← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ أي واذكروا إذ قال موسى وهو معطوف على نعمتي في قوله اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم كأنه قال اذكروا ذاك واذكروا إذ قال موسى وكذلك هذا في الظروف التي مضت أي اذكروا نعمتي واذكروا وقت إنجائنا إياكم واذكروا وقت فرقنا واذكروا نعمتي واذكروا وقت استسقاء موسى ربه لقومه والظروف التي تأتي إلى قوله وإذ ابتلى إبرااهيم ربه ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن﴾ أي بأن

стр. 142

﴿تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ قال المفسرون أول القصة مؤخر في التلاوة وهو قوله تعالى ﴿وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها﴾ وذلك أن رجلاً موسرا اسمه عاميل قتله بنوعمه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته فأمرهم الله أن يذبحوابقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله / قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هزؤا / أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء هزأً بسكون الزاي والهمزة حمزة وبضمتين والواو حفص غيرهما بالتثقيل والهمزة ﴿قال أعوذ بالله﴾ اليعاذ واللياذ من وادٍ واحد ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه وفيه تعريض بهم أي أنتم جاهلون حيث نسبتموني إلى الاستهزاء

стр. 143

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هِىَ﴾ سؤال عن حالها وصفتها لأنهم كانوا عاملين بماهيتا لأن ما وإن كانت سؤالاً عن الجنس وكيف عن الوصف ولكن قد تقع ما موقع كيف وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن وما هي خبر ومبتدأ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ﴾ مسنة وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها أى قطعتها وبلغت آخر ها وارتفع فارض لأنه صفة لبقرة وقوله ﴿وَلاَ بِكْرٌ﴾ فتية عطف عليه ﴿عَوَانٌ﴾ نصف ﴿بَيْنَ ذلك﴾ بين الفارض والبكر ولم يقل بين ذينك مع أن بين يقتضي شيئين فصاعداً لأنه أراد بين هذا المذكور وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا قال أبو عبيدة قلت لرؤية فى قوله البقرة (٦٨ _ ٧١) ... فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق ... إن أردت الخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما

стр. 144

فقال أردت كأن ذاك ﴿فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ﴾ أي تؤمرونه بمعنى تؤمرون به أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير

стр. 145

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لَوْنُهَا﴾ موضع ما رفع لأن معناه الاستفهام تقديره ادع لنا ربك يبين لنا أي شيء لونها ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه يقال في التوكيد أصفر فاقع وهوتو كيد لصفراء وليس خبراً عن اللون إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل ولا فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها وفي ذكر اللون فائدة التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك جدجدة ﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ لحسنها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه عن علي رضى الله عنه من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله تعالى تسر الناظرين

стр. 146

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هِىَ﴾ تكرير للسؤال عن حالها وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بياناً لوصفها وعن النبي ﵇ لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم والاستقصاء شؤم ﴿إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا﴾ إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علنا ﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى البقرة المراد ذبحها أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل وإن شاء الله اعتراض بين اسم إن وخبرها وفي الحديث لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد أي لو لم يقولوا إن شاء الله

стр. 147

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تثير الأرض﴾ لاذلول صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث﴾ ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقى الحروث ولا الاولى نافية والثانة مزيدة لتوكيد الأولى لأن المعنى لا ذلول تثير الأرض أي تقلبها للزراعة وتسقي الحرث على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية ﴿مُّسَلَّمَةٌ﴾ عن العيوب وآثار العمل ﴿لا شية فيها﴾ لالمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها وهي فى الأصل مصدر وشاه وشياوشية إذا خلط بلونه لونا آخر ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾ أى بحقيقة وصف البقرة البقرة (٧١ _ ٧٣) وما بقي إشكال في أمرها جئت وبابه بغير همز أبو عمرو ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ لغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة في ظهور القاتل روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر وكان براً بوالديه فشبت البقرة وكانت من أحسن البقر وأسمنه فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة وهذا البيان من قبيل تقييد المطلق فكان نسخاً والنسخ قبل الفعل جائز وكذا قبل التمكن منه عندنا خلافاً للمعتزلة

