Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)
﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد ﷺ بالتكذيب يحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى من الإشراق ليطفئه بنفخه أجرى ويأبى الله مجرى لاَ يُرِيدُ الله ولذا وقع فى مقابلة يريدون وإلا لا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيداً
стр. 1822
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)
﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمداً ﵇ ﴿بالهدى﴾ بالقرآن ﴿وَدِينِ الحق﴾ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ على أهل الأديان كلهم أو ليظهر دين الحق على كل دين ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾
стр. 1823
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)
﴿يا أيها الذين آمنوا إنَّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس﴾ استعار
التوبة (٣٤ _ ٣٦)
الأكل للأخذ ﴿بالباطل﴾ أي بالرشا في الأحكام ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ سفلتهم ﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ دينه ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على
стр. 1824
اجتماع خصلتين ذميمتين فيهم أخذ الرشا وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين ويقرن بينهم وبين المرتشين من أهل الكتاب تغليظا وعن االنبى ﷺ ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً وما بلغ أن يزكي فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً ولقد كان كثير من الصحابة رضى الله عنهم كعبد الرحمن بن عوف وطلحة يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل والاقتناء مباح لا يذم صاحبه ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ الضمير راجع إلى المعنى لأن كل واحد منهما دنانير ودراهم فهو كقوله ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ أو اريد الكنوز والاموال أو معناه ولا ينفقونها والذهب كما أن معنى قوله ... فإني وقيار بها لغريب ...
وقيار كذلك وخصا بالذكر من بين سائر الأموال لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء وذكر كنزهما دليل على ما سواهما ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
стр. 1825
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)
ومعنى قوله ﴿يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أن النار تحمي عليها أي توقد وإنما ذكر الفعل لأنه مسند إلى الجار والمجرور أصله يوم تحمى النار عليها فلما حذفت النار قيل يحمى لانتقال الإسناد عن النار إلى عليها كما تقول رفعت القصة إلى الأمير فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير ﴿فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ وخصت هذه الأعضاء لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه
стр. 1826
وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم أو معناه يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم ﴿هذا ما كنزتم لأنفسكم﴾ يقال لهم هذه ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وما علمتم انكم كنزتموه لتستضربه أنفسكم وهو توبيخ ﴿فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي وبال المال الذي كنتم تكنزونه أو وبال كونكم كانزين
стр. 1827
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً﴾ من غير زيادة والمراد بيان أن أحكام الشرع تبتنى على الشهور القمرية المحسوبة بالأهلة دون الشمسية
التوبة (٣٦ _ ٣٨)
﴿فِي كتاب الله﴾ فيما أثبته وأوجبه من حكمه أو في اللوح ﴿يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ثلاثة سرد ذو القعدة للقعود عن القتال وذو الحجة للحج والمحرم لتحريم القتال فيه وواحد فرد وهو رجب لترجيب العرب إياه أي لتعظيمه ﴿ذلك الدين القيم﴾ أي الدين المستقيم لا ما يفعله أهل الجاهلية يعني أن تحريم الأربعة الأشهر هو الدين المستقيم ودين إبراهيم وإسماعيل وكانت العرب تمسكت به فكانوا يعظمونها ويحرمون القتال فيها حتى أحدثت النسيء فغيروا ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ﴾ في الحرم أو في الاثني عشر ﴿أَنفُسَكُمْ﴾ بارتكاب المعاصي ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً﴾ حال من الفاعل أو المفعول ﴿كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً﴾ جميعاً ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ أي ناصر لهم حثهم على التقوى بضمان النصرة لاهلها
стр. 1828
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)
﴿إنما النسيء﴾ بالهمزة مصدر نساءه إذا أخره وهو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة فيحلونه ويحرمون
стр. 1829
