← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي القرآن فحرف التعريف فه للعهد ﴿بالحق﴾ بسبب الحق وإثباته وتبيين الصواب من الخطأ ﴿مُصَدّقاً﴾ حال من الكتاب ﴿لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما تقدمه نزولاً وإنما قيل لما قبل الشئ هو بين يديه لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه فما تقدم عليه يكون قدامه وبين يديه ﴿مّنَ الكتاب﴾ المراد به جنس الكتب المنزلة لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله فكان حرف التعريف فيه للجنس ومعنى تصديقه الكتب موافقتها في التوحيد والعبادة وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يوحى إليه أنه لا إله المائدة (٤٨ _ ٥٠) إلا انا فاعبدون ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ وشاهداً لأنه يشهد له بالصحة والثبات ﴿فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله﴾ أي بما في القرآن ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق﴾ نهى أن يحكم بما حرفوه وبدلوه اعتماداً على قولهم ضمّن ولا تتبع معنى ولا تنحرف فلذا عدى بعن فكأنه قيل

стр. 1087

ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم أو التقدير عادلاً عما جاءك ﴿لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ﴾ أيها الناس ﴿شِرْعَةً﴾ شريعة ﴿ومنهاجا﴾ وطريقاً واضحاً واستدل به من قال إن شريعة من قبلنا لا تلزمنا ذكر الله إنزال التوراة على موسى ﵇ إنزال الإنجيل على عيسى ﵇ ثم إنزال القرآن على محمد ﷺ وبين أنه ليس للسماع فحسب بل للحكم به فقال فى الأول يحكم بها النبيون وفي الثاني وليحكم أهل الإنجيل وفي الثالث فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴿وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة ﴿ولكن﴾ أراد ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليعاملكم معاملة المختبر ﴿في ما آتاكم﴾ من الشرائع المختلفة فتعبّد كل أمة بما اقتضته الحكمة ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ فابتدروها وسابقوا نحوها قبل الفوات بالوفاة والمراد بالخيرات كل ما أمر الله تعالى به ﴿إلى الله مَرْجِعُكُمْ﴾ استئناف فى معنى التعليل لاستباق اليخارت ﴿جَمِيعاً﴾ حال من الضمير المجرور والعامل المصدر المضاف لأنه في تقدير إليه ترجعون ﴿فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم وعاملكم ومفرطكم في العمل

стр. 1088

وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) ﴿وَأَنِ احكم﴾ معطوف على بالحق أي وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم ﴿بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ واحذرهم أَن يفتنوك﴾ أى يصرفوك وهو مفعلول له أي مخافة أن يفتنوك وإنما حذره وهو رسول مأمون لقطع أطماع القوم ﴿عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ عن الحكم بما أنزل الله اليكم وأرادوا غيره ﴿فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك وهذا الإبهام لتعظيم التولي وفيه تعظيم الذنوب فإن الذنوب بعضها مهلك

стр. 1089

فكيف بكلها ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون﴾ لخارجون عن أمر الله

стр. 1090

أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ يطلبون وبالتالى شامى يخاطب المائدة (٥٠ _ ٥٣) بني النضير في تفاضلهم على بني قريظة وقد قال لهم رسول الله ﷺ القتلى سواء فقال بنو النضير نحن لا نرضى بذلك فنزلت وسئل طاوس عن الجرل بفضل بعض ولده على بعض فقرأ هذه الآية وناصب أفحكم الجاهلية يبغون ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ مبتدأ وخبره وهو استفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن ﴿مِنَ الله حُكْماً﴾ هو تمييز واللام في ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ للبيان كاللام فى هيت لك أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم هم الذين يتبينون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه وقال أبو علي معنى لقوم عند قوم لأن اللام وعند يتقاربان في المعنى

стр. 1091

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) ونزل نهيا عن موالاة أعداء الدين ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاءَ﴾ أي لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين ثم علل النهي بقوله ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وكلهم أعداء المؤمنين وفيه دليل على أن الكفر كله ملة واحدة ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة

стр. 1092

فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) ﴿فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ نفاق ﴿يسارعون﴾ حال أو مفعول ثانٍ لاحتمال أن يكون فترى من رؤية العين أو القلب ﴿فِيهِمْ﴾ في

стр. 1093

معاونتهم على المسلمين وموالاتهم ﴿يَقُولُونَ﴾ أي في أنفسهم لقوله على ما أسروا ﴿نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي حادثة تدور بالحال التي يكونون عليها ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح﴾ لرسول الله ﷺ على أعدائه وإظهار المسلمين ﴿أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ﴾ أي يؤمر النبي ﵇ بإظهار إسرار المنافقين وقتلهم ﴿فَيُصْبِحُواْ﴾ أي المنافقون ﴿على مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ من النفاق ﴿نادمين﴾ خبر فيصبحوا

стр. 1094

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) ﴿ويقول الذين آمنوا﴾ أي يقول بعضهم لبعض عند ذلك ويقول بصري عطفاً على أن يأتي يقول بغير واو شامي وحجازي على أنه جواب قائل يقول فماذا يقول المؤمنون حينئذ فقيل يقول الذين آمنوا ﴿أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ أي أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم المائدة (٥٣ _ ٥٥) ومعاضدوكم على الكفار وجهد أيمانهم مصدر في تقدير الحال أي مجتهدين في توكيد أيمانهم ﴿حَبِطَتْ أعمالهم﴾ ضاعت أعمالهم التي عملوها رياء وسمعة لا إيماناً وعقيدة وهذا من قول الله عزوجل شهادة لهم بحبوط الأعمال لهم وتعجيباً من سوء حالهم ﴿فَأَصْبَحُواْ خاسرين﴾ في الدنيا والعقبى لفوات المعونة ودوام العقوبة

стр. 1095

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) ﴿يا أيها الذين آمنوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر يرتدد مدني وشامي ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ يرضى أعمالهم ويثني عليهم بها ويطيعونه ويؤثرون رضاه وفيه دليل نبوته ﵇ حيث أخبرهم بما لم يكن فكان وإثبات خلافة الصديق لأنه جاهد المرتدين وفي صحة خلافته وخلافة عمر رضى الله عنهما وسئل النبى ﷺ عنهم فضرب على عاتق

стр. 1096

سلمان وقال هذا وذووه لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم ﴿أَذِلَّةٍ﴾ جمع ذليل وأما ذلول فجمعه ذلل ومن زعم أنه من الذُّلِ الذي هو ضد الصعوبة فقدسها لأن ذلولاً لا يجمع على أذلة قال الجوهري الذل ضد العز ورجل ذليل بيّن الذل وقوم أذلاء وأذلة والذل بالكسر اللين وهو ضد الصعوبة يقال دابة ذلول ودواب ذلل ﴿عَلَى المؤمنين﴾ ولم يقل للمؤمنين لتضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ أشجداء عليهم والعزاز الأرض الصلبة فهم مع المؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده ومع الكافرين كالسبع على فريسته ﴿يجاهدون فِي سَبِيلِ الله﴾ يقاتلون الكفار وهو صفة لقوم كحبهم واعزة وأذلة ﴿وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ الواو يحتمل أن تكون للحال أى يجهادون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم وأما المؤمنون فمجاهدتهم لله لا يخافون لومة لائم وأن تكون للعطف أي من صفتهم المجاهدة في سبيل الله وهم صلاب فى دينهم إذا شرعوا فيه أمر من أمور الدين لا تزعهم لومة لائم واللومة المرمة من اللوم وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل لا يخافون شيئاً قط من لوم واحد من اللوام ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة ﴿فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع﴾ كثير الفواضل ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو من أهلها