стр. 148

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ بتقدير واذكروا خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ

стр. 149

بعضهم بعضاً أي يدفع أو تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض فيدفع المطروح عليه الطارح أو لأن الطرح في نفسه دفع وأصله تدارأتم ثم أرادوا التخفيف فقلبوا التاء دالاً لتصير من جنس الدال التي هي فاء الكلمة ليمكن الإدغام ثم سكنوا الدال إذ شرط الإدغام أن يكون الأول ساكناً وزيدت همزة الوصل لأنه لا يمكن الابتداء بالساكن فادارأتم بغير همز أبو عمرو ﴿والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً وأعمل مخرج على حكاية ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ادارأتم

стр. 150

وفَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ﴿فَقُلْنَا﴾ والضمير في ﴿اضربوه﴾ يرجع إلى النفس والتذكير بتأويل الشخص والإنسان أو إلى القتيل لما دل عليه ما كنتم تكتمون ﴿بِبَعْضِهَا﴾ ببعض البقرة وهو لسانها أو فخذها اليمنى أو عجبها والمعنى فضربوه فحي فحذف ذلك لدلالة ﴿كذلك يُحْيىِِ الله الموتى﴾ عليه روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله تعالى وقال قتلنى فلان وفلان لا بنى عمه ثم سقط ميتا فأخذاوقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك وقوله كذلك يحيي الله الموتى إما أن يكون خطاباً للمنكرين في زمن النبي ﵇ وإما أن يكون خطاباً للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم كذلك يحيي الله الموتى يوم القيامة ﴿ويريكم آياته﴾ دلالة على أنه قادر على كل شيء ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فتعملون على قضية عقولكم وهي أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء جميعها لعدم الاختصاص والحكمة في ذبح البقرة وضربه ببعضها وإن قدر على إحيائه بلا واسطة

стр. 151

التقرب به الإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب والتعليم لعباده ترك التشديد في الأمور والمسارعة إلى امتثال أوامر الله من غير تفتيش وتكثير سؤال وغير ذلك وقيل إنما أمروا بذبح البقرة دون غيرها من البهائم لأنها أفضل قرابينهم ولعبادتهم العجل فأراد الله تعالى أن يهون معبودهم عندهم وكان ينبغى أن البقرة (٧٣) يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال وإذا قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها ولكنه تعالى إنما قص قصص بنى اسرئيل تعديداً لما وجد منهم من الجنايات وتقريعاً لهم عليها وهاتان القصتان وإن كانتا متصلتين فتستقل كل واحدة منهما بنوع من التقريع فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب المراد في تثنية التقريع ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها إن وصلت بالأولى بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله اضربوه ببعضها ليعلم أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وقصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة وقيل هذه القصة تشير إلى أن من أراد إحياء قلبه بالمشاهدات فليمت نفسه بأنواع المجاهدات

стр. 152

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) ومعنى ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ استبعاد القسوة ﴿مِن بَعْدِ﴾ ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها وصفة القلوب بالقسوة مثل لنبوها عن الاعبتار والاتعاظ من بعد ﴿ذلك﴾ إشارة إلى إحياء القتيل أو إلى جميع ما تقدم من الآيات المعدودة ﴿فَهِىَ كالحجارة﴾ فهي في قسوتها مثل الحجارة ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ منها وأشد معطوف على الكاف تقديره أو مثل أشد قسوة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو هي في أنفسها أشد قسوة يعني أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة

стр. 153

وإنما لم يقل أقسى لكونه أبين وأدل على فرط القسوة وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس كقولك زيد كريم وعمرو أكرم ﴿وَإِنَّ مِنَ الحجارة﴾ بيان لزيادة قسوة قلوبهم على الحجارة ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار﴾ ما بمعنى الذي في موضع النصب وهو اسم إن واللام للتوكيد والتفجر التفتح بالسعة والكثرة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ أصله يتشقق وبه قرأ الأعمش فقلبت التاء شيئا وأدغمت ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء﴾ يعني أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير ومنها ما ينشقى انشقاقاً بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضاً وقلوبهم لا تندى ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ يتردى من أعلى الجبل ﴿مّنْ خَشْيَةِ الله﴾ قيل هو مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به وقيل المراد به حقيقة الخشية على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل السنة وعلى هذا قوله لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جبل الآية يعنى وقلوبهم البقرة (٧٣ _ ٧٨) لا تخشى ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وبالياء مكي وهو وعيد