مكانه شهراً آخر حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم فكانوا يحرمون من بين شهور العام أربعة أشهر ﴿زِيَادَةٌ فِي الكفر﴾ أي هذا الفعل منهم زيادة في كفرهم ﴿يُضَلُّ﴾ كوفي غير أبي بكر ﴿بِهِ الذين كَفَرُواْ﴾ بالنسيء والضمير في ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ للنسيء أى إذا احلوا شهرا من الأشهرعاما رجعوا فحرموه في العام القابل ﴿لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله﴾ ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين واللام تتعلق بيحلونه ويحرمونه او بيحرمونه فحسب وهو الظاهر ﴿فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله﴾ أي فيحلوا بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص ما حرم الله من القتال أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سوء أعمالهم﴾ زين لهم الشيطان ذلك فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ حال اختيارهم الثبات على الباطل
стр. 1830
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)
﴿يا أيها الذين آمنوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا﴾ اخرجوا ﴿فِى سَبِيلِ الله اثاقلتم﴾ تثاقلتم وهو أصله إلا أن التاء أدغمت فى التاء
التوبة (٣٨ _ ٤٠)
فصارت ثاء ساكنة قد خلت ألف الوصل لئلا يبتدأ بالساكن أي تباطأتم ﴿إِلَى الأرض﴾ ضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بالى أي ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه أو ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم وكان ذلك في غزوة تبوك استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليهم ذلك وقيل ما خرج رسول الله ﷺ في غزوة إلاّ ورّي عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة ﴿أَرَضِيتُم بالحياة
стр. 1831
الدنيا مِنَ الآخرة﴾ بدل الآخرة ﴿فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة﴾ في جنب الآخرة ﴿إلا قليل﴾
стр. 1832
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ﴾ إلى الحرب ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدراين وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوما آخرين خير منهم وأطوع وأنه غني عنهم في نصرة دينه لا يقدح تثاقلهم فيها شيئاً وقيل الضمير في وَلاَ تَضُرُّوهُ للرسول ﵇ لأن الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره ووعده كائن لا محالة ﴿والله على كُلّ شَيْءٍ﴾ من التبديل والتعذيب وغيرهما ﴿قدير﴾
стр. 1833
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾ إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد فدل بقوله فَقَدْ نَصَرَهُ الله على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كفروا﴾ أسند الإخراج إلى الكفار لأنهم حيث هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج فكأنهم أخرجوه ﴿ثَانِيَ اثنين﴾ أحد اثنين كقوله ثالث ثلاثة وهما رسول الله وأبو بكر وانتصابه على الحال ﴿إِذْ هُمَا﴾ بدل من إِذْ أَخْرَجَهُ ﴿فِي الغار﴾ هو نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة مكثاً فيه ثلاثاً ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدل ثانٍ ﴿لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ بالنصرة والحفظ قيل طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله ﷺ فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال ﵇ ماظنك باثنين الله ثالثهما
стр. 1834
وقيل لما دخل الغار بعث الله حمامتين فباضنتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله ﷺ اللهم أعم أبصارهم فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون قد أخذ الله بأبصارهم عنه وقالوا من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لإنكاره كلام الله وليس ذلك لسائر الصحابة ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ﴾ ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون
التوبة (٤٠ _ ٤٣)
إليه ﴿عليه﴾ على النبى ﷺ أو على أبي بكر لأنه كان يخاف وكان ﵇ ساكن القلب ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ هم الملائكة صرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه أو أيده بالملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي دعوتهم إلى الكفر ﴿السفلى وَكَلِمَةُ الله﴾ دعوته إلى الإسلام ﴿هِىَ﴾ فصل ﴿العليا﴾ وَكَلِمَةُ الله بالنصب يعقوب بالعطف والرفع على الاستئناف أوجه إذ هي كانت ولم تزل عالية ﴿والله عَزِيزٌ﴾ يعز بنصره أهل كلمته ﴿حَكِيمٌ﴾ يذل أهل الشرك بحكمته
стр. 1835
انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)
﴿انفروا خِفَافًا﴾ في النفور لنشاطكم له ﴿وَثِقَالاً﴾ عنه لمشقته عليكم أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتها أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه أو ركباناً ومشاة أو شباباً وشيوخاً أو مهازيل وسمانا أو صحاحا ومرضا ﴿وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ﴾ إيجاب للجهاد بهما إن إمكن أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة ﴿فِي سَبِيلِ الله ذلكم﴾ الجهاد ﴿خَيْرٌ
