Полный текст (7 814 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
في اختلاف لونيهما ﴿وَمَا خَلَقَ الله فِى السماوات والأرض﴾ من الخلائق ﴿لآيات لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خصهم بالذكر لأنهم يحذرون الآخرة فيدعوهم الحذر إلى النظر
стр. 1962
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)
﴿إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ لا يتوقعونه أصلاً ولا يخطرونه ببالهم لغفلتهم عن التفطن للحقائق أو لا يؤملون حسن لقائنا كما يؤمله السعداء أو لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف ﴿وَرَضُواْ بالحياة الدنيا﴾ من الآخرة وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي ﴿واطمأنوا بِهَا﴾ وسكنوا فيها سكون من لا يزعد عنها فبنوا شديداً وأملوا بعيداً ﴿والذين هُمْ عن آياتنا غافلون﴾ لا يتفكرون فيها ولا وقف عليه لأن خبر إن
стр. 1963
أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)
﴿أولئك مأواهم النار﴾ فأولئك مبتدأ وماؤهم مبتدأ ثان والنار خبره والجملة خبر أولئك والباء في ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ يتعلق بمحذوف دل عليه الكلام وهو جوزوا
стр. 1964
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)
﴿إن الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق السديد المؤدي إلى الثواب ولذا جعل ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ بياناً له وتفسيراً إذ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها أو يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة ومنه الحديث إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار وهذا دليل على أن الإيمان المجرد منج حيث قال بإيمانهم ولم يضم إليه العمل الصالح ﴿في جنات النعيم﴾ متعلق بتجرى أو حال من الأنهار
стр. 1965
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)
﴿دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم﴾ أي دعاؤهم لأن اللهم نداء لله ومعناه اللهم إنا نسبحك أي يدعون الله بقولهم سبحانك اللهم تلذذا بذكره لاعبادة ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ أي يحيي بعضهم بعضاً بالسلام أو هي تحية الملائكة إياهم وأضيف المصدر إلى المفعول أو تحية الله لهم ﴿وآخر دعواهم﴾ وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح ﴿أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين﴾
أن يقولوا الحمد لله رب العالمين أن مخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد لله رب العالمين والضمير للشأن قيل أول كلامهم التسبيح وآخره التحميد فيبتدءون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بالشكر والثناء عليه ويتكلمون بينهما بما أرادوا
стр. 1966
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)
﴿وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير﴾ أصله ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم والمراد أهل مكة وقولهم فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أي ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لأميتوا وأهلكوا لقضى إليهم أجلهم شامي على البناء للفاعل وهو الله ﴿فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِى طُغْيَانِهِمْ﴾ شركهم وضلالهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون ووجه اتصاله بما قبله أن قوله ولو يعجل الله متضمن معنى نفي التعجيل كأنه قيل ولا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم في طغيانهم أي فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم إلزاماً للحجة عليهم
стр. 1967
وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)
﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان﴾ أصابه والمراد به الكافر ﴿الضر دَعَانَا﴾ أي دعا الله لإزالته ﴿لِجَنبِهِ﴾ في موضع الحال بدليل عطف الحالين أي ﴿أَوْ قَاعِدًا
стр. 1968
أَوْ قَائِمًا﴾ عليه أي دعانا مضطجعا وفائدة ذكر هذه الأحوال أن المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر فهو يدعونا فى حالاته كلها كان مضطجعاً عاجزاً عن النهوض أو قاعداً لا يقدر على القيام أو قائماً لا يطيق المشي ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ أزلنا ما به ﴿مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ﴾ أي مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر ونسي حال الجهد أو مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به والأصل كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿كذلك﴾ مثل ذلك التزيين ﴿زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ للمجاوزين الحد في الكفر زين الشيطان بوسوسته ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من الإعراض عن الذكر واتباع الكفر
стр. 1969
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿لما ظلموا﴾ أشركوا وهو ظرف لأهلكنا والواو فى ﴿وجاءتهم رسلهم﴾ للحال اظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم ﴿بالبينات﴾ بالمعجزات ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ إن بقوا ولم يهلكوا لأن الله علم منهم أنهم يصرون
يونس (١٣ _ ١٦)
