← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) ﴿كدأب آل فِرْعَوْنَ﴾ تكرير للتأكيد أو لأن في الأولى الأخذ بالذنوب بلا بيان ذلك وهنا بين أن ذلك هو الاهلاك والاسئصال ﴿والذين من قبلهم كذبوا بآيات رَبِّهِمْ﴾ وفي قوله بآيات رَبِّهِمْ زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق ﴿فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغرقنا آل فرعون﴾ بماء البحر ﴿وكل﴾ وكلهم من غرق القبط وقتلى قريش ﴿كَانُواْ ظالمين﴾ أنفسهم بالكفر والمعاصى

стр. 1752

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) ﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي أصروا على الكفر فلا يتوقع منهم الإيمان

стр. 1753

الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) ﴿الذين عاهدت مِنْهُمْ﴾ بدل من الذين كَفَرُواْ أي الذين عاهدتهم من الذين كفروا وجعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون وشر المصرين الناكثون للعهود ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ في

стр. 1754

كل معاهدة ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ لا يخافون عاقبة الغدر ولا يبالون بما فيه من العار والنار

стр. 1755

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) ﴿فإما تثقفنهم في الحرب﴾ فاما تصادفهم وتظفرن بهم ﴿فَشَرّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ ففرق عن محاربتك ومناصبتك بقتلهم شر قتلة والنكاية فيهم من وراءهم من الكفرة حتى لا يجسر عليك بعدهم أحدا اعتبارا بهم واتعاظا الأنفال (٥٧ _ ٦١) بحالهم وقال الزجاج افعل بهم ما تفرق به جمعهم وتطرد به من عداهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعل المشردين من ورائهم يتعظون

стр. 1756

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ﴾ معاهدين ﴿خِيَانَةً﴾ نكثاً بأمارات تلوح لك ﴿فانبذ إِلَيْهِمْ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿على سَوَاءٍ﴾ على استواء منك ومنهم في العلم ينقض العهد وهو حال من النابذ والمنبوذ إليهم أي حاصلين على استواء في العلم ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ الناقضين للعهود

стр. 1757

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء وفتح السين شامي وحمزة ويزيد وحفص وبالتاء وفتح السين أبو بكر وبالتاء وكسر السين غيرهم ﴿الذين كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾ فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم أَنَّهُمْ شامي أي لأنهم كل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل غير أن المكسورة على طريقة الاستئناف والمفتوحة تعليل صريح فمن قرأ بالتاء فالذين كَفَرُواْ مفعول أول والثاني سَبَقُواْ ومن قرأ بالياء الذين كفروا فاعل وسبقوا مفعول تقديره أن سبقوا فحذف أن وأن مخففة من الثقيلة أي أنهم سبقوا فسد مسد المفعولين أو يكون الفاعل مضمراً أي ولا يحسبن محمد الكافرين سابقين ومن ادعى تفرد حمزة بالقراءة ففيه نظر لما بيننا من عدم تفرده بها وعن الزهري أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين

стр. 1758

وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) ﴿وأعدوا﴾ أيها المؤمنون ﴿لهم﴾ لنا قضى العهد أو لجميع الكفار

стр. 1759

﴿مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ﴾ من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها وفي الحديث ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً على المنبر وقيل هي الحصون ﴿وَمِن رِّبَاطِ الخيل﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله أو هو جمع ربيط كفصيل وفصال وخص الخيل من بين ما يتقوى به كقوله وَجِبْرِيلَ وميكال ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ بما استطعتم ﴿عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ أى أهل مكة ﴿وآخرين مِن دُونِهِمْ﴾ غيرهم وهم اليهود أو المنافقون أو أهل فارس أو كفرة الجن وفى الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ لا تعرفونهم بأعيانهم ﴿الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شيء في سبيل الله يوف إليكم﴾ يؤفي إليكم جزاؤه ﴿وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ في الجزاء بل تعطون على التمام

