Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
للمؤمنين تثبيطاً ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ استجهال لهم لأن من تصوّن من مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل
стр. 1892
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)
﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ أي فيضحكون قليلاً على فرحهم بتخلفهم في الدنيا ويبكون كثيراً جزاء في العقبى إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيرهُ يروي أن أهل النفاق يبكون فى النار عمر الدنيا لا يرقألهم دمع ولا يكتحلون بنوم ﴿جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من النفاق
стр. 1893
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)
﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ أي ردك من تبوك وإنما قال ﴿إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ﴾ لأن منهم من تاب من النفاق ومنهم من هلك ﴿فاستأذنوك للخروج﴾ إلى غزوة بعد غزوة تبوك ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا﴾ وبسكون الياء حمزة وعلي وأبو بكر ﴿وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا﴾ مَعِىَ حفص ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أول ما دعيتم إلى غزوة تبوك ﴿فاقعدوا مَعَ﴾
﴿الخالفين﴾ مع من تخلف بعد
стр. 1894
وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)
وسأل ابن عبد الله بن أبي وكان مؤمنا أن يكفن النبى ﵇ أباه في قميصه ويصلي عليه فقبل فاعترض عمر رضى الله عنه في ذلك فقال ﵇ ذلك لا ينفعه وإني أرجو أن يؤمن به ألف من قومه فنزل ﴿وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم﴾ من المنافقين يعني صلاة الجنازة روي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب التبرك بثوب النبى ﷺ ﴿مات﴾ صفة لأحد ﴿أبدا﴾ ظرف لتصل وكان ﵇ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فقيل ﴿وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون﴾ تعليل للنهي أي أنهم ليسوا بأهل للصلاة عليهم لأنهم كفروا بالله ورسوله
стр. 1895
وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)
﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون﴾ التكرير للمبالغة والتأكيد وأن يكون على بال من المخاطب لا ينساه وأن يعتقد أنه مهم ولأن كل آية في فرقة غير الفرقة الأخرى
стр. 1896
وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)
﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ يجوز أن يراد سورة بتمامها وأن يراد بعضها كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه ﴿أن آمنوا بالله﴾ بأن آمنوا أو هي أن المفسرة ﴿وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ﴾ ذو الفضل والسعة ﴿وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين﴾ مع الذين لهم عذر في التخلف كالمرضى والزمنى
стр. 1897
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)
﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف﴾ أي النساء جمع خالفة ﴿وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ﴾ ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الهلاك والشقاوة
стр. 1898
لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)
﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ﴾ أي إن تخلف هؤلاء فقد نهض إلى الغزو من هو خير منهم ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ الفائزون بكل مطلوب
стр. 1899
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)
﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ذلك الفوز العظيم﴾
قوله أَعَدَّ دليل على أنها مخلوقة
стр. 1900
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)
﴿وَجَاء المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ هو من عذّر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى وحقيقته أن يوهم أن له عذر فيما فعل ولا عذر له أو المعتذرون بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين وهم الذين يعتذرون بالباطل قيل هم أسد وعطفان قالوا إن لنا عيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف ﴿وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله ورسوله﴾ هم منافقوا الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان ﴿سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾ من الأعراب ﴿عذاب أليم﴾ فى الدينا بالقتل وفي الآخرة بالنار
стр. 1901
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)
﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفاء﴾ الهرمى والزمنى ﴿وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ هم الفقراء من مزينة وجهينة وبني عذرة ﴿حَرَجٌ﴾ إثم وضيق في التأخر ﴿إِذَا نصحوا لله وَرَسُولُهِ﴾ بأن آمنوا في السر والعلن وأطاعوا كما يفعل الناصح بصاحبه ﴿مَا عَلَى المحسنين﴾ المعذورين الناصحين ﴿من سبيل﴾ أى لاجناح عليهم ولا طريق للعتاب عليهم ﴿والله غَفُورٌ﴾ يغفر تخلفهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم
стр. 1902
وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)
﴿وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ لتعطيهم الحمولة ﴿قُلْتَ﴾ حال من الكاف في أتوك وقد قبله مضمرة أي إذا ما أتوك قائلاً ﴿لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ هو جواب إذا ﴿وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع﴾ أي تسيل كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من تفيض دمعها لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض ومن للبيان كقولك أفديك من رجل ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز ويجوز أن يكون قُلْتَ لاَ أَجِدُ استئنافاً كأنه قيل إذا ما أتوك لتحملهم تولوا فقيل مالهم تولوا باكين فقيل قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض ﴿حَزَناً﴾ مفعول له ﴿أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ﴾ لئلا يجدوا ما ينفقون ومحله نصب على أنه مفعول له وناصبة حَزَناً والمستحملون أبو موسى الأشعرى وأصحابه أو البكاءون وهم ستة نفر من الأنصار
стр. 1903
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)
﴿إنما السبيل على الذين يستأذنونك﴾ فى التخلف ﴿وهم أغنياء﴾ وقوله ﴿رضوا﴾ استنئاف كأنه قيل مابالهم استأذنوا وهم أغنياء فقيل رضوا ﴿بِأَن يَكُونُواْ مع الخوالف﴾
أي بالانتظام في جملة الخوالف ﴿وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
стр. 1904
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ يقيمون لأنفسهم عذراً باطلاً ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من هذه السفرة ﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾ بالباطل ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم وهو علة للنهي عن الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ علة لانتفاء تصديقهم لأنه تعالى إذا أوحى إلى رسوله الإعلام بأخبارهم وما في ضمائرهم لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم ﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أتنيبون أم تثبتون على كفركم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة﴾ أي تردون إليه وهو عالم
стр. 1905
كل سر وعلانية ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم على حسب ذلك
стр. 1906
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)
﴿سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ لتتركوهم ولا توبخوهم ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ فأعطوهم طلبتهم ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ تعليل لترك معاتبتهم أي أن المعاتبة لا تنفع فيهم لا تصلحهم لأنهم أرجاسٍ لا سبيل إلى تطهيرهم ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمَ﴾ ومصيرهم النار يعني وكفتهم النار عتاباً وتوبيخاً فلا تتكلفوا عتابهم ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي يجزون جزاء كسبهم
стр. 1907
يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ أي غرضهم بالحلف بالله طلب رضاكم لينفعهم ذلك في دنياهم ﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين﴾ أي فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطاً عليهم وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وآجلها وإنما قيل ذلك لئلا يتوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضا الله عنهم
стр. 1908
الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)
﴿الأعراب﴾ أهل البدو ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من أهل الحضر لجفائهم وقسوتهم وبعدهم عن العلم والعلماء ﴿وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾ وأحق بأن لا يعلموا ﴿حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ﴾ يعني حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام ومنه قوله ﵇ إن الجفاء والقسوة في الفدادين يعني الأكرة لأنهم يفدون أى يصيحون فى حروثهم
التوبة (٩٧ _ ١٠٠)
والفديد الصياح ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم ﴿حَكِيمٌ﴾ في إمهالهم
стр. 1909
وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)
﴿وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ﴾ أي يتصدق ﴿مَغْرَمًا﴾ غرامة وخسراناً لأنه لا ينفق إلا تقيّة من المسلمين ورياء لا لوجه الله وابتغاء المثوبة عنده ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوآئر﴾ أي دوائر الزمان وتبدل الأحوال بدور الأيام لتذهب غلبتكم عليه فيتخلص من إعطاء الصدقة ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء﴾ أي عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعون وقعوها في المسلمين السوء مكي وأبو عمرو وهو العذاب والسوء بالفتح ذم للدائرة كقولك رجل سوء في مقابلة قولك رجل صدق ﴿والله سميع﴾ ما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرونه
стр. 1910
وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)