على كفرهم وهو عطف على ظلموا أو اعتراض واللام لتأكيد النفي يعني أن السبب في إِهلاكهم تكذيبهم للرسل وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل ﴿كذلك﴾ مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك ﴿نَجْزِي القوم المجرمين﴾ وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1970
ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)
﴿ثُمَّ جعلناكم خلائف فِى الأرض مِن بَعْدِهِم﴾ الخطاب للذين بعث اليهم محمد ﷺ أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناها ﴿لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي لننظر أتعملون خيرا وشرا فنعاملكم على حسب عملكم وكيف فى محل النصب يتعملون لا ينتظر لأن معنى الاستفهام فيه يمنع أن يتقدم عليه عامله والمعنى أنتم بمنظر منا فانظروا كيف تعملون أبالاعتبار ب
стр. 1971
ماضيكم أم الاغترار بما فيكم قال ﵇ الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون
стр. 1972
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)
﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بَيّنَاتٍ﴾ حال ﴿قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ لما غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد لأهل الطغيان ﴿ائت بقرآن غَيْرِ هذا﴾ ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك ﴿أَوْ بَدّلْهُ﴾ بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها فأمر بأن يجيب عن التبديل لأنه داخل تحت قدرة الإنسان وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة وأن يسقط ذكر الآلهة بقوله ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي﴾ ما يحل لي ﴿أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تلقاء نَفْسِي﴾ من قبل نفسي ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾ لا أتبع إلا وحي الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل لأن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله ﴿إِنّى أَخَافُ إن عصيت ربي﴾ بالتبدليل من عند نفسي ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي يوم القيامة وأما الايتان بقرآن آخر فلا يقدر عليه الإنسان وقد ظهر لهم العجز عنه إلا أنهم كانوا لا يعترفون بالعجز ويقولون لو نشاء لقلنا مثل هذا ولا يحتمل أن يريدوا بقوله أئت بقرآن غير هذا أو بدله من جهة الوحي لقوله إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عظيم وغرضهم في هذا الاقتراح الكيد أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من عندك وأنك قادر على مثله فأبدل مكانه آخر وأما اقتراح التبديل فلاختيار الحا ل وأنه إن وجد منه تبديل فإما أن يهلكه الله فينجوا منه أولا يهلكه فيسخروا منه فيجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحاً لإفترائه على الله
стр. 1973
قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)
﴿قُل لَّوْ شَاء الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني أن تلاوته ليست إلا بمشيئة
стр. 1974
الله واظهاره أمرا عجيبا
يونس (١٦ _ ١٩)
خارجاً عن العادات وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ولم يشاهد العلماء فيقرأ عليكم كتاباً فصيحاً يغلب كل كلام فصيح ويعلو على كل منثور ومنظوم مشحوناً بعلوم الأصول والفروع والإخبار عن الغيوب التي لا يعلمها إلا الله ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ولا أعلمكم الله بالقرآن على لساني ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ﴾ من قبل نزول القرآن أي فقد أقمت فيما بينكم أربعين سنة ولم تعرفوني متعاطياً شيئاً من نحوه ولا قدرت عليه ولا كنت موصوفاً بعلم وبيان فتتهموني بإختراعه ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ فتعلموا أنه ليس إلا من عند الله لا من مثلى وهذا جواب عما دسوه تحت قوله ائت بقرآن غير هذا من إضافا الافترءا إليه
стр. 1975
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا﴾ يحتمل أن يريد افتراء المشركين على الله في أنه ذو شريك وذو ولد وأن يكون تفادياً مما أضافوه إليه من الافتراء ﴿أو كذّب بآياته﴾ بالقرآن فيه بيان أن الكاذب على الله والمكذب بآياته في الكفر سواء ﴿إِنَّهُ لا يُفْلَحُ الْمُجرِمُون﴾
стр. 1976
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)
﴿ويعبدون من دون الله ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ إن تركوا عبادتها ﴿وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ إن عبدوها ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء﴾ أي الأصنام ﴿شفعاؤنا عِندَ الله﴾ أي في أمر الدنيا ومعيشتها لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله من يموت أو يوم القيامة أن يكن بعث ونشور ﴿قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ﴾ أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله وإذا لم يكن معلوماً له وهو عالم بجميع المعلومات لم يكن شيئاً وقوله ﴿فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض﴾ تأكيد لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو معدوم ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نزَّه ذاته عن أن يكون له
стр. 1977
شريك وبالتاء حمزة وعلي وما موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين تشركونهم به أو عن إشراكهم
стр. 1978
وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)
