← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من المكلفين ﴿درجات﴾ منازل ﴿مّمَّا عَمِلُواْ﴾ من جزاء أعمالهم وبه استدل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على أن للجن الثواب بالطاعة لأنه ذكر عقيب ذكر الثقلين ﴿وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بساه عنه وبالتاء شامى

стр. 1367

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) ﴿وربك الغني﴾ عن عباده وعن عباتهم ﴿ذُو الرحمة﴾ عليهم بالتكليف ليعرِّضهم للمنافع الدائمة ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها الظلمة

стр. 1368

﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ﴾ من الخلق المطيع ﴿كَمَا أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾ من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام

стр. 1369

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) ﴿إِنَّ مَا﴾ ما بمعنى الذي ﴿تُوعَدُونَ﴾ من البعث والحساب والثواب والعقاب ﴿لآتٍ﴾ خبر إن أي لكائن ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين رد لقولهم من مات فقد فات المكانة تكون مصدراً يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة

стр. 1370

قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) وقوله ﴿يا قوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم واعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها ويقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه ﴿إني عامل﴾ على الأنعام (١٣٥ _ ١٣٨) مكانتي التي أنا عليها أي اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم وهو أمر تهديد ووعيد ودليله قوله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار﴾ أي فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة وهذا طريق لطيف في الإنذار ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ أي الكافرون مكاناتكم حيث كان أبو بكر يَكُونَ حمزة وعلي وموضع منْ رفع إذا كان بمعنى أي وعلق عنه فعل العلم أو نصب إذا كان بمعنى الذي

стр. 1371

وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً﴾ أي وللأصنام نصيباً فاكتفى بدلالة قوله تعالى ﴿فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا﴾ بزعمهم علي وكذا ما بعده أي زعموا أنه لله والله لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله﴾ أي لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين ﴿وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ﴾ من إنفاقهم عليها والإجراء على سدنتها رُوي أنهم كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله وأشياء منهما لآلهتم فإذا رأوا ما جعلوا لله زاكياً نامياً رجعوا فجعلوه للأصنام وإذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه لها وقالوا إن الله غني وإنما ذاك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها وفي قوله ﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾ إشارة إلى أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه ثم ذم صنيعهم بقوله ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ في إيثار آلهتهم على الله وعملهم على مالم يشرع لهم وموضع ما رفع أى ساءالحكم حكمهم أو نصب أي ساء حكماً حكمهم

стр. 1372

وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) ﴿وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين﴾ أي كما زين لهم تجزئة المال زين وأد البنات ﴿قتل﴾ مفعول زين ﴿أولادهم شُرَكَاؤُهُمْ﴾ هو فاعل زين زُيِّنَ بالضم قَتْلَ بالرفع أولادهم بالنصب شُرَكَائِهِمْ بالجر شامي على إضافة القتل إلى الشركاء أي الشياطين والفصل بينهما بغير الظرف وهو المفعول وتقديره زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ ليهلكوهم بالإغواء ﴿وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ وليخلطوا عليهم ويشوبوه ودينهم ما كانوا عليه من دين

стр. 1373

إسمعيل حتى زلوا عنه إلى الشرك ﴿وَلَوْ شَاء الله مَا فَعَلُوهُ﴾ وفيه دليل على أن الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ وما يفترونه من الإفك أو وافتراءهم لأن ضرر ذلك الافتراء عليهم لا عليك ولا علينا

стр. 1374

وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) ﴿وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ﴾ للأوثان ﴿حِجْرٍ﴾ حرام فعل بمعنى المفعول كالذبح والطعن ويستوى فى الوصف به المذكر والمؤنث الأنعام (١٣٨ _ ١٤١) والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات وكانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا ﴿لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء والزعم قول الظن يشوبه الكذب ﴿وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ هي البحائر والسوائب والحوامي ﴿وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا﴾ حالة الذبح وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام ﴿افتراء عَلَيْهِ﴾ هو مفعول له أو حال أي قسموا أنعامهم قسم حجر وقسم لا يركب وقسم لا يذكر اسم الله عليها ونسبوا ذلك إلى الله افتراء عليه ﴿سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ وعيد

