← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بئسما وبابه غير مهموز أبو عمرو وينزل بالتخفيف مكي وبصري

стр. 177

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ لهؤلاء اليهود ﴿آمِنُواْ بِمَا أنزل الله﴾ يعنى القرآن أو هو مطلق بتناول كل كتاب ﴿قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ أى البقرة (٩١ _ ٩٤) التوراة ﴿وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ﴾ أي قالوا ذلك والحال ٢ أنهم يكفرون بما وراء التوراة ﴿وَهُوَ الحق مُصَدِّقًا لّمَا مَعَهُمْ﴾ غير مخالف له وفيه رد لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ومصدقا حال مؤكدة ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ الله﴾ أي فلم قتلتم فوضع المستقبل موضع الماضي ويدل عليه قوله ﴿مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي من قبل محمد ﵇ اعتراض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء قيل قتلوا في يوم واحد ثلثمائة نبي في بيت المقدس

стр. 178

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُم موسى بالبينات﴾ بالآيات التسع وأدغم الدال في الجيم حيث كان أبو عمرو وحمزة وعلي ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل﴾ إلهاً ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ من بعد خروج موسى ﵇ إلى الطور ﴿وَأَنتُمْ ظالمون﴾ هو حال أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم

стр. 179

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ ما آتيناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ كرر ذكر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى ﴿واسمعوا﴾ ما أمرتم به في التوراة ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرك وطابق قوله جوابهم من حيث إنه قال لهم اسمعوا وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة

стр. 180

فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب وقوله في قلوبهم بيان لمكان الإشراب والمضاف وهو الحب محذوف ﴿بكفرهم﴾ سبب كفرهم واعتقادهم التشبيه ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم﴾ بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم وكذا إضافة الإيمان اليهم ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له

стр. 181

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة﴾ أي الجنة ﴿عند الله﴾ ظرف ولكم خبر كان ﴿خَالِصَةً﴾ حال من الدار الآخرة أي سالمة لكم ليس لأحد سواكم فيها حق إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ﴿مّن دُونِ الناس﴾ هو للجنس ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين﴾ فيما تقولون لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها تخلصاً من الدار ذات الشوائب كما نقل عن العشرة البقرة (٩٥ _ ٩٧) المبشرين بالجنة أن كل واحد منهم كان يحب الموت ويحن إليه

стр. 182

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ هو نصب على الظرف أي لن يتمنوه ما عاشوا ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بما أسلفوا من الكفر بمحمد ﵇ وتحريف كتاب الله وغير ذلك وهو من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله ولن تفعلوا ولن تمنوه لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث ﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ تهديد لهم

стр. 183

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦) ﴿ولتجدنهم أحرص الناس﴾ مفعولا وجدهم وأحرص ﴿على حياة﴾ التنكير يدل على أن المراد حياة مخصوصة وهى الحياة المتطاولة ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي على الحياة ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ هو محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس أحرص من الناس نعم قد دخل الذين أشركوا تحت الناس ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد كما أن جبريل وميكائيل خصا بالذكر وإن دخلا تحت الملائكة أو أريد وأحرص من الذين أشركوا فحذف لدلالة أحرص الناس عليه وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ وإنما زاد حرصهم على الذين أشركوا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لعلمهم بحالهم والمشركون لا يعلمون ذلك وقوله ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم عش ألف نيروز وعن ابن عباس رضى الله عنهما هو قول الأعاجم زي هزارسال وقيل ومن الذين أشركوا كلام مبتدأ أي ومنهم ناسٌ يود أحدهم على حذف الموصوف والذين أشركوا على هذا مشار به إلى اليهود لأنهم قالوا عزير ابن الله والضمير في ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب﴾ لأحدهم وقوله ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ فاعل بمزحزحه أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره ويجوز أن يكون هو مبهماً وأن يعمر موضحة والزحزحة التبعيد والإنحناء قال في جامع العلوم وغيره لو يعمر بمعنى أن يعمر فلو هنا نائبة عن أن وأن مع الفعل في تأويل المصدر وهو مفعول يود أي يود أحدهم تعمير ألف سنة ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي بعمل هؤلاء الكفار فيجازيهم عليه وبالتاء يعقوب

