← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) ﴿إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين﴾ استثناء من قوله فَسِيحُواْ فِى الأرض والمعنى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ من شروط العهد أي وفوا بالعهد ولم ينقضوه وقرىء لَمْ ينقضوكم أي عهدكم وهو أليق لكن المشهورة أبلغ لأنه في مقابلة التمام ﴿وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ ولم يعاونوا عليكم عدواً ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ فأدوه إليهم تاماً كاملاً ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ إلى تمام مدتهم والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ يعني أن قضية التقوى أن لا يسوّي بين الفريقين فاتقوا الله في ذلك

стр. 1787

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ﴿فَإِذَا انسلخ﴾ مضى أو خرج ﴿الأشهر الحرم﴾ التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا ﴿فاقتلوا المشركين﴾ الذين نقضوكم وظاهروا عليكم ﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ من حل أو حرم ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وأسروهم والأخذ الأسر ﴿واحصروهم﴾ وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد ﴿واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كل ممر ومجتاز ترصدونهم به وانتصابه على الظرف ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ عن الكفر ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ فأطلقوا عنهم بعد الأسر

стр. 1788

والحصر أو فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم ﴿أَنَّ الله غَفُورٌ﴾ بستر الكفر والغدر بالإسلام ﴿رَّحِيمٌ﴾ برفع القتل قبل الاداء التوبة (٦ _ ٩) بالالتزام

стр. 1789

وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ﴾ أَحَدٌ مرتفع بفعل شرط مضمر يفسره الظاهر أي وإن استجارك أحد استجارك والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمّنه ﴿حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله﴾ ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر ﴿ثم أبلغه﴾ بعد ذلك ﴿مأمنه﴾ داره التى يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت وفيه دليل على أن المستأمن لا يؤذي وليس له الإقامة في دارنا ويمكن من العود ﴿ذلك﴾ أي الأمر بالإجارة في قوله فَأَجِرْهُ ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعوا إليه فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا أو يفهموا الحق

стр. 1790

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ كَيْفَ استفهام في معنى الاستنكار أي مستنكر أن يثبت لهؤلاء عهد فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم ثم استدرك ذلك بقوله ﴿إِلاَّ الذين عاهدتم﴾ أي ولكن الذين عاهدتم منهم ﴿عِندَ المسجد الحرام﴾ ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم ﴿فَمَا استقاموا لَكُمْ﴾ ولم يظهر منهم نكث أي فما أقاموا على وفاء العهد ﴿فاستقيموا لهم﴾ على الوفاء وما شرطية أي فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ يعني أن التربص بهم من أعمال المتقين

стр. 1791

كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد وحذف الفعل لكونه معلوماً أى كيف يكون لهم عهدو حالهم أنهم إن يظهروا عليكم أي يظفروا بكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق ﴿لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ﴾ لا يراعوا حلفاً ولا قرابة ﴿وَلاَ ذِمَّةً﴾ عهداً ﴿يُرْضُونَكُم بأفواههم﴾ بالوعد بالإيمان والوفاء بالعهد وهو كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد ﴿وتأبى قُلُوبُهُمْ﴾ الإيمان والوفاء بالعهد ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون﴾ ناقضون العهد أو متمردون فى الكفر لامروءة تمنعهم عن الكذب ولا شمائل تردعهم عن النكث كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التفادى عنها

стр. 1792

اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) ﴿اشتروا﴾ استبدلوا ﴿بآيات الله﴾ بالقرآن ﴿ثمنا قليلا﴾ عرضا يسيرا التوبة (٩ _ ١٣) وهو إتباع الأهواء والشهوات ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم ﴿إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي بئس الصنيع صنيعهم

стр. 1793

لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ ولا تكرار لأن الأول على الخصوص حيث قال فيكُمْ والثاني على العموم لأنه قال فِى مُؤْمِنٍ ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون﴾ المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة

стр. 1794

فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ عن الكفر ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم﴾ فهم إخوانكم على حذف المبتدأ ﴿فِى الدين﴾ لا في النسب ﴿وَنُفَصّلُ الأيات﴾ ونبينها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يفهمون فيتفكرون فيها وهذا اعتراض كأنه قيل وإن من تأمل تفصيلها فهو العالم تحريضاً على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين وعلى المحافظة عليها

