← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) ﴿قالوا يا موسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا﴾ هذا نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التوكيد ﴿أَبَدًا﴾ تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول ﴿مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ بيان للأبد ﴿فاذهب أنت وربك﴾ المائدة (٢٤ _ ٢٧) من العلماء من حمله على الظاهر وقال إنه كفر منهم وليس كذلك إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً وكفروا به لحاربهم موسى ولم تكن مقاتلة الجبارين أولى من مقاتلة هؤلاء ولكن الوجه فيه أن يقال فاذهب أنت وربك يعينك على قتالك أو وربك أى وسيدك وهو

стр. 1052

اخوك الأكبر هرون أو لم يرد به حقيقة الذهاب ولكن كما نقول كلمته فذهب يجيبني تريد معنى الإرادة كأنهم قالوا أريد قتالهم ﴿فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم فلما عصوه وخالفوه

стр. 1053

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) ﴿قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ﴾ لنصرة دينك ﴿إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى﴾ وهو منصوب بالعطف على نفسي أو على اسم إن أي إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه أو مرفوع بالعطف على محل ان واسمها أو على الضمير في لا أملك وجاز للفصل أي ولا يملك أخي إلا نفسه أو هو مبتدأ والخبر محذوف أي وأخي كذلك وهذا من البث والشكوى إلى الله ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة وكأنه لم يثق بالرجلين المذكورين كل الوثوق فلم يذكر إلا النبي المعصوم أو أراد ومن يؤاخيني على ديني ﴿فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين﴾ فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا وتحكم عليهم بما هم أهله وهو في معنى الدعاء عليهم أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كفوله ونجنى من القوم الظالمين

стр. 1054

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦) ﴿قال فإنها﴾ أى الأرض المقسدة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا يدخلونها وهو تحريم منع لا تحريم تعبد كقوله وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع والمراد بقوله كتب الله لكم أي بشرط أن تجاهدوا أهلها فلما أبوا الجهاد قيل فإنها محرمة عليهم أو المراد فإنها محرمة عليهم ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ فإذا مضى الأربعون كان ما كتب فقد سار موسى ﵇ بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتحها وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض وأربعين ظرف التحريم والوقف على سنة أو ظرف ﴿يَتِيهُونَ فِى الأرض﴾ أي يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً أربعين سنة والوقف على عليهم وإنما عوقبوا بالحبس لاختيارهم

стр. 1055

المكث فكانوا مع شدة سيرهم يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في ستة فراسخ ولما ندم على الدعاء عليهم قيل له ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين﴾ فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون قيل لم يكن موسى وهرون معهم في التيه لأنه كان عقاباً وقد سأل موسى ربه أنه يفرق بينهما وبينهم وقيل كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحا لهما وسلاما لا عقوبة ومات هرون في التيه وموسى فيه بعده بسنة ومات النقباء فى التيه إلا كالب ويوشع

стр. 1056

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) أمر الله تعالى مححد ﷺ أن يقص على حاسديه ما جرى بسبب الحسد ليتركوه ويؤمنوا بقوله ﴿واتل عَلَيْهِمْ﴾ على أهل الكتاب ﴿نبأ ابني آدم﴾ ومن صلبه هابيل وقابيل أو هما رجلان من بنى إسرائيل ﴿بالحق﴾ نبأ ملتبسا المائدة (٢٧ _ ٣١) بالصدق موافقاً لما في كتب الأولين أو تلاوة ملتبسة بالصدق والصحة أو واتل عليهم وأنت محق صادق ﴿إِذْ قَرَّبَا﴾ نصب بالنبأ أي قصتهما وحديثهما في ذلك الوقت أو بدل من النبأ أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت على تقدير حذف المضاف ﴿قُرْبَاناً﴾ ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة يقال قرب صدقة وتقرب بها لأن تقرب مطاوع قرب والمعنى إذ قرب كل واحد منهما قربانه دليله ﴿فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا﴾ قربانه وهو هابيل ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر﴾ قربانه وهو قابيل رُوي أنه أوحى الله تعالى إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها إقليما فحسده عليها أخاه وسخط فقال لهما آدم قربا قرباناً فمن أيكما قبل يتزوجها فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل حسداً وسخطاً وتوعده بالقتل وهو قوله ﴿قَالَ لأقْتُلَنَّكَ﴾ أي قال لهابيل ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ وتقديره قال لم تقتلني قال لأن الله قبل قربانك ولم يقبل قرباني فقال إنما يتقبل الله من المتقين وأنت غير

стр. 1057

متق فإنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له ما يبكيك وقد كنت وكنت قال إني أسمع الله يقول إنما يتقبل الله من المتقين

