Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
بالفتح ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الطعام ﴿صِيَاماً﴾ تمييز نحو لي مثله رجلاً والخيار في ذلك إلى القاتل وعند محمد ﵀ إلى الحكمين ﴿لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ متعلق بقوله فجزاء أى فعليه أى يجازي أو يكفر ليذوق سوء عقاب عاقبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال المكروه والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى ﴿فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً﴾ أي ثقيلاً شديداً والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ﴾ لكم من الصيد قبل التحريم ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى قتل الصيد بعد التحريم أو في ذلك الإحرام ﴿فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ بالجزاء وهو خبر مبتدأ فحذوف تقديره فهو ينتقم الله منه ﴿والله عَزِيزٌ﴾ بإلزام الأحكام ﴿ذُو انتقام﴾ لمن جاوز حدود الإسلام
стр. 1157
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر﴾ مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل ﴿وَطَعَامُهُ﴾ وما يطعم من صيده والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده ﴿متاعا لَّكُمْ﴾ مفعول له أي أحل لكم تمتيعاً لكم ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وللمسافرين والمعنى أحل لكم طعامه تمتيعاً لتُنّائكم يأكلونه طرياً ولسيارتكم يتزودونه قديداً كما تزود موسى ﵇ الحوت في مسيره إلى الخضر ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر﴾ ما صيد فيه وهو ما يفرخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كالبط فإنه يرى لأنه يتولد في البر والبحر له مرعى كما للناس متجر ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ محرمين ﴿واتقوا الله﴾ في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام ﴿الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تبعثون فيجزيكم على أعمالكم
стр. 1158
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)
﴿جَعَلَ الله الكعبة﴾ أي صير ﴿البيت الحرام﴾ بدل أو
المائدة (٩٧ _ ١٠١)
عطف بيان ﴿قِيَاماً﴾ مفعول ثانٍ أو جعل بمعنى خلق وقياما حال ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي انتعاشاً لهم في أمر دينهم ونهوضا إلى أعراضهم في معاشهم ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وأنواع منافعهم قبل لو تركوه عاماً لم ينظروا ولم يؤخروا ﴿والشهر الحرام﴾ والشهر الذي يؤدي فيه الحج وهو ذو الحجة لأن في اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد علمه الله أو أريد به جنس الأشهر الحرم وهو رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ﴿والهدى﴾ ما يهدى إلى مكة ﴿والقلائد﴾ والمقلد منه خصوصاً وهو البدن فالثواب فيه أكثر وبهاء الحج معه أظهر ﴿ذلك﴾ إشارة إلى جعل الكعبة قياماً أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره ﴿لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا في الأرض وأن الله بكل شيء﴾ أي لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض وكيف لا يعلم وهو بكل شيء عليم
стр. 1159
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)
﴿اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ لمن استخف بالحرم والإحرام ﴿وَأَنَّ الله غَفُورٌ﴾ لآثام من عظم المشاعر العظام ﴿رحيم﴾ بالجانى الملتجئ إلى البلد الحرام
стр. 1160
مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)
﴿وما عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ﴾ تشديد في إيجاب القيام بما أمر به وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط ﴿والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ فلا يخفى عليه نفاقكم ووفاقكم
стр. 1161
قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)
﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب﴾ لما أخبر أنه يعلم ما يبدون
стр. 1162
وما يكتمون ذكر أنه لا يستوي خبيثهم وطيبهم بل يميز بيهما فيعاقب الخبيث أي الكافر ويثيب الطيب أي المسلم ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث فاتقوا الله﴾ وآثروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر وقبل هو عام في حلال المال وحرامه وصالح العمل وطالحه وجيد الناس ورديئهم ﴿يا أولي الألباب﴾ أي العقول الخالصة ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
стр. 1163
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)
كانوا يسألون النبى ﷺ عن أشياء امتحانا فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين أصله شيئاء بهمزتين بينهما ألف وهي فعلاء من لفظ شيء وهمزتها الثانية للتأنيث ولذا لم تنصرف كحمراء وهي مفردة لفظاً جمع معنى ولما استثقلت الهمزتان المجتمعتان قدمت الأولى التي هي لام الكلمة فجعلت قبل الشين فصار وزنها لفعاء والجملة الشرطية والمعطوفة عليها أي قوله ﴿إِن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾
صفة لأشياء أي وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة فى زمان الوحى وهو مادام الرسول بين أظهركم تبدلكم تلك التكاليف التي تسوؤكم أي تغمكم وتشق عليكم تؤمرون بتحملها فتعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها ﴿عَفَا الله عَنْهَا﴾ عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها ﴿والله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار
стр. 1164
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)
والضمير في ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ لا يرجع إلى أشياء حتى يعدى بعن بل يرجع إلى المسألة التي دلت عليها لا تسألوا أي قد سأل هذه المسألة ﴿قَوْمٌ مّن قَبْلِكُمْ﴾ من الأولين ﴿ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا﴾ صاروا بسببها ﴿كافرين﴾ كما عرف في بنى إسرائيل
стр. 1165
مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)
﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾ كان أهل الجاهلية إذا
стр. 1166
نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا إذنها أى شقوها وامتنعوا عن ركوبها وذبحا ولا تطرد عن ماء ولا مرعى واسمها البحيرة وكان يقول الرجل إذا قدمت من سفري أو برأت من مرضي فناقتي سائبة وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها وقيل كان الرجل إذا أعتق عبداً قال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث وكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع ذكراً أكله الرجال وإن كان أنثى أرسلت في الغنم وكذا إن كان ذكراً وأنثى وقالوا وصلت أخاها فالوصيلة بمعنى الواصلة وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى ومعنى ما جعل ما شرع ذلك ولا أمر به ﴿ولكن الذين كَفَرُواْ﴾ بتحريمهم ما حرموا ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب﴾ في نسبتهم هذا التحريم إليه ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أن الله لم يحرم ذلك وهم عوامهم
стр. 1167
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول﴾ أي هلموا إلى حكم الله ورسوله بأن هذه الأشياء غير محرمة ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ أي كافينا ذلك حسبنا مبتدأ والخبر ما وجدنا وما بمعنى الذى والواو فى ﴿أولو كان آباؤهم﴾ للحال قد دخلت عليها همزة الإنكار وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم ﴿لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ أي الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدى وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة
стр. 1168
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ انتصب أنفسكم بعليكم وهو من أسماء الأفعال أي الزموا إصلاح أنفسكم والكاف والميم في عليكم في موضع
المائدة (١٠٥ _ ١٠٦)
جر لأن اسم الفاعل هو الجار والمجرور لا على وحدها ﴿لاَ يضركم﴾ رفع على الاستئناف أو حزم على جواب الأمر وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد ﴿مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم﴾ كان المؤمنون تذهب أنفسهم
стр. 1169
حسرة على أهل العناد من الكفرة يتمنون دخولهم في الإسلام فقيل لهم عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها لا يضركم الضلال من دينكم إذا كنتم مهتدين وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركهما مع القدرة عليهما لا يجوز ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ رجوعكم ﴿فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثم يجزيكم على أعمالكم
стр. 1170
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)
روي أنه خرج بديل مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين مع عدى وتمام وكانا نصرانيين إلى الشام فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهل هـ ومات ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان﴾ ارتفع اثنان لأنه خبر المبتدأ وهو شهادة بتقدير شهادة بينكم شهادة اثنين أو لأنه فاعل شهادة بينكم أي فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان واتسع في بين فأضيف إليه المصدر وإذا حضر ظرف للشهادة حين الوصية بدل منه وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية لأن حضور الموت من الأمور الكائنة وحين الوصية بذل منه فيدل على وجود الوصية ولو وجدت بدون الاختيار لسقط الابتلاء فنقل إلى الوجوب وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل ﴿ذوا عدل﴾ صفة لاثنين ﴿مِّنكُمْ﴾ من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت ﴿أو آخران﴾ عطف على اثنان ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من الأجانب ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض﴾ سافرتم فيها وأنتم فاعل فعل يفسره الظاهر ﴿فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت﴾ أو منكم من المسلمين ومن غيركم من أهل الذمة وقيل منسوخ إذ لا يجوز شهادة الذمي على المسلم وإنما جازت في أول الإسلام لقلة المسلمين ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ تقفونهما
стр. 1171
