Полный текст (7 814 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)
﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ لبس الحق بالباطل خلطه والباء إن كانت صلة مثلها في قولك لبست الشئ بالشئ خلطته به كان المعنى ولا تكتيوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذى كتبتم حتى لايميز بين حقها وباطلكم وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك
стр. 107
كتبت بالقلم كان المعنى ولا تجعلوا الحق ملتبساً مشتبهاً بباطلكم الذي تكتبونه ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ هو مجزوم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا أو منصوب بإضمار أن والواو بمعنى الجمع أي ولا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كقولك لا تأكل السمك وتشرب اللبن وهما أمران متميزان لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في التوراة ما ليس منهما وكتمانهم الحق أن يقولوا لانجد في التوراة صفة محمد أو حكم كذا ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في حال علمكم أنكم لابسون وكاتمون وهو أقبح لهم لأن الجهل بالقبيح ربما عذر مرتكبه
стр. 108
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)
﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ أي صلاة المسلمين وزكاتهم ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾ منهم لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم أي أسملوا وعملوا عمل أهل الإسلام وجاز أن يراد بالركوع الصلاة كما يعبر عنا بالسجود وأن يكون أمر بالصلاة مع المصلين يعني في الجماعة أي صلوها مع المصلين لا منفردين
стр. 109
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)
والهمزة في ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس﴾ للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم ﴿بالبر﴾ أي سعة الخير والمعورف ومنه البر لسعته ويتناول كل خير ومنه قولهم صدقت وبررت وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد ﵇ ولا يتبعونه وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون وإذا أتوا بالصدقات ليفرقوها خانوا فيها ﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ وتتركونها من البر كالمنسيات ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾ تبكيت أى تتلون التوراة وفيها نعت محمد ﵇ أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أفلا تفطنون لقبيح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وهو توبيخ عظيم
стр. 110
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)
﴿واستعينوا﴾ على حوائجكم إلى الله ﴿بالصبر والصلاة﴾ أي بالجمع
стр. 111
بينهما وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض أو استعينوا على البلايا
البقرة (٤٥ _ ٤٩)
والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه نعى إليه أخوه وقثم وهو في سفر فاسترجع وصلى ركعتين ثم قال واستعينوا بالصبر والصلاة وقيل الصبر الصوم لأنه حبس عن المفطرات ومنه قيل لشهر رمضان شهر الصبر وقيل الصلاة الدعاء أي استعينوا على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال إلى الله في دفعه ﴿وَإِنَّهَا﴾ الضمير للصلاة أو للاستعانة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لشاقة ثقيلة من قولك كبر عَلَيَّ هذا الأمر ﴿إِلاَّ عَلَى الخاشعين﴾ لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم ألا ترى إلى قوله
стр. 112
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)
﴿الذين يظنون أنهم ملاقو رَبّهِمْ﴾ أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه وفسر يظنون بيتيقنون لقراءة عبد الله يعلمون أي يعلمون أنه لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة والخشوع الاخبات والتظامن وأما الخضوع فاللين والانقياد وفسر اللقاء بالرؤية وملاقوا ربهم بمعاينوه بلا كيف ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون﴾ لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه
стр. 113
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)
﴿يا بني إسرائيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ التكرير للتأكيد ﴿وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ نصب عطف على نعمتي أي اذكروا نعمتي وتفضيلي ﴿عَلَى العالمين﴾ على الجم الغفير من الناس يقال رأيت عالماً من الناس والمراد الكثرة
стр. 114
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)
﴿واتقوا يَوْمًا﴾ أي يوم القيامة وهو مفعول به لا ظرف ﴿لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ﴾ مؤمنة ﴿عَن نَّفْسٍ﴾ كافرة ﴿شَيْئاً﴾ أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق التى لزمتها وشيئا مفعول به أو مصدر أي قليلاً من الجزاء والجملة منصوبة المحل صفة يوما والعائد منها إلى الموصوف محذوف تقديره لا تجزى فيه ﴿ولا يقبل منها شفاعةٌ﴾ ولا تقبل بالتاء مكى وبصرى والضمير فى منها يرجع إن النفس المؤمنة أي لا تقبل منها شفاعة للكافرة وقيل كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا فهو كقوله فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين وتشبث المعتزلة بالآية في نفي الشفاعة للعصاة مردود لأن المنفي شفاعة الكفار وقد قال ﵇ شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي من كذب بها لم ينلها ﴿وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي فدية لأنها معادلة للمفدى ﴿ولا هم ينصرون﴾ يعانون وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس الكثيرة وذكّر لمعنى العباد أو الأناسي