стр. 1097

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تحب موالاتهم بقوله ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ وإنما يفيد اختصاصهم بالموالاة ولم يجمع الولي وإن كان المذكور جماعة تنبيهاً على أن المائدة (٥٥ _ ٥٩) الولاية لله أصل ولغيره تبع ولو قيل إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ومحل ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ الرفع على البدل من الذين آمنوا أو على هم الذين أو النصب على المدح ﴿ويؤتون الزكاة﴾ والواو في ﴿وَهُمْ راكعون﴾ للحال أي يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة قيل إنها نزلت فى على رضى الله عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه كأنه كان مرجاً في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل يفسد صلاته وورد بلفظ الجمع وإن كلان السبب فيه واحداً ترغيباً للناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوباه والآية تدل على جواز الصدقة في الصلاة وعلى أن الفعل القليل لا يفسد الصلاة

стр. 1098

وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا﴾ يتخذه ولياً أو يكن ولياً ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ من إقامة الظاهر مقام الضمير أي فإنهم هم الغالبون أو المراد بحزب الله الرسول والمؤمنون صأى ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب وأصل الحزب القوم يجتمعون الأمر حزبهم أي أصابهم

стр. 1099

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وروي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ يعني اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء بل يقابل ذلك بالبغضاء والمنابذة ﴿مِنَ الذين أُوتُواْ

стр. 1100

الكتاب﴾ من للبيان ﴿مِن قَبْلِكُمْ والكفار﴾ أي المشركين وهو عطف على الذين المنصوبة والكفار بصري وعلي عطف على الذين المجرورة أي من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار ﴿أَوْلِيَاءَ واتقوا الله﴾ في موالاة الكفار ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ حقاً لأن الإيمان حقاً يأبى موالاة أعداء الدين

стр. 1101

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) ﴿وَإِذَا ناديتم إِلَى الصلاة اتخذوها﴾ أي الصلاة أو المناداة ﴿هُزُواً وَلَعِباً ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ لأن لعبهم وهزوهم من أفعال السفهاء والجهلة فكأنهم لا عقل لهم وفيه دليل على ثبوت الأذان بنصب الكتاب لا بالمنام وحده

стр. 1102

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) ﴿قل يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ يعني هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالله وبالكتب المائدة (٥٩ _ ٦٣) المنزلة كلها ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون﴾ وهو عطف على المجرور أى وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وما أنزل وبأن أكثركم فاسقون والمعنى أعاديتمونا لأنا اعتقدنا توحيد الله وصدق أنبيائه وفسقكم لمخالفتكم لنا في ذلك ويجوز أن يكون الواو بمعنى مع أى وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أنكم فاسقون

стр. 1103

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عِندَ الله﴾ أي ثواباً وهو نصب على التمييز والمثوبة وإن كانت مختصة بالإحسان ولكنها وضعت موضع العقوبة كقوله ﴿فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وكان اليهود يزعمون أن المسلمين مستوجبون للعقوبة فقيل لهم ﴿مَن لَّعَنَهُ الله﴾ شر عقوبة في الحقيقة من أهل الإسلام في زعمكم وذلك إشارة إلى المتقدم أي

стр. 1104

الإيمان أي بشر مما نقمتم من إيماننا ثواباً أي جزاء ولا بد من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة﴾ يعني أصحاب السبت ﴿والخنازير﴾ أي كفار أهل مائدة عيسى ﵇ أو كلا المسخين من أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير ﴿وَعَبَدَ الطاغوت﴾ أي العجل أو الشيطان لأن عبادتهم العجل بتزيين الشيطان وهو عطف على صلة من كأنه قيل ومن عبد الطاغوت وعبد الطاغوتِ حمزة جعله اسماً موضوعاً للمبالغة كقولهم رجل حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة وهو معطوف على القردة والخنازير أي جعل الله منهم عبد الطاغوت ﴿أولئك﴾ الممسوخون الملعونون ﴿شَرٌّ مَّكَاناً﴾ جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله مبالغة ﴿وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السبيل﴾ عن قصد الطريق الموصل إلى الجنة ونزل في ناس من اليهود كانوا يدخلون على النبى ﷺ ويظهرون له الإيمان نفاقا

