Полный текст (7 814 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم﴾ بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه ﴿وقلنا لهم﴾ والطور مظل عليهم ﴿ادخلوا الباب سُجَّداً﴾ أي ادخلوا باب ايلياء مطأطئين عند الدخول رؤسكم ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ﴾ لا تجاوزوا الحد تعدوا ورش تعدزت بإسكان العين وتشديد الدال مدني غير ورش وهما مدغماً تعتدوا وهي قراءة أبي إلا أنه أدغم التاء في الدال وأبقى العين ساكنة في رواية وفي رواية نقل فتح التاء إلى العين ﴿فِى السبت﴾ بأخذ السمك ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً﴾ عهداً مؤكداً
стр. 982
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)
﴿فبما نقضهم﴾ أى فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد والباء يتعلق بقوله حرمنا عليهم طيبات تقديره حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم وقوله فبظلم من الذين هادوا بدل من قوله فبما نقضهم ﴿ميثاقهم﴾ ومعنى التوكيد تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك ﴿وكفرهم بآيات الله﴾ أي معجزات موسى ﵇ ﴿وَقَتْلِهِمُ الأنبياء﴾ كزكريا ويحيى وغيرهما ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بغير سبب يستحقون به القتل ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف أي محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ ﴿بَلْ طَبَعَ الله
стр. 983
عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ هو رد وإنكار لقولهم قلوبنا غلف ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ كعبد الله بن سلام وأصحابه
стр. 984
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)
﴿وبكفرهم﴾ معطوف على فيما نقضهم أو على ما يليه من قوله بكفرهم ولما تكرر منهم الكفر لأنهم
النساء (١٥٦ _ ١٥٩)
كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد ﷺ عطف بعض كفرهم على بعض ﴿وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً﴾ هو النسبة إلى الزنا
стр. 985
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح﴾ سمي مسيحاً لأن جبريل ﵇ مسحه بالبركة فهو ممسوح أو لأنه كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ فسمي مسيحاً بمعنى الماسح ﴿عِيسَى ابن مريم رسول الله﴾ هم لم يعتقدة هـ رسول الله لكنهم قالوا استهزاء كقول الكفار لرسولنا يَا أَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لمجنون ويحتمل أن الله وصفه بالرسول وإن لم يقولوا ذلك ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ﴾ روي أن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني اللهم العن من سبني وسب والدتي فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود فقال لأصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقال رجل منهم أنا فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب وقيل كان رجل ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى ورفع عيسى وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى وجاز هذا على قوم متعنتين حكم الله بأنهم لا يؤمنون وشبه مسند إلى الجار والمجرور وهو لهم كقولك خيل إليه كأنه قيل ولكن وقع
стр. 986
لهم التشبيه أو مسند إلى ضمير المقتول لدلالة غنا قتلنا عليه كأنه قيل ولكن شبه لهم من قتلوه ﴿وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ﴾ في عيسى يعني اليهود قالوا إن الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا أو اختلف النصارى قالوا إله وابن إله وثالث ثلاثة ﴿لَفِى شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن﴾ استثناء منقطع لأن اتباع الظن لس من جنس العلم يعني ولكنهم يتبعون الظن وإنما وصفوا بالشك وهو أن لا يترجح أحد الجانبين ثم وصفوا بالظن وهو أن يترجح أحدهما لأن المراد أنهم شاكون ما لهم به من علم ولكن أن لا حت لهم أمارة فظنوا فذاك وقيل وإن الذين اختلفوا فيه أي في قتله لفي شك منه أي من قتله لأنهم كانوا يقولون إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي قتلاً يقيناً أو ما قتلوه متيقنين أو ما قتلوه حقاً فيجعل يقيناً تأكيداً لقوله وما قتلوه أي حق انتفاء قتله حقا
стр. 987
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)
﴿بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ﴾ إلى حيث لا حكم فيه لغير الله أو إلى السماء ﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً﴾ في انتقامه من اليهود ﴿حَكِيماً﴾ فيما دبر من رفعه إليه
стр. 988
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)