стр. 115
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)
﴿وإذ نجيناكم من آل فِرْعَوْنَ﴾ أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفا وخص استعمال
البقرة (٤٩ _ ٥١)
بأولى الخطر كالملوك وأشباههم فلا يقال آل الإسكاف والحجام وفرعون علم لمن ملك العمالقة كقيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حال من آل فرعون أي يولونكم من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنها بمعنى يبغونكم ﴿سوء العذاب﴾ ويريدونكم عليه ومساومة البيع مزايدة أو مطالبة وسوء مفعول ثان ليسومونكم وهو مصدر سئ يقال اعود بالله من سوء الخلق وسوء الفعل يراد قبحهما ومعنى سوء العذاب والعذاب
стр. 116
كله سئ أشده وأفظعه ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ بيان لقوله يسومونكم ولذا ترك العاطف ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ يتركون بناتكم أحياء للخدمة وإنما فعلوا بهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يزول ملكه بسببه كما أنذروا نمرود فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ وكان ما شاء الله ﴿وَفِي ذلكم بَلاءٌ﴾ محنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون ونعمة إن أشير به إلى الانجاء ﴿من ربكم﴾ صفة لبلاء ﴿عظِيمٌ﴾ صفة ثانية
стр. 117
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾ فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرئ فرّقنا أي فصلنا يقال فرق بين الشيئين وفَرَّقَ بين الأشياء لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط ﴿بِكُمُ البحر﴾ كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم أو فرقناه بسببكم أو فرقناه ملتبساً بكم فيكون في موضع الحال رُوي أن بني إسرائيل قالوا لموسى ﵇ أين أصحبانا فنحن لا نرضى حتى نراهم فأوحى الله إليه أن قل بعصاك هكذا فقال بها على الحيطان فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم ﴿فأنجيناكم وَأَغْرَقْنَا آل فِرْعَونَ وَأَنتُم تَنظُرونَ﴾ إلى ذلك وتشاهدونه ولا تشكون فيه
стр. 118
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)
وإنما قال ﴿وَإِذْ واعدنا موسى﴾ لأن الله تعالى وعده بالوحي ووعده هو المجئ للميقات إلى الطور وعدنا حيث كان بصري لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه وعد الله تعالى موسى أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة وقال ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لأن الشهور غررها بالليالى وأربعين مفعول ثان لو اعدنا
стр. 119
لا ظرف لأنه ليس معناه واعدناه في أربعين ليلة ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل﴾ أي إلها فحذف المفعول الثاني لاتخذتم وبابه بالإظهار مكي وحفص ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ من بعد ذهابه إلى الطور ﴿وَأَنتُمْ ظالمون﴾ أي بوضعكم العبادة غير موضعها والجملة حال أي عبدتموه ظالمين
стр. 120
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ﴾ محونا ذنوبكم عنكم ﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ من بعد اتخاذكم العجل ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ لكي
البقرة (٥٣ _ ٥٥)
تشكروا النعمة فى العفو عنكم
стр. 121
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)
﴿وإذ آتينا مُوسَى الكتاب والفرقان﴾ يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل وهو التوراة ونظيره رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام وقيل الفرقان انفلاق البحر أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ لكي تهتدوا
стр. 122
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)
﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ للذين عبدوا العجل ﴿يا قوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتخاذكم العجل﴾ معبوداً ﴿فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ﴾ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت وفيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم إبرياء من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة والبلادة ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ قيل هو على الظاهر وهو البخع وقيل معناه قتل بعضهم بعضاً وقيل أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة فقتل سبعون ألفاً
стр. 123
﴿ذلكم﴾ التوبة والقتل ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ﴾ من الإصرار على المعصية ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب﴾ المفضال بقبول التوبة وإن كثرت ﴿الرحيم﴾ يعفوا الحوبة وإن كبرت والفاء الأولى للتسبيب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم إذ الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم والثالثة متعلقة بشرط محذوف كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم
стр. 124
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)
﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ عياناً وانتصابها على المصدر كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال من نرى أي ذوي جهرة ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ أي الموت قيل هي نار جاءت من السماء فأحرقتهم روي أن السبعين الذين كانوا مع موسى ﵇ عند الانطلاق إلى الجبل قالوا له نحن لم نعبد العجل كما عبده هؤلاء فأرنا الله جهرة فقال موسى سألته ذلك فأباه عليّ فقالوا إنك رأيت الله تعالى فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فبعث الله عليهم صاعقة فأحرقتهم وتعلقت المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية لأنه لو كان جائز الرؤية لما عذبوا بسؤال ما هو جائز الثبوت قلنا إنما عوقبوا بكفرهم لأن قولهم إنك رأيت الله فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة كفر منهم ولأنهم امتنعوا عن الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يروا ربهم جهرة والإيمان بالانبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم ولأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد
البقرة (٥٥ _ ٥٨)
﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ إليها حين نزلت
стр. 125
ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)
﴿ثُمَّ بعثناكم﴾ أحييناكم وأصله الإثارة ﴿مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمة البعث بعد الموت
стр. 126
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام﴾ جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن﴾ الترنجبين وكان ينزل عليهم مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ﴿والسلوى﴾ كان يبعث الله عليهم الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه وقلنا لهم ﴿كُلُواْ مِن طيبات﴾ لذيذات أو حلالات ﴿مَا رزقناكم وَمَا ظَلَمُونَا﴾ يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا ﴿ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أنفسهم مفعول يظلمون وهو خبر كان
стр. 127
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)
﴿وإذ قلنا﴾ لهم بعد ما خرجوا من التيه ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ أي بيت المقدس أو أريحاء والقرية المجتمع من قريت لأنها تجمع الخلق أمروا بدخولها بعد التيه ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ من طعام القرية وثمارها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ واسعاً ﴿وادخلوا الباب﴾ باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ﵇ وإنما دخلوا الباب في حياته ودخلوا بيت المقدس بعده ﴿سُجَّدًا﴾ حال وهو جمع ساجد أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى وتواضعاً له ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ فعلة من الحط كالجلسة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب وقد قرئ به بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات وقيل أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها وعن على رضى الله عنه هو بسم الله الرحمن الرحيم وعن عكرمة هو لا إله إلا الله ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم﴾ جمع خطيئة وهي الذنب يغفر مدني تغفر شامي ﴿وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ أي من كان محسناً منكم
стр. 128
كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه ومن كان مسيئا كانت له توب ومغفرة
стр. 129
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)
﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾ فيه حذف وتقديره فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم فبدل يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى آخر بالباء فالذي مع الباء متروك والذي بغير باء موجود يعني وضعوا مكان حطة قولاً غيرها أي أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار
البقرة (٥٩ _ ٦١)
فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله وقيل قالوا مكان حطة حنطة وقيل قالوا بالنبطية حطا سمقاثا أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أعراض الدنيا ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا﴾ عذاباً وفي تكرير الذين ظلموا زيادة في تقبيح امرهم وإيزان بإنزال الرجز عليهم لظملهم ﴿مِّنَ السماء﴾ صفة لرجز ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم روي أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً وقيل سبعون ألفا
стр. 130
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)
﴿وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ﴾ موضع إذ نصب كأنه قيل واذكروا إذا استسقى أي استدعي أن يسقي قومه ﴿فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر﴾ عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر واللام للعهد والإشارة إلى حجر معلوم فقد روي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر إثنا عشر ميلاً أو للجنس أى اضرب الشئ الذي يقال له الحجر وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة ﴿فانفجرت﴾ الفاء متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أي سالت بكثرة أو فإن ضربت فقد انفرجت وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ ﴿مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عينا﴾ على عدد الأسباط وقرئ بكسر الشين وفتحها وهما لغتان وعيناً تمييز ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ كل سبط ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ عينهم التي