стр. 1058

لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) ﴿لَئِن بَسَطتَ﴾ مددت ﴿إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ﴾ بماد ﴿يَدَىِ﴾ مدني وأبو عمرو وحفص ﴿إِلَيْكَ لأِقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين﴾ قيل كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكن تحرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله تعالى لأن الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وقيل بل كان ذلك واجباً فإن فيه إهلاك نفسه ومشاركة للقاتل فى اثمه وإنما قتله فتكاً على غفلة منه إنّي أخاف حجازى وأبو عمرو

стр. 1059

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) ﴿إني أريد﴾ مدني ﴿أَن تَبُوءَ﴾ أن تحتمل أو ترجع ﴿بِإِثْمِى﴾ بإثم قتلي إذا قتلتني ﴿وَإِثْمِكَ﴾ الذي لأجله لم يتقبل قربانك وهو عقوق الأب والحسد والحقد وإنما أراد ذلك لكفره برده قضية الله تعالى أو كان ظالماً وجزاء الظالم جائز أن يراد ﴿فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين﴾

стр. 1060

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فوسعته ويسرته من طاع له المرتع إذا اتسع ﴿فَقَتَلَهُ﴾ عند عقبة حراء أو بالبصرة والمقتول ابن عشرين سنة ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين﴾

стр. 1061

فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) ﴿فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الأرض لِيُرِيَهُ﴾ أى الله أو الغراب ﴿كيف يواري سوأة أخيه﴾ عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده

стр. 1062

رُوي أنه أول قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه فى الحفرة فحينئذ ﴿قال يا ويلتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ﴾ عطف على اكون ﴿سوأة أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره ولم يندم ندم التائبين أو كان الندم توبة لنا خاصة أو على حمله لا على قتله ورُوي أنه لما قتله أسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلاً فقال بل قتلته ولذا اسود جسدك فالسودان من ولده وما رُوي أن آدم رثاه بشعر فلا يصح لأن الأنبياء ﵈ معصمومون من الشعر

стр. 1063

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك﴾ بسبب ذلك وبعلته وذلك إشارة إلى القتل المذكور قيل هو متصل بالآية الأولى فيوقف على ذلك أي فأصبح من النادمين لأجل حمله ولأجل قتله وقيل هو مستأنف والوقف على النادمين ومن يتعلق بكتبنا لا بالنادمين ﴿كتبنا على بني إسرائيل﴾ خصهم بالذكر وإن اشترك الكل في ذلك لأن التوراة أول كتاب فيه الأحكام ﴿أَنَّهُ من قتل نفسا﴾ الضمير للشأن ومن شرطية ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ بغير قتل نفس ﴿أَوْ فَسَادٍ فِى الأرض﴾ عطف على نفس أي بغير فساد في الأرض وهو الشرك أو قطع الطريق أو كل فساد يوجب القتل ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً﴾ أي في الذنب عن الحسن لأن قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله عليه والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك ﴿ومن أحياها﴾ ومن استنفذها من أسباب الهلكة من قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ جعل قتل

стр. 1064

الواحد كقتل الجميع وكذلك الإحياء ترغيباً وترهيباً لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور أن قتلها كقتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه وكذا الذي أراد إحياءها إذا تصور أن حكمه حكم إحياء جميع الناس رغب في إحيائها ﴿وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ﴾ أي بني إسرائيل ﴿رُسُلُنَا﴾ رُسلنا أبو عمرو ﴿بالبينات﴾ بالآيات الواضحات ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذلك﴾ بعدما كتبنا عليهم أو بعد مجئ الرسل بالآيات ﴿فِى الأرض لَمُسْرِفُونَ﴾ في القتل لا يبالون بعظمته

стр. 1065

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) ﴿إنما جزاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي أولياء الله فى الحديث يقول المائدة (٣٣ _ ٣٨) الله تعالى من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ﴿وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَاداً﴾ مفسدين ويجوز أن يكون مفعولاً له أي للفساد وخبر جزاء ﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾ وما عطف عليه وأفاد التشديد الواحد بعد الواحد ومعناه أن يقتلوا من غير صلب إن أفردوا القتل ﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ المال ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم﴾ أن أخذوا المال ﴿من خلاق﴾ حال من الأيدي والأرجل أي مختلفة ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض﴾ بالحبس إذا لم يزيدوا على الإخافة ﴿ذلك﴾ المذكور ﴿لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدنيا﴾ ذل وفضيحة ﴿وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابٌ عظيم﴾

стр. 1066

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ فتسقط عنهم هذه الحدود

стр. 1067

لا ما هو حق العباد ﴿فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يغفر لهم بالتوبة ويرحمهم فلا يعذبهم

