومعناه فمن اضطر إلى الميتة أو إلى غيرها ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مجاعة ﴿غَيْرَ﴾ حال ﴿مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ مائل إلى إثم أي غير متجاوز سد الرمق ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ لا يؤاخذه بذلك ﴿رحيم﴾ إباحة المحظور للمعذور

стр. 1021

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) ﴿يسألونك﴾ في السؤال معنى القول فلذا وقع بعده ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ كأنه قيل يقولون لك ماذا أحل لهم وإنما لم يقل ماذا أحل لنا حكاية لما قالوا لأن يسألونك بلفظ الغيبة كقولك أقسم زيد ليفعلن ولو قيل لا فلن وأحل لنا لكان صوابا وماذا متبدا وأحل لهم خبره كقولك أي شيء أحل لهم ومعناه ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم حين تلى عليهم ما حرم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها فقال ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾ أي ماليس بخبيث منها أو هو كل مالم يأت تحريمه في كتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ عطف على الطيبات أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف أو تجعل ماشرطية وجوابها فكلوا ﴿مّنَ الجوارح﴾ أي الكواسب للصيد من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والعقاب والصقر والبازي

стр. 1022

والشاهين وقيل هي من الجراحة فيشترط للحل الجرح ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حال من علمتم وفائدة هذه الحال مع أنه استغنى عنها بعلمتم أن يكون من يعلم الجوارح موصوفا بالنكليب والمكلب مؤدب الجوارح ومعلمها مشتق المائدة (٤ _ ٦) من الكلب لأن التأديب في الكلاب أكثر فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه أو لأن السبع يسمى كلباً ومنه الحديث اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حال أو استئناف ولا موضع له وفيه دليل على أن كل آخذ علما على ألا يأخذه إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دوابه فكم من آخذ من غير متقن قد ضيع أيامه وعض عند لقاء التحارير أنامله ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله﴾ من التكليب ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه فإن أكل منه لم يؤكل إذا كان صيد كلب ونحوه فأما صيد البازي ونحوه فأكله لا يحرمه وقد عرف في موضعه والضمير في ﴿واذكروا اسم الله عَلَيْهِ﴾ يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته أو إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا عليه عند إرساله ﴿واتقوا الله﴾ واحذروا مخالفة أمره في هذا كله ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ إنه محاسبكم على أفعالكم ولا يلحقه فيه لبث

стр. 1023

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) ﴿اليوم﴾ الآن ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾ كرره تأكيداً للمنة ﴿وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ﴾ أي ذبائحهم لأن سائر الأطعمة لا يختص حلها بالملة ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ فلا جناح عليكم أن تطعموهم لأنه لو كان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم اطعامهم ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ هى الحرائر أو العفائف وليس هذا بشرط لصحة النكاح بل هو للاستحباب لأنه يصح نكاح الإماء من المسلمات ونكاح غير العفائف وتخصيصهن بعث على

стр. 1024

تخير من المؤمنين لنطفهم وهو معطوف على الطيبات أو مبتدأ والخبر محذوف أي والمحصنات من المؤمنات حل لكم ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب من قبلكم﴾ هى الحرائر الكتابيات أو العفائف الكتابيات ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أعطيتموهن مهورهن ﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين﴾ متزوجين غير زانين ﴿وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ صدائق والخدن يقع على الذكر والأنثى ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان﴾ بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم ﴿فَقَدْ حَبِطَ﴾ بطل ﴿عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾

стр. 1025

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله فَإِذَا قرأت المائدة (٦) القرآن أي إذا أردت أن تقرأ القرآن فعبر عن إرادة الفعل بالفعل لأن الفعل مسبب عن الإرادة فأقيم المسبب مقام السبب لملابسة بينهما طلباً للإيجاز ونحوه كما تدين تدان عبر عن الفعل الابتدائي الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه وتقديره وانتم محدثون عن ابن عباس رضى الله عنهما أو من النوم لأنه دليل الحدث وكان رسول الله ﷺ والصحابة يتوضئون لكل صلاة وقبل كان الوضوء لكل صلاة واجباً أول ما فرض ثم نسخ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق﴾ إلى تفيد معنى الغاية مطلقاً فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل فما فيه دليل على الخروج فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ لأن الإعسار علة الإنظار وبوجود الميسرة تزول العلة ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظراً في الحالتين معسراً وموسراً وكذلك أتموا الصيام إلى الليل لو دخل الليل

