← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) ﴿وَلِلَّهِ المشرق والمغرب﴾ أي بلاد المشرق والمغرب كلها له وهو مالكها ومتوليها ﴿فَأَيْنَمَا﴾ شرط ﴿تَوَلُّوْاْ﴾ مجزوم به أي ففي أي مكان فعلتم التولية يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره والجواب ﴿فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ أي جهته التي أمر بها ورضيها والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان ﴿إِنَّ الله واسع عَلِيمٌ﴾ أي وهو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده وهو عليم بمصالحهم وعن ابن عمر رضى الله عنهما نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت وقيل عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذرواهو حجة على الشافعى ﵀ فيما إذا استدبر وقيل فأينما تولوا للدعاء والذكر

стр. 212

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) ﴿وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا﴾ يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزير ابن الله قالوا شامي فإثبات الواو باعتبار أنه قصة معطوفة على ما قبلها وحذفه باعتبار أنه استئناف قصة أخرى ﴿سبحانه﴾ تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي هو خالقه ومالكه ومن جملته المسيح وعزير والولادة تنافي الملك ﴿كُلٌّ لَّهُ قانتون﴾ منقادون البقرة (١١٧ _ ١١٩) لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه أى كل مافى

стр. 213

السموات والأرض أو كل من جعلوه لله ولداً له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا اليهم وجاء بما الذى لغير اولى العلم من قوله قانتون كقوله سبحان ما سخركن لنا

стр. 214

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ أي مخترعهما ومبدعهما لا على مثال سبق وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له أبدعت ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة مبتدع لأنه يأتي في دين الإسلام ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضى الله عنهم ﴿وَإِذَا قضى أَمْرًا﴾ أي حكم أو قدر ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هو من كان التامة أي أحدث فيحدث وهذا مجاز عن سرعة التكوين وتمثيل ولا قول ثُمَّ وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أن المأمور المطبع الذى يؤمر فيمتثل ولا يكون منه إباء وأكد بهذا استبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدر كانت صفاته مباينة لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثمّ والوجه الرفع في فيكون وهو قراءة العامة على الاستئناف أي فهو يكون أو على العطف على يقول ونصبه ابن عامر على لفظ كن لأنه أمر وجواب الأمر بالفاء نصب وقلنا إن كن ليس بأمر حقيقة إذ لا فرق بين أن يقال وإذا قضى أمرا فإنما يكونه فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون وإذا كان كذلك فلا معنى للنصب وهذا لأنه لو كان أمراً فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب بكن أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب

стр. 215

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ من المشركين أو من أهل الكتاب ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به ﴿لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله﴾ هلا يكلمنا كما يكلم

стр. 216

الملائكة وكلم موسى استكباراً منهم وعتوا ﴿أو تأتينا آية﴾ جحود الآن يكون ما اتاهم من آيات الله واستهانه بها ﴿كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تشابهت قُلُوبُهُمْ﴾ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي لقوم ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها

стр. 217

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) ﴿إِنَّا أرسلناك بالحق بَشِيرًا﴾ للمؤمنين بالثواب ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين بالعقاب ﴿ولا تسأل عَنْ أصحاب الجحيم﴾ ولا نسألك عنهم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلّغت وبلغت جهدك فى دعوتهم وهو حال كنذير أو بشير أو بالحق أى وغير مسئول أو مستأنف قراءة نافع ولا تسئل عن النهى ومعناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب كما تقول كيف فلان سائلاً عن الواقع في بلية فيقال لك لا تسأل البقرة (١٢٠ _ ١٢٤) عنه وقيل نهى الله نبيه عن السؤال عن أحوال الكفرة حين قال ليت شعري ما فعل أبواي

стр. 218

وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) ﴿وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ كأنهم قالوا لن ترضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا إقناطاً منهم لرسول الله عن دخولهم فى الإسلام فذكر الله كلامهم ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله﴾ الذي رضي لعباده ﴿هُوَ الهدى﴾ أي الإسلام وهو الهدى كله ليس وراءه هدى والذي تدعون إلى اتباعه ما هو هدى إنما هو هوى ألا ترى إلى قوله ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم﴾ أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ﴿بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم﴾ أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين المعلوم