стр. 154

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الخطاب لرسول الله والمؤمنين ﴿أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾ أن يؤمنوا لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم كقوله تعالى فآمن له لوط يعني اليهود ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ﴾ طائفة فيمن سلف منهم ﴿يَسْمَعُونَ كلام الله﴾ أي التوراة ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ كما حرفوا صفة رسول الله ﷺ وآية الرجم ﴿مِن بَعْدِِ مَا عَقَلُوهُ﴾ من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون مفترون والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك

стр. 155

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) ﴿وإذا لقوا﴾ أى المنافقين أو اليهود ﴿الذين آمنوا﴾ أى

стр. 156

المخلصين من أصحاب محمد ﵇ ﴿قَالُواْ﴾ أي المنافقون ﴿آمنَا﴾ بأنكم على الحق وأن محمداً هو الرسول المبشر به ﴿وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿إلى بَعْضِ﴾ إلى الذين نافقوا ﴿قَالُواْ﴾ عاتبين عليهم ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم﴾ أتخبرون أصحاب محمد ﵇ ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ بما بين الله لكم في التوراة من صفة محمد ﵇ ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه جعلوا محاجتهم به وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ألا تراك تقول هو في كتاب الله تعالى هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد وقيل هذا على إضمار المضاف أي عند كتاب ربكم وقيل ليجادلوكم ويخاصموكم به بما قلتم لهم عند ربكم في الآخرة يقولون كفرتم بعد أن وقفتم على صدقه ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أن هذه حجة عليكم حيث تعترفون به ثم لا تتابعونه

стр. 157

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) ﴿أو لا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ﴾ جميع ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان

стр. 158

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) ﴿وَمِنْهُمُ﴾ ومن اليهود ﴿أُمِّيُّونَ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها ﴿لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب﴾ التوراة ﴿إلا أماني﴾ الاماهم عليه من أمانيهم وأن الله يعفوا عنهم ويرحمهم ولا تمسهم النار إلا أياماً معدودة أو إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد ومنه قول عثمان رضى الله عنه ما تمنيت منذ أسلمت أو إلا ما يقرءون من قوله ... تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لا في حمام المقادر ...

стр. 159

أي لا يعلمون هؤلاء حقيقة المنزل وإنما يقرءون أشياء أخذوها من أخبارهم والاستثناء منقطع ﴿وَإِنْ هُمْ﴾ وما هم ﴿إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ لا يدرون ما فيه فيجحدون نبوتك بالظن ذكر العلماء الذين البقرة (٧٩ _ ٨٣) عئائدوا بالتحريف مع العلم ثم العوام الذين قلدوهم

стр. 160

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) ﴿فَوَيْلٌ﴾ في الحديث ويل واد في جهنم ﴿لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب﴾ المحرف ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون منزلاً وذكر الأيدي للتأكيد وهو من مجاز التأكيد ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ عوضاً يسيراً ﴿فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من الرشا

стр. 161

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل وعن مجاهد رضى الله عنه كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا﴾ أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار ﴿فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ﴾ متعلق بمحذوف تقديره إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أم إما أن تكون معادلة أي أتقولون على الله ما تعلمون أم تقولون عليه مالا تعلمون أو منقطعة أي بل أتقولون على الله مالا تعلمون

стр. 162

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) ﴿بلى﴾ إثبات لما بعد النفي وهو لن تمسنا النار أى بل تمسكم أبداً بدليل قوله هم فيها خالدون ﴿مَن كَسَبَ سَيّئَةً﴾ شركاً عن

стр. 163

ابن عباس ومجاهد وغيرهما رضى الله عنهم ﴿وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ وسدت عليه مسالك النجاة بأن مات على شركه فأما إذا مات مؤمناً فأعظم الطاعات وهو الإيمان معه فلا يكون الذنب محيطاً به فلا يتناوله النص وبهذا التأويل يبطل تثبث المعتزلة والخوارج وقيل استولت عليه كما يحيط العدو ولم يتفص عنها بالتوبة خطياته مدني ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾

стр. 164

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢) ﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون﴾

стр. 165

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ الميثاق العهد المؤكد غاية التأكيد ﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ إخبار في معنى النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء وهو يخبر عنه وتنصره قراءة أبيّ لا تعبدوا وقوله وقولوا والقول مضمر لا يعبدون مكي وحمزة وعلي لأن بني إسرائيل اسم ظاهر والأسماء الظاهرة كلها غيب ومعناه ألا يعبدوا فلما حذفت أن رفع ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ البقرة (٨٣ _ ٨٥) أى وأحسنو ليلتئم عطف الأمر وهو قوله وقولوا عليه ﴿وَذِي القربى﴾ القرابة ﴿واليتامى﴾ جمع يتيم وهو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم لقوله ﵇ لا يتم بعد البلوغ ﴿والمساكين﴾ جمع مسكين وهو الذي أسكنته الحاجة ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ قولاً هو حسن في نفسه لا فراط حسنه

стр. 166

حسنا حمزة وعلى ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الميثاق ورفضتموه ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ﴾ قيل هم الذين أسلموا منهم ﴿وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولية عن المواثيق

стр. 167

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم﴾ أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً وقيل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه ﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ عليها كما تقول فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها أو وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق

стр. 168

ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء﴾ استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم واقرارهم وشهادتهم أنتم مبتدأ هؤلاء بمعنى الذين ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ صلة هؤلاء وهؤلاء مع صلته خبر أنتم ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم﴾ غير مراقبين ميثاق الله ﴿تظاهرون علَيْهِم﴾ بالتخفيف كوفي أي تتعاونون وبالتشديد غيرهم فمن خفف فقد حذف احدى التاءين ثم قيل هي الثانية لأن الثقل بها وقيل الأولى ومن شدد قلب التاء الثانية ظاء وأدغم ﴿بالإثم والعدوان﴾ بالمعصية والظلم ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم﴾ تفدوهم أبو عمرو أسرى تفدوهم مكي وشامي أسرى تفدوهم حمزة أسارى تفادوهم على فدى وفادى بمعنى وأسارى حال وهو جمع أسير وكذلك أسرى والضمير في ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ للشأن أو هو ضمير مبهم تفسيره ﴿إِخْرَاجُهُمْ

стр. 169

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب﴾ بفداء الأسرى ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بالقتال والإجلاء قال السدى أخذ الله عليهم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء الأسير فأعرضوا عن كل ما أمروا به البقرة (٨٥ _ ٨٨) إلا الفداء ﴿فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك﴾ هو إشارة إلى الإيمان ببعض والكفر ببعض ﴿مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ﴾ فضيحة وهوان ﴿فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ وهو الذي لا روح فيه ولا فرح أو إلى أشد من عذاب الدنيا ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالياء مكي ونافع وأبو بكر

стр. 170

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة﴾ اختاروها على الآخرة اختيار المشتري ﴿فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم

стр. 171

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ التوراة أتاه جملة ﴿وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل﴾ يقال قفاه إذا اتبعه من القفا نحو ذنبه من الذنب وقفاه به إذا أتبعه إياه يعني وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل وهم يوشع واشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ هي بمعنى الخادم ووزن مريم عند النحويين مفعل لأن فعيلاً لم يثبت في الأبنية البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والإخبار بالمغيبات ﴿وأيدناه بِرُوحِ القدس﴾ أي الطهارة وبالسكون حيث كان مكي أي بالروح المقدسة كما

стр. 172

يقال حاتم الجود ووصفها بالقدس للاختصاص والتقريب أو بجبريل ﵇ لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب وذلك لأنه رفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله أو بالإنجيل كما قال في القرآن رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا أو باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى﴾ تحب ﴿أَنفُسُكُم استكبرتم﴾ تعظمتم عن قبوله ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ كعيسى ومحمد ﵉ ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ كزكريا ويحيى ﵉ ولم يقل قتلتم لوفاق الفواصل أو لأن المراد وفريقاً تقتلونه بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد ﵇ لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة والمعنى ولقد آتينا يابنى إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم فكلما جاءكم رسول منهم بالحق استكبرتم عن الإيمان به فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجب من شأنهم