стр. 1375

وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا﴾ كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب ما ولد منها حياً فهو خالص للذكور لا يأكل منه الإناث وما ولد ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث وأنث خَالِصَةٌ وهو خبر ما للحمل على المعنى لأن ما في معنى الأجنة وذكر وَمُحَرَّمٌ حملاً على اللفظ أو التاء للمبالغة كنسابة ﴿وَإِن يَكُن مَّيْتَةً﴾ أي وإن يكن ما في بطونها ميتة وَأَنْ تَكُنْ مَيْتَةً أبو بكر

стр. 1376

أي وإن تكن الأجنة ميتة وَإِنْ تَكُنْ مَيْتَةً شامي على كان التامة يكن مية مكي لتقدم الفعل وتذكير الضمير في ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ لأن الميتة اسم لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل وإن يكن ميت فهم فيه شركاء ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ جزءا وصفهم الكذب على الله فى التحليل والتحريم ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في جزائهم ﴿عَلِيمٌ﴾ باعتقادهم

стр. 1377

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) ﴿قَدْ خَسِرَ الذين قَتَلُواْ أولادهم﴾ كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر قَتَّلُواْ مكي وشامي ﴿سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لخفة أحلامهم وجهلهم بأن لله هو رازق أولادهم لا هم ﴿وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله﴾ من البحائر والسوائب وغيرها ﴿افتراء عَلَى الله﴾ مفعول له ﴿قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ إلى الصواب

стр. 1378

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) ﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَ﴾ خلق ﴿جنات﴾ من الكروم ﴿معروشات﴾ مسموكات مرفوعات ﴿وَغَيْرَ معروشات﴾ متروكات على وجه الأرض لم تعرش يقال عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القضبان ﴿والنخل والزرع مُخْتَلِفًا﴾ في اللون والطعم والحجم والرائحة وهو حال مقدرة لأن النخل وقت خروجه لا أكل فيه حتى يكون مختلفا وهو كقوله ﴿فادخلوها خالدين﴾ أَكُلُهُ أَكْله حجازي وهو ثمره الذي يؤكل والضمير للنخل الأنعام (١٤١ _ ١٤٤) الزرع داخل في حكمه لأنه معطوف عليه أو لكل واحد ﴿والزيتون والرمان متشابها﴾ في اللون ﴿وَغَيْرَ متشابه﴾ في الطعم ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ من ثمر كل واحد وفائدة إِذَا أَثْمَرَ أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك ﴿وآتوا حقه﴾ عشره وهو حجة أبى حنيفة ﵀ فى تعيمم

стр. 1379

العشر ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ بصري وشامي وعاصم وبكسر الجاء غيرهم وهما لغتان ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ بإعطاء الكل وتضييع العيال وقوله كُلُواْ إلى ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين﴾ اعتراض

стр. 1380

وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ﴿وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ عطف على جنات أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح أو الحمولة الكبار التي تصلح للحمل والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ أي ما أحل لكم منها ولا تحرموها كما في الجاهلية ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان﴾ طرقه في التحليل والتحريم كفعل أهل الجاهلية ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مبين﴾ فانهموه على دينكم

стр. 1381

ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) ﴿ثمانية أزواج﴾ بدل من حَمُولَةً وَفَرْشًا ﴿مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين﴾ زوجين اثنين يريد الذكر والأنثى والواحد إذا كان وحده فهو فرد وإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجاً وهما زوجان بدليل قوله خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى ويدل عليه قوله ثمانية أزواج ثم فسرها بقوله مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين والضأن والمعز جمع ضائن وماعز كتاجر وتجر وفتح عين المعز مكي وشامي وأبو عمرو وهما لغتان والهمزة فى ﴿قل آلذكرين حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين﴾ للإنكار والمراد بالذكرين الذكر من الضأن والذكر من المعز والانثيين الأنثى من الضأن والأنثى من المعز والمعنى إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما تحمل الإناث وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكورة الأنعام تارة وإناثها طوراً وأولادها كيفا كانت ذكورا أو إناثا أو مختلطة وكانوا يقولون قد حرمها الله فأنكر

стр. 1382

ذلك عليهم وانتصب آلذكرين يحرم وكذا أَمِ الأنثيين أي أم حرم الأنثيين وكذا ما فى أم ما اشتملت ﴿نَبّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في أن الله حرمه