стр. 184

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ﴾ بفتح الجيم وكسر الراء بلا همزة مكي وبفتح الراء والجيم والهمز مشبعاً كوفي غير حفص وبكسر الراء والجيم بلا همز غيرهم ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة ومعناه عبد الله لأن جبر هو العبد بالسريانية وايل اسم الله روي أَن ابن صوريا من أحبار اليهود حاج النبى ﷺ وسأله عمن يهبط عليه بالوحي فقال جبريل فقال ذاك عدونا البقرة (٩٧ _ ١٠١) ولو كان غيره لآمنا وقد عادانا مراراً وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاماً مسكيناً فدفع عنه جبريل وقال إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه وإن لم يكن إياه فعلى أي ذنب تقتلونه ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ فإن جبريل نزل القرآن ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ﴿على قَلْبِكَ﴾ أي حفظه إياك وخص القلب لأنه محل الحفظ كقوله نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ وكان حق الكلام أن يقال على قلبي ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به وإنما استقام أن يقع فإنه نزله جزاء للشرط لأن تقديره إن عادى جبريل احد من أهل الكتاب فلاوجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه فى انزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليه وقيل جواب الشرط محذوف تقديره من كان عدواً لجبريل فليمت غيظاً فإنه نزل الوحي على قلبك ﴿بِإِذْنِ الله﴾ بأمره ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ رد على اليهود حين قالوا إن جبريل ينزل بالحرب والشدة فقيل فإنه ينزل

стр. 185

بالهدى والبشرى أيضاً

стр. 186

مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) ﴿مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال﴾ بصرى وحفص وميكائل باختلاس الهمزة كميكاعل مدنى وميكائيل بالمد وكسر الهمزة مشبعة غيرهم وخص الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر إذ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات ﴿فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين﴾ أي لهم فجاء بالظاهر ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم وأن عداوة الملائكة كفر كعداوة الأنبياء ومن عاداهم عاداه الله

стр. 187

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون﴾ المتمردون من الكفرة واللام للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال ابن صوريا لرسول الله ﷺ ما جئتنا بشئ نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك بها فنزلت الواو فى

стр. 188

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) ﴿أو كلما﴾ للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات البينات وكلما ﴿عاهدوا عهدا نبذه﴾ نقضه ورفضه قال ﴿فَرِيقٌ مّنْهُمُ﴾ لأن منهم من لم ينقض ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بالتوراة وليسوا من الدين في

стр. 189

شيء فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً ولا يبالون به

стр. 190

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله﴾ محمد ﷺ ﴿مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أوتوا الكتاب﴾ أي التوراة والذين أوتوا الكتاب اليهود ﴿كتاب الله﴾ يعني التوراة لأنهم بكفرهم برسول الله ﷺ المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها أو كتاب الله القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول ﴿وَرَاء ظُهُورِهِمْ﴾ مثل لتركهم وإعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أنه كتاب الله

стр. 191

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها ﴿على مُلْكِ سليمان﴾ أي على عهد ملكه وفى زمانه وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دونوها فى كتب يقرءونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمن سليمان ﵇ حتى قالوا إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الجن والإنس والريح ﴿وَمَا كَفَرَ سليمان﴾ تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به ﴿ولكن الشياطين﴾ هم الذين ﴿كفروا﴾ باستعمال السحر وتدوينه ولكن بالتخفيف الشياطين بالرفع شامي وحمزة وعلي ﴿يُعَلِّمُونَ الناس السحر﴾ في موضع الحال أي كفروا معلمين الناس السحر قاصدين به إغواءهم وإضلالهم ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين﴾ الجمهور على أن ما بمعنى الذى وهو نصب عطف على السحر أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أو على ما تتلوا أي واتبعوا ما أنزل على الملكين ﴿بِبَابِلَ هاروت وماروت﴾