стр. 173

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد ﵇ ولا تفقهه البقرة (٨٨ _ ٩١) مستعار من الأغلف الذى لم يختن ﴿بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ﴾ فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ فقليلا صفة مصدر محذوف أي فإيماناً قليلاً يؤمنون وما مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل القلة بمعنى العدم وقيل غلف تخفيف غلف وقرىء به جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا من غيره أو أوعية للعلوم فلو كان ما جئت به حقاً لقبلنا

стр. 174

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ﴾ أي اليهود ﴿كتاب مّنْ عِندِ الله﴾ أي القرآن ﴿مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ من كتابهم لا يخالفه ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ يعني القرآن ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ﴾ يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم قالوا اللهم انصرنا يا لنبى المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته فى التوراة ويقولون لأعدائهم المشكرين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عادو إرم ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ﴾ ما موصولة أي ما عرفوه وهو فاعل جاء ﴿كَفَرُواْ بِهِ﴾ بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة ﴿فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم واللام للعهد أو للجنس ودخلوا فهي دخلولا فيه دخولاً أولياً وجواب لما الأولى مضمر وهو نحو كذبوا به وأنكروه أو كفروا جواب الأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد

стр. 175

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وما في ﴿بِئْسَمَا﴾ نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس أى بئس شيئا بئسما وبابه غير مهموز أبو عمرو ﴿اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ أي باعوه والمخصوص بالذم ﴿أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله﴾ يعني القرآن ﴿بَغِيّاً﴾ مفعول له أي حسداً وطلباً لما ليس لهم وهو علة اشتروا ﴿أَن يُنَزِّلَ الله﴾ لأن ينزل أو على أن ينزل أى حسده على أن ينزل الله ينزل بالتخفيف مكى وبصرى ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ الذي هو الوحي ﴿على مَن يشاء من عباده﴾ وهومحمد ﵇ ﴿فباؤوا بِغَضَبٍ على غَضَبٍ﴾ فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفورا بنبي الحق وبغوا عليه أو كفروا بمحمد بعد عيسى ﵉ أو بعد قولهم عزير ابن الله وقولهم يد الله مغلولة وغير ذلك ﴿وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ مذل

стр. 176

بئسما وبابه غير مهموز أبو عمرو وينزل بالتخفيف مكي وبصري

стр. 177

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ لهؤلاء اليهود ﴿آمِنُواْ بِمَا أنزل الله﴾ يعنى القرآن أو هو مطلق بتناول كل كتاب ﴿قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ أى البقرة (٩١ _ ٩٤) التوراة ﴿وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ﴾ أي قالوا ذلك والحال ٢ أنهم يكفرون بما وراء التوراة ﴿وَهُوَ الحق مُصَدِّقًا لّمَا مَعَهُمْ﴾ غير مخالف له وفيه رد لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ومصدقا حال مؤكدة ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ الله﴾ أي فلم قتلتم فوضع المستقبل موضع الماضي ويدل عليه قوله ﴿مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي من قبل محمد ﵇ اعتراض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء قيل قتلوا في يوم واحد ثلثمائة نبي في بيت المقدس

стр. 178

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُم موسى بالبينات﴾ بالآيات التسع وأدغم الدال في الجيم حيث كان أبو عمرو وحمزة وعلي ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل﴾ إلهاً ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ من بعد خروج موسى ﵇ إلى الطور ﴿وَأَنتُمْ ظالمون﴾ هو حال أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم

стр. 179

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ ما آتيناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ كرر ذكر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى ﴿واسمعوا﴾ ما أمرتم به في التوراة ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرك وطابق قوله جوابهم من حيث إنه قال لهم اسمعوا وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة

стр. 180

فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب وقوله في قلوبهم بيان لمكان الإشراب والمضاف وهو الحب محذوف ﴿بكفرهم﴾ سبب كفرهم واعتقادهم التشبيه ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم﴾ بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم وكذا إضافة الإيمان اليهم ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له
следующие страницы →