стр. 1383

وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين﴾ منهما ﴿حَرَّمَ أَمِ الأنثيين﴾ منهما ﴿أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين﴾ أم ما تحمل إناثها ﴿أم كنتم شهداء﴾ أى منقطعة أى بل كنتم شهداء ﴿إِذْ وصاكم الله بهذا﴾ يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم ولما كانوا لا يؤمنون برسول الله وهم يقولون الله حرم هذا الذي نحرمه تهكم بهم في قوله ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ﴾ على معنى أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا﴾ فنسب إليه تحريم ما لم يحرم ﴿لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أي الذين في علمه أنهم يختمون على الكفر ووقع الفاصل بين بعض المعدود وبعضه اعتراضاً غير أجنبي من المعدود وذلك أن الله تعالى مَنَّ على عباده بانشاء الأنعام لمنافعهم وباباحتها لهم فالاعترض بالاحتجاج على من حرمها يكون تأكيد للتحليل والاعترضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد

стр. 1384

قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) ﴿قل لا أجد فيما أُوْحِيَ إِلَيَّ﴾ أي في ذلك الوقت أو في وحي القرآن لأن وحي السنة قد حرم غيره أو من الأنعام لأن الآية في رد البحيرة وأخواتها وأما الموقوذة والمتردية والنطيحة فمن الميتة وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يثبت بوحي الله وشرعه لا بهوى الأنفس ﴿مُحَرَّمًا﴾ حيواناً حرم أكله ﴿على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ على آكل يأكله ﴿إِلا أَن يَكُونَ ميتة﴾ إلا أن يكون الشئ المحرم ميتة أَن تَكُونَ مكي وشامي وحمزة مَيْتَةً شامي ﴿أَوْ دَمًا

стр. 1385

مَّسْفُوحًا﴾ مصبوباً سائلاً فلا يحرم الدم الذي في اللحم والكبد والطحال ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ نجس ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ عطف على المنصوب قبله وقوله ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ منصوب المحل صفة لفسقا أي رفع الصوت على ذبحه باسم غير الله وسمي بالفسق لتوغله في باب الفسق ﴿فَمَنِ اضطر﴾ فمن دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطر مثله تارك لمواساته ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ متجاوز قدر حاجته من تناوله ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لا يؤاخذه

стр. 1386

وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦) ﴿وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾ أي ماله أصبع من دابة أو طائر ويدخل فيه الإبل والنعام ﴿وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ أي حرمنا عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شيء منه ولم يحرم من البقر والغنم إلا الشحوم وهي الثروب وشحوم الكلى ﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب الأنعام ١٤٠ ١٤٤ من السَّحفة ﴿أَوِ الحوايا﴾ أو ما اشتمل على الأمعاء واحدها حاوياء أو حوية ﴿أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ﴾ وهو الألية أو المخ ﴿ذلك﴾ مفعول ثان لقوله ﴿جزيناهم﴾ والتقدير جزيناهم ذلك ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ بسبب ظلمهم ﴿وِإِنَّا لصادقون﴾ فيما أخبرنا به وكيف نشكر من سبب معصيتهم لتحريم الحلال ومعصية سالفنا لتحليل الحرام حيث قال وعفا عنكم فالآن باشروهن

стр. 1387

فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾ فيما أوحيت إليك من هذا ﴿فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة﴾ بها يمهل المكذبين ولا يعاجلهم بالعقوبة ﴿وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ عذابه مع

стр. 1388

سعة رحمته ﴿عَنِ القوم المجرمين﴾ إذا جاء فلا تغتر بسعة رحمته عن خوف نقمته

стр. 1389

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) ﴿سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ﴾ إخبار بما سوف يقولونه ﴿لو شاء الله﴾ لانشرك ﴿ما أشركنا ولا آباؤنا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ ولكن شاء فهذا عذرنا يعنون أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحل الله لهم بمشيئته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك ﴿كذلك كَذَّبَ الذين من قبلهم﴾ أى كتكذبيهم إياك كان تكذيب المقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء ولانهم جعلوا مشيئته الشرك والشرك مراد لكنه غير مرضي ألا ترى أنه قال فلوا شاء لهداكم أجمعين اخبرانه لو شاء منهم الهدى لآمن كلهم ولكن لم يشأ من الكل الإيمان بل شاء من البعض الإيمان ومن البعض الكفر فيحب حمل المشيئة هنا على ما ذكرنا دفعا للتناقض ﴿حتى ذاقوا بأسنا﴾ حى أنزلنا عليهم العذاب ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾ من أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ فتظهروه ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ تكذبون