стр. 219

صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة ﴿ما لك مِنَ الله﴾ من عذاب الله ﴿مِن وَلِيّ ولا نصير﴾ ناصر

стр. 220

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) ﴿الذين﴾ مبتدأ ﴿آتيناهم الكتاب﴾ صلته وهم مؤمنو أهل الكتاب وهو التوراة والإنجيل أو أصحاب النبي ﵇ والكتاب القرآن ﴿يَتْلُونَهُ﴾ حال مقدرة من هم لأنهم لم يكونوا تالين له وقت إيتائه ونصب على المصدر ﴿حق تلاوته﴾ أى يقرءونه حق قراءته في الترتيل وأداء الحروف والتدبر والتفكر أو يعملون به ويؤمنون بما فى مضمونه ولا يغيرون ما فيه من نعت النبي ﷺ ﴿أولئك﴾ مبتدأ خبره ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ والجملة خبر الذين ويجوز أن يكون يتلونه خبراً والجملة خبر آخر ﴿وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾ حيث اشتروا الضلالة بالهدى

стр. 221

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي أنعمتها عليكم ﴿وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ وتفضيلي إياكم على عالمي زمانكم

стр. 222

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) ﴿واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ هم رفع بالابتداء والخبر ينصرون والجمل الأربع وصف ليوما أي واتقوا يوماً لا تجزى فيه ولا يقبل فيه ولا ينفعها فيه ولا هم ينصرون فيه وتكرير هاتين الآيتين لتكرار المعاصي منهم وختم قصة بني إسرائيل بما بدأ به

стр. 223

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) ﴿وَإِذْ﴾ أي واذكر إذ ﴿ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات﴾ اختبره بأوامر ونواه والاختبار منه لظهور مالم نعلم ومن الله لإظهار ما قد علم وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعاً فلذا تجوز إضافته إلى الله

стр. 224

تعالى وقيل اختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اختبار أحد الأمرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك وقرأ أبو حنيفة رضى الله عنه إبراهيم ربه البقرة (١٢٤ _ ١٢٥) برفع إبراهيم وهى قراءة ابن عباس رضى الله عنهما أي دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أم لا ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي قام بهن حق القيام وأدّاهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ ونحوه وإبراهيم الذى وفى ومعناه فى قراءة ابى حنيفة ﵀ فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً والكلمات على هذا ما سأل إبراهيم ربه في قوله رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا واجعلنا مسلمين لك وابعث فيهم رسولا منهم ربنا تقبل منا والكلمات على القراءة المشهورة خمس في الرأس الفرق وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق وخمس فى الجسد الختان وتقليم الأظافار ونتف الإبط وحلق العانة والاستنجاء وعن ابن عباس رضى الله عنهما هي ثلاثون سهماً من الشرائع عشر في براءة التائبون الآية وعشر في الأحزاب إِنَّ المسلمين والمسلمات الآية وعشر فى المؤمنين والمعارج إلى قوله يُحَافِظُونَ وقيل هي مناسك الحج ﴿قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ هو اسم

стр. 225

من يؤتم به أي يأتمون بك في دينهم ﴿قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى﴾ أي واجعل من ذريتي إماماً يقتدى به ذرية الرجل أولاده ذكورهم وإناثهم فيه سواء فعيلة من الذرئ أي الخلق فأبدلت الهمزة ياء ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ بسكون الياء حمزة وحفص أي لا تصيب الإمامة أهل الظلم من ولدك أي أهل الكفر أخبر أن إمامة المسلمين لا تثبت لأهل الكفر وأن من أولاده المسلمين والكافرين قال الله تعالى ﴿وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لنفسه﴾ مبين والمحسن المؤمن والظالم الكافر قالت المعتزلة هذا دليل على أن الفاسق ليس بأهل للإمامة قالوا وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر من استرعى الذئب ظلم ولكنا نقول المراد بالظالم الكافر هنا إذ هو الظالم المطلق وقيل إنه سأل أن يكون ولده نبياً كما كان هو فأخبر أن الظالم لا يكون نبيا

