← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربّي وربّكم﴾ لم يفرق عيسى ﵇ بينه وبينهم في أنه عبد مربوب ليكون حجة على النصارى ﴿إنّه من يشرك بالله﴾ في عبادته غير الله ﴿فقد حَرَّمَ اللَُّه عليهِ الجنّةَ﴾ التي هي دار الموحدين أى حرمه دخولها ومنعه منه ﴿ومأواه النَّارُ﴾ أي مرجعه ﴿وما للظّالمين﴾ أي الكافرين ﴿من أنصَارٍ﴾ وهو من كلام الله تعالى أو من كلام عيسى عليه السلام

стр. 1122

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) ﴿لقد كفر الذين قالوآ إن الله ثالث ثلاثةٍ﴾ أي ثالث ثلاثة آلهة والإشكال أنه تعالى قال في الآية الأولى لقد كفر الذين قالوا إن الله المائدة (٧٣ _ ٧٦) هو المسيح ابن مريم وقال في الثانية لقد كفر الذين قالوآ إن الله ثالث ثلاثة والجواب أن بعض النصارى كانوا يقولون كان المسيح بعينه هو الله لأن الله ربما يتجلى في بعض الأزمان في شخص فتجلى في ذلك الوقت في شخص عيسى ولهذا كان يظهر من شخص عيسى أفعال

стр. 1123

لا يقدر عليها إلا الله وبعضهم ذهبوا إلى آلهة ثلاثة الله ومريم والمسيح وأنه ولد الله من مريم ومن في قوله ﴿وما من إلهٍ إلاّ إلهٌ واحد﴾ للاستغراق أي وما إله قط في الوجود إلا إنه موصوف بالوحدانية لا ثاني له وهو الله وحده لا شريك له وفي قوله ﴿وإن لّم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّنّ الّذين كفروا منهم﴾ للبيان كالتى فى فجتنبوا الرجس من الأوثان ولم يقل ليمسنهم لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر تكرير للشهادة عليهم بالكفر أو للتبعيض أي ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية ﴿عذابٌ أليمٌ﴾ نوع شديد الألم من العذاب

стр. 1124

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه﴾ ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه وفيه تعجيب من إصرارهم ﴿والله غفورٌ رّحيمٌ﴾ يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم

стр. 1125

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) ﴿مّا المسيح ابن مريم إلاّ رسولٌ﴾ فيه نفي الألوهية عنه ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾ صفة الرسول أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى لم يكن منه لأنه ليس إلها بل الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده كما أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وخلقه من غير ذكر كخلق آدم من غير ذكر وأنثى ﴿وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي وما أمه أيضاً إلا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم ووقع اسم الصديقة عليهم لقوله تعالى ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾ ثم أبعدهما عما نسب إليهما بقوله ﴿كانا يأكلان الطّعام﴾ لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام

стр. 1126

وما يتبعه من الهضم والنقض لم يكن إلا جسماً مركباً من لحم وعظم وعروق وأعصاب وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام ﴿انظر كيف نبيّن لهم الآيات﴾ أي الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم ثمّ انظر ﴿أنى يؤفكون﴾ كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان وهذا تعجيب من الله تعالى في ذهابهم عن الفرق بين الرب والمربوب

стр. 1127

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) ﴿قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعاً﴾ هو عيسى ﵇ أي شيئاً لا يستطيع أن يضركم المائدة (٧٦ _ ٨٠) بمثل ما يضركم به الله من البلاء والمصائب في الأنفس والأموال ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب لأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبتخليقه تعالى فكأنه لا يملك منه شيئاً وهذا دليل قاطع على أن أمره منافٍ للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته ﴿والله هو السّميعُ العليمُ﴾ متعلق بأتعبدون أي أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولونه ويعلم ما تعتقدونه

стр. 1128

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾ الغلو مجاوزة الحد فغلو النصارى رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهية وغلو اليهود وضعه عن استحقاق النبوة ﴿غير الحقِّ﴾ صفة لمصدر محذوف أي غلوا غير الحق يعني غلواً باطلاً ﴿ولا تتّبعوآ أهوآءَ قومٍ قد ضلُّوا من قبلُ﴾ أي أسلافكم