стр. 1760

وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) ﴿وإن جنحوا﴾ مالوا جنح له وإليه مال ﴿لِلسَّلْمِ﴾ للصلح وبكسر السين أبو بكر وهو مؤنث تأنيث الأنفال (٦١ _ ٦٦) ضدها وهو الحرب ﴿فاجنح لَهَا﴾ فمل إليها ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ لأقوالك ﴿العليم﴾ بأحوالك

стр. 1761

وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ﴾ يمكروا ويغدروا ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ الله﴾ كافيك الله ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ﴾ قواك ﴿بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾ جميعاً أو بالأنصار

стр. 1762

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قلوب الأوس والخزرج بعد تعايدهم مائة وعشرين سنة ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي بلغت عداوتهم مبلغاً لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر عليه ﴿ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بفضله ورحمته وجمع بين كلمتهم بقدرته فاحدث بينهم التوادد والتحابب واماط عنهم التباعض والتماقت ﴿إنه عزيز﴾ يقهر من يخدعونك ﴿حَكِيمٌ﴾ ينصر من يتبعونك

стр. 1763

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) ﴿يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ الواو بمعنى مع وما بعده منصوب والمعنى كفاك وكفى اتبعاك من المؤمنين الله ناصراً ويجوز أن يكون في محل الرفع أى كفاك الله وكافك أتباعك من المؤمنين قيل أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت

стр. 1764

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) ﴿يا أيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ التحريض المبالغة في الحث على الأمر من الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفي على الموت ﴿إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الذين كَفَرُواْ﴾ هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته بخلاف من يقاتل على بصيرة وهو يرجو النصر من الله قيل كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة ثم ثقل عليهم ذلك فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين بقوله

стр. 1765

الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ ضعفا عاصم وحمزة والمراد الضعف فى البدن ﴿فَإِن

стр. 1766

يَكُن مِّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ﴾ بالياء فيهما الأنفال (٦٦ _ ٦٨) كوفي وافقه البصري في الأولى والمراد الضعف في البدن ﴿يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين﴾ وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين قبل التخفيف وبعده للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة لا تتفاوت إذ الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين

стр. 1767

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صح له ولا استقام ﴿أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ أَن تَكُونَ بصري ﴿حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ الإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه من الثخانة وهى الغلط والكثافة يعنى حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر ثم الأسر بعد ذلك روى أن رسول الله ﷺ أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل فاستشار النبي ﵇ أبا بكر فيهم فقال قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك وقال عمرو رضى الله عنه كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء مكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم فقال ﵇ مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم حيث قال وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غفور رحيم ومثلك يا عمر كمثل نوح حيث قال رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين ديارا ثم قال رسول الله ﷺ لهم إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم فقالوا بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد فلما أخذوا الفداء نزلت الآية ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾ متاعها يعني الفداء سماه عرضا لقلة بقائه وسرعة فناءه

стр. 1768

﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ أي ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل ﴿والله عَزِيزٌ﴾ يقهر الأعداء ﴿حَكِيمٌ﴾ في عتاب الاولياء

стр. 1769

لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) ﴿لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله﴾ لولا حكم من الله ﴿سَبَقَ﴾ أن لا يعذب أحداً على العلم بالاجتهاد وكان هذا اجتهاد منهم لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد وخفي عليهم إن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم أو ما كتب الله في اللوح أن لا يعذب أهل بدر أو كان لا يؤاخذ قبل البيان والإعذار وفيما ذكر من الاستشارة دلالة على جواز الاجتهاد فيكون حجة على منكرى القياس كتاب مبتدأ ومن الله صفته أي لولا كتاب ثابت من الله وسبق صفة أخرى له وخبر المبتدأ محذوف أي لولا كتاب بهذه الصفة فى الوجود وسبق لا يجوز أن يكون خبراً لأن لولا لا يظهر خبرها أبداً ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لنالكم وأصابكم ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من فداء الأسرى ﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ روي أن عمر رضى الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه الأنفال (٦٩ _ ٧٢) وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه وروي أنه ﵇ قال لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ لقوله كان الإثخان في القتل أحب إليّ