стр. 226

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت﴾ أي الكعبة وهو اسم غالب لها كالنجم للثريا ﴿مَثَابَةً لّلنَّاسِ﴾ مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه ﴿وَأَمْناً﴾ وموضع أمن فإن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج وهو دليل لنا فى المتجىء إلى الحرم ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى﴾ وقلنا أتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه وعنه ﵇ أنه أخذ بيد عمر فقال هذا مقام إبراهيم فقال عمر أفلا نتخذه مصلى فقال ﵇ لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت وقيل مصلى مدعى ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه

стр. 227

أثر قدميه وقيل الحرم كله مقام إبراهيم واتخذوا شامي ونافع بلفظ الماضي عطفاً على جعلنا أى واتخد الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها ﴿وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل﴾ أمرناهما ﴿أَن طَهّرَا بَيْتِىَ﴾ بفتح الياء مدني وحفص أي بأن طهرا أو أي طهرا والمعنى طهراه من الأوثان والخبائث والأنجاس كلها البقرة (١٢٥ _ ١٢٨) ﴿للطائفين﴾ للدائرين حوله ﴿والعاكفين﴾ المجورين الذين عكفوا عنده أي أقاموا لا يبرحون أو المعتكفين وقيل للطائفين للنزّاع إليه من البلاد والعاكفين والمقيمين من أهل مكة ﴿والركع السجود﴾ والمصلين جمعاً راكع وساجد

стр. 228

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) ﴿وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِ اجعل هذا﴾ أي اجعل هذا اليلد أو هذا المكان ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ ذا أمن كعيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك ليل نائم فهذا مفعول أول وبلدا مفعول ثان وآمنا صفة له ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ لأنه لم يكن لهم ثمرة ثم أبدل من آمن منهم بالله واليوم الآخر من أهل بدل البعض من الكل أي وارزق المؤمنين من أهله خاصة قاس الرزق على الإمامة فخص المؤمنين به قال الله تعالى جواباً له ﴿قال وَمَن كَفَرَ﴾ أي وارزق من كفر ﴿فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً﴾ تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً إلى حين أجله فأمتعه شامي ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ ألجئه ﴿إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير﴾ المرجع الذي يصير إليه النار فالمخصوص بالذم محذوف

стр. 229

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ﴾ حكاية حال ماضية ﴿إبراهيم القواعد﴾ هي جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة ومعناها الثابتة ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ﴿مِنَ البيت﴾ بيت الله وهو الكعبة

стр. 230

﴿وإسماعيل﴾ هو عطف على إبراهيم وكان إبراهيم يبنى واسمعيل يناوله الحجارة ﴿رَبَّنَا﴾ أي يقولان ربنا وهذا الفعل في محل النصب على الحال وقد أظهره عبد الله فى قراءته ومعناه برفعانها قائلين ربنا ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ تقربنا إليك ببناء هذا البيت ﴿إِنَّكَ أَنتَ السميع﴾ لدعائنا ﴿العليم﴾ بضمائرنا ونياتنا وفي إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام تفخيم لشأن المبين

стр. 231

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ مخلصين لك أو جهنا من قوله أسلم وجهه لله أو مستسلمين يقال أسلم له واستسلم إذا خضع وأذعن والمعنى زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك ﴿وَمِن ذُرّيَّتِنَا﴾ واجعل من ذريتنا ﴿أُمَّةً مُّسْلِمَةً لك﴾ ومن للتبعيض أو للنبيين وقيل أراد بالأمة أمة محمد ﵇ وإنما خصا بالدعاء ذريتهما لأنهم أولى بالشفقة كقوله تعالى ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ منقول من رأى بمعنى أبصر أو عرف ولذا لم يتجاوز مفعولين أي وبصرنا متعبداتنا في الحج أو عرفناها وواحد المناسك منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ولهذا قيل للعابد ناسك وأرنا مكي قاسه على فخذ فى فخذ وأبو عمر ويشم الكسرة ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ ما فرط منا من التقصير البقرة (١٢٨ _ ١٣٢) أو استتاباً لذريتهما ﴿إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم﴾

стр. 232

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ﴾ في الأمة المسلمة ﴿رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ من أنفسهم فبعث الله فيهم محمداً ﵇ قال ﵇ أنا دعوة ابى إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا امى ﴿يتلو عَلَيْهِمْ آياتك﴾ يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل وحدانيتك

