Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)
﴿لو يجدون ملجأ﴾ مكاناً يلجئون إليه متحصنين من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة ﴿أَوْ مغارات﴾ أو غيراناً ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ أو نفقاً يندسون فيه وهو مفتعل من الدخول ﴿لَّوَلَّوَاْ إِلَيْهِ﴾ لأقبلوا نحوه ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون إسراعاً لا يردهم شيء من الفرس الجموح
стр. 1857
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)
﴿وَمِنْهُمُ﴾ ومن المنافقين ﴿مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات﴾ يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ إذا للمفاجأة أي وإن لم يعطوا منها فاجئوا السخط وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين وما فيه صلاح أهله لأنه ﵇ استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون منه
стр. 1858
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)
﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ جواب لو محذوف تقديره ولو أنهم رضوا لكان خيراً لهم والمعنى ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم وقالوا كفانا فضل الله وصنعه وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا غنيمة اخرى فيؤتنيا رسول الله ﷺ أكثر مما آتانا اليوم إنا إلى الله فى أن يغنمنا ويخولنا فضله الراغبون
стр. 1859
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)
ثم بين مواضعها التي توضع فيها فقال ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء والمساكين﴾ قصر جنس الصدقات على الأصناف المعدودة أي هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم كأنه قيل إنما هي لهم لا لغيرهم كقولك إنما الخلافة لقريش تريد لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها وأن تصرف إلى بعضها كما هو مذهبنا وعن
التوبة (٦٠ _ ٦١)
حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم قالوا في أي صنف منها وضعتها أجزأك وعند الشافعى ﵀ لا بد من صرفها إلى الأصناف وهو المروي عن عكرمة ثم الفقير الذي لا يسأل لأن عنده ما يكفيه للحال والمسكين الذي يسأل لأنه لا يجد شيئاً فهو أضعف حالا منه وعند الشافعى ﵀ على العكس ﴿والعاملين عليها﴾ هم السعاة الذين يقبضونها ﴿والمؤلفة قُلُوبُهُمْ﴾ على الإسلام أشراف من العرب كان رسول الله ﷺ يتألفهم على أن يسلموا وقوم منهم أسلموا فيعطيهم تقريراً لهم على الإسلام ﴿وَفِي الرقاب﴾ وهم المكاتبون يعانون منها ﴿والغارمين﴾ الذين ركبتهم الديون ﴿وَفِي سَبِيلِ الله﴾ فقراء الغزاة أو الحجيج المنقطع بهم ﴿وابن السبيل﴾ المسافر المنقطع عن ماله وعدل عن اللام إلى الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم
стр. 1860
ممن سبق ذكره لأنه في للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيها الصدقات عليهم ممن سبق ذكره لأن في للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع ويجعلوا مظنة لها وتكرير فى قوله فى سبيل الله وابن السبيل فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين وإنما وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ليدل بكون هذه الاصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم حسماً لأطماعهم وإشعاراً بأنهم بعداء عنها وعن مصارفها فما لهم ومالها وما سلطهم على التكلم فيها ولمن قاسمها وسهم المؤلفة قلوبهم سقط بإجماع الصحابة فى صدر خلافة أبى بكر رضى الله عنه لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم والحكم متى ثبت معقولاً لمعنى خاص يرتفع وينتهي بذهاب ذلك المعنى ﴿فَرِيضَةً مّنَ الله﴾ في معنى المصدر المؤكد لأن قوله إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ معناه فرض الله الصدقات لهم ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بالمصلحة ﴿حَكِيمٌ﴾ في القسمة
стр. 1861
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)
﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ الأذن الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمى بالجارجة التي هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة وإيذاؤهم له هو قولهم فيه هُوَ أُذُنٌ قصدوا به المذمة وأنه من أهل سلامة القلوب والغرة ففسره الله تعالى بما هو مدح له وثناء عليه فقال ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ كقولك رجل صدق تريد الجودة والصلاح كأنه قيل نعم هو أذن ولكن نعم الأذن ويجوز أن يريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بأذان في غير ذلك ثم فسر كونه ﴿أذن خير﴾ بأنه ﴿يؤمن بالله﴾ أى يصدق لما قام عنده من الأدلة ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار وعدي فعل الإيمان بالباء إلى الله لأنه قصد به التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به وإلى المؤمنين باللام لأنه قصد السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم صادقين عنده ألا ترى إلى قوله وما أنت بمؤمن لنا كيف ينبىء عن الباء