стр. 1795

وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أي نقضوا العهود المؤكدة بالأيمان ﴿وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ﴾ وعابوه ﴿فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر﴾ فقاتلوهم فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم وهم رؤساء الشرك أو زعماء قريش الذين هموا بإخراج الرسول وقالوا إذا طعن الذمي فى دين الإسلام طعنا ظاهر اجاز قتله لأن العهد معقود معه على ألا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة أَئِمَّةَ بهمزتين كوفي وشامي الباقون بهمزة واحدة غير ممدودة بعدها ياء مكسورة أصلها أأممة لأنها جمع إمام كعماد وأعمدة فنقلت حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة وأدغمت في الميم الأخرى فمن حقق الهمزتين أخرجهما على الأصل ومن قلب الثانية ياء فلكسرتها ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ وإنما أثبت لهم الإيمان في قوله وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم لأنه أراد أيمانهم التي أظهروها ثم قال لا إيمان لَهُمْ على الحقيقة وهو دليل لنا على أن يمين الكافر لا تكون يمينا ومعناه عند الشافعى ﵀ أنهم لا يوفون با لأن يمينهم يمين عنده حيث وصفها بالنكث لا أيمان شامي أي لا إسلام ﴿لَعَلَّهُمْ ينتهون﴾ متعلق بفقاتلوا أئمة الكفر وما بينهما اعتراض أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم انتهاءهم عما هم عليه بعد ما وجد منهم من العظائم وهذا من غاية كرمه على المسيء

стр. 1796

أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) ثم حرض على القتال فقال ﴿أَلاَ تقاتلون قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم﴾ التي حلفوها في المعاهدة ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾ من مكة ﴿وهم بدؤوكم أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالقتال والبادىء أظلم فما يمنعكم من أن تقاتلوهم وبخهم بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها من التوبة (١٣ _ ١٧) نكث العهد واخرج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب

стр. 1797

﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ توبيخ على الخشية منهم ﴿فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ بأن تخشوه فقاتلوا أعداءه ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فاخشوه أي إن قضية الإيمان الكامل أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه

стр. 1798

قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) ولما وبخهم الله على ترك القتال جردلهم الأمر به بقوله ﴿قاتلوهم﴾ ووعدهم النصر ليثبت قلوبهم وتصح نياتهم بقوله ﴿يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ﴾ قتلاً ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ أسراً ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ يغلّبكم عليهم ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ طائفة منهم وهم خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1799

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لما لقوا منهم من المكروه وقد حصل الله هذه المواعيد كلها فكان دليلاً على صحة نبوته ﴿وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء﴾ ابتداء كلام وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وكان ذلك أيضاً فقد أسلم ناس منهم كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وهي ترد على المعتزلة قولهم إن الله تعالى شاء أن يتوب على جميع الكفرة لكنهم لا يتوبون باختيارهم ﴿والله عَلِيمٌ﴾ يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان ﴿حَكِيمٌ﴾ في قبول التوبة

стр. 1800

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ﴾ أم منقطعة والهمزة فيها للتوبيخ على وجود الحسبان أي لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين المخلص منكم وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً﴾ أي بطانة من الذين يضادون رسول الله ﷺ والمؤمنين ولما معناها التوقع وقد دلت على أن تبين ذلك

стр. 1801

متوقع كائن وأن الذين لم يخلصوا دينهم لله يميز بينهم وبين المخلصين وَلَمْ يَتَّخِذُواْ معطوف على جاهدوا داخل في حيز الصلة كأنه قيل ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كقولك ما علم الله مني ما قيل فيّ تريد ما وجد ذلك مني والمعنى أحسبتم أن تتركوا بلا مجاهدة ولا براءة من المشركين ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من خير أو شر فيجازيكم عليه