стр. 131
يشربون منها وقلنا لهم ﴿كُلُواْ﴾ من المن والسلوى ﴿واشربوا﴾ من ماء العيون ﴿مِن رّزْقِ الله﴾ أي الكل مما رزقكم الله ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض﴾ لا تفسدوا فيها والعيث أشد الفساد ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة أي لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه
стр. 132
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)
﴿وإذ قلتم يا موسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد﴾ هو ما رزقوا في التيه من المن والسلوى وإنما قالوا على طعام واحد وهما طعامان لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها يقال لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً ويراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف أو أرادوا أنهما ضرب واحد لأنهما معا من طعام أهل التلذد والتترف وكانوا من أهل الزراعات فأرادوا ما ألفوا من البقول والحبوب وغير ذلك ﴿فادع لَنَا ربك﴾ سله
البقرة (٦٠)
وقل له أخرج لنا ﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ يظهر لنا ويوجد ﴿مِمَّا تُنبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا﴾ هو ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطايب البقول كالنعناع والكرفس والكراث ونحوهما مما يأكل الناس ﴿وَقِثَّآئِهَا﴾ يعني الخيار ﴿وَفُومِهَا﴾ هو الحنطة أو الثوم لقراءة ابن مسعود وثومها ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى﴾ أقرب منزلة وأدون مقداراً والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار ﴿بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ أرفع وأجل ﴿اهبطوا مِصْرًا﴾ من الأمصار أي انحدروا إليه من التيه وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين وهي اثنا عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ أو مصر فرعون وإنما صرفه مع وجود السببين وهما التأنيث والتعريف لإرادة البلد أو لسكون وسطه كنوح ولوط وفيهما العجمة والتعريف ﴿فَإِنَّ لَكُم﴾ فيها ﴿مَّا سَأَلْتُمْ﴾ أي فإن الذي سألتم يكون في الأمصار لا في التيه ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة﴾ أي الهوان والفقر يعني جعلت الذلة محيطة بهم
стр. 133
مشتملة عليهم فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة وفقر إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية عليهم الذلة حمزة وعلي وكذا كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة وبكسر الهاء والميم أبو عمرو وبكسر الهاء وضم الميم غيرهم ﴿وباؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ من قولك باء فلان بفلان إذا كان حقيقيا بأن يقتل به لمساواته له أي صاروا أحقاء بغضبه وعن الكسائي حفوا ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ بالهمزة نافع وكذا بابه أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وقد قتلت اليهود شعياء وزكريا ويحيا صلوات الله عليهم والنبي من النبإ لأنه يخبر عن الله تعالى فعيل بمعنى مفِعل أو بمعنى مفعَل أو من نبا أي ارتفع والنبوة المكان المرتفع ﴿بِغَيْرِ الحق﴾ عندهم أيضا فإنهم لو أنصفوا لم يذكورا شيئاً يستحقون به القتل عندهم في التوراة وهو في محل النصب على الحال من الضمير في يقتلون أي يقتلونهم مبطلين ﴿ذلك﴾ تكرار للإشارة ﴿بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء وقيل هو اعتداؤهم
في السبت ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنهم انهمكوا فهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود
البقرة (٦١ _ ٦٥)
الآيات وقتلهم الأنبياء أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا
стр. 134
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)
﴿إن الذين آمنوا﴾ بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون ﴿والذين هادوا﴾ تهودا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية وهو
стр. 135
هائد والجمع هود ﴿والنصارى﴾ جمع نصران كندمان وندامى يقال رجل نصران وامرأة نصرانة والياء في نصراني للمبالغة كالتي في احمرى سموا نصارى لأنهم نصورا المسيح ﴿والصابئين﴾ الخارجين من دين مشهور إلى غيره من صبأ إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة وقيل هم يقرءون الزبور ﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾ من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً ﴿وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ثوابهم ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ومحل من آمن الرفع إن جعلته مبتدأ خبره فلهم أجرهم والنصب إن جعلته بدلاً من اسم إن والمعطوف عليه فخبر إن في الوجه الأول الجملة كما هي وفي الثاني فلهم والفاء لتضمن من معنى الشرط
стр. 136
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ بقبول ما التوراة ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ أي الجبل حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق وذلك أن موسى ﵇ جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر الله تعالى جبريل ﵇ فقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى إن قبلتم وإلا ألقي عليكم حتى قبلوا وقلنا لكم ﴿خذوا ما آتيناكم﴾ من الكتاب أي التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍ وعزيمة ﴿واذكروا مَا فِيهِ﴾ واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسون ولا تغفلوا عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين
стр. 137
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)
﴿ثمّ تولّيتم﴾ ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به ﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ من بعد القبول ﴿فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بتأخير العذاب عنك أو
стр. 138
بتوفيقكم للتوبة ﴿لَكُنتُم مّنَ الخاسرين﴾ الهالكين فى العذاب
стр. 139
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ عرفتم فيتعدى إلى مفعول واحد ﴿الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت﴾ هو مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت وقد اعتدوا فيه أى جاوزوا ماحدلهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد وذلك أن الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت ثم ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت فإذا مضى تفرقت فحفورا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد فكانوا يسدون مشارعها من
البقرة (٦٥ _ ٦٨)
البحر فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ﴾ بتكويننا إياكم ﴿قِرَدَةً خاسئين﴾ خبر كان أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء وهو الصغار والطرد
стр. 140
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)
﴿فجعلناها﴾ يعنى المسخة ﴿نكالا﴾ عبرة تنكل من اعتبربها أى تمنعه ﴿لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ لما قبلها ﴿وَمَا خلفها﴾ وما بعدها من الأمم والقرود لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين ﴿وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ﴾ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم أو لكل متقٍ سمعها
стр. 141
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)
﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ أي واذكروا إذ قال موسى وهو معطوف على نعمتي في قوله اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم كأنه قال اذكروا ذاك واذكروا إذ قال موسى وكذلك هذا في الظروف التي مضت أي اذكروا نعمتي واذكروا وقت إنجائنا إياكم واذكروا وقت فرقنا واذكروا نعمتي واذكروا وقت استسقاء موسى ربه لقومه والظروف التي تأتي إلى قوله وإذ ابتلى إبرااهيم ربه ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن﴾ أي بأن
стр. 142
﴿تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ قال المفسرون أول القصة مؤخر في التلاوة وهو قوله تعالى ﴿وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها﴾ وذلك أن رجلاً موسرا اسمه عاميل قتله بنوعمه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته فأمرهم الله أن يذبحوابقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله / قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هزؤا / أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء هزأً بسكون الزاي والهمزة حمزة وبضمتين والواو حفص غيرهما بالتثقيل والهمزة ﴿قال أعوذ بالله﴾ اليعاذ واللياذ من وادٍ واحد ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه وفيه تعريض بهم أي أنتم جاهلون حيث نسبتموني إلى الاستهزاء
стр. 143
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)
﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هِىَ﴾ سؤال عن حالها وصفتها لأنهم كانوا عاملين بماهيتا لأن ما وإن كانت سؤالاً عن الجنس وكيف عن الوصف ولكن قد تقع ما موقع كيف وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن وما هي خبر ومبتدأ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ﴾ مسنة وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها أى قطعتها وبلغت آخر ها وارتفع فارض لأنه صفة لبقرة وقوله ﴿وَلاَ بِكْرٌ﴾ فتية عطف عليه ﴿عَوَانٌ﴾ نصف ﴿بَيْنَ ذلك﴾ بين الفارض والبكر ولم يقل بين ذينك مع أن بين يقتضي شيئين فصاعداً لأنه أراد بين هذا المذكور وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا قال أبو عبيدة قلت لرؤية فى قوله
البقرة (٦٨ _ ٧١)
... فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق ...
إن أردت الخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما
стр. 144
فقال أردت كأن ذاك ﴿فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ﴾ أي تؤمرونه بمعنى تؤمرون به أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير
стр. 145
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)
﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لَوْنُهَا﴾ موضع ما رفع لأن معناه الاستفهام تقديره ادع لنا ربك يبين لنا أي شيء لونها ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه يقال في التوكيد أصفر فاقع وهوتو كيد لصفراء وليس خبراً عن اللون إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل ولا فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها وفي ذكر اللون فائدة التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك جدجدة ﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ لحسنها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه عن علي رضى الله عنه من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله تعالى تسر الناظرين
следующие страницы →