﴿وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ليؤمنن به جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ونحوه وما منا إلا له مقام معلوم والمعنى وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى عليه
النساء (١٥٩ _ ١٣٦)
السلام وبأنه عبد الله ورسوله يعني إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف أو الضميران لعيسى يعني وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله رُوي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة
стр. 989
الإسلام أو الضمير في به يرجع إلى الله أو إلى محمد ﷺ والثاني إلى الكتابي ﴿وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله
стр. 990
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)
﴿فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وهي ما ذكر في سورة الأنعام وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظفر الآية والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات الظلم عظيم ارتكبوه وهو ما عدد قبل هذا ﴿وبصدهم عن سبيل الله﴾ ويمنعهم عن الإيمان ﴿كَثِيراً﴾ أي خلقاً كثيراً أو صدا كثيرا
стр. 991
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)
﴿وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ كان الربا محرماً عليهم كما حرم علينا وكانوا يتعاطونه ﴿وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل﴾ بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة ﴿وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ﴾ دون من آمن ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ في الآخرة
стр. 992
لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)
﴿لكن الراسخون فِى العلم﴾ أي الثابتون فيه المتقون كابن سلام وأضرابه ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهل الكتاب ﴿والمؤمنون﴾ أي المؤمنون منهم والمؤمنون من المهاجرين والأنصار وارتفع الراسخون على الابتداء ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ خبره ﴿بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ﴾ أي القرآن ﴿وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أي سائر الكتب ﴿والمقيمين الصلاة﴾ منصوب على المدح لبيان فضل الصلاة وفي مصحف عبد الله والمقيمون وهي قراءة مالك بن دينار وغيره ﴿والمؤتون الزكاة﴾ مبتدأ ﴿والمؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ عطف عيله والخبر ﴿أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ وبالياء حمزة
стр. 993
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتاباً من السماء واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ﴾ كهود وصالح وشعيب وغيرهم ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط﴾
أي أولاد يعقوب ﴿وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا﴾ زبروا حمزة مصدر بمعنى مفعول سمي به الكتاب المنزل على داود عليه السلام
стр. 994
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)
﴿وَرُسُلاً﴾ نصب بمضمر في معنى أوحينا إليك وهو أرسلنا ونبأنا ﴿قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ من قبل هذه السورة ﴿وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ سأل أبو ذر رسول الله ﷺ عن الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قال كم الرسل منهم قال ثلثمائة وثلاثة عشر أول الرسل آدم وآخرهم نبيكم محمد ﵇ وأربعة مِن العرب هود وصالح وشعيب ومحمد ﵇ والآية تدل على أن معرفة الرسل بأعيانهم ليست بشرط لصحة الإيمان بل من شرطه أن يؤمن بهم جميعاً إذ لو كان معرفة كل واحد منهم شرطاً لقص علينا كل ذلك ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ أي بلا واسطة
стр. 995
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)
﴿رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ الأوجه أن ينتصب على المدح أي أعني رسلاً ويجوز أن يكون بدلاً من الأول وأن يكون مفعولاً أي وأرسلنا رسلاً واللام في ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ يتعلق
стр. 996
بمبشرين ومنذرين والمعنى أن إرسالهم إزاحة للعلة وتتميم لإلزام الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا بما وجب الانتباه له ويعلمنا ما سبيل معرفته السمع كالعبادات والشرائع أعني في حق مقاديرها وأوقاتها وكيفياتها دون أصولها فإنها مما يعرف بالفعل ﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً﴾ في العقاب على الإنكار ﴿حَكِيماً﴾ في بعث الرسل للإنذار
стр. 997
لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)
