Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازاً عما ينافي التقوى والشفا الحرف والشفير وجرف الوادي جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهياً والهار الهائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط ووزنه فعل قصر عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليس بألف فاعل وإنما هي عينه وأصله هور فقلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره أفمن أسس بنيانه امن أُسَّسَ بُنْيَانَهُ شامي ونافع جرْف شامي وحمزة ويحيى هارِ بالإمالة أبو عمرو وحمزة في رواية يحيى ﴿فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فطاح به الباطل في نار جهنم ولما جعل الجرف الهائر مجازاً عن الباطل رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها قال جابر رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار ﴿والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين﴾ لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم
стр. 1927
لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)
﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ﴾ لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم لما غاظهم من ذلك وعظم علمهم ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ شامى وحمزة
التوبة (١١٠ _ ١١٢)
وحفص اي تنقطع غيرهم تُقطّع أي إلا أن تقطع قلوبهم قطعاً وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة عنها ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بعزائمهم ﴿حَكِيمٌ﴾ في جزاء جرائمهم
стр. 1928
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)
﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾ مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء ورُوي تاجرهم فأغلى لهم الثمن وعن الحسن أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها ومر برسول الله ﷺ أعرابي وهو يقرؤها فقال بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو واستشهد ﴿يقاتلون فِى سَبِيلِ الله﴾ بيان محل التسليم ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أي تارة يقتلون العدو وطوراً يقتلهم العدو فَيُقتلون وَيَقْتلون حمزة وعلي ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ مصدر أي وعدهم بذلك وعداً ﴿حقا﴾ صفته أخبر أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته ﴿فِي التوراة والإنجيل والقرآن﴾ وهو دليل على أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه ثم قال ﴿وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله﴾ لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا فكيف بأكرم الأكرمين ولا نرى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ ﴿فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافرحوا غاية الفرح فإنكم تبيعون فانياً بباقٍ ﴿وذلك هُوَ الفوز العظيم﴾ قال الصادق ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها
стр. 1929
التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)
﴿التائبون﴾ رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين أو هو مبتدأ خبره ﴿العابدون﴾ أي الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة وما بعد خبر بعد خبر أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال وعن الحسن هم الذين تابوا من
стр. 1930
الشرك وتبرءوا من النفاق ﴿الحامدون﴾ على نعمة الإسلام ﴿السائحون﴾ الصائمون لقوله ﵇ سياحة أمتي الصيام أو طلبة العلم لأنهم يسيحون في الأرض يطلبونه في مظانه أو السائرون فى الأرض للاعتبار ﴿الراكعون الساجدون﴾ المحافظون على الصلوات ﴿الآمرون بالمعروف﴾ بالإيمان والمعرفة والطاعة ﴿والناهون عَنِ المنكر﴾ عن الشرك والمعاصى
التوبة (١١٢ _ ١١٧)
ودخلت الواو للإشعار بأن السبعة عقد تام أو للتضاد بين الأمر والنهي كما في قوله ثيبات وأبكارا ﴿والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ أوامره ونواهيه أو معالم الشرع ﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ المتصفين بهذه الصفات
стр. 1931
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)
وهمّ ﵇ أن يستغفر لأبي طالب فنزل ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى﴾ أى ماصح له الاستغفار في حكم الله وحكمته ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم﴾ من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك
стр. 1932
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)