стр. 1026

لوجب الوصال ومما فيه دليل على الدخول قولك حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله ومنه قوله تعالى ﴿مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ لوقوع العلم بأنه ﵇ لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله وقوله إلى المرافق لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ الجمهور بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها وعن النبى ﷺ أنه كان يدير الماء على مرفقيه ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ المراد الصاق المسح بالرأس وماسح بعثه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه فأخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب والشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح وأخذنا ببيان النبي ﵇ وهو ما روي أنه مسح على ناصيته وقدرت الناصية بربع الرأس ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ بالنصب شامي ونافع وعلي وحفص والمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤسكم على التقديم والتأخير غيرهم بالجر بالعطف على الرؤس لأن الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المنهي عنه فعطفت على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها وقيل إلى الكعبين فجئ بالغاية إماطة لظن ظانٍ يحسبها ممسوحة لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة وقال فى جامع العلوم أنها مجرورة للجواز وقد صح أن النبي ﵇ رأى قوماً يمسحون على أرجلهم فقال ويل للأعقاب من النار وعن عطاء والله ما علمت أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ مسح على القدمين وإنما أمر بغسل هذه الأعضاء ليطهرها من الأوساخ التي تتصل بها لأنها تبدو كثيرا والصلاة

стр. 1027

خدمة الله تعالى والقيام بين يديه متطهر من الأوساخ أقرب إلى التعظيم فكان أكمل في الخدمة كما في الشاهد إذا أراد أن يقوم بين يدي الملك ولهذا قيل إن الأولى أن يصلي الرجل في أحسن المائدة (٦ _ ٨) ثيابه وإن الصلاة متعمماً أفضل من الصلاة مكشوف الرأس لما أن ذلك أبلغ في التعظيم ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾ فاغسلوا أبدانكم ﴿وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ﴾ قال الرازي معناه وجاء حتى لا يلزم المريض والمسافر التيمم بلا حدث ﴿من الغائط﴾ المكان المطمئن وهو كتابة عن قضاء الحاجة ﴿أَوْ لامستم النساء﴾ جامعتم ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم في التيمم ﴿ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمته فيثيبكم

стр. 1028

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) ﴿واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام ﴿وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي عاقدكم به عقداً وثيقاً وهو الميثاق الذي اخذه على المسليمن حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره فقبلوا وقالوا سمعنا واطعنا وقيل هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان ﴿واتقوا الله﴾ في نقض الميثاق ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ بسرائر الصدور من الخير والشر وهو وعد ووعيد

стр. 1029

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) ﴿يا أيها الذين آمنوا كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط﴾ بالعدل ﴿وَلاَ يجرمنكم شنآن قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ عدي يجرمنكم بحرف الاستعلاء مضمناً معنى فعل يتعدى به كأنه قيل ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ أي العدل أقرب إلى التقوى نهاهم أوّلاً أن تحملهم البغضاء على ترك العلد ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله تعالى ﴿هو أقرب للتقوى﴾ وإذا كان وجوب العدل مع الكفار بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه ﴿واتقوا الله﴾ فيما أمر ونهى المائدة (٨ _ ١٢) ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وعد ووعيد ولذاذكر بعدها آية الوعد وهو قوله تعالى

стр. 1030

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) ﴿وعد الله الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ وعد يتعدى إلى مفعولين فالأول الذين آمنوا والثاني محذوف استغني عنه بالجملة التي هي قوله ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

стр. 1031

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) والوعيد وهو قوله ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتِنَا أولئك أصحاب الجحيم﴾ أى لا يفارقونها

стр. 1032

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ روي أن رسول الله ﷺ أتى بني قريظة ومعه الشيخان أبو بكر وعمر والختان يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما

стр. 1033

مشركين فقالوا نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به وعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبره بذلك فخرج النبى ﷺ ونزلت الآية إذ ظرف للنعمة ﴿أَن يَبْسُطُواْ﴾ بأن يبسطوا ﴿إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقتل يقال بسط لسانه إليه إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ فمنعها أن تمد إليكم ﴿واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ فإنه الكافي والدافع والمانع

стр. 1034

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً﴾ هو الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها ولما استقر بنوا إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى اريحاء أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة وقا لهم إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وإني ناصركم وأمر الله موسى ﵇ أن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل لهم النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسوا فرأو أجراماً عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا قومهم وقد نهاهم أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوقنا ويوشع بن نون وكانا من النقباء ﴿وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ﴾ أى ناصركم ومعينكم وتقف هنا

стр. 1035

لا بتدائك بالشرط الداخل عليه اللام الموطئة للقسم وهو ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة﴾ وكانتا فريضتين عليهم ﴿وَآمَنتُم بِرُسُلِي﴾ من غير تفريق المائدة (١٢ _ ١٤) بين أحد منهم ﴿وعزرتموهم﴾ وعطمتوهم أو نصرتموهم بأن تردوا عنهم اعدائهم والعزر في اللغة الردّ ويقال عزرت فلاناً أي أدّبته يعني فعلت به ما يردعه عن القبيح كذا قاله الزجاج ﴿وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ بلا مَنٍّ وقيل هو كل خير واللام في ﴿لأُِّّكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم﴾ جواب للقسم وهذا الجواب سادّ مسد جواب القسم والشرط جميعاً ﴿وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ﴾ أي بعد ذلك الشرط المؤكد المتعلق بالوعد العظيم ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل﴾ أخطأ طريق الحق نعم من كفر قبل ذلك فقد ضل سواء السبيل أيضاً ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم

стр. 1036

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ ما مريد لإفادة تفخيم الأمر ﴿لعناهم﴾ طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ يابسة لا رحمة فيها ولا لين قسيّة حمزة وعلي أي رديئة من قولهم درهم قسى أى ردئ ﴿يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مواضعه﴾ يفسرونه على غير ما أنزل وهو بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه ﴿وَنَسُواْ حَظَّا﴾ وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً ﴿مّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ من التوراة يعنى إن تركهم واعارضهنم عن التوراة إغفال حظ عظيم أو قست قلوبهم وفسدت فحرفوا التوراة وزلت أشياء منها عن حفظهم عن ابن مسعود رضى الله

стр. 1037

عنه قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية وقيل تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد ﷺ وبيان نعته ﴿وَلاَ تَزَالُ﴾ يا محمد ﴿تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ أي هذه عادتهم وكان عليها أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ويهمون بالفتك بك وقوله على خائنة أي خيانة أو على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائية ويقال رجل خائنة كقولهم رجل راوية للشعر للمبالغة ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ﴾ وهم الذين آمنوا منهم ﴿فاعف عَنْهُمْ﴾ بعث على مخالفتهم أو فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم ﴿واصفح إن الله يحب المحسنين﴾

стр. 1038

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) ومن في قوله ﴿وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم﴾ وهو الإيمان بالله والرسل وأفعال الخير يتعلق بأخذنا أي وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم فقدم على المائدة (١٤ _ ١٧) الفعل الجار والمجرور وفصل بين الفعل والواو بالجار والمجرور وإنما لم يقل من النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصر الله وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله ثم اختلفوا بعد نسطورية ويعقوبية وملكانية أنصاراً للشيطان ﴿فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فأغرينا﴾ فألصقنا وألزمنا من غرى بالشئ إذا لزمه ولصق به ومنه الغراء الذي يلصق به ﴿وبينهم﴾ بين فرق النصارى المختلفين ﴿العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة﴾ بالأهواء المختلفة ﴿وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ أي في القيامة بالجزاء والعقاب

стр. 1039

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) ﴿يا أهل الكتاب﴾ خطاب لليهود والنصارى والكتاب للجنس