التوبة (٦١ _ ٦٥)
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالعطف على
стр. 1862
أذن وَرَحْمَةٌ حمزة عطف على خَيْرٍ أي هو أذن خير وأذن رحمه لا يسمع غيرهم ولا يقبله ﴿للذين آمنوا منكم﴾ أى وهو رحمه للذين آمنوا منكم أي أظهروا الإيمان أيها المنافقون حيث يقبل إيمانكم الظاهر ولا يكشف أسراركم ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين أو هو رحمة للمؤمنين حيث استنقذهم من الكفر إلى الإيمان ويشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا ﴿والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدارين
стр. 1863
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)
﴿يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الخطاب للمسلمين وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن أو يتخلفون عن الجهاد ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم فقيل لهم ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة والوفاق وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسول الله فكانا في حكم شيء واحد كقولكم إحسان زيد وإجماله نعشني أو والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك
стр. 1864
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)
﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ﴾ أن الأمر والشأن ﴿مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ﴾ يجاوز الحد بالخلاف وهي مفاعلة من الحد كالمشاقة من الشق ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ على حذف الخبر أي فحق أن له ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذلك الخزي العظيم﴾
стр. 1865
يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)
﴿يَحْذَرُ المنافقون﴾ خبر بمعنى الأمر أي ليحذر المنافقون ﴿أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ تُنَزَّلَ بالتخفيف مكي وبصري ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ من الكفر والنفاق والضمائر للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم دليله قُلِ استهزءوا أو الأولان للمؤمنين والثالث للمنافقين وصح ذلك لأن المعنى يقود إليه ﴿قُلِ استهزؤوا﴾ أمر تهديد ﴿إِنَّ
стр. 1866
الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ مظهر ما كنتم تحذرونه أي تحذرون إظهاره من نفاقكم وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم وفي استهزائهم بالإسلام وأهله حتى قال بعضهم وددت أني قدّمت فجلدت مائة وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا
стр. 1867
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ بينا رسول الله ﷺ يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا أنظرونا إلى الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك فقال احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا يا نبى االله لا والله ماكنا
التوبة (٦٥ _ ٦٨)
في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابك ولكن كنا فى شيء مما يخوضن فيه الركب ليقصر مضنا على بعض السفر أي ولئن سألتهم وقلت لهم لم قلتم ذلك لقالوا إنما كنا نخوض ونلعب ﴿قل﴾ يا محمد ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون﴾ لم يعبأ باعتذارهم لأنهم كانوا كاذبين فيه فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم وبأنه موجود فيهم حتى وبخوا بإخطائهم موقع الاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير وذلك إنما يستقيم بعد ثبوت الاستهزاء
стр. 1868
لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)
﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ﴾ لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ قد أظهرتم كفركم باستهزائكم ﴿بَعْدَ إيمانكم﴾ بعد إظهاركم الإيمان ﴿إن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ﴾ بتوبتهم وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ مصرين على النفاق غير تائبين منه أَن يُعفَ تُعَذّبَ طَائِفَةٌ غير عاصم
стр. 1869
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)
﴿المنافقون والمنافقات﴾ الرجال المنافقون كانوا ثلثمائة والنساء
стр. 1870
المنافقات مائة وسبيعن ﴿بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ﴾ أي كأنهم نفس واحدة وفيه نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم فى قولهم ويحلفون بالله إنهم لمنكم وتقرير لقوله وما هم منكم ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين فقال ﴿يَأْمُرُونَ بالمنكر﴾ بالكفر والعصيان ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف﴾ عن الطاعة والإيمان ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ شحاً بالمبارّ والصدقات والإنفاق في سبيل الله ﴿نسوا الله﴾ تركوا امره أو غفلوا ذكره ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فتركهم من رحمته وفضله ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون﴾ هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير وكفى المسلم زاجراً أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف به المنافقون حين بالغ في ذمهم