стр. 1105

وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) ﴿وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ الباء للحال أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين وتقديره ملتبسين بالكفر وكذلك قد دخلوا وهم قد خرجوا ولذا دخلت قد تقريباً للماضي من الحال وهو متعلق بقالوا آمنا أي قالوا ذلك وهذه حالهم ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ﴾ من النفاق

стр. 1106

وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) ﴿وترى كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ من اليهود ﴿يسارعون فِي الإثم﴾ الكذب ﴿والعدوان﴾ الظلم أو الإثم ما يختص بهم والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم والمسارعة فى الشئ الشروع فيه بسرعة ﴿وَأَكْلِهِمُ السحت﴾ الحرام ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ لبئس شيئاً عملوه

стр. 1107

لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) ﴿لولا﴾ هلا وهو تخصيض المائدة (٦٣ _ ٦٥) ﴿ينهاهم الربانيون والأحبار عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ هذا ذم للعلماء والأول للعامة وعن ابن عباس رضى الله عنهما هي أشد آية في القرآن حيث أنزل تارك النهي عن المنكر منزلة مرتكب المنكر فى الوعيد

стр. 1108

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) ﴿وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ روي أن اليهود لعنهم الله لما كذبوا محمد ﵇ كف الله ما بسط عليهم من السعة وكانوا من أكثر الناس مالاً فعند ذلك قال فخاص يد الله مغلولة ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ولا يقصد المتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى إنه يستعمل في ملك يعطي ويمنع بالإشارة من غير استعمال اليد ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزلاً لقالوا ما أبسط يده بالنوال وقد استعمل حيث لا تصح اليد يقال بسط البأس كفيه في صدري فجعل للبأس الذي هو من المعاني كفان ومن لم ينظر في علم البيان يتحير في تأويل أمثال هذه الآية وقوله غلت أيديهم دعاء عليهم بالبخل ومن ثم كانوا أبخل خلق الله أو تغل في جهنم فهي كأنها غلت وإنما ثنيت اليد في بل يداه مبسوطتان وهي مفردة في يد الله مغلولة ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه فغاية ما يبذله السخي أن يعطيه بيديه ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ تأكيد للوصف بالسخاء ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم﴾ من اليهود ﴿مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً﴾ أي يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تمادياً في الجحود وكفراً بآيات الله وهذا من إضافة الفعل إلى السبب كما

стр. 1109

قال فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة﴾ فكلمتهم أبدا مختلفة وقلوبهم شتى لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا لم يقم لهم نصر من الله على أحد قط وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس وقيل كلما حاربوا رسول الله ﷺ نصر عليهم عن قتادة لا تلقي يهودياً فى بلدا إلا وقد وجدته من أذل الناس ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً﴾ ويجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي ﵇ من كتبهم ﴿والله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾

стр. 1110

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا﴾ برسول الله ﵇ وبما جاء به مع ما عددنا من سيئآتهم ﴿واتقوا﴾ أي وقرنوا إيمانهم بالتقوى ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سيئاتهم﴾ ولم نؤاخذهم بها ﴿ولأدخلناهم جنات النعيم﴾ مع المسلمين

стр. 1111

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل﴾ أي أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله ﷺ ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبِّهِمْ﴾ من سائر كتب الله لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم وقيل هو القرآن ﴿لأَكَلُواْ مِن فوقهم﴾ يعنى الثمار من فوق رءوسهم ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ يعني الزروع وهذه عبارة عن التوسعة كقولهم فلان في النعمة من فرقه إلى قدمه ودلت الآية على أن العمل يطاعة الله تعالى سبب لسعة الرزق وهو كقوله تعالى ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مِّنَ السماء والأرض﴾ ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ من حيث لا يحتسب﴾ ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ الآيات

стр. 1112

وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ﴿مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ طائفة حالها أُمَمٌ في عداوة رسول الله ﵇ وقيل هي الطائفة المؤمنة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل وكثير منهم ما أسوأ عملهم وقيل هم كعب بن الأشرف وأصحابه وغيرهم