стр. 233

وصدق أنبيائك ورسلك ﴿وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب﴾ القرآن ﴿والحكمة﴾ السنة وفهم القرآن ﴿وَيُزَكّيهِمْ﴾ ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز﴾ الغالب الذي لا يغلب ﴿الحكيم﴾ فيما أوليت

стр. 234

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم﴾ استفهام بمعنى الجحد وإنكار أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم والملة السنة والطريقة كذا عن الزجاج ﴿إِلاَّ مَنْ﴾ في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب وصح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك هل جاءك أحد إلا زيد والمعنى وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه فوضع سفه موضع جهل وعدي كما عدي أو معناه سفه في نفسه فحذف في كما حذف من في قوله واختار موسى قومه أي من قومه وعلى في قوله وَلا تعزموا عقدة النكاح أي على عقدة النكاح والوجهان عن الزجاج وقال الفراء هو منصوب على التمييز وهو ضعف لكونه معرفة ﴿وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ بيان الخطأ رأي من يرغب عن ملته لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة فى طريقته منه

стр. 235

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) ﴿إذ قال﴾ ظرف لاصطفيناه وانتصب بإضمار اذكر كأنه قيل اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب من ملة مثله ﴿لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أذعن أو اطلع أو أخلص دينك لله ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾ أى أخلصت اوانقدت

стр. 236

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) ﴿ووصى﴾ وأوصى مدني وشامي ﴿بِهَا﴾ بالملة أو بالكلمة وهي أسلمت لرب العالمين ﴿إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ هو معطوف على إبراهيم داخل في حكمه والمعنى ووصى بها يعقوب بنيه أيضاً ﴿يَا بَنِىَّ﴾

стр. 237

على إضمار القول ﴿إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين﴾ أي أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام ووفقكم للأخذ به ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال البقرة (١٢٣ _ ١٣٦) الإسلام إذا ماتوا كقولك لا تصلّ إلا وأنت خاشع فلا تنهاه عن الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته

стр. 238

أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ أو منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين يعقوب ﵇ إذ حضره الموت أي حين احتضر والخطاب للمؤمنين بمعنى ما شهدتم ذلك إنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي أو متصله ويقدر قبلها محذوف والخطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون ما مات نبي إلا على اليهودية كأنه قيل أتدّعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ﴿إذ قال﴾ يدل من إذ الأولى والعامل فيهما شهداء أو ظرف لحضر ﴿لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ما استفهام في محل النصب بتعبدون أى أى شيء تعبدون وما عام في كل شيء أو هو سؤال عن صفة المعبود كما تقول ما زيد تريد أفقيه أم طبيب ﴿مِن بَعْدِى﴾ من بعد موتي ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ﴾ أعيد ذكر الإله لئلا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار ﴿إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾ عطف بيان لآبائك وجعل إسماعيل من جملة آبائه وهو عمه لأن العم أب قال ﵇ في العباس هذا بقية آبائي ﴿إلها واحدا﴾ بدل من إله آبائك كقوله بالناصية ناصية كاذبة أو نصب على الاختصاص أي نريد بإله آبائك إلهاً واحداً ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

стр. 239

حال من فاعل نعبد أو جملة معطوفة على نعبد أو جملة اعتراضية مؤكدة

стр. 240

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون ﴿أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم﴾ أي إن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لا فتخار هم بآبائهم ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ ولا تؤاخذون بسيآتهم

стр. 241

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى﴾ أي قالت اليهود كونوا هوداً وقالت النصارى كونوا نصارى وجزم ﴿تَهْتَدُواْ﴾ لأنه جواب الأمر ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم﴾ بل نتبع ملة إبراهيم ﴿حَنِيفاً﴾ حال من المضاف إليه نحو رأيت وجه هند قائمة والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ تعريض بأهل الكتاب وغيرهم لأن كلاًّ منهم يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك

стр. 242

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) ﴿قُولُواْ﴾ هذا خطاب للمؤمنين أو للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل ﴿آمَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ أي القرآن ﴿وما أنزل إلينا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط﴾ السبط الحافد وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله ﷺ والأسباط حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر ويعدى أنزل بالى وعلى فلذا ورد هنا بالى وفى آل عمران بعلى ﴿وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى وأحد في معنى الجماعة ولذا صح دخول بين عليه ﴿وَنَحْنُ لَهُ مسلمون﴾ لله مخلصون