للحلف هو استئناف كلام أو صفة لقوله أو آخران من غيركم أي أو آخران من غيركم محبوسان وإن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت اعتراض بين الصفة والموصوف ﴿مِن بَعْدِ الصلاة﴾ من بعد صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وعن الحسن ﵀ بعد العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما وفي حديث بديل أنهما لما نزلت على رسول الله ﷺ صلاة العصر ودعا بعديِّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر فحلفا ثم وجد الإناء بمكة فقالوا إنا اشتريناه من تميم وعدي ﴿فَيُقْسِمَانِ بالله﴾ فيحلفان به ﴿إن ارتبتم﴾ شككتم فى
المائدة (١٠٦ _ ١٠٨)
أمانتهما وهو اعتراض بين يقسمان وجوابه وهو ﴿لاَ نَشْتَرِي﴾ وجواب الشرط محذوف أغنى عنه معنى الكلام والتقدير إن ارتبتم في شأنهما فحلفوهما ﴿بِهِ﴾ بالله أو بالقسم ﴿ثَمَناً﴾ عوضاً من الدنيا ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي المقسم له ﴿ذَا قربى﴾ أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان من نقسم له قريباً منا ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله﴾ أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها ﴿إنّآ إذاً﴾ إن كتمنا ﴿لَّمِنَ الآثمين﴾ وقيل إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين وإن أريد الوصيان فلم ينسخ تحليفهما
стр. 1172
فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)
﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ فإن اطلع ﴿على أَنَّهُمَا استحقا إثما﴾ فعلا ما أوجب إثماً واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين ﴿فآخران﴾ فشاهدان آخران ﴿يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ﴾ أي من الذين استحق عليهم الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته وفي قصة بديل أنه لما ظهرت خيانة الرجلين حلف رجلا من ورثته إنه إناء صاحبهما وإن شهادتهما احق من شهادتهما ﴿الأوليان﴾ الأحقان بالشهادة لقرابتهما أو
стр. 1173
معرفتهما وارتفاعهما على هما الأوليان كأنه قيل ومن هما فقيل الأوليان أو هما يدل منن الضمير في يقومان أو من آخران استحق عليهم الأوليان حفص أي من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهرا بهما كذب الكاذبين الأوَّلين حمزة وأبو بكر على أنه وصف للذين استحق عليهم مجرورو أو منصوب على المدح وسموا أولين لأنهم كانوا أولين في الذكر في قوله شهادة بينكم ﴿فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما﴾ أي ليميننا أحق بالقبول من يمين هذين الوصيين الخائنين ﴿وَمَا اعتدينا﴾ وما تجاوزنا الحق في يميننا ﴿إِنَّآ إِذاً لَّمِنَ الظالمين﴾ أي إن حلقنا كاذبين
стр. 1174
ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)
﴿ذلك﴾ الذي مر ذكره من بيان الحكم ﴿أدنى﴾ أقرب ﴿أَن يَأْتُواْ﴾ أي الشهداء على نحو تلك الحادثة ﴿بالشهادة على وَجْهِهَا﴾ كما حملوها بلا خيانة فيها ﴿أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم﴾ أي تكرر أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم فيقتضحوا بظهور كذبهم ﴿واتقوا الله﴾ في الخيانة واليمين الكاذبة ﴿واسمعوا﴾ سمع قبول وإجابة ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ الخارجين عن الطاعة فإن قلت ما معنى أو هنا قلت معناه ذلك أقرب من أن يؤدّوا الشهادة بالحق والصدق إما لله أو لخوف العار والافتضاح برد الأيمان وقد احتج به من يرى رد
المائدة (١٠٩ _ ١١١)
اليمين على المدعي والجواب أن الورثة قد ادّعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما فأنكرت الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهما الشراء
стр. 1175
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)
﴿يوم﴾ منصوب باذكروا أو احذروا ﴿يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى الإيمان وهذا السؤال توبيخ لمن انكرهم وماذا منصوب بأجبتم نصب المصدر على
стр. 1176
معنى أيَّ إجابة أجبتم ﴿قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا﴾ بإخلاص قومنا دليله ﴿إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب﴾ أو بما أحدثوا بعدنا دليله كنت أنت الرقيب عليهم أو قالوا ذلك تأدباً أي علمنا ساقط مع علمك ومغمور به فكأنه لا علم لنا
стр. 1177
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)
﴿إِذْ قَالَ الله﴾ بدل من يوم يجمع ﴿يا عيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى والدتك﴾ حيث طهرتها واصطفيتها على نساء العالمين والعامل في ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ﴾ أي قويتك نعمتي ﴿بِرُوحِ القدس﴾ بجبريل ﵇ أيد به لتثبت الحجة عليهم أو بالكلام الذي يحيا به الدين وأضافه إلى القدس لأنه سبب الطهر من أوصام الآثام دليله ﴿تُكَلّمُ الناس فِى المهد﴾ حال أي تكلمهم طفلاً إعجازاً ﴿وَكَهْلاً﴾ تبليغاً ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ معطوف على إذ أيدتك ونحوه وإذ تخلق وإذ تخرج وإذ كففت وإذ أوحيت ﴿الكتاب﴾ الخط ﴿والحكمة﴾ الكلام المحكم الصواب ﴿والتوراة والإنجيل وَإِذْ تَخْلُقُ﴾ تقدر ﴿مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير﴾ هيئة مثل هيئة الطير ﴿بِإِذْنِى﴾ بتسهيلي ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه وكذا الضمير في ﴿فَتَكُونُ طَيْراً بإذني﴾ وعطف ﴿وتبرئ الأكمه والأبرص بِإِذْنِي﴾ على تخلق ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى﴾ من القبور أحياء ﴿بِإِذْنِي﴾ قيل أخرج سام ابن نوح ورجلين وامرأة وجارية ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إسرائيل عَنكَ﴾ أي اليهود حين هموا بقتله ﴿إِذْ جئتهم﴾ ظرف لكففت ﴿بالبينات فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ساحر حمزة وعلي