стр. 1129

وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل مبعث النبى ﷺ ﴿وأضلُّوا كثيراً﴾ ممن تابعهم ﴿وضلُّوا﴾ لما بعث رسول الله ﷺ ﴿عن سوآءِ السَّبِيلِ﴾ حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه

стр. 1130

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) ﴿لعن الّذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم﴾ قيل إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عيسى اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ﴿ذلك بما عصوا وّكانوا يعتدون﴾ ذلك اللعن بعصيانهم واعتدائهم

стр. 1131

كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله ﴿كانوا لا يتناهون﴾ لا ينهي بعضهم بعضاً ﴿عن مّنكرٍ فعلوه﴾ عن قبيح فعلوه ومعنى وصف المنكر يفعلوه ولا يكون النهي بعد الفعل أنهم لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه أو عن منكر أرادوا فعله أو المراد لا ينتهون عن منكر فعلوه بل يصرون عليه يقال تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً لذلك بالقسم بقوله ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾ وفيه دليل على أن ترك النهي عن المنكر من العظائم فيا حسرة على المسلمين في اعراضهم عنه

стр. 1132

تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) ﴿ترى كثيراً مِّنهم يتوّلّون الّذين كفروا﴾ هم منافقو أهل الكتاب كانوا يوالون المشركين ويصافونهم ﴿لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن

стр. 1133

سَخِطَ الله عليهم﴾ لبئس شيئاً قدموه لأنفسهم سخط الله المائدة (٨٠ _ ٨٣ عليهم أي موجب سخط الله ﴿وفي العذاب هم خالدون﴾ أي في جهنم

стр. 1134

وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) ﴿ولو كانوا يؤمنون باللهِ﴾ إيماناً خالصاً بلا نفاق ﴿النبي﴾ أى محمد ﷺ ﴿ومآ أنزل إليه﴾ يعني القرآن ﴿ما اتّخذوهم أوليآء﴾ ما اتخذوا المشركين أولياء يعني أن موالاة المشركين تدل على نفاقهم ﴿ولكن كثيراً مّنهم فاسقون﴾ مستمرون في كفرهم ونفاقهم أو معناه ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله وبموسى وما أنزل إليه يعني التوراة ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون ولكن كثيراً منهم فاسقون خارجون عن دينهم فلا دين لهم أصلاً

стр. 1135

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) ﴿لَتَجِدَنَّ أشدّ النّاس عداوة لّلّذين آمنوا اليهودَ﴾ هو مفعول ثان لتجدن وعداوة تمييز ﴿والّذين أشركوا﴾ عطف عليهم ﴿ولتجدنّ أقربهم مّودّةً لّلّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى﴾ اللام تتعلق بعداوة ومودة وصف اليهود بشدة الشكيمة والنصارى بلين العريكة وجل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين ونبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على المشركين ﴿ذلك بأنّ منهم قِسّيسينَ ورهباناً﴾ أي علماء وعباداً ﴿وأنّهم لا يستكبرونَ﴾ علل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهباناً وأن فيهم تواضعاً واستكانة واليهود على خلاف ذلك وفيه دليل على أن العلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وإن كان علم القسيسين وكذا علم الارخرة وإن كان في راهب والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني

стр. 1136

وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ﴾ وصفهم برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن كما روي عن النجاشي أنه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون وهم يقرءونه عليهم هل في كتابكم ذكر مريم قال جعفر فيه سورة تنسب إلى مريم فقرأها إلى قوله ذلك عيسى ابن مريم وقرأ سورة طه إلى قوله هل أتاك حديث موسى فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله ﷺ المائدة (٨٣ _ ٨٦) وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم سورة يس فبكوا تفيض من الدمع تمتلئ من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أى تسيل من أجل البكاء ومن فى مما عرفوا لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله ومن في من الحق لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا أو للتبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنَة ﴿يقولون﴾ حال من ضمير الفاعل فى عرفوا ﴿ربنا آمنا﴾ بمحمد ﷺ والمراد إنشاء الإيمان والدخول فيه ﴿فاكتبنا مع الشّاهدين﴾ مع أمة محمد ﵇ الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة لتكونوا شهداء على الناس وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك

стр. 1137

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) ﴿وما لنا لا نؤمن بالله﴾ إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين وقيل لما رجعوا إلى قومهم لا موهم فاجابوهم بذلك وما لنا مبتدأ وخبر ولا نؤمن حال أي غير مؤمنين كقولك مالك قائماً ﴿وما جآءنا﴾ وبما جاءنا ﴿من الحقِّ﴾

стр. 1138

عنى محمداً ﵇ والقرآن ﴿ونطمع﴾ حال من ضمير الفاعل في نؤمن والتقدير ونحن نطمع ﴿أن يدخلنا ربّنا﴾ الجنة ﴿مع القوم الصّالحين﴾ الأنبياء والمؤمنين

стр. 1139

فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) ﴿فأثابهم الله بما قالوا﴾ أي بقولهم ربنا آمنا وتصديقهم لذلك ﴿جنّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وذلك جزآء المحسنين﴾ وفيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان كما هو مذهب الفقهاء وتعلقت الكرامية في أن الإيمان مجرد القول بقوله بما قالوا لكن الثناء بفيض الدمع فى السباق والإحسان في السياق يدفع ذلك وأنى يكون مجرد القول إيماناً وقد قال الله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين نفى الإيمان عنهم مع قولهم آمنا بالله لعدم التصديق بالقلب وقال أهل المعرفة الموجود منهم ثلاثة أشياء البكاء على الجفاء والدعاء على العطاء والرضا بالقضاء فمن ادعى المعرفة ولم يكن فيه هذه الثلاثة فليس بصادق فى دعواه

стр. 1140

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ هذا أثر الرد في حق الأعداء والأول أثر القبول للأولياء

стр. 1141

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) ونزل فى جماعة من الصحابة رضى الله عنهم حلفوا أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويقوموا الليل ويصوموا المائدة (٨٧ _ ٨٩) النهار ويسيحوا في الأرض ويجبّوا مذاكيرهم ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب ﴿يا أيها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّباتِ مآ أحلّ الله لكم﴾ ما طاب ولد من الحلال ومعنى لا تحرموا لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً

стр. 1142

منكم وتقشفاً روي أن رسول الله ﷺ كان يأكل الدجاج والفالوذ وكان يعجبه الحواء والعسل وقال إن المؤمن حلو يحب الحلاوة وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجي وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن أهو صائم قالوا لا ولكنه يكره هذه الألوان فأقبل الحسن عليه وقال يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم وعنه أنه قيل له فلان يأكل الفالوذ ويقول لا أؤدي شكره فقال أفيشرب الماء البارد قالوا نعم قال إنه جاهل أن نعمة الله عليه في الماء البارد أكبر من نعمته عليه في الفالوذ ﴿ولا تعتدوا﴾ ولا تجاوزوا الحد الذي حد عليكم في تحليل أو تحريم أو ولا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات ﴿إنّ الله لا يحبّ المعتدين﴾ حدوده

стр. 1143

وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) ﴿وكلوا ممّا رزقكم الله حلالاً طيّباً﴾ حلالاً حال مما رزقكم الله ﴿واتّقوا الله﴾ توكيد للتوصية بما أمر به وزاده توكيداً بقوله ﴿الّذي أنتم به مؤمنون﴾ لأن الإيمان به يوجب التقوى فيما أمر به ونهى

стр. 1144

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم﴾ اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو أن يحلف على شيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن وكانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظن أنه قربة فلما نزلت الآية قالوا فكيف أيماننا فنزلت وعند الشافعي ﵀ ما يجري على اللسان بلا قصد ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان﴾ أي بتعقيدكم الأيمان