стр. 192

علمان لهما وهما عطف بيان للملكين والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً إن كان فيه رد ما لزم في شرط الإيمان ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمناً قال الشيخ أبو منصور الماتريدى ﵀ القول بأن السحر على الإطلاق كفر خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه المذكر والمؤنث وتقبل توبته إذا تاب ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم وقيل أنزل أي قذف في قلوبهما مع النهي عن العمل قيل إنهما ملكان اختارتهما الملائكة لتركب فيهما الشهوة حين عيرت بني آدم فكانا يحكمان في الأرض ويصعدان بالليل فهو يا زهرة فحملتهما على شرب الخمر فزنيا فرآهما إنسان فقتلاه فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة فهما يعذبان منكوسين في جب ببابل وسميت ببابل لتبلبل الألسن بها البقرة (١٠٢ _ ١٠٤) ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ وما يعلم الملكان أحداً ﴿حتى يَقُولاَ﴾ حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ ابتلاء واختبار من الله ﴿فلا تكفر﴾ بتعلمه والعلم به على وجه يكون كفراً ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ الفاء عطف على قوله يعلمون الناس السحر أي يعلمونهم فيتعلمون من السحر والكفر اللذين دل عليهما قوله كفروا ويعلمون الناس السحر أو على مضمر والتقدير فيأتون فيتعلمون والضمير لما دل عليه من أحد أي فيتعلم الناس من الملكين ﴿ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه﴾ أي علم السحر الذى يكن سبباً في

стр. 193

التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشوز والخلاف ابتلاء منه وللسحر حقيقة عند أهل السنة كثرهم الله وعند المعتزلة هو تخييل وتمويه ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ﴾ بالسحر ﴿مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ بعلمه ومشيئته ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ في الآخرة وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ﴾ أي اليهود ﴿لَمَنِ اشتراه﴾ أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله ﴿ما له فِي الآخرة مِنْ خلاق﴾ من نصيب ﴿وَلَبِئْسَ ما شروا به أنفسهم﴾ باعوها إنما نفى العلم عنهم بقوله ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ مع إثباته لهم بقوله ولقد علموا على سبيل التوكيد القسمي لأن معناه لو كانوا يعملون بعلمهم جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم لا يعلمون

стр. 194

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) ﴿ولو أنهم آمنوا﴾ برسول الله والقرآن ﴿واتقوا﴾ الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله وابتاع كتب الشياطين ﴿لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أن ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا لكنه جهلهم لما تركوا العمل بالعلم والمعنى لأثيبوا من عند الله ما هو خير وأوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب لو لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها ولم يقل لمثوبة الله خير لأن المعنى لشئ من الثواب خير لهم وقيل لو بمعنى التمني كأنه قيل وليتهم آمنوا ثم ابتدأ لمثوبة من عند الله خير

стр. 195

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تَقُولُواْ راعنا وَقُولُواْ انظرنا﴾ كان المسلمون يقولون لرسول الله ﷺ إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله أي راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه وكانت لليهود كلمة يتسابون بها

стр. 196

عبرانية أو سريانية وهى راعنا فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون البقرة (١٠٤ _ ١٠٧) به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها وهو انظرنا من نظره إذا انتظره ﴿واسمعوا﴾ وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله ﷺ ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا ﴿وللكافرين﴾ ولليهود الذين سبو رسول الله ﷺ ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم

стр. 197

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) ﴿مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم﴾ وبالتخفيف مكي وأبو عمرو ﴿مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبِّكُمْ﴾ من الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون والثانة مزيدة لاستغراق الحير والثالثة لابتداء الغاية والخير الوحي وكذلك الرحمة ﴿والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء﴾ يعني أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحى والله يختص بالنبوة من يشاء ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ فيه إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم لما طعنوا في النسخ فقالوا ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غدا نزل

стр. 198

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) ﴿ما ننسخ من آية أَوْ نُنسِهَا﴾ تفسير النسخ لغة التبديل وشريعة بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي فكان