ثم ذكر عذر إبراهيم فقال ﴿وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ أي وعد أبوه إياه أن يسلم أو هو وعد أباه أن يستغفر وهو قوله لأستغفر لك دليله قراءة الحسن وَعَدَهَا أَبَاهُ ومعنى استغفاره سؤاله المغفرة له بعد ما أسلم أو سؤاله إعطاء الإسلام الذي به يغفر له ﴿فلما تبين﴾ من جهة الوحى ﴿له﴾ لابراهيم ﴿أَنَّهُ﴾ أن أباه ﴿عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ بأن يموت كافراً وانقطع رجاؤه عنه ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وقطع استغفاره ﴿إن إبراهيم
стр. 1933
لأواه﴾ وهو المتأوه شفقاً وفرقاً ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته كان يتعطف على أبيه الكافر ﴿حَلِيمٌ﴾ هو الصبور على البلاء الصفوح عن الأذى لأنه كان يستغفر لأبيه وهو يقول لأرجمنك
стр. 1934
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)
﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ أي ما أمر الله باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه وبين أنه محذور لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام ولا يخدلهم إلا إذا قدموا عليه بعد بيان حظره وعلمهم بأنه واجب الاجتناب وأما قبل العلم والبيان فلا وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين والمراد بما يَتَّقُونَ ما يجب اتقاؤه للنهي فأما ما يعلم بالعقل فغير موقوف على التوقيف ﴿أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾
стр. 1935
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)
﴿إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ لَقَدْ تَابَ الله على النبي﴾ أى تاب الله عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه كقوله عفا الله عنك ﴿والمهاجرين والأنصار﴾ فيه بعث للمؤمنين على التوبة وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى
التوبة (١١٧ _ ١٢٠)
النبى ﷺ والمهاجرين والأنصار ﴿الذين اتبعوه فِى سَاعَةِ العسرة﴾ في غزوة تبوك ومعناه في وقتها والساعة مستعملة في معنى الزمان المطلق وكانوا في عسرة من الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد ومن الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة وبلغت بهم الشدة
стр. 1936
حتى اقتسم التمرة اثنان وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء ومن الماء حتى نحروا الإبل وعصروا كرشها وشربوه فى شدة زمان من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط ﴿مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ﴾ عن الثبات على الإيمان أو عن اتباع الرسول في تلك الغزوة والخروج معه وفي كَادَ ضمير الشأن والجملة بعده في موضع النصب وهو كقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن خلق الله مثله يزيغ حمزة وحفص ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ تكرير للتوكيد ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رؤوف رحيم﴾
стр. 1937
وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)
﴿وَعَلَى الثلاثة﴾ أي وتاب على الثلاثة وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وهو عطف على النبى ﴿الذين خُلّفُواْ﴾ عن الغزو ﴿حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ﴾ برحبها أي مع سعتها وهو مثل للحيرة في أمرهم كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرون فيه قلقاً وجزعاً ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور لانها خرجت من فرط الوحشية والغم ﴿وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ﴾ وعلموا أن لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ بعد خمسين يوماً ﴿لِيَتُوبُواْ﴾ ليكونوا من جملة التبوابين ﴿إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾ عن أبي بكر الوراق أنه قال التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة
стр. 1938
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين﴾ في إيمانهم دون
стр. 1939
المنافقين أو مع الذين لم يتخلفوا أو مع الذين صدقوا في دين الله نية وقولاً وعملاً والآية تدل على أن الاجماع حجة لأنه أمر بالكون مع الصادقين فلزم قبول قولهم
стр. 1940
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)
﴿مَا كَانَ لأهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله﴾ المراد بهذا النفي النهي وخص هؤلاء بالذكر وإن استوى كل الناس في ذلك لقربهم منه ولا يخفى عليهم خروجه ﴿وَلاَ يَرْغَبُواْ﴾ ولا أن يضنوا ﴿بِأَنفُسِهِمْ عن نفسه﴾