стр. 1145

وهو توثيقها وبالتخفيف كوفي غير حفص والعقد العزم على الوطء وذا لا يتصور في الماضي فلا كفارة في الغموس وعند الشافعي ﵀ القصد بالقلب ويمين الغموس مقصودة فكانت معقودة فكانت الكفارة فيها مشروعة والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوماً عندهم أو بنكث ما عقدتم فحذف المضاف ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي فكفارة نكثه أو فكفارة معقود الأيمان والكفارة الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين﴾ هو أن يغديهم ويعشيهم ويجوز المائدة (٨٩ _ ٩١) أن يعطيهم بطريق التمليك وهو لكل أحد نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من تمر وعند الشافعي ﵀ مد لكل مسكين ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهليكم﴾ أى غذاء وعشاء من بر إذ الأوسع ثلاث مرات مع الإدام والأدنى مرة من تمر أو شعير ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عطف على إطعام أو على محل من أوسط ووجهه أن من أوسط بدل من إطعام والبدل هو المقصود في الكلام وهو ثوب يغطي العورة وعن ابن عمر رضى الله عنه إزار وقميص ورداء ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مؤمنة أو كافرة لإطلاق النص وشرط الشافعى رحمة الله الإيمان حملاً للمطلق على المقيد في كفارة القتل ومعنى أو التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ إحداها ﴿فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ﴾ متتابعة لقراءة أبيّ وابن مسعود كذلك ﴿ذلك﴾ المذكور ﴿كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وحنثتم فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأن الكفارة لا تجب بنفس الحلف ولذا لم يجز التكفير قبل الحنث ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ فبروا فيها ولا تحنثوا إذا لم يكن الحنث خيراً أو ولا تحلفوا أصلاً

стр. 1146

﴿كذلك﴾ مثل ذلك البيان ﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته﴾ أعلام شريعته وأحكامه ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه

стр. 1147

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّمَا الخمر والميسر﴾ أي القمار ﴿والأنصاب﴾ الأصنام لأنها تنصب فتعبد ﴿والأزلام﴾ وهي القداح التي مرت ﴿رِجْسٌ﴾ نجس أو خبيث مستقذر ﴿مِّنْ عَمَلِ الشيطان﴾ لأنه يحمل عليه فكأنه عمله والضمي في ﴿فاجتنبوه﴾ يرجع إلى الرجس أو إلى عمل الشيطان أو إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف كأنه قيل إنما تعاطى الخمر والميسر ولذا قال رجس ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أكد تحريم الخمر والميسر من وجوه حيث صدر الجملة بإنما وقرنهما بعبادة الأصنام ومنه الحديث شارب الخمر كعابد الوثن وجعلهما رجا من عمل الشيطان ولا يأنى منه إلا الشر البحت وأمر بالاجتناب وجعل الاجتناب من الفلاح وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خساراً

стр. 1148

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة﴾ ذكر ما يتولد منهما من الوبال المائدة (٩١ _ ٩٤) وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة وخص الصلاة من بين الذكر لزيادة درجتها كأنه قال وعن الصلاة خصوصاً وإنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أو لا ثم أفردهما آخراً لأن الخطاب مع المؤمنين وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعاً من أعمال أهل الشرك فكأنه

стр. 1149

لا مباينة بين عابد الصنم وشارب الخمر والمقامر ثم أفردهما بالذكر ليعلم أنهما المقصود بالذكر ﴿فهل أنتم منتهون﴾ من أبلغ ما ينتهى به كأنه قيل قد تُلي عليكم ما فيهما من الصوارف والزواجر فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم انتم على ما كنتم عيه كأن لم توعظوا ولم تزجروا

стр. 1150

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول واحذروا﴾ وكونوا حذرين خاشعين لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن ذلك ﴿فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين﴾ أي فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه

стр. 1151

لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) ونزل فيمن تعاطى شيئاً من الخمر والميسر قبل التحريم ﴿ليس على الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ أي شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار قبل تحريمهما ﴿إذا ما اتقوا﴾ الشرك ﴿وآمنوا﴾ بالله ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ بعد الإيمان ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ الخمر والميسر بعد التحريم ﴿وآمنوا﴾ بتحريمهما ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ سائر المحرمات أو الأول عن الشرك والثاني عن المحرمات والثالث عن الشبهات ﴿وَأَحْسَنُواْ﴾ إلى الناس ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾

стр. 1152

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) ولما ابتلاهم الله بالصيد عام الحديبية وهم محرمون وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم فيستمكنون من صيده أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم نزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مّنَ الصيد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم﴾ ومعنى يبلوا بختبر وهو من الله لإظهار ما علم من العبد على ما علم لا لعلم مالم يعلم ومن للتبعيض إذ لا يحرم كل صيد أو لبيان الجنس ﴿لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب﴾ ليعلم الله خوف الخائف منه بالامتناع عن

стр. 1153

الاصطياد موجوداً كما كان يعلم قبل وجوده أنه يوجد ليثيبه على عمله لا على علمه به ﴿فَمَنِ اعتدى﴾ فصاد ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الابتلاء ﴿فَلَهُ عذاب أليم﴾ قلل فى قوله بشئ من الصيد ليعلم المائدة (٩٥) أنه ليس من الفتن العظام وتناله صفة لشئ

стр. 1154

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تَقْتُلُواْ الصيد﴾ أي المصيد إذ القتل إنما يكون فيه ﴿وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ أي محرمون جمع حرام كردح في جمع رداح في محل النصب على الحال من ضمير الفاعل في تقتلوا ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً﴾ حال من ضمير الفاعل أى ذاكرا لا حرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه فإن قتله ناسياً لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد فهو مخطئ وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ لأن مورده الآية فيمن تعمد فقد رُوي أنه عَنَّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فقلنه فقيل له إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت ولأن الاصل فعل المتعمدة والخطأ ملحق به للتغليظ وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ﴾ كوفي أي فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد وهو قيمة الصيد يقوم حيث صيد فإن بلغت فيمته ثمن هدي خيّر بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشترى يقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً وعند محمد والشافعي رحمهما الله تعالى مثله نظيره من النعم فإن لم يوجد له نظير من النعم فكما مر فجزاء مثل على الإضافة غيرهم وأصله فجزاء مثل ما قتل أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل ثم أضيف كما تقول عجبت من ضرب زيداً ثم من ضرب زيد مِنَ النعم حال من

стр. 1155

الضمير في قتل إذا المقتول يكون من النعم أو صفة لجزاء يَحْكُمُ بِهِ بمثل ما قتل ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ حكمان عادلان من المسلمين وفيه دليل على أن المثل القيمة لأن التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة ولأن المثل المطلق في الكتاب والسنة والإجماع مقيد بالصورة والمعنى أو بالمعنى لا بالصورة أو بالصورة بلا معنى والقيمة أريدت فيما لا مثل له صورة إجماعاً فلم يبق غيرها مراداً إذ لا عموم للمشترك فإن قلت قوله من النعم ينافي تفسير المثل بالقيمة قلت من أوجب القيمة خُير بين أن يشتري بها هدياً أو طعاماً أو يصوم كما خير الله تعالى في الآية فكان من النعم بياناً للهدي المشتري بالقيمة في أحد وجوه التخيير لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هدياً فأهداه فقد جرى بمثل ما قتل من النعم على أن التخيير الذي في الآية بين أن يُجزي بالهدي أو يكفر بالطعام أو الصوم إنما يستقيم إذا قوم ونظر بعد التقويم أي الثلاثة يختار فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير فإذا كان شيئاً لا نظير له قُوِّم حينئذ ثم تخير بين الطعام والصيام ففيه بنو عما في الآية ألا ترى إلى قوله أو كفارة طَعَامُ مساكين أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً كيف خير بين الأشياء الثلاثة ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم ﴿هَدْياً﴾ حال من الهاء في به أي يحكم به في حال الهدى ﴿بالغ الكعبة أو﴾ صفة لهديا لأن إضافته غير حقيقية ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالمحرم فأما التصدق به فحيث شئت وعند الشافعي ﵀ فى الرحم ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ معطوف على جزاء ﴿طَعَامٌ﴾ بدل من كفارة أو خبر مبتدأ محذوف أي هي طعام أو كفارة طعام على الإضافة مدني وشامي وهذه الإضافة لتبيين المضاف كأنه قيل أو كفارة من طعام ﴿مساكين﴾ كما تقول خاتم فضة أي خاتم من فضة ﴿أو عدل﴾ وقرئ بكسر العين قال القراء العدل ما عدل الشئ من غير جنسه كالصوم والإطعام والعدل مثله من جنسه ومنه عدلا الحمل يقال عندي غلام عدل غلامك بالكسر إذا كان من جنسه قان أريد أن قيمته كقيمته ولم يكن من جنسه قيل هو عَدل غلامك