ولما نزل إنا أوحينا إليك قالوا ما نشهدلك بهذا فنزل ﴿لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه اثباته لصحته باظهار المعجزات كما يثبت الدعاوى بالبينات إذا لحيكم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي أنزله وهو عالم بأنك أهل لانزاله إليه وأنك مبلغه أو أنزله بما علم من مصالح العباد وفيه نفي قول المعتزلة في انكار الصفات فانه أثبت لنفسه العلم ﴿والملائكة يَشْهَدُونَ﴾ لك بالنبوة ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ شاهداً وإن لم يشهد غيره
стр. 998
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)
﴿إن الذين كفروا﴾ بتكذيب محمد ﷺ وهم اليهود ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ ومنعوا الناس عن سبيل الحق بقولهم للعرب إنا
النساء (١٦٧ _ ١٧٠)
لا نجده في كتابنا ﴿قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً﴾ عن الرشد
стр. 999
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)
﴿إن الذين كفروا﴾ بالله ﴿وظلموا﴾ محمد ﵇ بتغيير نعته وإنكار نبوته ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ما داموا على الكفر ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾
стр. 1000
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)
﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ وكان تخليدهم في جهنم سهلا عليه والتقدير يعاقبهم خالدين
стр. 1001
فهو حال مقدرة والآيتان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ويموتون على الكفر
стр. 1002
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)
﴿يا أيها الناس قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ﴾ أي بالإسلام أو هو حال أي محقاً ﴿فآمنوا خيرا لكم﴾ وكذلك انتهوا خير لَّكُمْ انتصابه بمضمر وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال خيراً لكم أي اقصدوا وأتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان به والتوحيد ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض﴾ فلا يضره كفركم ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ بمن يؤمن وبمن يكفر ﴿حَكِيماً﴾ لايسوى بينها فى الجزاء
стр. 1003
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)
﴿يا أهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ﴾ لا تجاوزوا الحد فغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حتى قالوا إنه ابن الزنا وغلت النصارى فى رفعه عن مقدراه حيث جعلوه ابن الله ﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ وهو تنزيهه عن الشريك والولد ﴿إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ لا ابن الله ﴿رَسُولُ الله﴾ خبر المبتدأ وهو المسيح وعيسى عطف بيان أو بدل ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ عطف على رسول الله وقيل له كلمة لأنه يهتدي به كما يهتدي بالكلام ﴿ألقاها إلى مَرْيَمَ﴾ حال وقد معه مرادة أي أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿وَرُوحٌ﴾ معطوف على الخبر أيضاً وقيل له روح لأنه كان يحيي الموتى كما سمى القرآن روحا بقوله وكذلك أوحنيا اليك روحا من أمرنا لما أنه يحيي القلوب ﴿مِّنْهُ﴾ أي بتخليقه وتكوينه كقوله تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض جميعا﴾ منه وبه أجاب عليّ بن الحسين بن واقد غلاماً نصرانياً كان للرشيد في مجلسه حيث زعم أن
стр. 1004
في كتابكم حجة على أن عيسى من الله ﴿فآمنوا بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة﴾ خبر مبتدأ محذوف أي ولا تقولوا الآلهة ثلاثة ﴿انتهوا﴾ عن التثلث ﴿خيرا لكم﴾ والذى يدل عليه القرآن والتصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم
النساء (١٧١ _ ١٧٢)
ثلاثة آلهة وأن المسيح ولد الله من مريم ألا ترى إلى قوله أأنت قُلتَ للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ﴿إِنَّمَا الله﴾ مبتدأ ﴿إِلَهٌ﴾ خبرة ﴿واحد﴾ توكيد ﴿سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أسبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ بيان لتنزهه مما نسب إليه بمعنى أن كل مافيهما خلقه وملكه فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه إذ النبوة والملك لا يجتمعان على أن الجزء إنما يصح في الأجسام وهو يتعالى عن أن يكون جسماً ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ حافظاً ومدبراً لهما ولما فيهما ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه
стр. 1005
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)