﴿وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ﴾ في الجهاد والصدقات ﴿قربات﴾ أسباباً للقربة ﴿عَندَ الله﴾ وهو مفعول ثان ليتخذ ﴿وصلوات الرسول﴾ أي دعاءه لأنه ﵇ كان يدعوا للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله اللهم صل على آل أبي أوفى ﴿أَلا إِنَّهَا﴾ أي النفقة أو صلوات الرسول ﴿قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ قُرْبَةٌ نافع وهذا شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفى التبنيه والتحقيق المؤذين بثبات الأمر وتمكنه وكذلك ﴿سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي جنته وما في السين من تحقيق الوعد ومادل هذا الكلام على رضا الله عن المتصدقين وأن لصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ﴾ يستر عيب المخل ﴿رَّحِيمٌ﴾ يقبل جهد المقل
стр. 1911
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)
﴿والسابقون﴾ مبتدأ ﴿الأولون﴾ صفة لهم ﴿مِنَ المهاجرين﴾ تبين لهم وهم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين شهدوا بدراً أو بيعة الرضوان ﴿والأنصار﴾ عطف على المهاجرين أي ومن الأنصار وهم أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين ﴿والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ من المهاجرين والأنصار فكانوا سائر الصحابة وقيل هم الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة والخبر ﴿﵃﴾ بأعمالهم الحسنة ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ عطف على رَضِيَ ﴿جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار﴾ مِن تَحْتِهَا مكى
التوبة (١٠٠ _ ١٠٢)
﴿خالدين فِيهَا أَبَداً ذلك الفوز العظيم﴾
стр. 1912
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم﴾ يعني حول بلدتكم وهي المدينة ﴿مّنَ الأعراب منافقون﴾ وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها ﴿وَمِنْ أَهْلِ المدينة﴾ عطف على خبر المبتدأ الذي هو مِمَّنْ حَوْلَكُم والمبتدأ منافقون ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت ومن أهل المدينة قوم ﴿مَرَدُواْ عَلَى النفاق﴾ أي تمهروا فيه على أن مردوا صفة موصوف محذوف وعلى الوجه الأول لا يخلو من أن يكون كلاما مبتدأ أو صفة لمنافقون فصل بينها وبينه بمعطوف على خبره ودل على مهارتهم فيه بقوله ﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ﴾ أي يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط تنوقهم في تحامي ما يشككك في أمرهم ثم قال ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ أي لا يعلمهم إلا الله ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم ويبرزون لك ظاهراً كظاهر المخلصين من المؤمنين ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾
стр. 1913
هما القتل وعذاب القبر أو الفضيحة وعذاب القبر أو أخذ الصدقات من أموالهم ونهك أبدانهم ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ أى عذاب النار
стр. 1914
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)
﴿وآخرون﴾ أي قوم آخرون سوى المذكورين ﴿اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا نادمين وكانوا عشرة فسبعة منهم لما بلغهم ما نزل في المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله ﷺ فدخل المسجد فصلى ركعتين وكانت عادته كلما قدم من سفر فرآهم موثقين فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلهم فقال وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم فنزلت فأطلقهم فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا فقال ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً﴾ ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا﴾ خروجا إلى الجهاد ﴿وآخر سَيِّئاً﴾ تخلفاً عنه أو التوبة والإثم وهو من قولهم بعت الشاء شاة ودرهما فالواو بمعنى الباء لأن الواو للجمع والباء للإلصاق فيتناسبان أو المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر فكل واحد منهما مخلوط ومخلوط به كقولك خلطت الماء واللبن تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه بخلاف قولك خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به وإذا قلته بالواو فقد جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما كأنك قلت خلطت الماء باللبن واللبن بالماء ﴿عَسَى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾
التوبة (١٠٣ _ ١٠٦)
ولم يذكر توبتهم لأنه ذكر اعترافهم بذنوبهم وهو دليل على التوبة
стр. 1915
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)
﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ كفارة لذنبوهم وقيل هي الزكاة
стр. 1916
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ عن الذنوب وهو صفة لصدقة والتاءللخطاب أو لغيبة المؤنث والتاء في ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ للخطاب لا محالة ﴿بِهَا﴾ بالصدقة والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه أو بمعنى الإنماء والبركة في المال ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم والسنة أن يدعوا المصدق لصاحب الصدقة إذا أخذها ﴿إن صلاتك﴾ صلاتك كوفي غير أبي بكر قيل الصلاة أكثر من الصلوات لانها للجنس ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم ﴿والله سَمِيعٌ﴾ لدعائك أو سميع لاعترافهم بذنبوهم ودعائهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم
стр. 1917
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)
﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ المراد المتوب عليهم أي ألم يعلموا قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ إذا صحت ﴿ويأخذ الصدقات﴾ ويقبلها إذا صارت عن خلوص النية وهو للتخصيص أي إن ذلك ليس إلى رسول الله ﷺ إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردها فاقصدوه بها ووجهوها إليه ﴿وَأَنَّ الله هُوَ التواب﴾ كثير قبول التوبة ﴿الرحيم﴾ يعفو الحوبة
стр. 1918
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
﴿وَقُلِ﴾ لهؤلاء التائبين ﴿اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون﴾ أي فإن عملكم لا يخفى خيراً كان أو شراً على الله وعباده كما رأيتم وتبين لكم أو غير التائبين ترغيباً لهم في التوبة فقد رُوي أنه لما تيب عليهم قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت وقوله تعالى فَسَيَرَى الله وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة ﴿وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب﴾
стр. 1919
ما يغيب عن الناس ﴿والشهادة﴾ ما يشاهدونه ﴿فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تنبئة تذكير ومجازاة عليه
стр. 1920
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)
﴿وآخرون مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله﴾ بغير همز مدني وكوفي غير أبي بكر مرجئون غيرهم من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه المرجئة أي وآخرون من المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر أمر الله فيهم ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن أصروا ولم يتوبوا ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا وهم ثلاثة كعب بن مالك وهلال بن أمية ومراره بن الربيع والضابط
التوبة (١٠٦ _ ١٠٨)
مكة تخلفوا عن غزوة تبوك وهم الذين ذكروا في قوله وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ ﴿والله عَلِيمٌ﴾ برجائهم ﴿حَكِيمٌ﴾ في إرجائهم وإما للشك وهو راجع إلى العباد أي خافوا عليهم العذاب وارجوا لهم الرحمة ورُوي أنه ﵇ أمر أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل ذلك الفريق من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم ونصحت توبتهم فرحمهم الله
стр. 1921
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)
﴿والذين اتخذوا مَسْجِدًا﴾ تقديره ومنهم الذين اتخذوا الذين بغير واو مدني وشامي وهو مبتدأ خبره محذوف أي جازيناهم رُوي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله يصلي فيه ويصلي فيه
стр. 1922
أبو عامر الراهب إذ قدم من الشام وهو الذي قال لرسول الله ﵇ يوم أحد لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء وقالوا للنبى ﷺ بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه فقال إني على جناح سفر وإذا قدمنا من تبوك إن شاء الله صلينا فيه فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت عليه فقال لوحشي قاتل حمزة ومعن بن عدي وغيرهما انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة ومات أبو عامر بالشام ﴿ضِرَارًا﴾ مفعول له وكذا ما بعده أي مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ﴿وَكُفْراً﴾ وتقوية للنفاق ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين﴾ لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ﴾ وإعداداً لأجل من ﴿حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ﴾ وهو الراهب أعدوه له ليصلي فيه ويظهر على رسول الله ﷺ وقيل كل مسجد بني مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله أو بمال غير طيب فهو لا حق بمسجد بنى الضرار ﴿من قبل﴾ متعلق بحارب أي من قبل بناء هذا المسجد يعني يوم الخندق ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ كاذبين ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى﴾ ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون﴾ في حلفهم
стр. 1923
لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)
﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ للصلاة ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ على التقوى﴾ اللام للابتداء وأسس نعت له وهو مسجد قباء أسسه رسول الله ﷺ وصلى
стр. 1924
فيه أيام مقامه بقباء وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة أو مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من أيام وجوده قيل القياس فيه مذلأنه الغاية فى الزمان ومن لابتداء الغاية في المكان والجواب إن من
التوبة (١٠٨ _ ١١٠)