стр. 1770

فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ رُوي أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها فنزلت وقيل هو إباحة للفداء لأنه من جملة الغنائم والفاء للتسبيب والسبب محذوف ومعناه قد أحللت لكم الغنائم فكلوا ﴿حلالا﴾ مطلقاً

стр. 1771

عن العتاب والعقاب من حل العقال وهو نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً ﴿طَيِّباً﴾ لذيذاً هنيئاً أو حلالاً بالشرع طيباً بالطبع ﴿واتقوا الله﴾ فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ﴾ لما فعلتم من قبل ﴿رَّحِيمٌ﴾ بإحلال ما غنمتم

стр. 1772

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) ﴿يا أيها النبي قُل لّمَن فِي أَيْدِيكُم﴾ في ملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم ﴿مِّنَ الاسرى﴾ جمع أسير من الأسارى أبو عمرو جمع أسرى ﴿إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ خلوص إيمان وصحة نية ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ من الفداء إما أن يخلفكم في الدنيا أضعفاه أو يثيبكم في الآخرة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ رُوي أنه قدم على رسول الله ﷺ مال البحرين ثمانون ألفاً فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله وكان يقول هذا خير مما أخذ منى وأرجوا المغفرة وكان له عشرون عبداً وإن أدناهم ليتجر في عشرين ألفاً وكان يقول أنجز الله أحد الوعدين وأنا على ثقة من الآخر

стр. 1773

وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) ﴿وَإِن يُرِيدُواْ﴾ أي الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ﴾ نكث ما بايعوك عليه من الإسلام بالردة أو منع ما ضمنوه من الفداء ﴿فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ فأمكنك منهم أي أظفرك بهم كما رأيتم يوم بدر فسيمكن منهم إن عادوا إلى الله الخيانة ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بالمال ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما أمر في الحال

стр. 1774

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) ﴿إن الذين آمنوا وَهَاجَرُواْ﴾ من مكة حباً لله ورسوله ﴿وجاهدوا بأموالهم

стр. 1775

وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ هم المهاجرون ﴿والذين آووا وَّنَصَرُواْ﴾ أي آووهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار ﴿أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أى يتولى بعضهم بعضا الأنفال (٧٢ _ ٧٤) في الميراث وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة بالنصرة دون ذوي القرابات حتى نسخ ذلك بقوله وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ وقيل أراد به النصرة والمعاونة ﴿والذين آمنوا وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ من مكة ﴿مَا لَكُم مّن ولايتهم﴾ من توليهم فى الميراث ولا يتهم حمزة وقيل هما واحد ﴿مّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ فكان لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر ممن آمن وهاجر ولما أبقى للذين لم يهاجروا اسم الإيمان وكانت الهجرة فريضة فصاروا بتركها مرتكبين كبيرة دل أن صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان ﴿وَإِنِ استنصروكم﴾ أي من أسلم ولم يهاجر ﴿فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر﴾ أي إن وقع بينهم وبين الكفار قتال وطلبوا معونة فواجب عليكم أن تنصروهم على الكافرين ﴿إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ﴾ فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم لأنهم لا يبتدئون بالقتال إذ الميثاق مانع من ذلك ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تحذير عن تعدي حد الشرع

стр. 1776

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) ﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ظاهره إثبات الموالاة بينهم ومعناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار وموارثتهم وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم وإن كانوا أقارب وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضاً ثم قال ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ﴾ أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولى بعضهم بعضاً حتى في التوارث تفضيلاً لنسبة الإسلام على نسبة القرابة ولم تجعلوا قرابة الكفار كلا قرابة ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ تحصل فتنة في الأرض

стр. 1777

ومفسدة عظيمة لأن المسلمين ما لم يصيروا يداً واحدة على الشرك كان الشرك ظاهراً والفساد زائداً