стр. 1156

بالفتح ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الطعام ﴿صِيَاماً﴾ تمييز نحو لي مثله رجلاً والخيار في ذلك إلى القاتل وعند محمد ﵀ إلى الحكمين ﴿لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ متعلق بقوله فجزاء أى فعليه أى يجازي أو يكفر ليذوق سوء عقاب عاقبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال المكروه والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى ﴿فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً﴾ أي ثقيلاً شديداً والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ﴾ لكم من الصيد قبل التحريم ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى قتل الصيد بعد التحريم أو في ذلك الإحرام ﴿فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ بالجزاء وهو خبر مبتدأ فحذوف تقديره فهو ينتقم الله منه ﴿والله عَزِيزٌ﴾ بإلزام الأحكام ﴿ذُو انتقام﴾ لمن جاوز حدود الإسلام

стр. 1157

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر﴾ مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل ﴿وَطَعَامُهُ﴾ وما يطعم من صيده والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده ﴿متاعا لَّكُمْ﴾ مفعول له أي أحل لكم تمتيعاً لكم ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وللمسافرين والمعنى أحل لكم طعامه تمتيعاً لتُنّائكم يأكلونه طرياً ولسيارتكم يتزودونه قديداً كما تزود موسى ﵇ الحوت في مسيره إلى الخضر ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر﴾ ما صيد فيه وهو ما يفرخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كالبط فإنه يرى لأنه يتولد في البر والبحر له مرعى كما للناس متجر ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ محرمين ﴿واتقوا الله﴾ في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام ﴿الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تبعثون فيجزيكم على أعمالكم

стр. 1158

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) ﴿جَعَلَ الله الكعبة﴾ أي صير ﴿البيت الحرام﴾ بدل أو المائدة (٩٧ _ ١٠١) عطف بيان ﴿قِيَاماً﴾ مفعول ثانٍ أو جعل بمعنى خلق وقياما حال ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي انتعاشاً لهم في أمر دينهم ونهوضا إلى أعراضهم في معاشهم ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وأنواع منافعهم قبل لو تركوه عاماً لم ينظروا ولم يؤخروا ﴿والشهر الحرام﴾ والشهر الذي يؤدي فيه الحج وهو ذو الحجة لأن في اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد علمه الله أو أريد به جنس الأشهر الحرم وهو رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ﴿والهدى﴾ ما يهدى إلى مكة ﴿والقلائد﴾ والمقلد منه خصوصاً وهو البدن فالثواب فيه أكثر وبهاء الحج معه أظهر ﴿ذلك﴾ إشارة إلى جعل الكعبة قياماً أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره ﴿لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا في الأرض وأن الله بكل شيء﴾ أي لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض وكيف لا يعلم وهو بكل شيء عليم

стр. 1159

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ﴿اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ لمن استخف بالحرم والإحرام ﴿وَأَنَّ الله غَفُورٌ﴾ لآثام من عظم المشاعر العظام ﴿رحيم﴾ بالجانى الملتجئ إلى البلد الحرام

стр. 1160

مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) ﴿وما عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ﴾ تشديد في إيجاب القيام بما أمر به وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط ﴿والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ فلا يخفى عليه نفاقكم ووفاقكم
следующие страницы →