عام في الزمان والمكان ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ مصلياً ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين﴾ قيل لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقفوا على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال أمؤمنون أنتم فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم فقال ﵇ أترضون بالقضاء قالوا نعم قال أتصبرون على البلاء قالوا نعم قال أتشكرون في الرخاء قالوا نعم قال ﵇ مؤمنون أنتم ورب الكعبة فجلس ثم قال يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط قالوا يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا النبي ﵇ ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ قيل هو عام في التطهر عن النجاسات كلها وقيل هو التطهر من الذنوب بالتوبة ومعنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحب للشيء ومعنى محبة الله إياهم أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه
стр. 1925
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ وضع أساس ما يبنيه ﴿على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم من أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ هذا سؤال تقرير وجوابه مسكوت عنه لوضوحه والمعنى أفمن أساس بنيان دينه على قاعدة محكمة وهي تقوى الله ورضوانه خير أم من أسسه على قاعدة أضعف
стр. 1926
القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازاً عما ينافي التقوى والشفا الحرف والشفير وجرف الوادي جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهياً والهار الهائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط ووزنه فعل قصر عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليس بألف فاعل وإنما هي عينه وأصله هور فقلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره أفمن أسس بنيانه امن أُسَّسَ بُنْيَانَهُ شامي ونافع جرْف شامي وحمزة ويحيى هارِ بالإمالة أبو عمرو وحمزة في رواية يحيى ﴿فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فطاح به الباطل في نار جهنم ولما جعل الجرف الهائر مجازاً عن الباطل رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها قال جابر رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار ﴿والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين﴾ لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم
стр. 1927
لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)
﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ﴾ لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم لما غاظهم من ذلك وعظم علمهم ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ شامى وحمزة
التوبة (١١٠ _ ١١٢)
وحفص اي تنقطع غيرهم تُقطّع أي إلا أن تقطع قلوبهم قطعاً وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة عنها ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بعزائمهم ﴿حَكِيمٌ﴾ في جزاء جرائمهم
стр. 1928
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)
﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾ مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء ورُوي تاجرهم فأغلى لهم الثمن وعن الحسن أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها ومر برسول الله ﷺ أعرابي وهو يقرؤها فقال بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو واستشهد ﴿يقاتلون فِى سَبِيلِ الله﴾ بيان محل التسليم ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أي تارة يقتلون العدو وطوراً يقتلهم العدو فَيُقتلون وَيَقْتلون حمزة وعلي ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ مصدر أي وعدهم بذلك وعداً ﴿حقا﴾ صفته أخبر أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته ﴿فِي التوراة والإنجيل والقرآن﴾ وهو دليل على أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه ثم قال ﴿وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله﴾ لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا فكيف بأكرم الأكرمين ولا نرى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ ﴿فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافرحوا غاية الفرح فإنكم تبيعون فانياً بباقٍ ﴿وذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ قال الصادق ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها
стр. 1929
التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)
﴿التائبون﴾ رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين أو هو مبتدأ خبره ﴿العابدون﴾ أي الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة وما بعد خبر بعد خبر أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال وعن الحسن هم الذين تابوا من
стр. 1930
الشرك وتبرءوا من النفاق ﴿الحامدون﴾ على نعمة الإسلام ﴿السائحون﴾ الصائمون لقوله ﵇ سياحة أمتي الصيام أو طلبة العلم لأنهم يسيحون في الأرض يطلبونه في مظانه أو السائرون فى الأرض للاعتبار ﴿الراكعون الساجدون﴾ المحافظون على الصلوات ﴿الآمرون بالمعروف﴾ بالإيمان والمعرفة والطاعة ﴿والناهون عَنِ المنكر﴾ عن الشرك والمعاصى
التوبة (١١٢ _ ١١٧)
ودخلت الواو للإشعار بأن السبعة عقد تام أو للتضاد بين الأمر والنهي كما في قوله ثيبات وأبكارا ﴿والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ أوامره ونواهيه أو معالم الشرع ﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ المتصفين بهذه الصفات
следующие страницы →