стр. 1871
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)
﴿وَعَدَ الله المنافقين والمنافقات والكفار نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا﴾ مقدرين الخلود فيها ﴿هِىَ﴾ أي النار ﴿حَسْبُهُمْ﴾ فيه دلالة على عظم عذابها وأنه بحيث لا يزاد عليه ﴿وَلَعَنَهُمُ الله﴾ وأهانهم مع التعذيب وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ دائم معهم في العاجل لا ينفكون عنه وهو ما يقاسونه من تعب النفاق والظاهر المخالف للباطن خوفاً من المسلمين وما يحذرونه أبدا
التوبة (٦٩ _ ٧١)
من الفضحية ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم
стр. 1872
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)
الكاف في ﴿كالذين مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فَاسْتَمْتَعْتُمْ بخلاقكم كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بخلاقهم﴾ محلها رفع أي أنتم مثل الذين من قبلكم أو نصب على
стр. 1873
فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم وهو أنكم استمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلافهم أي تلذذوا بملاذ الدنيا والخلاق النصيب مشتق من الخلق وهو التقدير أي ما خلق للإنسان بمعنى قدر من خير ﴿وَخُضْتُمْ﴾ في الباطل ﴿كالذي خاضوا﴾ كالفوج الذى قاضوا أو كالخوض الذى خاضره والخوض الدخول في الباطل واللهو وإنما قدم فاستمتعوا بخلاقهم وقوله كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم مغن عنه ليذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم ﴿فأولئك حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة﴾ في مقابلة قوله وآتيناه أجره في الدنيا وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾
стр. 1874
أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)
ثم ذكر نبأ من قبلهم فقال ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ هو بدل من الذين ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إبراهيم وأصحاب مدين﴾ وأهل مدين هم قوم شعيب ﴿والمؤتفكات﴾ مدائن قوم لوط وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فما صح منه أن يظلمهم بإهلاكهم لأنه حكيم فلا يعاقبهم بغير جرم ﴿ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر وتكذيب الرسل
стр. 1875
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)
﴿والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ في التناصر والتراحم ﴿يَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ بالطاعة والإيمان ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ عن الشرك والعصيان ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ
стр. 1876
الله﴾ السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في سأنتقم منك يوماً ﴿إِنَّ الله عزيزٌ﴾ غالب على كل شيء قادر
التوبة (٧١ _ ٧٤)
عليه فهو يقدر على الثواب والعقاب ﴿حَكِيمٌ﴾ واضع كل موضعه
стр. 1877
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)
﴿وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً﴾ يطيب فيها العيش وعن الحسن ﵀ قصوراً من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد ﴿فِى جنات عَدْنٍ﴾ هو علم بدليل قوله جنات عدن التى وعد الرحمن وقد عرفت أن الذى والتى وضعا لوصف المعارف بالجمل وهي مدينة في الجنة ﴿ورضوان مّنَ الله﴾ وشيء من رضوان الله ﴿أَكْبَرُ﴾ من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما وعد أو إلى الرضوان ﴿هُوَ الفوز العظيم﴾ وحده دون ما يعده الناس فوزاً
стр. 1878
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)
﴿يا أيها النبى جاهد الكفار﴾ بالسيف ﴿والمنافقين﴾ بالحجة ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ في الجهادين جميعاً ولا تحابهم وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه يجاهد بالحجة وتستعمل معه الغلظة ما امكن منها ﴿ومأواهم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير﴾ جهنم
стр. 1879
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)
أقام رسول الله ﷺ في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه منهم الجلاس ابن سويد فقال والله لئن كان ما يقول محمدا حقا لإخواننا الذين خلفناهم وهم ساداتنا فنحن شر من الحمير فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس أجل والله إن محمداً صادق وأنت شر من الحمار وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاستحضر فحلف بالله ما قال فرفع عامر يده فقال اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق
стр. 1880