ولما قال وفد نجران لرسول الله ﷺ لم تعيب صاحبنا عيسى قال وأي شيء أقول قالوا اتقول إنه عبد الله ورسوله قال إنه ليس بعار أن يكون عبد الله قالوا بلى نزل قوله تعالى ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح﴾ أي لن يأنف ﴿أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ﴾ هو رد عل النصارى ﴿ولا الملائكة﴾ رد على من يعبدهم من العرب وهو عطف على المسيح ﴿المقربون﴾ أي الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم والمعنى ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عباداً لله فحذف ذلك لدلالة عبد الله عليه إيجازاً وتشبثت المعتزلة والقائلون بتفضيل الملك على البشر بهذه الآية وقالوا الارتقاء إنما يكون
стр. 1006
إلى الأعلى يقال فلان لا يستنكف عن خدمتي ولا أبوه ولو قال ولا عبده لم يسحن وكان معنى قوله ولا الملائكة المقربون ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً ويدل عليه تخصيص المقربين والجواب أنا نسلم تفضبل الثانى على الأول لكن هذا لا يمس ما تنازعنا فيه لأن الآية تدل على أن الملائكة المقربين بأجمعهم أفضل من عيسى ونحن نسلم بأن جميع الملائكة المقربين أفضل من رسول واحد من البشر إلى هذا ذهب بعض أهل السنة ولأن المراد أن الملائكة مع ما لهم من القدرة الفائقة قدر البشر والعلوم اللوحية وتجردهم عن التولد الازدواجي رأساً لا يستنكفون عن عبادته فكيف بمن يتولد من آخر ولا يقدر على ما يقدرون ولا يعلم ما يعلمون وهذا لأن شدة البطش وسعة العلوم وغرابة التنكون هى التى تورث الحمقاء أمثال النصارى وهم الترفع عن العبودية حيث رأوا المسيح ولد من غير أب وهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى وينبئ بما يأكلون ويدخرون فى بيوتهم فبرؤه من العبودية فقيل لهم هذه الأوصاف في الملائكة أتم منها فى السيح ومع هذا لم يستنكفوا عن العبودية فكيف المسيح والحاصل أن خواص البشر وهم الأنبياء ﵈ أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم كجبريل ومكائيل وعزرائيل ونحوهم وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين من البشر وعوام المؤمنين من البشر أفضل من عوام الملائكة ودليلنا على تفضيل البشر على الملك ابتداء أنهم قهروا نوازع الهوى فى ذات
النساء (١٧٢ _ ١٧٦)
الله تعالى مع أنهم جبلوا عليها فضاهت الأنبياء ﵈ الملائكة ﵈ في العصمة وتفضلوا علهيم في قهر البواعث النفسانية والدواعي الجسدانية فكانت طاعتهم أشق لكونها مع الصوارف بخلاف طاعة الملائكة لأنهم جبلوا عليها فكانت أزيد ثواباً بالحديث ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر﴾ بترفع ويطلب الكبرياء ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم
стр. 1007
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)
ثم فصل فقال
стр. 1008
﴿فأما الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ فإن قلت التفصيل غير مطابق للمفصل لأن التفصيل اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد فلت هو مثل قولك جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به وصحة ذلك لوجهين أحدهما أنه حذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه ولان ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله تعالى بعد هذا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به والثاني أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله
стр. 1009
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)
﴿يا أيها الناس قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ﴾ أي رسوله يبهر المنكر بالإعجاز ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ قرآناً يستضاء به في ظلمات الحيرة
стр. 1010
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)
﴿فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا بِهِ﴾ بالله أو بالقرآن ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ﴾ أي جنة ﴿وَفَضَّلَ﴾ زيادة النعمة ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾ ويرشدهم ﴿إِلَيْهِ﴾ إلى الله أو إلى الفضل أو إلى صراطه ﴿صراطا مُّسْتَقِيماً﴾ فصراطا حال من المضاف المحذوف
стр. 1011
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة﴾ كان جابر بن عبد الله مريضاً فعاده رسول الله ﷺ فقال إني كلالة فكيف أصنع في مالي
стр. 1012
فنزلت ﴿إن امرؤ هَلَكَ﴾ ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر ومحل ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد والمراد بالولد الابن وهو مشترك
النساء (١٧٦)