стр. 1178
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾ ألهمت ﴿إِلَى الحواريين﴾ الخواص أو الأصفياء
المائدة (١١١ _ ١١٥)
﴿أن آمنوا﴾ أي آمنوا ﴿بي وبرسولي قالوا آمنا وأشهد بأننا مسلمون﴾ أي اشهد بأننا مخلصون من أسلم وجهه
стр. 1179
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)
﴿إذ قال الحواريون﴾ أى اذكروا إذ ﴿يا عيسى ابن مَرْيَمَ﴾ عيسى نصب على اتباع حركته حركة الابن نحو يا زيد بن عمرو ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هل يفعل أو هل يعطيك ربك إن سألته فاستطاع وأطاع بمعنى كاستجاب وأجاب هل تستطيع ربك على أي هل تستطيع سؤال ربك فحذف المضاف والمعنى هل تسأله من غير صارف يصرفك عن سؤاله ﴿أَن ينزل علينا﴾ ينزل مكي وبصري ﴿مَآئِدَةً مِّنَ السمآء﴾ هي الخوان إذا كان عليه الطعام من مادَه إذا أعطاه كأنها تميد من تقدم إليها ﴿قَالَ اتقوا الله﴾ في اقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ إذ الإيمان يوجب التقوى
стр. 1180
قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)
﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا﴾ تبركاً ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ ونزداد يقيناً كقول إبراهيم ﵇ ولكن ليطمئن قلبى ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي نعلم صدقك عياناً كما علمناه استدلالاً ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين﴾ بما عاينا لمن بعدنا ولما كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنت
стр. 1181
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)
﴿قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم﴾
стр. 1182
أصله يا الله فحذف يَا وعوض منه الميم ﴿رَبَّنَا﴾ نداء ثانٍ ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء تَكُونُ لَنَا عِيداً﴾ أي يكون يوم نزولها عيداً قيل هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه النصارى عيدا والعيد والسرور العائد ولذا يقال يوم عيد فكان معناه تكون لنا سرورا وفرحا ﴿لأولنا وآخرنا﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم أو للمتقدمين منا والأتباع ﴿وآيةً مِنكَ﴾ على صحة نبوّتي ثم أكد ذلك بقوله ﴿وارزقنا وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين﴾ وأعطنا ما سألناك وأنت خير المعطين
стр. 1183
قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)
﴿قَالَ الله إِنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ بالتشديد مدني وشامي وعاصم وعد الإنزال وشرط عليهم شرطاً بقوله ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ بعد إنزالها منكم ﴿فَإِنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً﴾ أي تعذيباً كالسلام بمعنى التسليم والضمير في ﴿لآَّ أُعَذِّبُهُ﴾ للمصدر ولو أريد بالعذاب
المائدة (١١٥ _ ١١٨)
ما يعذب به لم يكن بد من الباء ﴿أَحَداً مِّنَ العالمين﴾ عن الحسن أن المائدة لم تنزل ولو نزلت لكانت عيداً إلى يوم القيامة لقوله وآخرنا والصحيح أنها نزلت فعن وهب نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة عليها كل طعام إلا اللحم وقيل كانوا يجدون عليها ما شاءُوا وقيل كانت تنزل حيث كانوا بكرة وعشياً
стр. 1184
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)
﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ الجمهور على أن هذا السؤال يكون في يوم القيامة دليله سياق الآية وسباقها وقيل خاطبه به حين رفعه إلى السماء دليله لفظ إذ ﴿قَالَ سبحانك﴾ من أن يكون لك شريك ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ ما ينبغي لي ﴿أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ
стр. 1185
لِي بِحَقٍّ﴾ أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ إن صح أني قلته فيما مضى فقد علمته والمعنى أني لا أحتاج إلى الاعتذار لأنك تعلم أني لم أقله ولو قلته علمته لأنك ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ذاتي ﴿وَلاَ أعلم ما في نفسك﴾ ذاتك فنفس الشئ ذاته وهويته والمعنى تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ﴿إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب﴾ تقرير للجملتين معاً لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ولأن ما يعلم علام الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد
стр. 1186
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ أى ماأمرتهم إلا بما أمرتنى به ثم فسرما أمر به فقال ﴿أَنِ اعبدوا الله رَبّي وربكم﴾ فإن مفسرة بمعنى أي ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ رقيباً ﴿مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ مدة كوني فيهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ الحفيظ وَأَنتَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ من قولي وفعلي وقولهم وفعلهم