стр. 1778

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا وَّنَصَرُواْ أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى ﴿لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لامنة فيه ولا تنغيص ولا تكرار لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم مع الوعد الكريم والأولى للأمر بالتواصل

стр. 1779

وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) ﴿والذين آمنوا مِن بَعْدُ﴾ يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة ﴿وهاجروا وجاهدوا﴾ الأنفال (٧٤ _ ٧٥) ﴿معكم فأولئك منكم﴾ جعلهم منهم تفضيلا وترغيبا ﴿وأولو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ وأولوا القرابات أولى بالتوارث وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة ﴿فِي كتاب الله﴾ فى حكمه وقسمته أو فى اللوح أو في القرآن وهو آية المواريث وهو دليل لنا على توريث ذوي الأرحام ﴿أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه قسم الناس أربعة أقسام قسم آمنوا وهاجروا وقسم آمنوا ونصروا وقسم آمنوا ولم يهارجروا وقسم كفروا ولم يؤمنوا

стр. 1780

سورة التوبة مدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية كوفي ومائة وثلاثون غيره التوبة (١) مقدمة لها أسماء التوبة المقشقشة المبعثرة المشردة المخزية الفاضحة المثيرة الحافرة المنكلة المدمدمة لأن فيها التوبة على المؤمنين وهى تقشقش من النفاق أى تبرئ منه وتبعثر عن أسرار المنافقين وتبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشردهم وتخزيهم وتدمدم عليهم وفي ترك التسمية في ابتدائها أقوال فعن على وابن عباس رضى الله عنهم أن بسم الله أمان وبراءة نزلت لرفع الامان وعن عثمان رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه سورة أو آية قال اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا وتوفى رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أين نضعها وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال لأن فيها ذكر العهود وفي براءة نبذ العهود فلذلك قرنت بينهما وكانتا تدعيان القرينتين وتعدان السابعة من الطوال وهي سبع وقيل اختلف أصحاب رسول الله ﷺ فقال بعضهم الأنفال وبراءة سورة واحدة نزلت في القتال وقال بعضهم هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من قال هما سورتان وتركت بسم الله لقول من قال هما سورة واحدة

стр. 1781

بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) ﴿بَرَاءةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة ﴿من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ من لابتداء الغاية متعلق بمحذوف وليس بصلة كما فى قولك برئت من الدين أي هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم كما تقول كتاب من فلان إلى فلان أو مبتدأ لتخصيصها بصفتها والخبرالى الذين عَاهَدْتُمْ كقولك رجل من بني تميم فى الدار والمعنى أن الله ورسوله التوبة (٢ _ ٣) قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين وأنه منبوذ إليهم

стр. 1782

فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) ﴿فَسِيحُواْ فِى الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ فسيروا في الأرض كيف شئتم والسيح السير على مهل روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم فنكثوا إلا ناسا منهم وهم بنوا ضمرة وبنو كنانة فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا ولا يتعرض لهم وهي الأشهر الحرم في قوله فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد وأمر رسول الله ﷺ أبا بكر على موسم سنة تسع ثم أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال لا يؤدّي عني إلا رجل مني فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ فلما لحقه قال أمير أو مأمور قال مأمور فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحثهم على مناسكهم وقام عليّ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال يا أيها الناس إني رسول الله إليكم فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه

стр. 1783

ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف والأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم أو عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر وكانت حرما لأنهم اومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم أو على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها والجمهور على إباحة القتال في الأشهر الحرم وأن ذلك قد نسخ ﴿واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله﴾ لا تفوتونه وإن أمهلكم ﴿وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين﴾ مذلهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب

стр. 1784

وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) ﴿وَأَذّان مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس﴾ ارتفاعه كارتفاع بَرَاءةٌ على الوجهين ثم الجملة معطوفة على مثلها والأذان بمعنى الإيذان وهو الإعلام كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء والفرق بين الجملة الأولى والثانية أن الأولى إخبار بثبوت البرءاة والثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت وإنما علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهدو من لم يعاهدوا من نكث من المعاهدين ومن لم ينكث ﴿يَوْمَ الحج الأكبر﴾ يوم عرفة لأن الوقوف بعرفة معظم أفعال الحج أو يوم النحر لأن فيه تمام الحج من الطواف والنحر والحلق والرمي ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر ﴿أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين﴾ أي التوبة (٣ _ ٥) بأن الله حذفت صلة الأذان تخفيفاً ﴿وَرَسُولُهُ﴾ عطف على المنوي في بَرِيء أو على الابتداء وحذف الخبر أي ورسوله بريء وقرىء بالنصب عطفا على اسم إن والجر على الجوار أو على القسم كقولك لعمرك وحكى أن اعاربيا سمع رجلاً يقرؤها فقال إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر فحكى الاعرابى قراءة فعندها أمر عمر بتعلم العربية ﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ من الكفر والغدر ﴿فَهُوَ﴾ أي التوبة

стр. 1785

﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من الأصرار على الكفر ﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن التوبة أو تبتم على التولي والإعراض عن الإسلام ﴿فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله﴾ غير سابقين الله ولا فائتين أخذه وعقابه ﴿وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مكان بشارة المؤمنين بنعيم مقيم

стр. 1786

إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) ﴿إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين﴾ استثناء من قوله فَسِيحُواْ فِى الأرض والمعنى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ من شروط العهد أي وفوا بالعهد ولم ينقضوه وقرىء لَمْ ينقضوكم أي عهدكم وهو أليق لكن المشهورة أبلغ لأنه في مقابلة التمام ﴿وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ ولم يعاونوا عليكم عدواً ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ فأدوه إليهم تاماً كاملاً ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ إلى تمام مدتهم والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوّي بين الفريقين فاتقوا الله في ذلك

стр. 1787

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ﴿فَإِذَا انسلخ﴾ مضى أو خرج ﴿الأشهر الحرم﴾ التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا ﴿فاقتلوا المشركين﴾ الذين نقضوكم وظاهروا عليكم ﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ من حل أو حرم ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وأسروهم والأخذ الأسر ﴿واحصروهم﴾ وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد ﴿واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كل ممر ومجتاز ترصدونهم به وانتصابه على الظرف ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ عن الكفر ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ فأطلقوا عنهم بعد الأسر

стр. 1788

والحصر أو فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم ﴿أَنَّ الله غَفُورٌ﴾ بستر الكفر والغدر بالإسلام ﴿رَّحِيمٌ﴾ برفع القتل قبل الاداء التوبة (٦ _ ٩) بالالتزام

стр. 1789

وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ﴾ أَحَدٌ مرتفع بفعل شرط مضمر يفسره الظاهر أي وإن استجارك أحد استجارك والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمّنه ﴿حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله﴾ ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر ﴿ثم أبلغه﴾ بعد ذلك ﴿مأمنه﴾ داره التى يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت وفيه دليل على أن المستأمن لا يؤذي وليس له الإقامة في دارنا ويمكن من العود ﴿ذلك﴾ أي الأمر بالإجارة في قوله فَأَجِرْهُ ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعوا إليه فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا أو يفهموا الحق

стр. 1790

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ كَيْفَ استفهام في معنى الاستنكار أي مستنكر أن يثبت لهؤلاء عهد فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم ثم استدرك ذلك بقوله ﴿إِلاَّ الذين عاهدتم﴾ أي ولكن الذين عاهدتم منهم ﴿عِندَ المسجد الحرام﴾ ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم ﴿فَمَا استقاموا لَكُمْ﴾ ولم يظهر منهم نكث أي فما أقاموا على وفاء العهد ﴿فاستقيموا لهم﴾ على الوفاء وما شرطية أي فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ يعني أن التربص بهم من أعمال المتقين
следующие страницы →