عما يصيب نفسه أى لا يختاروا بقاء أنفسهم على نفسه في الشدائد بل أمروا بأن يصحبوه في البأساء والضراء ويلقوا أنفسهم بين يديه في كل شدة ﴿ذلك﴾ النهي عن التخلف ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ عطش ﴿وَلاَ نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلاَ مَخْمَصَةٌ﴾ مجاعة ﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ في الجهاد ﴿وَلاَ يطؤون مَوْطِئًا﴾ ولا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم واخفاف وراحلهم وأرجلهم ﴿يَغِيظُ الكفار﴾ يغضبهم ويضيق صدورهم ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً﴾ ولا يصيبون منهم إصابة بقتل أو أسر أو جرح أو كسر أو هزيمة ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عمل صالح﴾ عن ابن عباس رضى الله عنهما لكل روعة سبعون ألف حسنة يقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم وفيه دليل على أن من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك وعلى أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وقد أسهم النبى ﷺ لابني عامر وقد قدما بعد تقضي الحرب والموطئ إما مصدر كالمورد وإما مكان فإن كان مكانا
стр. 1941
فمعنى يغيظ الكفار يغيطهم وطؤه ﴿إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ أي أنهم محسنون والله لا يبطل ثوابهم
стр. 1942
وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)
﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً﴾ في سبيل الله ﴿صَغِيرَةً﴾ ولو تمرة ﴿وَلاَ كَبِيرَةً﴾ مثل ما أنفق عثمان رضى الله عنه في جيش العسرة ﴿وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهو كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال ومنه الودْيُ وقد شاع في الاستعمال بمعنى الأرض ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ من الإنفاق وقطع الوادى ﴿ليجزيهم الله﴾ متعلق بكتب أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي يجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم فيلحق ما دونه به توفيراً لأجرهم
стр. 1943
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)
﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الام لتأكيد النفي أي أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح للإفضاء إلى المفسدة ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ﴾ فحين لم يكن نفير الكافة فهلا نفر ﴿مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير ﴿لّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين﴾ ليتكلفوا الفقاهة فيه
التوبة (١٢٢ _ ١٢٦)
ويتجشموا المشاق في تحصيلها ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ وليجعلوا مرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم وإرشادهم ﴿إذا رجعوا إليهم﴾ دون الاعراض الخسيسة من التصدر والترؤس والتشبه بالظلمة في المراكب والملابس ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ما يجب اجتنابه وقيل إن رسول الله ﷺ كان إذا بعث بعثاً بعد غزوة تبوك بعد ما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعاً عن التفقه في الدين فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ويبقى سائرهم يتفقهون حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثراً من الجهاد
стр. 1944
بالنضال والضمير في لّيَتَفَقَّهُواْ للفرق الباقية بعد الطوائف النافرة من بينهم وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ولينذر الفرق الباقية قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصّلوا في أيام غيبتهم من العلوم وعلى الأول الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه
стр. 1945
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)
﴿يا أيها الذين آمنوا قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ﴾ يقربون منكم ﴿مِّنَ الكفار﴾ القتال واجب مع جميع الكفرة قريبهم وبعيدهم ولكن الأقرب فالأقرب أوجب وقد حارب النبي ﷺ قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم ﴿وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ شدة وعنفاً في المقال قبل القتال ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ بالنصرة والغلبة
стр. 1946
وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)
﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ ما صلة مؤكدة ﴿فَمِنْهُمْ﴾ فمن المنافقين ﴿مَن يِقُولُ﴾ بعضهم لبعض ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه﴾ السورة ﴿إيمانا﴾ إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين وأيكم مرفوع بالابتداء وقيل هو قول المؤمنين للحث والتنبيه ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا﴾ يقينا وثباتا أو خشية أو إيمانا بالسورة لأنهم لم يكونوا آمنوا بها تفصيلاً ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يعدون زيادة التكليف بشارة التشريف
стр. 1947
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)
﴿وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك ونفاق فهو فساد يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن ﴿فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾ كفروا مضموماً إلى كفرهم ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ كافرون﴾ هو إخبار عن إصرارهم عليه إلى الموت