стр. 1040

﴿قَدْ جاءكم رسولنا﴾ محمد ﵇ ﴿يبين لكم كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب﴾ من نحو صفة رسول الله ﷺ ومن نحوا الرجم ﴿ويعفو عَن كَثِيرٍ﴾ مما تخفونه لا يبينه أو يعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ﴾ يريد القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك ولا بانته ما كان خافياً على الناس من الحق أو لأنه ظاهر الإعجاز أو النور محمد ﵇ لأنه يهتدى به كما سمي سراجا

стр. 1041

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) ﴿يَهْدِي بِهِ الله﴾ أي بالقرآن ﴿مَنِ اتبع رضوانه﴾ ومن آمن منهم ﴿سبل السلام﴾ أو الله ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادته وتوفيقه ﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾

стр. 1042

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مَرْيَمَ﴾ معناه بت القول على أن الله هو المسيح لا غير قيل كان في النصارى قوم يقولون ذلك أو لأن مذهبم يؤدي إليه حيث إنهم اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً﴾ فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئاً ﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ رأى إن أراد أن

стр. 1043

يهلك من دعوه إلهاً من المسيح وأمه يعني أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد وعطف من في الأرض جميعا المائدة (١٧ _ ١٩) على المسيح وأمه إبانة أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم والمعنى أن من اشتمل عليه رحم الأمومية متى يفارقه نقص البشرية ومن لا حت عليه شواهد الحدثية أنى يليق به نعت الربوبية ٨ ولو قطع البقاء عن جميع ما أوجد لم يعد نقص إلى الصمدية ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى بلا ذكر كما خلق عيسى ويخلق من ذكر من غير أنثى كما خلق حواء من آدم ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم أو يخلق كما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له فلا اعتراض عليه لأنه الفعال لما يريد ﴿والله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

стр. 1044

وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) ﴿وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أي أعزة عليه كالابن على الأب أو أشياع ابني الله عزير والمسيح كما قيل لأشباع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير الخبيبيون كما كان يقول رهط مسيلمة نحن أبناء الله ويقول أقرباء الملك وحشمه نحن أبناءالملوك أو نحن أبناء رسل الله ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ أي فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تعذبون بذنوبكم بالمسخ والنار أياماً معدودة على زعمكم وهل يمسخ الأب ولده وهل يعذب الوالد ولده بالنار ثم قال رداً عليهم ﴿بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي أنتم خلق من خلقه لا بنوه ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ﴾ لمن تاب عن الكفر فضلاً ﴿وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ﴾ من مات عليه عدلاً ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير يا﴾ فيه تنبيه على عبودية المسيح لأن الملك والنبوة متنافيان

стр. 1045

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) ﴿يا أهل الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد ﵇ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أي الشرائع وحذف لظهوره أو ما كنتم تخفون وحذف لتقدم ذكره أو لا يقدر المبين ويكون المعنى يبذل لكم البيان وهو حال أي مبيناً لكم ﴿على فترة من الرسل﴾ متعلق بجاءكم على جاءكم فى حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي وكان بين عيسى ومحمد ﵉ ستمائة سنة أو خمسمائة سنة وستون سنة ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ كراهة أن تقولوا ﴿مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ﴾ والفاء في ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ متعلق بمحذوف أي لا تعتذروا فقد جاءكم ﴿بَشِيرٌ﴾ للمؤمنين ﴿وَنَذِيرٌ﴾ للكافرين والمعنى الامتنان عليهم بأن الرسول بعث اليهم حين انطمست آثار الوحى وكانوا أحوج ما يكونون إليه ليهشوا إليه ويعدوه أعظم نعمة من الله وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غداً بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلتهم المائدة (١٩ _ ٢٤) ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكان قادراً على إرسال محمد ﵇ ضرورة

стр. 1046

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء﴾ لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه وبعد الجبابرة ملكهم ولأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء وقيل الملك من له سكن واسع فيه ماء جار وكانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية وقيل من له بيت وخدم أو لأنهم كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله فسمى انقاذهم ملكا ﴿وآتاكم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين﴾ من فلق البحر وإغراق العدوا وإنزال المن والسلوى وتظليل الغمام ونحو ذلك من الأمور العظام أو أراد عالمي زمانهم

стр. 1047

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) ﴿يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ أي المطهرة أو المباركة وهي