﴿وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم وذلك في عهد آدم ﵇ إلى أن قتل قابيل هابيل أو بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين دياراً ﴿فاختلفوا﴾ فصاروا مللاً ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ﴾ وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجلاً ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيما اختلفوا فيه وليميز المحق من المبطل وسبق كلمته لحكمة وهي أن هذه الدار تكليف وتلك الدار دار
يونس (٢٠ _ ٢٢)
ثواب وعقاب
стр. 1979
وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)
﴿ويقولون لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رَّبّهِ﴾ أي آية من الآيات التي اقترحوها ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ﴾ أي هو المختص بعلم الغيب فهو العالم بالصارف عن إنزال الآيات المقترحة لا غير ﴿فانتظروا﴾ نزول ما اقترحتموه ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنتَظِرينَ﴾ لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات
стр. 1980
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا الناس﴾ أهل مكة ﴿رَحْمَةً﴾ خصباً وسعة ﴿مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ﴾ يعني القحط والجوع ﴿إذا لهم مكر في آياتنا﴾ أي مكروا بآياتنا بدفعها وإنكارها رُوي أنه تعالى سلط القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم بالحيا فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله ﷺ ويكيدونه فإذا الاولى للشرط والثاينة جوابها وهي للمفاجأة وهو كقوله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ أي وإن تصبهم سيئة قنطوا وإذا أذقنا الناس رحمة مكروا
стр. 1981
والمكر إخفاء الكيد وطيه من الجارية الممكورة المطوية الخلق ومعنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوءأثرها فيهم وإنما قال ﴿قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ ولم يصفهم بسرعة المكر لأن كلمة المفاجأة دلت على ذلك كأنه قال وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجؤا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رءوسهم من مس الضراء ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ يعني الحفظة ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ إعلام بأن ما تظنونه خافياً لا يخفى على الله وهو منتقم منكم وبالياء سهل
стр. 1982
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)
﴿هُوَ الذى يُسَيّرُكُمْ فِى البر والبحر﴾ يجعلكم قادرين على قطع المسافات بالأرجل والدواب والفلك الجارية في البحار أو يخلق فيكم السير ينشرُكم شامي ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك﴾ أي السفن ﴿وَجَرَيْنَ﴾ أي السفن ﴿بِهِمُ﴾ بمن فيها رجوع من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة ﴿بريح طيبة﴾ لينة الهبوب لاعاصفة ولا ضعيفة ﴿وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ بتلك الريح للينها واستقامتها ﴿جَاءتْهَا﴾ أي الفلك أو الريح الطيبة أي تلقتها ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ ذات عصف أي شديدة الهبوب ﴿وَجَاءهُمُ الموج﴾ هو ما علا على الماء ﴿مّن كُلّ مَكَانٍ﴾ من البحر أو من جميع أمكنة الموج ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أحيط بهم﴾ أهلكوا جعل إحاطة العدوا بالحي مثلاً في الإهلاك ﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ من غير إشراك به لأنهم
يونس (٢٢ _ ٢٤)
لا يدعون حينئذ معه غيره يقولون ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه﴾ الأهوال أو من هذه الريح ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ لنعمتك مؤمنين بك متمسكين بطاعتك ولم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد حتى بما في حيزها كأنه قيل يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجئ الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن بالهلاك والدعاء بالإنجاء وجواب إذا جاءتها ودعوا بدل من
стр. 1983
ظنوا لأن دعاءهم من لوازم ظنهم للهلاك فهو ملتبس به
стр. 1984
فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)
﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُم يَبْغُونَ فِى الأرض﴾ يفسدون فيها ﴿بِغَيْرِ الحق﴾ باطلاً أي مبطلين ﴿يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ﴾ أي ظلمكم يرجع إليكم كقوله ﴿مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ مَّتَاعَ الحياة الدنيا حفص أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا وعلى انفسكم خبر لبغيكم غيره بالرفع على أنه خبر بغيكم وعلى أنفسكم صلته كقوله فبغى عليهم ومعناه إنما بغيكم على أمثالكم أو هو خبر ومتاع خبر بعد خبر أو متاع خبر مبتدأ مضمر أي هو متاع الحياة الدنيا وفي الحديث أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة ورُوي ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين وعن ابن عباس رضى الله عنهما لو بغى جبل على جبل لدك الباغي وعن محمد بن كعب ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر قال الله تعالى إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ وَلاَ يحيق المكر السيء إِلاَّ بِأَهْلِهِ وَمِنْ نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نفسه ﴿ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فنخبركم به ونجازيكم عليه