стр. 1068

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ فلا تؤذوا عباد الله ﴿وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة﴾ هي كل ما يتوسل به أي يتقرب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك السيئات ﴿وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

стр. 1069

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الأرض جَمِيعاً﴾ من صنوف الأموال ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ وأنفقوه ﴿لِيَفْتَدُواْ بِهِ﴾ ليجعلوه فدية لأنفسهم ولو مع ما في حيزه خبر إن ووحد الراجع في ليفتدوا به وقد ذكر شيئان لأنه أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قيل لِيَفْتَدُواْ بِذَلِكَ ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فلا سبيل لهم إلى التجاة بوجه

стр. 1070

يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) ﴿يُرِيدُونَ﴾ يطلبون أو يتمنون ﴿أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مقيم﴾ دائم

стр. 1071

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) ﴿والسارق والسارقة﴾ ارتفعا بالابتداء والخبر محذوف تقديره وفيما يتلى عليكم السارق والسارقة أو الخبر ﴿فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي يديهما والمراد اليمينان بدليل قراءة عبد الله بن مسعود ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط لأن المعنى والذي سرق والتى سرقت المائدة (٣٨ _ ٤١) فاقطعوا أيديهما والاسم الموصول يضمن معنى الشرط وبدأ بالرجل لأن السرقة من الجراءة وهي في الرجال أكثر وأخر الزاني لأن الزنا ينبعث من الشهوة وهي في النساء أوفر وقطعت اليد لأنها آلة السرقة ولم تقطع آلة الزنا تفادياً

стр. 1072

عن قطع النسل ﴿جَزَاء بِمَا كَسَبَا﴾ مفعول له ﴿نكالا مّنَ الله﴾ أي عقوبة منه وهو بدل من جزاء ﴿الله عَزِيزٌ﴾ غالب لا يعارض في حكمه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم من قطع يد السارق والسارقة

стр. 1073

فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) ﴿فَمَن تَابَ﴾ من السرقة ﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ سرقته ﴿وَأَصْلَحَ﴾ برد المسروق ﴿فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ يقبل توبته ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يغفر ذنبه ويرحمه

стр. 1074

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ يا محمد أو يا مخاطب ﴿أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُعَذّبُ مَن يَشَاء﴾ من مات على الكفر ﴿وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ﴾ لمن تاب عن الكفر ﴿والله على كُلّ شَىْء﴾ من التعذيب والمغفرة وغيرهما ﴿قَدِيرٌ﴾ قادر وقدم التعذيب على المغفرة هنا لتقدم السرقة على التوبة

стр. 1075

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) ﴿يا أيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر﴾ أى لاتهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر أي في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم يقال أسرع فيه الشيب أى وقع فيه سريعاً فكذلك مسارعتهم في الكفر وقوعهم فيه أسرع شى اذا وجدوا فرصة لم يخطئوها ﴿مِنَ الذين قَالُواْ﴾ تبيين لقوله الذين يسارعون فى الكفر ﴿آمنا﴾ مفعول قالوا ﴿بأفواههم﴾ متعلق بقالوا أي قالوا بأفواههم آمنا ﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ في محل النصب على الحال ﴿وَمِنَ الذين هَادُواْ﴾ معطوف على من الذين قالوا أي من المنافقين واليهود ويرتفع ﴿سماعون

стр. 1076

لِلْكَذِبِ﴾ على أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم سماعون والضمير للفريقين أو سماعون مبتدأ وخبره من الذين هادوا وعلى هذا يوقف على قلوبهم وعلى الأول على هادوا ومعنى سماعون للكذب يسمعون منك ليكذبوا عليك بأن يمسخوا ما سمعوا منك بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير ﴿سماعون لقوم آخرين لم يَأتُوك﴾ أي سماعون منك لأجل قوم آخرين من اليهود وجّهوهم عيوناً ليبلغوهم ما سمعوا منك ﴿يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه﴾ أى يزيلونه ويميلونه المائدة (٤١ _ ٤٣) عن مواضعه التي وضعه الله فيها فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا موضع يحرفون صفة لقوم كقوله لم يأتوك أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم يحرفون والضمير مردود على لفظ الكلم ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا﴾ المحرف المزال عن مواضعه ويقولون مثل يحرفون وجاز أن يكون حالاً من الضمير في يحرفون ﴿فَخُذُوهُ﴾ واعلموا أنه الحق واعملوا به ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ﴾ وأفتاكم محمد بخلافه ﴿فاحذروا﴾ فإياكم وإياه فهو الباطل رُوي أن شريفاً زنى بشريفة بخيبر وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطا منهم ليسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك وقالوا إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به ﴿وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ﴾ ضلالته وهو حجة على من يقول يريد الله الإيمان ولا يريد الكفر ﴿فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً﴾ قطع رجاء محمد ﷺ عن إيمان هؤلاء ﴿أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الكفر لعلمه منهم اختيار الكفر وهو حجة لنا عليهم أيضاً ﴿لَهُمْ فِى الدنيا