стр. 1048

أرض بيت المقدس أو الشام ﴿الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قسمها لكم أو سماها أو كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم﴾ ولا ترجعوا على أعقابكم مدبرين منهزمين من خوف الجبابرة جبناً أو لا ترتدوا على أدباركم في دينكم ﴿فَتَنقَلِبُواْ خاسرين﴾ فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة

стр. 1049

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) ﴿قالوا يا موسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ﴿وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا﴾ بالقتال ﴿حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ بغير قتال ﴿فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ بلا قتال ﴿فَإِنَّا داخلون﴾ بلادهم حينئذ

стр. 1050

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) ﴿قَالَ رَجُلاَنِ﴾ كالب ويوشع ﴿من الّذين يخافونَ﴾ الله ويخشونه كأنه قيل رجلان من المتقين وهو فى محل الرفع صفة لرجلان وكذ ﴿أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا﴾ بالخوف منه ﴿ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب﴾ أي باب المدينة ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالبون﴾ أي انهزموا وكانت الغلبة لكم وإنما علما ذلك بإخبار موسى ﵇ ﴿وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ إذ الإيمان به يقتضي التوكل عليه وهو قطع العلائق وترك التملق للخلائق

стр. 1051

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) ﴿قالوا يا موسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا﴾ هذا نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التوكيد ﴿أَبَدًا﴾ تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول ﴿مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ بيان للأبد ﴿فاذهب أنت وربك﴾ المائدة (٢٤ _ ٢٧) من العلماء من حمله على الظاهر وقال إنه كفر منهم وليس كذلك إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً وكفروا به لحاربهم موسى ولم تكن مقاتلة الجبارين أولى من مقاتلة هؤلاء ولكن الوجه فيه أن يقال فاذهب أنت وربك يعينك على قتالك أو وربك أى وسيدك وهو

стр. 1052

اخوك الأكبر هرون أو لم يرد به حقيقة الذهاب ولكن كما نقول كلمته فذهب يجيبني تريد معنى الإرادة كأنهم قالوا أريد قتالهم ﴿فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم فلما عصوه وخالفوه

стр. 1053

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) ﴿قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ﴾ لنصرة دينك ﴿إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى﴾ وهو منصوب بالعطف على نفسي أو على اسم إن أي إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه أو مرفوع بالعطف على محل ان واسمها أو على الضمير في لا أملك وجاز للفصل أي ولا يملك أخي إلا نفسه أو هو مبتدأ والخبر محذوف أي وأخي كذلك وهذا من البث والشكوى إلى الله ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة وكأنه لم يثق بالرجلين المذكورين كل الوثوق فلم يذكر إلا النبي المعصوم أو أراد ومن يؤاخيني على ديني ﴿فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين﴾ فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا وتحكم عليهم بما هم أهله وهو في معنى الدعاء عليهم أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كفوله ونجنى من القوم الظالمين

стр. 1054

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦) ﴿قال فإنها﴾ أى الأرض المقسدة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا يدخلونها وهو تحريم منع لا تحريم تعبد كقوله وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع والمراد بقوله كتب الله لكم أي بشرط أن تجاهدوا أهلها فلما أبوا الجهاد قيل فإنها محرمة عليهم أو المراد فإنها محرمة عليهم ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فإذا مضى الأربعون كان ما كتب فقد سار موسى ﵇ بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتحها وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض وأربعين ظرف التحريم والوقف على سنة أو ظرف ﴿يَتِيهُونَ فِى الأرض﴾ أي يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً أربعين سنة والوقف على عليهم وإنما عوقبوا بالحبس لاختيارهم

стр. 1055

المكث فكانوا مع شدة سيرهم يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في ستة فراسخ ولما ندم على الدعاء عليهم قيل له ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين﴾ فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون قيل لم يكن موسى وهرون معهم في التيه لأنه كان عقاباً وقد سأل موسى ربه أنه يفرق بينهما وبينهم وقيل كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحا لهما وسلاما لا عقوبة ومات هرون في التيه وموسى فيه بعده بسنة ومات النقباء فى التيه إلا كالب ويوشع
следующие страницы →