стр. 1948
أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)
﴿أَوْ لاَ يَرَوْنَ﴾ يعني المنافقين وبالتاء حمزة خطاب للمؤمنين ﴿أنهم يفتنون﴾ يبتلون
التوبة (١٢٦ _ ١٢٩)
بالقحط والمرض وغيرهما ﴿فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ﴾ عن نفاقهم ﴿وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لا يعتبرون أو
стр. 1949
بالجهاد مع رسول الله ﷺ لا يتوبون بما يرون من دولة الإسلام ولاهم يذكرون بما يقع بهم من الاصطدام
стр. 1950
وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)
﴿وإذا ما أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ﴾ تغامزوا بالعيون إنكاراً للوحي وسخرية به قائلين ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ من المسلمين لننصرف فإنا لا نصير على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم أو إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرته ﵇ ﴿ثُمَّ انصرفوا﴾ عن حضرة النبي ﵇ مخافة الفضيحة ﴿صَرَفَ الله قُلُوبَهُم﴾ عن فهم القرآن ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا
стр. 1951
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)
﴿لقد جاءكم رسول﴾ محمد ﷺ ﴿مّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ شديد عليه شاق لكونه بعضا منكم عنتكم ولقاءكم المكروه فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ على إيمانكم ﴿بالمؤمنين﴾ منكم ومن غيركم ﴿رؤوف رَّحِيمٌ﴾ قيل لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1952
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ الله﴾ فاستعن بالله وفوض إليه أمورك فهو كافيك معرتهم وناصرك عليهم ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فوضت أمرى إليه ﴿وهو رب العرش﴾ هو أعظم خلق الله خلق مطافاً لأهل السماء وقبلة للدعاء ﴿العظيم﴾ بالجر وقرىء بالرفع على نعت الرب جل وعز عن أبيّ آخر آية نزلت لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ الآية
стр. 1953
سورة يونس ﵇ مائة وتسع آيات مكية
وكذا ما بعدها إلى سورة النور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يونس (١ _ ٣)
стр. 1954
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)
﴿الر﴾ ونحوه ممال حمزة وعلى وأبوعمرو وهو تعديد للحروف على طريق التحدي ﴿تِلْكَ آيات الكتاب﴾ اشارة إلى ما تضمتنه السورة من الآيات والكتاب السورة ﴿الحكيم﴾ ذي الحكمة لاشمتاله عليها أو المحكم عن الكذب والاقتراف
стр. 1955
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)
والهمزة فى ﴿أكان للناس عجبا﴾ لانكار التعجب والتعجيب منه ﴿أن أوحينا﴾ اسم كان وعجبا خبره واللام في للناس متعلق بمحذوف هو صفة لعجبا فلما تقدم صار حالاً ﴿إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ أن أنذر الناس﴾ بأن أنذرا أو هي مفسرة إذ الإيحاء فيه معنى القول ﴿وبشر الذين آمنوا﴾ أَنَّ لَهُمْ بأن لهم ومعنى اللام في للناس أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منه والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر وأن يكون رجلاً من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم فقد كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب وأن يذكر لهم البعث وينذر بالنيران ويبشر بالجنان وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلاَّ بشراً مثلهم وإرسال اليتيم أو الفقير ليس
стр. 1956
بعجب أيضاً لأن الله تعالى إنما يختار للنبوة من جمع أسبابها والغنى والتقدم في الدنيا ليس من أسبابها والبعث للجزاء على الخير والشر هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجباً إنما العجب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ﴾ أي سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد وباعاً لأن صاحبها يبوع بها فقيل لفلان قدم في الخير وإضافتها إلى صدق دلالة على زيادة فضل وأنه من السوابق العظيمة أو مقام صدق أو سبق السعادة ﴿قَالَ الكافرون إن هذا﴾ الكتاب ﴿لسحر مبين﴾ مدني وبصري وشامي ومن قرأ لساحر فهذه إشارة إلى رسول الله ﷺ وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كاذبين في تسميته سحراً
стр. 1957
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾
أي استولى فقد يقدس الديان عن المكان والمعبود عن الحدود ﴿يُدَبّرُ﴾ يقضي ويقدر على مقتضى الحكمة ﴿الأمر﴾ أي أمر الخلق كله وأمر ملكوت السموات والأرض والعرش ولما ذكر ما يدل على عظمته وملكه من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش أتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة وأنه لا يخرج أمر من الأمور عن قضائه وتقديره وكذلك قوله ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ دليل على عزته وكبريائه ﴿ذلكم﴾ العظيم الموصوف بما وصف به ﴿الله رَبُّكُمُ﴾ وهو الذي يستحق العبادة ﴿فاعبدوه﴾ وجدوه ولا تشركوا به بعض خلقه من إنسان أو ملك فضلاً عن جماد لا يضر ولا ينفع ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تتدبرون فتستدلون بوجود المصالح والمنافع على وجود المصلح النافع