стр. 1077

خِزْىٌ﴾ للمنافقين فضيحة ولليهود جزية ﴿وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي التخليد في النار

стр. 1078

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) ﴿سماعون لِلْكَذِبِ﴾ كرر للتأكيد أي هم سماعون ومثله ﴿أكالون للسحت﴾ وهو كل مالا يحل كسبه وهو من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة وفي الحديث هو الرشوة في الحكم وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام وبالتثقيل مكي وبصري وعلي ﴿فَإِن جاؤوك فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قيل كان رسول الله ﷺ مخيراً إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم بينهم وقيل نسخ التخيير بقوله وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله ﴿وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً﴾ فلن يقدروا على الإضرار بك لأن الله تعالى يعصمك من الناس ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط﴾ بالعدل ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ العادلين

стр. 1079

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) ﴿وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله﴾ تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدعون الإيمان به فيها حكم الله حال من التوراة وهي مبتدأ وخبره عندهم ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك﴾ عطف على يحكمونك أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين﴾ بك أو بكتابهم كما يدعون

стр. 1080

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى﴾ يهدي للحق ﴿وَنُورٌ﴾ يبين ما استبهم من الأحكام ﴿يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ﴾ انقادوا لحكم الله فى التواة وهو صفة أجريت للنبيين على سبيل المدح وأريد باجرائها التعريض باليهود لأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ تابوا من الكفر واللام يتعلق بيحكم ﴿والربانيون والأحبار﴾ معطوفان على النبيون أي الزهاد والعلماء ﴿بِمَا استحفظوا﴾ استودعوا قيل ويجوز أن يكون بدلاً من بها في يحكم بها ﴿من كتاب الله﴾ من للنبيين والضمير في استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً ويكون الاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه أو للربانيون والأحبار ويكون الاستحفاظ من الأنبياء ﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾ رقباء لئلا يبدل ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس﴾ نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل خشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد ﴿واخشون﴾ في مخالفة أمري وبالياء فيهما سهل وافقه أبو عمرو وفى الوصل ﴿ولا تشتروا بآياتي﴾ ولا تستبدلوا بآيات الله وأحكامه ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله﴾ مستهيناً به ﴿فأولئك هم الكافرون﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحداً فهو كافر وإن لم يكن جاحداً فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم

стр. 1081

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ وفرضنا على اليهود في التوراة ﴿أَنَّ النفس﴾

стр. 1082

مأخوذة ﴿بالنفس﴾ مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق ﴿والعين﴾ مفقوءة ﴿بالعين والأنف﴾ مجدوع ﴿بالأنف والأذن﴾ مقطوعة ﴿بالأذن والسن﴾ مقلوعة ﴿بالسن والجروح قِصَاصٌ﴾ أي ذات قصاص وهو المقاصة ومعناه ما يمكن فيه القصاص وإلا فحكومة عدل وعن ابن عباس رضى الله عنهما كانوا المائدة (٤٥ _ ٤٨) لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت وقوله ﴿أن النفس بالنفس﴾ يدل على أن المسلم يقتل بالذمي والرجل بالمرأة والحر بالعبد نصب نافع وعاصم وحمزة المعطوفات كلها لعطف على ما عملت فيه أن ورفعها عليٌّ للعطف على محل أن النفس لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس اجراء لكتبنا مجرى قلنا ونصب الباقون الكل ورفعواالجروح والأذن بسكون الذال حيث كان نافع والباقون بضمها وهما لغتان كالسحت والسحت ﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾ من أصحاب الحق ﴿به﴾ بالقصاص وعفا عنه ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ فالتصدق به كفارة للمتصدق بإحسانه قال ﵇ من تصدق بدم فمادونه كان كفارة له يوم ولدته أمه ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون﴾ بالامتناع عن ذلك

стр. 1083

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) ﴿وقفينا﴾ معنى قفيت الشئ بالشئ جعلته في أثره كأنه جعل في قفاه يقال قفاه يقفوه إذا تبعه ﴿على آثارهم﴾ على آثار النبيين الذين أسلموا ﴿بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ مصدقا﴾ هو حال من عيسى ﴿لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وآتيناه الإِنجيل فيه هُدىً ونورٌ ومُصَدَّقاً لَّما بين يديه من التوراة﴾ أي وآتيناه الإنجيل ثابتا فيه هدى ونور ومصدقا افنصب مصدقاً بالعطف على ثابتاً الذي تعلق به فيه وقام مقامه فيه وارتفع هدى ونور بثابتاً الذي قام مقامه فيه