стр. 1187
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)
﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ قال الزجاج علم عيسى ﵇ أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر فقال في جملتهم إن تعذبهم أي إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك وأنت العادل في ذلك فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم وإن تغفر لهم أي لمن أقلع منهم وآمن فذلك تفضل منك وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد حكيم في ذلك أو
المائدة (١١٩ _ ١٢٠)
عزير قوي قادر على الثواب حكيم لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب
стр. 1188
قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)
﴿قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ برفع اليوم والإضافة على أنه
стр. 1189
خبر هذا أي يقول الله تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صِدْقُهُمْ برفع اليوم والإضافة على أنه خبر هذا أي يقول الله تعالى هذا يوم ينفع الصادقين فيه المستمر في دنياهم وآخرتهم والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب على المفعولية كما تقول قال زيد عمرو منطلق وبالنصب نافع على الظرف أي قال الله هذا لعيسى ﵇ يوم ينفع الصادقين صدقهم وهو يوم القيامة ﴿لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً ﵃﴾ بالسعي المشكور ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بالجزاء الموفور ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ لأنه باقٍ بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باقٍ
стр. 1190
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)
﴿للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ﴾ عظم نفسه عما قالت النصارى إن معه إلهاً آخر ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء نسأله أن يوفقنا لمرضاته ويجعلنا من الفائزين بجناته صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
стр. 1191
سورة الأنعام مكية وهي مائة وخمس وستون آية كوفي أربع وستون بصرى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأنعام (١ _ ٢)
стр. 1192
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)
﴿الحمد للَّهِ﴾ تعليم اللفظ والمعنى مع تعريض الاستغناء أى الحمد الله وإن لم تحمدوه ﴿الذى خَلَقَ السماوات والأرض﴾ جمع السموات لأنها طباق بعضها فوق بعض والأرض وإن كانت سبعة عند الجمهور فليس بعضها فوق بعض بل بعضها موال لبعض جعل يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ وإلى مفعولين إن كان بمعنى صبر كقوله ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾ وفيه رد قول الثنوية بقدم النور والظلمة وأفرد النور لإرادة الجنس ولأن ظلمة كل شيء تختلف باختلاف ذلك الشئ نظيره ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منها صاحبه والنور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات وقدم الظلمات لقوله ﵇ خلق الله خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى اهتدى ومن أخطأه ضل ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ﴾ بعد هذا البيان ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يساوون به الأوثان تقول عدلت هذا بذا أي ساويته به والباء في بِرَبِّهِمْ صلة للعدل لا للكفر أو ثم الذين كفروا بربهم
стр. 1193
يعدلون عنه أى يعرضون عنه فتكون الباء صلة للكفر وصلة يَعْدِلُونَ أي عنه محذوفة وعطف ثْمَّ الذين كَفَرُواْ على الحمد للَّهِ على معنى أن الله حقيق بالحمد على ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته أو على خلق السموات على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون به مالا يقدر على شيء منه ومعنى ثم استبعاد أن يعدلوا به بعر وضوح آيات قدرته
стр. 1194
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)
﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ﴾
من لابتداء الغاية أى ابتدأ خلق أصلكم يعنى آدم ﴿ثم قضى أجلا﴾ أى تحكم أجل الموت ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ أجل القيامة أو الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ أو الأول النوم والثاني الموت أو الثاني هو الأول وتقديره وهو أجل مسمى أى معلوم وأجل مُّسَمًّى مبتدأ والخبر عِندَهُ وقدم المبتدأ وإن كان نكرة والخبر ظرفاً وحقه التأخير لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ تشكون من المرية أو تجادلون من المراء ومعنى ثم استبعاد أن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم
стр. 1195
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)
﴿وهو الله﴾ مبتدأ وخبر ﴿في السماوات وَفِي الأرض﴾ متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل وهو المعبود فيهما كقوله هو الذى فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله أو هو المعروف بالإلهية فيهما أو هو الذي يقال له الله فيهما مبتدأ أى وهو يعلم سركم وجهركم ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ من الخير والشر ويثيب عليه ويعاقب
следующие страницы →