стр. 1836
لَّكُمْ﴾ من تركه ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كون ذلك خيراً فبادروا إليه ونزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين
стр. 1837
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا﴾ هو ما عرض لك من منافع الدنيا يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر أي لو كان مادعوا إليه مغنماً ﴿قَرِيبًا﴾ سهل المأخذ ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ وسطاً مقارباً والقاصد والقصد المعتدل ﴿لاَّتَّبَعُوكَ﴾ لوافقوك في الخروج ﴿ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة﴾ المسافة الشاطة الشاقة ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ من دلائل النبوة لأنه أخبر بما سيكون بعد القفول فقالوا كما اخبر وبالله متعلق بسيحلفون أو هو من جملة كلامهم والقول مراد في الوجهين أي سيحلفون يعني المتخلفين عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين يقولون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم أو سيحلفون بالله يقولون لو استطعنا وقوله لخرجنا سد مسد جوابى القسم ولو جميعاً ومعنى الاستطاعة استطاعة العدة أو استطاعة الأبدان كأنهم تمارضوا ﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ بدل من سَيَحْلِفُونَ أو حال منه أي مهلكين والمعنى أنهم يهلكونها بالحلف الكاذب أو حال من لَخَرَجْنَا أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها على المسير في تلك الشقة ﴿والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون﴾ فيما يقولون
стр. 1838
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)
﴿عفا الله عنك﴾ كناية من الزلة لأن العفو رادف لها
التوبة (٤٣ _ ٤٧)
وهو من لطف العتاب بتصدير العفو في الخطاب وفيه دلالة فضله على سائر الأنبياء ﵈ حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء ﵈ ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ بيان لما كنى عنه بالعفو ومعناه مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلّوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالإذن ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين﴾ يتبين لك الصادق في العذر من الكاذب فيه
стр. 1839
وقيل شيئان فعلهما رسول الله ﷺ ولم يؤمر بهما إذنه للمنافقين وأخذه الفدية من الأسارى فعاتبه الله وفيه دليل جواز الاجتهاد للأنبياء ﵈ لأنه ﵇ إنما فعل ذلك بالاجتهاد وإنما عوتب مع أن له ذلك لتركه الأضفل وهم يعاتبون على ترك الأفضل
стр. 1840
لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر أَن يجاهدوا﴾ ليس من عادة المؤمنين أن يستأذوك في أن يجاهدوا ﴿بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ والله عَلِيمٌ بالمتقين﴾ عدة لهم بأجزل الثواب
стр. 1841
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾ يعني المنافقين وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً ﴿وارتابت قُلُوبُهُمْ﴾ شكوا في دينهم واضطربوا في عقيدتهم ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ يتحيرون لأن التردد ديدن المتحير كما أن الثبات ديدن المستبصر
стр. 1842
وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)
﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأَعَدُّواْ لَهُ﴾ للخروج أو للجهاد ﴿عدة﴾ اهبة لأنهم كانوا مياسير للغزو ولما كان وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم قيل ﴿ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾ نهوضهم للخروج كأنه قيل ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والتثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه ﴿وَقِيلَ اقعدوا﴾ أي قال بعضهم لبعض أو قاله الرسول ﵇ غضباً عليهم أو قاله الشيطان بالوسوسة ﴿مَعَ القاعدين﴾ هو ذم لهم وإلحاق بالنساء والصبيان والزمني الذين شأنهم القعود في البيوت
стр. 1843
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)
﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ﴾ بخروجهم معكم ﴿إِلاَّ خَبَالاً﴾ إلا فساداً وشراً والاستثناء متصل لأن المعنى مازادوكم شيئاً إلا خبالاً والاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقولك مازادوكم خيراً إلا خبالاً والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الشيء فكان استثناء متصلاً لأن الخبال بعضه ﴿ولأَوْضَعُواْ خلالكم﴾
ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين يقال وضع البعير وضعاً إذا أسرع وأوضعته أنا والمعنى ولأوضعوا ركائبهم بينكم والمراد الإسراع بالنمائم لأن الراكب أسرع من الماشي وخط في المصحف وَلاَ أوضعوا بزيادة الألف لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً وفتحها ألفاً أخرى ونحوه اولا أذبحنه ﴿يبغونكم﴾ حال من الضمير فى أوضعوا ﴿الفتنة﴾ أي يطلبون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلافة فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم ﴿وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ﴾ أي نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم ﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ بالمنافقين
стр. 1844
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)
﴿لَقَدِ ابتغوا الفتنة﴾ بصد الناس أو بأن يفتكوا به ﵇ ليلة العقبة أو بالرجوع يوم أحد ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل غزوة تبوك ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور﴾ ودبروا لك الحيل والمكايد ودوّروا الآراء في إبطال أمرك ﴿حتى جَاءَ الحق﴾ وهو تأييدك ونصرك ﴿وَظَهَرَ أمر الله﴾ وغلب دينه وعلاشرعه ﴿وَهُمْ كارهون﴾ أي على رغم منهم
стр. 1845
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّي﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت أولا تلقني في
стр. 1846
الهلكة فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي وقيل قال الجد بن قيس المنافق قد علمت الأنصار إني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم ولكني أعينك بمالي فاتركني ﴿أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ﴾ يعني أن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ الآن لأن أسباب الإحاطة معهم أو هي تحيط بهم يوم القيامة
стр. 1847
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)
﴿إِن تُصِبْكَ﴾ في بعض الغزوات حَسَنَةٌ ظفر وغنيمة ﴿تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ نكبة وشدة في بعضها نحو ما جرى يوم أحد ﴿يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل ما وقع ﴿وَيَتَوَلَّواْ﴾ عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم ﴿وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾ مسرورون
стр. 1848
قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا﴾ أي قضى من خير أو شر ﴿هُوَ مولانا﴾ أي الذي يتولانا ونتولاه ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله
стр. 1849
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)
﴿قل هل تربصون بنا﴾
التوبة (٥٢ _ ٥٥)
تنتظرون بنا ﴿إِلا إِحْدَى الحسنيين﴾ وهما النصرة والشهادة ﴿ونحن نتربص بكم﴾ إحدى السوأيين إما ﴿أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ﴾ وهو قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود ﴿أَوْ﴾ بعذاب ﴿بِأَيْدِينَا﴾ وهو القتل على الكفر ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ بنا ما ذكرنا
стр. 1850
﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾ ما هو عاقبتكم
стр. 1851
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣)
﴿قُلْ أَنفِقُواْ﴾ في وجوه البر ﴿طَوْعاً أَوْ كرها﴾ طائعين أو مكروهين نصب على الحال كَرْهاً حمزة وعلي وهو أمر في معنى الخبر ومعناه ﴿لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ أنفقتم طوعاً أو كرهاً ونحوه استغفر لهم أولا تستغفر لهم وقوله ... أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت ...
أي لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ولا نلومك أسأت إلينا أو أحسنت وقد جاز عكسه في قولك رحم الله زيداً ومعنى عدم القبول أنه ﵇ يردها عليهم ولا يقبلها أو لا يثيبها الله وقوله طَوْعاً أي من غير إلزام من الله ورسوله وكرها أي ملزمين وسمي الإلزام إكراهاً لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه ﴿إِنَّكُمْ﴾ تعليل الرد إنفاقهم ﴿كُنتُمْ قَوْماً فاسقين﴾ متمردين عاتين
стр. 1852
وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم﴾ وبالياء حمزة وعلي ﴿إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ أنهم فاعل منع وهم وأن تُقْبَلَ مفعولاه أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم ﴿بالله وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى﴾ جمع كسلان ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارهون﴾ لأنهم لا يريدون بهما وجه الله تعالى وصفهم بالطوع في قوله ﴿طَوْعاً﴾ وسلبه عنهم ههنا لأن المراد بطوعهم أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله ﷺ أو من رؤسائهم وما طوعهم ذلك إلا عن كراهة واضطرار لا عن رغبة واختيار
стр. 1853
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)
﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا﴾ الإعجاب بالشيء أن تسربه سرور راضٍ به متعجب من حسنه والمعنى
стр. 1854