стр. 1802

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صح لهم وما استقام ﴿أن يعمروا مساجد الله﴾ مسجد الله مكي وبصري يعني المسجد الحرام وإنما التوبة (١٧ _ ١٩) جمع في القراءة بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد ولأن كل بقعة منه مسجد أو أريد جنس المساجد وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس وهو آكد إذ طريقه طريق الكناية كما تقول فلان لا يقرأ كتب الله فإنه أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك ﴿شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ باعترافهم بعبادة الأصنام وهو حال من الواو في يَعْمُرُواْ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم وَفِى النار هُمْ خالدون﴾ دائمون

стр. 1803

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله﴾ عمارتها رمُّ ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا لأنها بنيت للعبادة والذكر ومن الذكر درس العلم ﴿من آمن بالله واليوم الأخر﴾ ولم يذكر الإيمان بالرسول ﵇ لما علم أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول لاقترانهما في الأذان والإقامة وكلمة الشهادة وغيرها أو دل عليه بقوله ﴿وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾ وفي

стр. 1804

قوله ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله﴾ تنبيه على الإخلاص والمراد الخشية في أبواب الدين بألآ لا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف إذ المؤمن قد يخشى المحاذير ولا يتمالك ألا يخشاها وقيل كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم ﴿فعسى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين﴾ تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم لأن عَسَى كلمة إطماع والمعنى إنما تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتداً بها عند الله دون من سواهم

стр. 1805

أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ آمن بالله واليوم الأخر وجاهد فِى سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين﴾ السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية ولا بد من مضاف محذوف تقديره أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله وقيل المصدر بمعنى الفاعل يصدقه قراء ابن الزبير سقاة الحاج وعمارة المسجد الحرام والمعنى إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين وأعمالهم المحيطة بأعمالهم المثبتة وأن يسوي بينهم وجعل تسويتهم ظلماً بعد ظلمهم بالكفر لأنهم وضعوا المدح والفخر في غير موضعهما نزلت جواباً لقول العباس حين أسر فطفق على رضى الله عنه يوبخه بقتال رسول الله ﷺ وقطيعة الرحم تذكر التوبة (٢٠ _ ٢٥) مساوينا وتدع محاسننا فقيل أولكم محاسن فقال نعمر المسجد ونسقي الحاج ونفك العاني وقيل افتخر العباس بالسقاية وشيبة بالعمارة وعلى رضى الله عنه بالإسلام والجهاد فصدق الله تعالى علياً

стр. 1806

الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) ﴿الذين آمنوا وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ﴾ أولئك ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله﴾ من أهل السقاية والعمارة ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون﴾ لا أنتم المختصون بالفوز دونهم

стр. 1807

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) ﴿يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم﴾ يُبْشُرهم حمزة ﴿بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان وجنات﴾ تنكير المبشر به لوقوعه وراء صفة الواصف وتعريف المعرف ﴿لَّهُمْ فِيهَا﴾ في الجنات ﴿نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ دائم

стр. 1808

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) ﴿خالدين فِيهَا أَبَداً إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا ينقطع

стр. 1809

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) لما أمر الله النبي ﵇ بالهجرة جعل الرجل يقول لابنه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه ومنهم من تتعلق به زوجته أو ولده فيقول تدعنا بلا شيء فنضيع فيجلس معهم ويدع الهجرة فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أَوْلِيَاء إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان﴾ أي آثروه واختاروه ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ﴾ أي ومن يتول الكافرين ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون﴾

стр. 1810

قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) ﴿قل إن كان آباؤكم وَأَبْنَاؤُكُمْ وإخوانكم وأزواجكم وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ أقاربكم وعشيراتكم أبو بكر ﴿وأموال اقترفتموها﴾ اكتسبتموها ﴿وتجارة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ فوات وقت نفاقها ﴿ومساكن تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ﴾ وهو عذاب عاجل أو عقاب آجل أو فتح مكة ﴿والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين﴾ والآية تنعي على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين إذ لا تجد عند أورع الناس ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والأموال والحظوظ