стр. 1113

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) ﴿يا أيها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من رّبِّكَ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً ولا خائف أن ينالك مكروه ﴿وإن لّم تفعل﴾ وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك ﴿فما بَلَّغْتَ رسالته﴾ رسالاته مدني وشامي وأبو بكر أي فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالة ولم تؤد منها شيئاً قط وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض فإذا لم تود بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لكونها في حكم شيء واحد لدخولها تحت خطاب واحد والشئ الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ مؤمناً به غير مؤمن قالت الملحدة لعنهم الله تعالى هذ كلام لا يفيد وهو كقولك لغلامك كل هذا الطعام فإن لم تأكله فإنك ما أكلته قلنا هذا أمر بتبليغ الرسالة في المستقبل أي بلغ ما أنزل إليك من ربك في المستقبل فإن لم تفعل أي إن لم تبلغ الرسالة في المستقبل فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً أو بلغ ما أنزل إليك من ربك الآن ولا تنتظر به كثرة الشوكة والعهدة فإن لم تبلغ كنت كمن لم يبلغ أصلاً أو بلغ ذلك غير خائف أحداً فإن لم تبلغ على هذا الوصف فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً ثم قال مشجعاً له في التبليغ ﴿واللهُ يعصمك من النّاسِ﴾ يحفظك منهم قتلاً فلم يقدر عليه وإن شج في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته أو نزلت بعدما أصابه ما أصابه

стр. 1114

والناس الكفار بدليل قوله ﴿إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك

стр. 1115

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيءٍ﴾ على دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لبطلانه ﴿حتّى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم مّن رَّبِّكمْ﴾ يعني القرآن ﴿وليزيدنّ كثيراً مّنهم مّآ أنزل إليك من رّبّك طغياناً وكفراً﴾ إضافة زيادة الكفر والطغيان إلى القرآن بطريق التسبيب ﴿فلا تأس على القوم الكافرين﴾ فلا تتأسف عليهم فإن ضرر ذلك يعود إليهم لا إليك

стр. 1116

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) ﴿إنَّ الّذين آمَنُوا﴾ بألسنتهم وهم المنافقون ودل عليه قوله لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا امنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ﴿والذين هادوا والصابئون والنّصارى﴾ قال سيبويه وجميع البصريين ارتفع الصابئون بالابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها كأنه قيل إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ﴿من آمن باللهِ واليومِ الآخر وعمل صالحاً فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾ والصابئون كذلك أي من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم فقدم وحذف الخبر كقوله ... فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب ... أي فإني لغريب وقيار كذلك ودل اللام على أنه خبر إن ولا يرتفع بالعطف على محل إن واسمها لأن ذا لا يصح قبل الفراغ من الخبر

стр. 1117

لا تقول إن زيدا وعمر ومنطلقان وإنما يجوز إن زيداً منطلق وعمرو والصابئون مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله إن الذين آمنوا إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها وفائدة التقديم التنبيه على أن الصابئين وهم أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدهم غياً يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان فما الظن بغيرهم ومحل من آمن الرفع على الابتداء وخبره فلا خوف عليهم والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ثم الجملة كما هي خبر أن والراجع إلى اسم إن محذوف تقديره من آمن منهم

стр. 1118

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) ﴿لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ بالتوحيد ﴿وأرسلنا إليهم رسلاً﴾ ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم ﴿كلّما جآءَهُم رسول﴾ جملة شرطية وقعت صفة لرسلا المائدة (٧٠ _ ٧٣) والراجع محذوف أي رسول منهم ﴿بما لا تهوى أنفسهم﴾ بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع وجواب الشرط محذوف دل عليه ﴿فريقاً كذَّبُوا وفريقاً يقتلون﴾ كأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه وقوله فريقاً كذبوا جواب مستأنف لقائل كأنه يقول كيف فعلوا برسلهم وقال يقتلون بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل وتنبيهاً على أن القتل من شأنهم وانتصب فريقا وفريقا على أنه مفعول كذبوا ويقتلون وقيل التكذيب مشترك بين اليهود والنصارى والقتل مختص باليهود فهم قتلوا زكريا ويحيى