стр. 1084

﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ انتصبا على الحال أى هاديا واعظا ﴿لّلْمُتَّقِينَ﴾ لأنهم ينتفعون به

стр. 1085

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ﴾ وقلنا لهم احكموا بموجبه فاللام لام الأمر وأصله الكسر وإنما سكن استثقالاً لفتحة وكسرة وفتحة وليحكم بكسر اللام وفتح الميم حمزة على أنها لام كي أي وقفينا ليؤمنوا وليحكم يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافراً ظالماً فاسقاً لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله

стр. 1086

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي القرآن فحرف التعريف فه للعهد ﴿بالحق﴾ بسبب الحق وإثباته وتبيين الصواب من الخطأ ﴿مُصَدّقاً﴾ حال من الكتاب ﴿لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما تقدمه نزولاً وإنما قيل لما قبل الشئ هو بين يديه لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه فما تقدم عليه يكون قدامه وبين يديه ﴿مّنَ الكتاب﴾ المراد به جنس الكتب المنزلة لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله فكان حرف التعريف فيه للجنس ومعنى تصديقه الكتب موافقتها في التوحيد والعبادة وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يوحى إليه أنه لا إله المائدة (٤٨ _ ٥٠) إلا انا فاعبدون ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ وشاهداً لأنه يشهد له بالصحة والثبات ﴿فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله﴾ أي بما في القرآن ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق﴾ نهى أن يحكم بما حرفوه وبدلوه اعتماداً على قولهم ضمّن ولا تتبع معنى ولا تنحرف فلذا عدى بعن فكأنه قيل

стр. 1087

ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم أو التقدير عادلاً عما جاءك ﴿لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ﴾ أيها الناس ﴿شِرْعَةً﴾ شريعة ﴿ومنهاجا﴾ وطريقاً واضحاً واستدل به من قال إن شريعة من قبلنا لا تلزمنا ذكر الله إنزال التوراة على موسى ﵇ إنزال الإنجيل على عيسى ﵇ ثم إنزال القرآن على محمد ﷺ وبين أنه ليس للسماع فحسب بل للحكم به فقال فى الأول يحكم بها النبيون وفي الثاني وليحكم أهل الإنجيل وفي الثالث فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴿وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة ﴿ولكن﴾ أراد ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليعاملكم معاملة المختبر ﴿في ما آتاكم﴾ من الشرائع المختلفة فتعبّد كل أمة بما اقتضته الحكمة ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ فابتدروها وسابقوا نحوها قبل الفوات بالوفاة والمراد بالخيرات كل ما أمر الله تعالى به ﴿إلى الله مَرْجِعُكُمْ﴾ استئناف فى معنى التعليل لاستباق اليخارت ﴿جَمِيعاً﴾ حال من الضمير المجرور والعامل المصدر المضاف لأنه في تقدير إليه ترجعون ﴿فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم وعاملكم ومفرطكم في العمل

стр. 1088

وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) ﴿وَأَنِ احكم﴾ معطوف على بالحق أي وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم ﴿بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ واحذرهم أَن يفتنوك﴾ أى يصرفوك وهو مفعلول له أي مخافة أن يفتنوك وإنما حذره وهو رسول مأمون لقطع أطماع القوم ﴿عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ عن الحكم بما أنزل الله اليكم وأرادوا غيره ﴿فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك وهذا الإبهام لتعظيم التولي وفيه تعظيم الذنوب فإن الذنوب بعضها مهلك

стр. 1089

فكيف بكلها ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون﴾ لخارجون عن أمر الله

стр. 1090

أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ يطلبون وبالتالى شامى يخاطب المائدة (٥٠ _ ٥٣) بني النضير في تفاضلهم على بني قريظة وقد قال لهم رسول الله ﷺ القتلى سواء فقال بنو النضير نحن لا نرضى بذلك فنزلت وسئل طاوس عن الجرل بفضل بعض ولده على بعض فقرأ هذه الآية وناصب أفحكم الجاهلية يبغون ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ مبتدأ وخبره وهو استفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن ﴿مِنَ الله حُكْماً﴾ هو تمييز واللام في ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ للبيان كاللام فى هيت لك أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم هم الذين يتبينون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه وقال أبو علي معنى لقوم عند قوم لأن اللام وعند يتقاربان في المعنى
следующие страницы →