يقع على الذكر والأنثى لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أي لأب وأم أو لأب ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ أي الميت ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾ أي الأخ يرث الأخت جميع مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ﴾ أي ابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت فإن قلت الابن لا يسسقط الأخ وحده فالأب نظيره في الإسقاط فلم اقتصر على نفي الولد قلت بين حكم انتفاء الولد وكل حكم انتفاء الولد إلى بيان السنة وهو قوله ﵇ ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر والأب أولى من الأخ ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ أي فإن كانت الأختان اثنتين دل على ذلك وله أخت ﴿فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً﴾ أي وإن كان من يرث بالإخوة ٢ والمراد بالإخوة الإخوة والأخوات تغليبا لحكم الذكورة ﴿رجالا ونساء﴾ ذكروا وإناثاً ﴿فَلِلذَّكَرِ﴾ منهم ﴿مِثْلُ حَظّ الأنثيين يُبَيّنُ الله لَكُمْ﴾ الحق فهو مفعول يبين ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ كراهة أن تضلوا ﴿والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ﴾ يعلم الأشياء بكنهها قبل كونها وبعده
стр. 1013
سورة المائدة مدنية وهى مائة وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١)
стр. 1014
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)
﴿يا أيها الذين آمنوا أَوْفُواْ بالعقود﴾ يقال وفى بالعهد وأوفى به والعقد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التلكيف أو ما عقد الله عليكم وما تعاقدتم بينكم والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه وأنه كلام قدم مجملاً ثم عقب بالتفصيل وهو قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾ والبهيمة كل ذات أربع قوائم في البر والبحر وإضافتها إلى الأنعام للبيان وهي بمعنى من كخاتم فضة ومعناه البهيمة من الأنعام وهي الأزواج الثمانية وقيل بهيمة الأنعام الظباء وبقر الوحش ونحوهما ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ آية تحريمه وهو قوله ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ الآية ﴿غَيْرَ مُحِلّي الصيد﴾ حال من الضمير في لكم أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين
المائدة (١ _ ٢)
الصيد ﴿وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ حال من محلى الصيد كأنه قيل أحللنا لك بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا يضيق عليكم والحرم جمع حرام وهو المحرم ﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ من الأحكام أو من التحليل والتحريم
стр. 1015
ونزل نهيا عن تحليل ما حرم
стр. 1016
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)
﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله﴾ جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعاراً وعلماً للنسك به من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الاحرم والطواف والسعي والحلق والنحر ﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ أي أشهر الحج ﴿وَلاَ الهدى﴾ وهو ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله تعالى من النسائك وهو جمع هدية ﴿وَلاَ القلائد﴾ جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء الشجر أو غيره ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام وهم الحجاج والعمار وإحلال هذه الأشياء أن يتهاونوا بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج وأن يتعرضوا للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله وأما القلائد فجاز أن يراد بها ذوات القلائد وهي البدن وتعطف على الهدى للاختصاص لانها أشرف الهدى كقوله وجبريل وميكال كأنه قيل والقلائد منها خصوصاً وجاز أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها كما قال وَلاَ يبدين زينتهن فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حال من الضمير في آمين ﴿فَضْلاً مّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ثواباً ﴿ورضوانا﴾ وأن يرضى عنهم أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيماً لهم ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ خرجتم من الإحرام ﴿فاصطادوا﴾ إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم بقوله غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴿ولا يجرمنكم شنآن قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ جرم مثل كسب في تعديته إلى مفعول واحد واثنين تقوم جرم ذنباً نحو
стр. 1017
كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وأول المفعولين ضمير المخاطبين والثاني أن تعتدوا وأن صدوكم متعلق بالشنآن بمعنى العلة وهو شدة البغض وبسكون النون شامي وأبو بكر والمعنى ولا يكسبدنكم بعض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه إن صدوكم على الشرط مكي وأبو عمرو ويدل على الجزاء ما قبله وهو لا يجرمنكم ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله ﷺ والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى﴾ على العفو والاغضاء