стр. 199

تبديلاً في حقنا بياناً محضاً في حق صاحب الشرع وفيه جواب عن البداء الذي يدعيه منكروه أعني اليهود ومحله حكم يحتمل الوجود والعدم في نفسه لم يلحق به ما ينافى النسخ من توقيت أو تأييد ثبت نصاً أو دلالة وشرطه التمكن من عقد القلب عندنا دون التمكن من الفعل خلافاً للمعتزلة وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقاً ومختلفاً ويجوز نسخ التلاوة والحكم والحكم دون التلاوة والتلاوة دون الحكم ونسخ وصف بالحكم مثل الزيادة على النص فإنه نسخ عندنا خلافا للشافعى ﵀ والإنساء أن يذهب بحفظها عن القلوب أو ننسأها مكي وأبو عمرو أي نؤخرها من نسأت أي أخرت ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي نأت بآية خير منها للعباد أي بآية العمل بها أكثر للثواب ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في ذلك إذ لا فضيلة لبعض الآيات على البعض

стр. 200

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ فهو يملك أموركم ويدبرها وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ البقرة (١٠٧ _ ١١١) ﴿وما لكم من دون الله من ولي﴾ بلى أمركم ﴿وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ناصر يمنعكم من العذاب

стр. 201

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨) ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ أم منقطعة وتقديره بل أتريدون ﴿أن تسألوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ﴾ روي أن قريشاً قالوا يا محمد اجعل لنا الصفا ذهباً ووسع لنا أرض مكة فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات كما اقترح قوم موسى عليه حين قال اجعل لنا إلهاً ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان﴾ ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل﴾ قصده ووسطه

стр. 202

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم﴾ أن يردوكم ﴿مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا﴾ حال من كم أي يردونكم عن دينكم كافرين نزلت حين قالت اليهود للمسلمين بعد وقعة أحد ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق لما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم ﴿حَسَدًا﴾ مفعول له أي لأجل الحسد وهو الأسف على الخير عند الغير ﴿من عند أنفسهم﴾ يتعلق بود أي ودوا من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق لأنهم ودوا ذلك ﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق﴾ أي من بعد علمهم بأنكم على الحق أو بحسدا أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل نفوسهم ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة ﴿حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ﴾ بالقتال ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم

стр. 203

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ﴾ من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما ﴿تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ تجدوا ثوابه عنده ﴿إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فلا يضيع عنده عمل عامل

стр. 204

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) والضمير في ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى﴾ لأهل الكتاب من اليهود والنصارى أي وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلفّ بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمناً من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما صاحبه ألا ترى إلى قوله تعالى وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء

стр. 205

وهود جمع هائد كعائد البقرة (١١١ _ ١١٤) وعوذ ووحد اسم كان للفظ من جمع الخبر لمعناه ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ أشير بها إلى الأمانى المذكورة وهى أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم والأمنية أفعولة من التمني مثل الأضحوكة ﴿قُلْ هَاتُواْ برهانكم﴾ هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة وهات بمنزلة هاء بمعنى أحضر وهو متصل بقولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وتلك أمانيهم اعتراض ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في دعواكم

стр. 206

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) ﴿بلى﴾ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مصدق بالقرآن ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ جواب من أسلم وهو كلام مبتدأ متضمن لمعنى الشرط وبلى رد لقولهم ﴿عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

стр. 207

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْء﴾ أي على شيء يصح ويعتد به والواو في ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب﴾ للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب وحق من حمل التوراة والإنجيل وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للآخر ﴿كذلك﴾ مثل ذلك القول الذي سمعت به ﴿قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أي الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم

стр. 208

﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي بين اليهود والنصارى بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب اللائق به