стр. 1811

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ كوقعة بدر وقريظة والنضير والحديبية التوبة (٢٥ _ ٢٨) وخيبر وفتح مكة وقيل إن المواطن التي نصر الله فيها النبي ﵇ والمؤمنين ثمانون موطناً ومواطن الحرب مقاماتها ومواقفها ﴿وَيَوْمَ﴾ أي واذكروا يوم ﴿حُنَيْنٍ﴾ وادٍ بين مكة والطائف كانت فيه الواقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفاً وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف فلما التقوا قال رجل من المسلمين لن نغلب اليوم من قلة فساءت رسول الله ﵊ ﴿إِذْ﴾ بدل من يَوْمٍ ﴿أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ فأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة وزل عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة وبقي رسول الله ﷺ وحده وهو ثابت في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذاً بلجام دابته وأبو سفيان بن الحرث ابن عمه آخذاً بركابه فقال للعباس صح بالناس وكان صيتنا فنادى يا أصحاب الشجرة فاجتمعوا وهم يقولون لبيك لبيك ونزلت الملائكة عليهم الثياب البيض على خيول بلق فأخذ رسول الله ﷺ كفأ من تراب فرماهم به ثم قال انهزموا ورب الكعبة فانهزموا وكان من دعائه ﵇ يومئذ اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وهذا دعاء موسى ﵇ يوم انفلاق البحر ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ﴾ ما مصدرية والباء بمعنى مع أي مع رُحبها وحقيقته ملتبسة برحبها على أن الجار والمجرور في موضع الحال كقولك دخلت عليه بثياب السفر أى ملتبسابها والمعنى لم تجدوا موضعاً لفراركم عن أعدائكم فكأنها ضاقت عليكم ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ ثم انهزمتم

стр. 1812

ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ﴿ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ﴾ رحمته التي سكنوا بها وأمنوا ﴿على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يعني الملائكة وكانوا ثمانية آلاف أو خمسة آلاف أو ستة عشر ألفاً ﴿وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ﴾ بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري ﴿وذلك جَزَاء الكافرين﴾

стр. 1813

ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) ﴿ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَاءُ﴾ وهم الذين أسلموا منهم ﴿والله غَفُورٌ﴾ بستر كفر العدو بالإسلام ﴿رَّحِيمٌ﴾ بنصر الولى بعد الانهزام

стр. 1814

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) ﴿يا أيها الذين آمنوا إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ﴾ أي ذوو نجس وهو مصدر يقال نجس نجسا وقذر وقذرا لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام﴾ فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ وهو عام تسع من الهجرة التوبة (٢٨ _ ٣٠) حين أمر أبو بكر رضى الله عنه على الموسم ويكون المراد من نهي القربان النهى عن الحج والعمرة وهو من مذهبنا ولا يمنعون دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندنا وعند الشافعى ﵀ يمنعون عن المسجد الحرام خاصة وعند مالك يمنعون منه ومن غيره وقيل نهى المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين عن الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من الإرفاق والمكاسب ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ من الغنائم أو المطر والنبات أو من متاجر حجيج

стр. 1815

الإسلام ﴿إِن شَاءَ﴾ هو تعليم لتعليق الأمور بمشيئة الله تعالى لتنقطع الآمال إليه ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ﴾ بأحوالكم ﴿حَكِيمٌ﴾ في تحقيق آمالكم أو عليم بمصالح العباد حكيم فيما تحكم وأراد ونزل في أهل الكتاب

стр. 1816

قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) ﴿قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ لأن اليهود مثنيّة والنصارى مثلثة ﴿وَلاَ باليوم الأخر﴾ لأنهم فيه على خلاف ما يجب حيث يزعمون أن لا أكل في الجنة ولا شرب ﴿وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ﴾ لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة أو لا يعملون بما في التوراة والإنجيل ﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق﴾ ولا يعتقدون دين الإسلام الذي هو الحق يقال فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده ﴿مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ بيان للذين قبله وأما المجوس فملقحون بأهل الكتاب في قبول الجزية وكذا الترك والهنود وغيرهما بخلاف مشركي العرب لما رُوي الزهري أن النبي ﵇ صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية﴾ إلى أن يقبلوها وسميت جزية لأنه يجب على أهلها أن يجزوه أي يقضوه أو هي جزاء على الكفر على التحميل في تذليل ﴿عَن يَدٍ﴾ أي عن يدٍ موانية غير ممتنعة ولذا قالوا أعطى بيده إذا انقاد وقالوا انزع يده عن الطاعة أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة لا مبعوثاً على يدٍ أحد ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ ﴿وَهُمْ صاغرون﴾ أي تؤخذ منهم على الصغار والذل وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس وأن يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلبيه ويقال له أدِّ الجزية يا ذمي وإن