المائدة (٢ _ ٣)
﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان﴾ على الانتقام والتشفي أو البر فعل المأمور والتقوى ترك المحظور والإثم ترك المأمور والعدوان فعل المحظور ويجوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى ولك إثم وعدوان فيتناول بعمومه العفو والانتصار ﴿واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه وما اتقاه
стр. 1018
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
ثم بين ما كان أهل الجاهلية يأكلونه فقال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ أي البهيمة التي تموت حتف أنفها ﴿والدم﴾ أي المسفوح وهو السائل ﴿وَلَحْمَ الخنزير﴾ وكله نجس وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ أي رفع الصوت به لغير الله وهو قولهم باسم اللات والعزة عند ذبحه ﴿والمنخنقة﴾ التي خنقوها حتى ماتت أو انخنقت بالشبكة أو غيرها ﴿والموقوذة﴾ التي أثخنوها ضرباً بعصا أو حجر حتى ماتت ﴿والمتردية﴾ التي تردت من جبل أو في بئر فماتت ﴿والنطيحة﴾ المنطوحة وهي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح ﴿وَمَا أَكَلَ السبع﴾ بعضه ومات بجرحه ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح والاستثناء يرجع إلى المنخنقة وما بعدها فإنه إذا أدركها وبها حياة فذبحها وسمى عليها حلت ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت
стр. 1019
يذبحون عليها يعظمونها بذلك ويتقربون إليها تسمى الأنصاب واحدها نصب أو هو جمع والواحدنصاب ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام﴾ في موضع الرفع بالعطف على المتية أي حرمت عليكم الميتة وكذا وكذا والاستقسام بالأزلام وهي القداح المعلمة واحدها زلم وزلم كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب أمرني ربي وعلى الآخر نهاني والثالث غُفْلٌ فإن خرج الآمر مضى لحاجته وإن خرج الناهي أمسك وإن خرج الغفل أعاده فمعنى الاسقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام قال الزجاج لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج لطلوع نجم كذا وفي شرح التأويلات رد هذا وقال لا يقول المنجم إن نجم كذا يأمر بكذا أو نجم كذا ينهى عن كذا كما كان فعل أولئك ولكن المنجم جعل النجوم دلالات وعلامات على أحكام الله تعالى ويجوز أن يجعل الله في النجوم معاني وأعلاماً يدرك بها الأحكام ويستخرج بها الأشياء ولا لائمة في ذلك إنما اللائمة عليه فيما يحكم على الله ويشهد عليه وقيل هو الميسر وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة ﴿ذلكم فِسْقٌ﴾ الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة ويحتمل أن يعود إلى كل محرم في الآية ﴿اليوم﴾ ظرف لبئس ولم يرد به
المائدة (٣ _ ٤)
يوم بعينه وإنما معناه الآن وهذا كما تقول أنا اليوم قد كبرت تريد الآن وقيل أريد يوم نزولها وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ﴿يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ يئسوا منه أن يبطلوه أو يئسوا من دينكم أن يغلبوه لأن الله تعالى وفى بوعده من إظهاره على الدين كله ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ﴾ بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار وانقلابهم مغلوبين بعد ما كانوا غالبين ﴿واخشون﴾ بغير ياء في الوصل والوقف أى أخلصوا إلى الخشية ﴿اليوم﴾ ظرف لقوله ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بأن كفيتكم خوف عدوكم وأظهرتكم
стр. 1020
عليهم كما يقول الملوك اليوم كمل لنا الملك أي كفينا من كنا نخافه أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوفيق على شرائع الإسلام وقوانين القياس ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ حال اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده وَمَن يَبْتَغِ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ﴿فَمَنِ اضطر﴾ متصل بذكر المحرمات وقوله ذلكم فسق اعتراض أكد به معنى التحريم وكذا ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل ومعناه فمن اضطر إلى الميتة أو إلى غيرها ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مجاعة ﴿غَيْرَ﴾ حال ﴿مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ مائل إلى إثم أي غير متجاوز سد الرمق ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ لا يؤاخذه بذلك ﴿رحيم﴾ إباحة المحظور للمعذور
следующие страницы →