стр. 243

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم بِهِ فَقَدِ اهتدوا﴾ ظاهر الآية مشكل لأنه يوجب أن يكون الله تعالى مثل وتعالى عن ذلك فقيل الباء زائدة ومثل صفة مصدر محذوف تقديره فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم والهاء يعود إلى الله وزيادة الباء غير عزيز قال الله تعالى والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها والتقدير جزاء سيئة مثلها كقوله في الآية الاخرى وجزاء سيئة سيئة مثلها وقيل المثل زيادة أي فإن آمنوا بما آمنتم به يؤيده قراءة ابن مسعود رضى الله عنه بما آمنتم به وما بمعنى الذي بدليل قراءة أبي بالذي آمنتم به وقيل الباء للاستعانة كقولك كتبت بالقلم أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها ﴿وإن تَوَلَّوْا﴾ عما تقولون لهم ولم ينصفوا أو إن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها ﴿فإنّما هم في شقاقٍ﴾ أي فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله﴾ ضمان من الله لإظهار رسوله عليهم وقد أنجز وعده بقتل بعضهم وإجلاء بعضهم ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين ﴿وَهُوَ السميع﴾ لما ينطقون به ﴿العليم﴾ بما يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه فهو وعيد لهم أو وعد لرسول الله ﷺ أى بسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك

стр. 244

صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) ﴿صِبْغَةَ الله﴾ دين الله وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله آمنا بالله وهي فعلة من صيغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانياً حقا فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم قولوا آمنا بالله وصبغنا الله

стр. 245

بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة كقولك لمن يغرس الأشجار إغرس كما يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرام ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾ البقرة (١٣٨ _ ١٤١) تمييز أي لا صبغة أحسن من صبغته يريد الدين أو التطهير ﴿وَنَحْنُ لَهُ عابدون﴾ عطف على آمنا بالله وهذا العطف يدل على أن قوله صبغة الله داخل في مفعول قولوا آمنا أي قولوا هذا وهذا ونحن له عابدون ويردّ قول من زعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه والقول ما قالت حذام

стр. 246

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ﴾ أي أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وربكم﴾ نشترك جميعاً في أننا عباده وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده ﴿وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم﴾ يعني أن العمل هو أساس الأمر وكما أن لكم أعمالاً فلنا كذلك ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي نحن له موحدون نخلصه بالإيمان وأنتم به مشركون والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالنبوة من غيره

стр. 247

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالتاء شامي وكوفي غير أبي بكر وأم على هذا معادلة للهمزة في أتحاجوننا يعني أي الأمرين تأتون المحاجة في حكم الله أم إدعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء أو منقطعة أى بل أيقولون غيرهم بالياء وعلى هذا لا تكون الهمزة إلا منقطعة ﴿إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى﴾ ثم أمر نبيه ﵇ أن

стр. 248

يقول مستفهماً راداً عليهم بقوله ﴿قل أأنتم أَعْلَمُ أَمِ الله﴾ يعني أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مسلما ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله﴾ أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادة الله لإبراهيم بالحنيفية والمعنى أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها أو أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد ﵇ بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته ومن في قوله من الله مثلها في قولك هذه شهادة مني لفلان إذا شهدت له في أنها صفة لها ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من تكذيب الرسل وكتمان الشهادة

стр. 249

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١) ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ كررت للتأكيد ولأن المراد بالأول الأنبياء عليهم البقرة (١٤٢ _ ١٤٣) السلام وبالثاني أسلاف اليهود والنصارى

стр. 250

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) ﴿سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس﴾ الخفاف الأحلام فأصل السفه الخفة وهم اليهود لكراهتمهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ أو المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء اوالمشركون لقولهم رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها والله ليرجعن إلى دينهم وفائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه توطين النفس إذ المفاجأة بالمكروه أشد وعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم فقيل الرمي يراش السهم ﴿مَا ولاهم﴾ ما صرفهم ﴿عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ يعنون بيت المقدس والقبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة لأن المصلي يقابلها ﴿قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب﴾ أى بلاد الشرق والمغرب والأرض كلها له ﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ من أهلها ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ طريق مستوٍ أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه
следующие страницы →