стр. 1817

كان يؤديها ويزخ في قفاه وتسقط بالإسلام

стр. 1818

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) ﴿وَقَالَتِ اليهود﴾ كلهم أو بعضهم ﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ مبتدأ وخبر كقوله ﴿المسيح ابن الله﴾ وعزير اسم أعجمي ولعجمته وتعريفه امتنع صرفه ومن نون وهم عاصم وعلي فقد جعله عربياً ﴿وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم﴾ التوبة (٣٠ _ ٣٤) أي قول لا يعضده برهان ولا يستند إلى بيان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ عن معنى تحته كالألفاظ المهملة ﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ لابد فيه من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً يعني أن الذين كانوا فى عهد رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم يعني أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث أو الضمير للنصارى أي يضاهي قولهم المسيح ابن الله قول اليهود عُزَيْرٌ ابن الله لأنهم أقدم منهم يضاهئون عاصم وأصل المضاهاة المشابهة والأكثر ترك الهمز واشتقاقه من قولهم امرأة ضهياء وهي التي أشبهت الرجال بأنها لا تحيض كذا قاله الزجاج ﴿قاتلهم الله﴾ أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا ﴿أنى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحق بعد قيام البرهان

стр. 1819

اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) ﴿اتخذوا﴾ أي أهل الكتاب ﴿أحبارهم﴾ علماءهم ﴿ورهبانهم﴾ نساكهم ﴿أَرْبَابًا﴾ آلهة ﴿مِّن دُونِ الله﴾ حيث أطاعوهم في

стр. 1820

تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كما يطاع الأرباب في أوامرهم ونواهيهم ﴿والمسيح ابن مَرْيَمَ﴾ عطف على أحبارهم أي اتخذوه رباً حيث جعلوه ابن الله ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا﴾ يجوز الوقف عليه لأن ما بعده يصلح ابتداء ويصلح وصفا لواحد ﴿لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه له عن الإشراك

стр. 1821

يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد ﷺ بالتكذيب يحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى من الإشراق ليطفئه بنفخه أجرى ويأبى الله مجرى لاَ يُرِيدُ الله ولذا وقع فى مقابلة يريدون وإلا لا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيداً

стр. 1822

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) ﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمداً ﵇ ﴿بالهدى﴾ بالقرآن ﴿وَدِينِ الحق﴾ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ على أهل الأديان كلهم أو ليظهر دين الحق على كل دين ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾

стр. 1823

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) ﴿يا أيها الذين آمنوا إنَّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس﴾ استعار التوبة (٣٤ _ ٣٦) الأكل للأخذ ﴿بالباطل﴾ أي بالرشا في الأحكام ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ سفلتهم ﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ دينه ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على

стр. 1824

اجتماع خصلتين ذميمتين فيهم أخذ الرشا وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين ويقرن بينهم وبين المرتشين من أهل الكتاب تغليظا وعن االنبى ﷺ ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً وما بلغ أن يزكي فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً ولقد كان كثير من الصحابة رضى الله عنهم كعبد الرحمن بن عوف وطلحة يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل والاقتناء مباح لا يذم صاحبه ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ الضمير راجع إلى المعنى لأن كل واحد منهما دنانير ودراهم فهو كقوله ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ أو اريد الكنوز والاموال أو معناه ولا ينفقونها والذهب كما أن معنى قوله ... فإني وقيار بها لغريب ... وقيار كذلك وخصا بالذكر من بين سائر الأموال لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء وذكر كنزهما دليل على ما سواهما ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾

стр. 1825

يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) ومعنى قوله ﴿يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أن النار تحمي عليها أي توقد وإنما ذكر الفعل لأنه مسند إلى الجار والمجرور أصله يوم تحمى النار عليها فلما حذفت النار قيل يحمى لانتقال الإسناد عن النار إلى عليها كما تقول رفعت القصة إلى الأمير فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير ﴿فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ وخصت هذه الأعضاء لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه
следующие страницы →