فلا تستحسن ما أوتوا من زينة الدنيا فإن الله إنما أعطاهم ما أعطاهم ليعذبهم بالمصائب فيها أو بالإنفاق منه في أبواب الخير وهم كارهون له أو بنهب أموالهم وسبىء اولادهم أو يجمعها
التوبة (٥٥ _ ٦٠)
وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها وكل هذا عذاب ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون﴾ وتخرج أرواحهم وأصل الزهوق الخروج بصعوبة ودلت الآية على بطلان القول بالأصلح لأنه أخبر أن إعطاء الاموال والأولاد لهم للتعذيب والأمانة على الكفر وعلى إرادة الله تعالى المعاصي لأن إرادة العذاب بإرادة ما يعذب عليه وكذا إرادة الإماتة على الكفر
стр. 1855
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)
﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ لمن جملة المسلمين ﴿وَمَا هُم مّنكُمْ ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يخافون القتل وما يفعل بالمشركين فيتظاهرون بالإسلام تقية
стр. 1856
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)
﴿لو يجدون ملجأ﴾ مكاناً يلجئون إليه متحصنين من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة ﴿أَوْ مغارات﴾ أو غيراناً ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ أو نفقاً يندسون فيه وهو مفتعل من الدخول ﴿لَّوَلَّوَاْ إِلَيْهِ﴾ لأقبلوا نحوه ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون إسراعاً لا يردهم شيء من الفرس الجموح
стр. 1857
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)
﴿وَمِنْهُمُ﴾ ومن المنافقين ﴿مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ إذا للمفاجأة أي وإن لم يعطوا منها فاجئوا السخط وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين وما فيه صلاح أهله لأنه ﵇ استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون منه
стр. 1858
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)
﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ جواب لو محذوف تقديره ولو أنهم رضوا لكان خيراً لهم والمعنى ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم وقالوا كفانا فضل الله وصنعه وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا غنيمة اخرى فيؤتنيا رسول الله ﷺ أكثر مما آتانا اليوم إنا إلى الله فى أن يغنمنا ويخولنا فضله الراغبون
стр. 1859
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)
ثم بين مواضعها التي توضع فيها فقال ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء والمساكين﴾ قصر جنس الصدقات على الأصناف المعدودة أي هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم كأنه قيل إنما هي لهم لا لغيرهم كقولك إنما الخلافة لقريش تريد لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها وأن تصرف إلى بعضها كما هو مذهبنا وعن
التوبة (٦٠ _ ٦١)
حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم قالوا في أي صنف منها وضعتها أجزأك وعند الشافعى ﵀ لا بد من صرفها إلى الأصناف وهو المروي عن عكرمة ثم الفقير الذي لا يسأل لأن عنده ما يكفيه للحال والمسكين الذي يسأل لأنه لا يجد شيئاً فهو أضعف حالا منه وعند الشافعى ﵀ على العكس ﴿والعاملين عليها﴾ هم السعاة الذين يقبضونها ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ على الإسلام أشراف من العرب كان رسول الله ﷺ يتألفهم على أن يسلموا وقوم منهم أسلموا فيعطيهم تقريراً لهم على الإسلام ﴿وَفِي الرقاب﴾ وهم المكاتبون يعانون منها ﴿والغارمين﴾ الذين ركبتهم الديون ﴿وَفِي سَبِيلِ الله﴾ فقراء الغزاة أو الحجيج المنقطع بهم ﴿وابن السبيل﴾ المسافر المنقطع عن ماله وعدل عن اللام إلى الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم
стр. 1860
ممن سبق ذكره لأنه في للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيها الصدقات عليهم ممن سبق ذكره لأن في للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع ويجعلوا مظنة لها وتكرير فى قوله فى سبيل الله وابن السبيل فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين وإنما وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ليدل بكون هذه الاصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم حسماً لأطماعهم وإشعاراً بأنهم بعداء عنها وعن مصارفها فما لهم ومالها وما سلطهم على التكلم فيها ولمن قاسمها وسهم المؤلفة قلوبهم سقط بإجماع الصحابة فى صدر خلافة أبى بكر رضى الله عنه لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم والحكم متى ثبت معقولاً لمعنى خاص يرتفع وينتهي بذهاب ذلك المعنى ﴿فَرِيضَةً مّنَ الله﴾ في معنى المصدر المؤكد لأن قوله إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ معناه فرض الله الصدقات لهم ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بالمصلحة ﴿حَكِيمٌ﴾ في القسمة
следующие страницы →