الصادق وتكذيب الكاذب فنزل ﴿يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر﴾ يعني إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمير أو هي استهزاؤهم فقال الجلاس يا رسول الله والله لقد قلته وصدق عامر فتاب الجلاس وحسنت توبته ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم﴾ وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام وفيه دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد لأنه قال وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ من قتل محمد ﵇ أو قتل عامر لرده على الجلاس وقيل أرادوا أن يتوجوا ابن أبي وإن لم يرض رسول الله ﷺ ﴿وما نقموا﴾ وما انكروا
التوبة (٧٤ _ ٧٧)
﴿وما نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وذلك أنهم حين قدم رسول الله ﷺ المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فآثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله ﷺ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ عن النفاق ﴿يك﴾ الثواب ﴿خَيْراً لَّهُمْ﴾ وهي الآية التي تاب عندها الجلاس ﴿وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ يصروا على النفاق ﴿يُعَذّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدنيا والأخرة﴾ بالقتل والنار ﴿وَمَا لَهُمْ فِى الأرض مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ينجيهم من العذاب
стр. 1881
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله﴾ روي أن ثعلبة بن حاطب قال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً فقال ﵇ يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه فراجعه وقال والذي بعثك بالحق لئن رزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه فدعا له فاتخذ غنماً فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة فنزل وادياً وانقطع عن الجمعة والجماعة فسأل عنه
стр. 1882
رسول الله ﷺ فقيل كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ فقال يا ويح ثعلبة فبعث رسول الله ﷺ مصدّقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسالاه الصدقة فقال ما هده إلا جزية وقال ارجعا حتى أرى رأيي فلمارجعا قال لهما رسول الله ﷺ قبل أن يكلماه يا ويح ثعلبة مرتين فنزلت فجاء ثعلبة بالصدقة فقال إن الله منعني أن أقبل منك فجعل التراب على رأسه فقبض رسول الله ﷺ فجاء بها إلى أبى بكر رضى الله عنه فلم يقبلها وجاء بها إلى عمر رضى الله عنه في خلافته فلم يقبلها وهلك في زمان عثمان رضى الله عنه ﴿لئن آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ أي المال ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لنخرجن الصدقة والأصل لنتصدقن ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين﴾ بإخراج الصدقة
стр. 1883
فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)
﴿فلما آتاهم مّن فَضْلِهِ﴾ أعطاهم الله المال ونالوا مناهم ﴿بَخِلُواْ بِهِ﴾ منعوا حق الله ولم يفوا بالعهد ﴿وَتَوَلَّواْ﴾ عن طاعة الله ﴿وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ مصرون على الإعراض
стр. 1884
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ﴾ فأورثهم البخل نفاقاً متمكناً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي جزاء فعلهم وهو يوم القيامة ﴿بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح وكونهم كاذبين ومنه جعل خلف
التوبة (٧٨ _ ٨٠)
الوعد ثلث النفاق
стр. 1885
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)
﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ يعني المنافقين ﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ سرهم﴾ أى ما أسروه من النفاق بالعزم على إخلاف ما وعدوه ﴿ونجواهم﴾ وما يتناجون به فيما بينهم
стр. 1886
من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها ﴿وَأَنَّ الله علام الغيوب﴾ فلا يخفى عليه شيء
стр. 1887
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)
﴿الذين﴾ محله النصب أو الرفع على الذم أو الجر على البدل من الضمير في سِرَّهُمْ ونجواهم ﴿يَلْمِزُونَ المطوعين﴾ يعيبون المطوعين المتبرعين ﴿من المؤمنين في الصدقات﴾ متعلق بيلمزون روى أن رسول االله ﷺ حث على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال كان لي ثمانية آلاف فأقرضت ربي أربعة وأمسكت أربعة لعيالي فقال ﵇ بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله له حتى صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً وتصدق عاصم بمائة وسق من تمر ﴿والذين﴾ عطف على المطوعين ﴿لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ طاقتهم وعن نافع جَهْدَهُمْ وهما واحد وقيل الجهد الطاقة والجهد المشقة وجاء أبو عقيل بصاعٍ من تمر فقال بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين فتركت صاعا لعيالى وجئت بصاع فلمزهم المتنافقون وقالوا ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء وأما صاع أبى عقيب فالله غني عنه ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ فيهزءون ﴿سَخِرَ الله مِنْهُمْ﴾ جازاهم على سخريتهم وهو خبر غير دعاء ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم
стр. 1888
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)
ولما سأل عبد الله بن عبد الله ابن أبى رسول الله ﷺ أن يستغفر لأبيه في مرضه نزل ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ وقد أمر أن هذا الأمر في معنى الخبر كأنه قيل لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ والسبعون جارٍ مجرى المثل في كلامهم
стр. 1889
للتكثير وليس على التحديد والغاية إذ لو استغفر لهم مدة حياته لن يغفر الله لهم لأنهم كفار والله لا يغفر لمن كفر به والمعنى وإن بالغت في الاستغفار فلن يغفر الله لهم وقد وردت الأخبار بذكر السبيعن وكلها تدل على الكثرة لا على التحديد والغاية ووجه تخصيص السبيعين من بين سائر الأعداد أن العدد قليل وكثير فالقليل ما دون الثلاث والكثير الثلاث فما فوقها وأدنى الكثير الثلاث وليس لأقصاه غاية والعدد أيضاً نوعان شفع ووتر وأول وأول الإشفاع اثنان وأول الأوتار ثلاثة والواحد ليس بعدد والسبعة أول الجمع الكثير من النوعين لأن فيها أوتاراً ثلاثة وأشفاعاً ثلاثة والعشرة كمال الحساب لأن ما جاوز العشرة فهو إضافة الآحاد إلى العشرة
التوبة (٨٠ _ ٨٣)
كقولك اثنا عشر وثلاثة عشر إلى عشرين والعشرون تكرير العشرة مرتين والثلاثون تكريرها ثلاثة مرات وكذلك إلى مائة فالسبعون يجمع الكثرة والنوع والكثرة منه وكمال الحساب والكثرة منه فصار السبعون أدنى الكثير من العدد من كل وجه ولا غاية لأقصاه فجاز أن يكون تخصيص السعبين لهذا المعنى والله أعلم ﴿ذلك﴾ إشارة إلى اليأس من المغفرة ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿كَفَرُواْ بالله ورسوله﴾ ولا غفران للكافرين ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ الخارجين عن الإيمان ما داموا مختارين للكفر والطغيان
стр. 1890
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)
﴿فَرِحَ المخلفون﴾ المنافقون الذين استأذنوا رسول الله ﷺ فأذن لهم وخلّفهم بالمدينة في غزوة تبوك أو الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ بقعودهم عن الغزو ﴿خلاف رَسُولِ الله﴾ مخالفة له وهو مفعول له أو حال أي قعدوا لمخالفته أو مخالفين له ﴿وَكَرِهُواْ أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله﴾ أي لم يفعلوا ما فعله المؤمنون من باعث الإيمان وداعي الإيقان ﴿وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى الحر﴾ قال بعضهم لبعض أو قالوا
стр. 1891
للمؤمنين تثبيطاً ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ استجهال لهم لأن من تصوّن من مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل
стр. 1892
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)
﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ أي فيضحكون قليلاً على فرحهم بتخلفهم في الدنيا ويبكون كثيراً جزاء في العقبى إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيرهُ يروي أن أهل النفاق يبكون فى النار عمر الدنيا لا يرقألهم دمع ولا يكتحلون بنوم ﴿جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من النفاق
стр. 1893
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)
﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ أي ردك من تبوك وإنما قال ﴿إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ﴾ لأن منهم من تاب من النفاق ومنهم من هلك ﴿فاستأذنوك للخروج﴾ إلى غزوة بعد غزوة تبوك ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا﴾ وبسكون الياء حمزة وعلي وأبو بكر ﴿وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا﴾ مَعِىَ حفص ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أول ما دعيتم إلى غزوة تبوك ﴿فاقعدوا مَعَ﴾
﴿الخالفين﴾ مع من تخلف بعد
стр. 1894
وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)
وسأل ابن عبد الله بن أبي وكان مؤمنا أن يكفن النبى ﵇ أباه في قميصه ويصلي عليه فقبل فاعترض عمر رضى الله عنه في ذلك فقال ﵇ ذلك لا ينفعه وإني أرجو أن يؤمن به ألف من قومه فنزل ﴿وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم﴾ من المنافقين يعني صلاة الجنازة روي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب التبرك بثوب النبى ﷺ ﴿مات﴾ صفة لأحد ﴿أبدا﴾ ظرف لتصل وكان ﵇ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فقيل ﴿وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون﴾ تعليل للنهي أي أنهم ليسوا بأهل للصلاة عليهم لأنهم كفروا بالله ورسوله
стр. 1895
وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)
﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون﴾ التكرير للمبالغة والتأكيد وأن يكون على بال من المخاطب لا ينساه وأن يعتقد أنه مهم ولأن كل آية في فرقة غير الفرقة الأخرى
следующие страницы →