стр. 1390

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة﴾ عليكم بأوامره ونواهيه ولا حجة لكم على الله بمشيئته ﴿فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي فلو شاء هدايتكم وبه تبطل صولة المعتزلة

стр. 1391

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ﴾ هاتوا شهداءكم وقربوهم ويستوي في هذه الكلمة الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين وبنوا تميم تؤنث

стр. 1392

وتجمع ﴿الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حرم هذا﴾ أى زعموه محرما الأنعام ١٤٤ ١٤٦ ﴿فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم فكان واحداً منهم ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الذين كَذَّبُواْ بآياتنا﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن من كذب بآيات الله فهومتبع للهوى إذ لو تبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله ﴿والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة﴾ هم المشركون ﴿وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يسوون الأصنام

стр. 1393

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) ﴿قُلْ﴾ للذين حرموا الحرث والأنعام ﴿تَعَالَوْاْ﴾ هو من الخاص الذى صار عام وأصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه ثم كثر حتى عم ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ الذي حرمه ربكم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ من صلة حرم ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ أى مفسرة لفعل التلاوة ولا للنهي ﴿وبالوالدين إِحْسَانًا﴾ وأحسنوا بالوالدين إحساناً ولما كان إيجاب الإحسان تحريماً لترك الإحسان ذكر في المحرمات وكذا حكم ما بعده من الأوامر ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مِّنْ إملاق﴾ من أجل فقر ومن خشيته كقوله خَشْيَةَ إملاق ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لأن رزق العبيد على مولاهم ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ما بينك وبين الخلق ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ ما بينك وبين الله ما ظهر بدل من الفواحش ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق﴾ كالقصاص والقتل على الردة والرجم ﴿ذلكم وصاكم بِهِ﴾ أي المذكور مفصلاً أمركم ربكم بحفظه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لتعقلوا عظمها عند الله

стр. 1394

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أَحْسَنُ﴾ إلا بالخصلة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره ﴿حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أشده مبلغ حلمه فادفعوه إليه وواحده شد كفلس وأفلس ﴿وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط﴾ بالسوية والعدل ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ إلا ما يسعها ولا تعجز عنه وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد من القسط الذى لا زيادة ولا نقصان مما فيه حرج فأمر الأنعام ١٤٦ ١٤٩ ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفو عنه ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا﴾ فاصدقوا ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ ولو كان المقوم له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة للقائل كقوله ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين﴾ وَبِعَهْدِ الله يوم الميثاق أو في الأمر والنهي والوعد والوعيد والنذر واليمين ﴿أَوْفُواْ ذلكم﴾ أى مامر ﴿وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ بالتخفيف حيث كان حمزة وعلي وحفص على حذف إحدى التاءين غيرهم بالتشديد أصله تتذكرون فأدغم التاء الثانية في الذال أي أمركم به لتتعظوا

стр. 1395

وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ﴿وَأَنَّ هذا صراطي﴾ ولأن هذا صراطي فهو علة للاتباع بتقدير اللام وَأَنْ بالتخفيف شامي وأصله وأنه على أن الهاء ضمير الشأن والحديث وَإنْ على الابتداء حمزة وعلي ﴿مُّسْتَقِيماً﴾ حال ﴿فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل﴾ الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿فتفرق بكم عن سبيله﴾ فنفرقكم أيادي سبأ عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام روى أن رسول الله ﷺ خط خطاً مستوياً ثم قال هذا سبيل الرشد وصراط الله فاتبعوه ثم خط على كل

стр. 1396

جانب ستة خطوط ممالة ثم قال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه فاجتنوها وتلا هذه الآية ثم يصير كل واحد من الاثني عشر طريقاً ستة طرق فتكون اثنين وسبعين وعن ابن عباس رضى الله عنهما هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب وعن كعب إن هذه الآيات لأول شيء فى التوارة ﴿ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لتكونوا على رجاء إصابة التقوى ذكر أولاً تَعْقِلُونَ ثم تَذَكَّرُونَ ثم تَتَّقُونَ لأنهم إذا عقلوا تفكروا ثم تذكروا أى اتعظوا فاتقوا المحارم