стр. 1958
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ حال أي لا ترجعون فى العاقبة إلا إليه فاستعدوا للقائه والمرجع الرجوع أو مكان الرحوع ﴿وَعَدَ الله﴾ مصدر مؤكد لقوله إليه مرجعكم ﴿حَقّاً﴾ مصدر مؤكد لقوله ﴿وعد الله﴾ ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أى الحكمة بابتداء الخلق وإعادته هو جزاء المكلفين على أعمالهم ﴿بالقسط﴾ بالعدل وهو متعلق بيجزى أى ليجزيهم بقسطه وليوفيهم أجورهم أو بقسطهم أي بما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا حين آمنوا إذ الشرك ظلم إن الشرك لظلم عظيم وهذا أوجه لمقابلة قوله ﴿والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ ولوجه كلامي
стр. 1959
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)
﴿هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء﴾ الياء فيه منقلبة عن واو ضوء لكسرة ما قبلها وقلبها قتيل همزة لأنها للحركة أجمل ﴿والقمر نُوراً﴾ والضياء أقوى من النور فلذا جعله للشمس ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ وقدر القمر أي وقدر مسيره ﴿مَنَازِلَ﴾ أو وقدره ذا منازل كقوله ﴿والقمر قدرناه منازل﴾ ﴿لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين﴾ أي عدد السنين والشهور فاكتفى بالسنين لاشتمالها على الشهور ﴿والحساب﴾ وحساب الآجال والمواقيت المقدرة بالسنين والشهور ﴿مَا خَلَقَ الله ذلك﴾ المذكور ﴿إِلاّ﴾ ملتبساً ﴿بالحق﴾ الذي هو
يونس (٥ _ ١٠)
الحكمة البالغة ولم يخلقه عبثاً ﴿يُفَصّلُ الآيات﴾ مكي وبصري وحفص وبالنون غيرهم ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فينتفعون بالتأمل فيها
стр. 1960
إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)
﴿إن في اختلاف الليل والنهار﴾ فى مجيء كل واحد منها خلف الآخر أو
стр. 1961
في اختلاف لونيهما ﴿وَمَا خَلَقَ الله فِى السماوات والأرض﴾ من الخلائق ﴿لآيات لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خصهم بالذكر لأنهم يحذرون الآخرة فيدعوهم الحذر إلى النظر
стр. 1962
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)
﴿إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ لا يتوقعونه أصلاً ولا يخطرونه ببالهم لغفلتهم عن التفطن للحقائق أو لا يؤملون حسن لقائنا كما يؤمله السعداء أو لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف ﴿وَرَضُواْ بالحياة الدنيا﴾ من الآخرة وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي ﴿واطمأنوا بِهَا﴾ وسكنوا فيها سكون من لا يزعد عنها فبنوا شديداً وأملوا بعيداً ﴿والذين هُمْ عن آياتنا غافلون﴾ لا يتفكرون فيها ولا وقف عليه لأن خبر إن
стр. 1963
أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)
﴿أولئك مأواهم النار﴾ فأولئك مبتدأ وماؤهم مبتدأ ثان والنار خبره والجملة خبر أولئك والباء في ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ يتعلق بمحذوف دل عليه الكلام وهو جوزوا
стр. 1964
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)
﴿إن الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق السديد المؤدي إلى الثواب ولذا جعل ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ بياناً له وتفسيراً إذ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها أو يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة ومنه الحديث إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار وهذا دليل على أن الإيمان المجرد منج حيث قال بإيمانهم ولم يضم إليه العمل الصالح ﴿في جنات النعيم﴾ متعلق بتجرى أو حال من الأنهار
стр. 1965
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)
﴿دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم﴾ أي دعاؤهم لأن اللهم نداء لله ومعناه اللهم إنا نسبحك أي يدعون الله بقولهم سبحانك اللهم تلذذا بذكره لاعبادة ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ أي يحيي بعضهم بعضاً بالسلام أو هي تحية الملائكة إياهم وأضيف المصدر إلى المفعول أو تحية الله لهم ﴿وآخر دعواهم﴾ وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح ﴿أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين﴾
أن يقولوا الحمد لله رب العالمين أن مخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد لله رب العالمين والضمير للشأن قيل أول كلامهم التسبيح وآخره التحميد فيبتدءون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بالشكر والثناء عليه ويتكلمون بينهما بما أرادوا
следующие страницы →