стр. 1119

وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾ حمزة وعلى وأبو عمرو وعلى أن أن مخففة من الثقيلة أصله أنه لا تكون فخففت إن وحذف ضمير الشأن ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم فلذا دخل فعل الحسبان على أن التي هي للتحقيق ﴿فتنةٌ﴾ بلاء وعذاب أي وحسب بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من الله عذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل وسد

стр. 1120

ما يشتمل عليه صلة أن وأن من المسند والمسند إليه مسد مفعولي حسب ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ فلم يعملوا بما رأوا ولا بما سمعوا أو فعموا عن الرشد وصموا عن الوعظ ﴿ثمّ تابَ اللَّهُ عليهم﴾ رزقهم التوبة ﴿ثمّ عَمُوا وصَمُّوا كثيرٌ مِّنهم﴾ هو بدل من الضمير أي الواو وهو بدل البعض من الكل أو هو خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم ﴿والله بصيرٌ بما يعملون﴾ فيجازيهم بحسب اعمالهم

стр. 1121

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربّي وربّكم﴾ لم يفرق عيسى ﵇ بينه وبينهم في أنه عبد مربوب ليكون حجة على النصارى ﴿إنّه من يشرك بالله﴾ في عبادته غير الله ﴿فقد حَرَّمَ اللَُّه عليهِ الجنّةَ﴾ التي هي دار الموحدين أى حرمه دخولها ومنعه منه ﴿ومأواه النَّارُ﴾ أي مرجعه ﴿وما للظّالمين﴾ أي الكافرين ﴿من أنصَارٍ﴾ وهو من كلام الله تعالى أو من كلام عيسى عليه السلام

стр. 1122

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) ﴿لقد كفر الذين قالوآ إن الله ثالث ثلاثةٍ﴾ أي ثالث ثلاثة آلهة والإشكال أنه تعالى قال في الآية الأولى لقد كفر الذين قالوا إن الله المائدة (٧٣ _ ٧٦) هو المسيح ابن مريم وقال في الثانية لقد كفر الذين قالوآ إن الله ثالث ثلاثة والجواب أن بعض النصارى كانوا يقولون كان المسيح بعينه هو الله لأن الله ربما يتجلى في بعض الأزمان في شخص فتجلى في ذلك الوقت في شخص عيسى ولهذا كان يظهر من شخص عيسى أفعال

стр. 1123

لا يقدر عليها إلا الله وبعضهم ذهبوا إلى آلهة ثلاثة الله ومريم والمسيح وأنه ولد الله من مريم ومن في قوله ﴿وما من إلهٍ إلاّ إلهٌ واحد﴾ للاستغراق أي وما إله قط في الوجود إلا إنه موصوف بالوحدانية لا ثاني له وهو الله وحده لا شريك له وفي قوله ﴿وإن لّم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّنّ الّذين كفروا منهم﴾ للبيان كالتى فى فجتنبوا الرجس من الأوثان ولم يقل ليمسنهم لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر تكرير للشهادة عليهم بالكفر أو للتبعيض أي ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية ﴿عذابٌ أليمٌ﴾ نوع شديد الألم من العذاب

стр. 1124

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه﴾ ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه وفيه تعجيب من إصرارهم ﴿والله غفورٌ رّحيمٌ﴾ يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم

стр. 1125

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) ﴿مّا المسيح ابن مريم إلاّ رسولٌ﴾ فيه نفي الألوهية عنه ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾ صفة الرسول أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى لم يكن منه لأنه ليس إلها بل الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده كما أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وخلقه من غير ذكر كخلق آدم من غير ذكر وأنثى ﴿وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي وما أمه أيضاً إلا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم ووقع اسم الصديقة عليهم لقوله تعالى ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾ ثم أبعدهما عما نسب إليهما بقوله ﴿كانا يأكلان الطّعام﴾ لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام
следующие страницы →