стр. 1397

ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) ﴿ثم آتينا مُوسَى الكتاب تَمَامًا﴾ أي ثم أخبركم إنا آتينا أو هو عطف على قُلْ أي ثم قل آتينا أو ثم مع الجملة تأتي بمعنى الواو كقوله ثم الله شهيد ﴿عَلَى الذي أَحْسَنَ﴾ على من كان محسناً صالحاً يريد جنس المحسنين دليله قراءة عبد الله عَلَى الذين أَحْسَنُواْ أو أراد به ﴿وَتَفْصِيلاً لّكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبياناً مفصلاً لكل ما يحتاجون إليه في دينهم ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم﴾ أي بني إسرائيل ﴿بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون أي بالبعث والحساب وبالرؤية

стр. 1398

وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) ﴿وهذا﴾ أى القرآن الأنعام ١٤٩ ١٥٢ ﴿كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ﴾ كثير الخير ﴿فاتبعوه واتقوا﴾ مخالفته ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لترحموا

стр. 1399

أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا ﴿إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب على طَائِفَتَيْنِ مِن قبلنا﴾ أى أهل التوارة وأهل الإنجيل وهذا دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب ﴿وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ﴾ عن تلاوة كتبهم ﴿لغافلين﴾ لا علم لنا بشئ من ذلك إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا عن دراستهم غافلين على أن الهاء ضمير الشأن والخطاب لأهل مكة والمراد إثبات الحجة علهيم بانزال القرآن على محمد ﷺ كى لا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما

стр. 1400

أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) ﴿أَوْ تَقُولُواْ﴾ كراهة أن تقولوا ﴿لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ﴾ لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا وغزارة حفظنا لأيام العرب ﴿فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبِّكُمْ﴾ أي إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم فقد جاءكم ما فيه البيان الساطع والبرهان القاطع فحذف الشرط وهو من أحاسن الحذوف ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله﴾ بعدما عرف صحتها وصدقها ﴿وصدف عنها﴾ أى أعرض ﴿سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنَا سُوءَ العذاب﴾ وهو النهاية في النكاية ﴿بِمَا كَانُواْ يصدفون﴾ بإعراضهم

стр. 1401

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ أي أقمنا حجج الوحدانية وثبوت الرسالة وأبطلنا ما يعتقدون من الضلالة فما ينتظرون في ترك الضلالة بعدها ﴿إِلا أَن تأتيهم الملائكة﴾ أى ملاك الموت لقبض أرواحهم يَأْتِيهِمُ حمزة وعلي ﴿أَوْ

стр. 1402

يأتي ربك﴾ أى أمر ربكم وهو العذاب أو القيامة وهذا لأن الإتيان متشابه وإتيان أمره منصوص عليه محكم فيرد إليه ﴿أو يأتي بعض آيات رَبِّكَ﴾ أي أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك ﴿يوم يأتي بعض آيات رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ لأنه ليس بإيمان اختيارى بل هل إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم ﴿لَمْ تكن آمنت مِن قَبْلُ﴾ صفة نَفْساً ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خيرا﴾ أي إخلاصاً كما لا يقبل إيمان الكافر بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل إخلاص المنافق أيضاً أو توبته وتقديره لا ينفع إيمان من لم يؤمن ولا توبة من لم يتب قبل ﴿قُلِ انتظروا﴾ إحدى الآيات الثلاث ﴿إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ بكم إحداها

стр. 1403

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) ﴿إن الذين فرقوا دينهم﴾ اختلفوا فيه وصاروا فرقاً كما اختلفت اليهود والنصارى وفي الحديث افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها فى الهاوية إلا واحدة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي السواد الأعظم وفي رواية وهي ما أنا عليه وأصحابي وقيل فرقوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض فارقوا دِينَهُمُ حمزة وعلي أي تركوا ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ فرقاً كل فرقة تشيع إماماً لها ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم أو من عقابهم ﴿إنما أمرهم إلى الله ثم يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ فيجازيهم على ذلك

стр. 1404

مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠) ﴿مَن جَاءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ تقديره عشر حسنات أمثالها إلا

стр. 1405

أنه أقيم صفة الجنس المميز مقام الموصوف ﴿وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ بنقص الثواب وزيادة العقاب
следующие страницы →