стр. 209

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤) ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ موضع من رفع على الابتداء وهو استفهام واظلم خبره والمعنى أى أحد أظلم ووأن يذكر ثاني مفعولي منع لأنك تقول منعته كذا ومثله وما منعنا أن نرسل بالآيات وما منع الناس أن يؤمنوا ويجوز أن يحذف حرف الجر مع أن أي من أن يذكر وأن تنصبه مفعولاً له بمعنى منعها كراهة أن يذكر وهو حكم عام لجنس مساجد الله وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم والسبب فيه طرح النصارى في بيت المقدس الأذى ومنعهم الناس أن يصلوا البقرة (١١٤ _ ١١٦) فيه أو منع المشركين رسول الله أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية وإنما قيل مساجد الله وكان المنع على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام لأن الحكم ورد عاماً وإن كان السبب خاصاً كقوله تعالى ويل لكل همزة والمنزول فيه الأخنس بن شريق ﴿وسعى فِى خرابها﴾ بانقطاع الذكر والمراد عن العموم كما أريد العموم بمساجد الله ﴿أولئك﴾ المانعون ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا﴾ أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله ﴿إِلاَّ خَائِفِينَ﴾ حال من الضمير في يدخلوها أى على حالى التهيب وارتعاد الفرائض من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها والمعنى ما كان الحق إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم رُوي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً خيفة أن يقتل وقال قتادة لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا بولغ ضرباً ونادى رسول الله ﷺ ألا لا يحجن بعد هذا العام

стр. 210

مشرك وقيل معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله﴾ ﴿لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ﴾ قتل وسبي للحربي وذلة بضرب الجزية للذمي ﴿وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي النار

стр. 211

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) ﴿وَلِلَّهِ المشرق والمغرب﴾ أي بلاد المشرق والمغرب كلها له وهو مالكها ومتوليها ﴿فَأَيْنَمَا﴾ شرط ﴿تَوَلُّوْاْ﴾ مجزوم به أي ففي أي مكان فعلتم التولية يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره والجواب ﴿فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ أي جهته التي أمر بها ورضيها والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان ﴿إِنَّ الله واسع عَلِيمٌ﴾ أي وهو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده وهو عليم بمصالحهم وعن ابن عمر رضى الله عنهما نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت وقيل عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذرواهو حجة على الشافعى ﵀ فيما إذا استدبر وقيل فأينما تولوا للدعاء والذكر

стр. 212

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) ﴿وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا﴾ يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزير ابن الله قالوا شامي فإثبات الواو باعتبار أنه قصة معطوفة على ما قبلها وحذفه باعتبار أنه استئناف قصة أخرى ﴿سبحانه﴾ تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي هو خالقه ومالكه ومن جملته المسيح وعزير والولادة تنافي الملك ﴿كُلٌّ لَّهُ قانتون﴾ منقادون البقرة (١١٧ _ ١١٩) لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه أى كل مافى

стр. 213

السموات والأرض أو كل من جعلوه لله ولداً له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا اليهم وجاء بما الذى لغير اولى العلم من قوله قانتون كقوله سبحان ما سخركن لنا

стр. 214

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ أي مخترعهما ومبدعهما لا على مثال سبق وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له أبدعت ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة مبتدع لأنه يأتي في دين الإسلام ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضى الله عنهم ﴿وَإِذَا قضى أَمْرًا﴾ أي حكم أو قدر ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هو من كان التامة أي أحدث فيحدث وهذا مجاز عن سرعة التكوين وتمثيل ولا قول ثُمَّ وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أن المأمور المطبع الذى يؤمر فيمتثل ولا يكون منه إباء وأكد بهذا استبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدر كانت صفاته مباينة لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثمّ والوجه الرفع في فيكون وهو قراءة العامة على الاستئناف أي فهو يكون أو على العطف على يقول ونصبه ابن عامر على لفظ كن لأنه أمر وجواب الأمر بالفاء نصب وقلنا إن كن ليس بأمر حقيقة إذ لا فرق بين أن يقال وإذا قضى أمرا فإنما يكونه فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون وإذا كان كذلك فلا معنى للنصب وهذا لأنه لو كان أمراً فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب بكن أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب

стр. 215

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ من المشركين أو من أهل الكتاب ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به ﴿لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله﴾ هلا يكلمنا كما يكلم
следующие страницы →