стр. 1985
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء﴾ من السحاب ﴿فاختلط بِهِ﴾ بالماء ﴿نَبَاتُ الأرض﴾ أي فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً ﴿مِمَّا يَأْكُلُ الناس﴾ يعني الحبوبِ والثمار والبقول ﴿والأنعام﴾ يعني الحشيش ﴿حتى
стр. 1986
إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا﴾ زينتها بالنبات واختلاف ألوانه ﴿وازينت﴾ وتزينت به وهو أصله وأدغمت التاء في الزاي وهو كلام فصيح جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من
يونس (٢٤ _ ٢٥)
ألوان الزين ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ أهل الأرض ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ عذابنا وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم ﴿ليلا أو نهارا فجعلناها﴾ فجعلنا زرعها ﴿حَصِيداً﴾ شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ﴾ كأن لم يغن زرعها أي لم يلبث حذف المضاف فى هذه المواضع لا بدمنه ليستقيم المعنى ﴿بالأمس﴾ هو مثل في الوقت القريب كأنه قيل كأن لم تغن آنفاً ﴿كذلك نُفَصّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فينتفعون بضرب الأمثال وهذا من التشبيه المركب شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفاقه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه وحكمة التشبيه التنبيه على أن الحياة صفوها شبيتها وكدرها شيبتها كما أن صفوالماء في أعلى الإناء قال
ألم تر أن العمر كأس سلافة ... فأوله صفو وآخره كدْر
وحقيقة تزيين جثة الطين بمصالح الدنيا والدين كاختلاط النبات على اختلاف التلوين فالطينة الطيبة تنبت بساتين الانس ورياحين الرحوح وزهرة الزهد وكروم الكرم وحبوب الحب وحدائق الحقيقة وشقائق الطريقة
стр. 1987
والخبيثة تخرج خلاف الخلف وثمام الاثم وشوك الشرك وشيح الشح وحطب العطب ولعاع اللعب ثم يدعوه معاده كما يحين للحرث حصاده فتزاليه الحياة مغتراً كما يهيج النبات مصفراً فتغيب جثته في الرمس كأن لم تغن بالأمس إلى أن يعود ربيع البعث وموعد العرض والبحث وكذلك حال الدنيا كالماء ينفع قليله ويهلك كثيره ولا بد من ترك مازاد كما لا بد من أخذ الزاد وآخذ المال لا يخلوا من زلة كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة وجمعه وإمساكه تلف صاحبه وإهلاكه فما دون النصاب كضحضاح ماء يجاوز بلا احتماء والنصاب كنهر حائل بين المجتاز والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهى الزكاة وعمارتها بذل الصلاة فمتى اختلت القنطرة غرّقته أمواج القناطير المقنطرة وعن هذا قال ﵇ الزكاة قنطرة الإسلام وكذا المال يساعد الأوغاد دون الأمجاد كما أن الماء يجمتع فى الوهاد دون النجاد وكذالك المال لا يجتمع إلا بكد البخيل كما أن الماء لا يجتمع إلا بسد المسيل ثم يفنى ويتلف ولا يبقى كالماء في الكف
стр. 1988
وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)
﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ وهى الجنة أضافها إلى اسمه تعظيماً لها أو السلام والسلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه وقيل لفشوا السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم إلا قيلا سلاما سلاما ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَاء﴾ ويوفق من يشاء ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ إلى الإسلام أو طريق السنة فالدعوة عامة على لسان رسول الله بالدلالة والهداية
يونس (٢٦ _ ٢٨)
خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية والمعنى يدعوا العباد كلهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلا المهديون
стр. 1989
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)
﴿لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ آمنوا بالله ورسله ﴿الحسنى﴾ المثوبة الحسنى وهى الجنة ﴿وزيادة﴾ رؤية الرب كذا عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس وأبى موسى الأشعري وعبادة بن الصامت رضى الله عنهم وفي بعض التفاسير أجمع المفسرون على أن الزيادة النظر إلى الله تعالى وعن صهيب أن النبى ﷺ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎ أتريدون شيئاً ازيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم ندخلنا الجنة وتنجينا من النار قال فيرفع الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ وزيادة والعجب من صاحب الكشاف أنه ذكر هذا الحديث لا بهذه العبارة وقال إنه حديث مدفوع مع أنه مرفوع قد أورده صاحب المصابيح في الصحاح وقيل الزيادة المحبة في قلوب العباد وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان ﴿ولا يرهق وجوههم﴾ ولا يغشى وجوهم ﴿قَتَرٌ﴾ غبرة فيها سواد ﴿وَلاَ ذِلَّةٌ﴾ ولا أثر هوان والمعنى ولا يرهقهم مايرهق أهل النار ﴿أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون﴾
стр. 1990
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)
﴿والذين كَسَبُواْ﴾ عطف على للذين أحسنوا أي وللذين كسبوا ﴿السيئات﴾ فنون الشرك ﴿جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ الباء زائدة كقوله ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ أو التقدير جزاء سيئة مقدرة بمثلها ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ ذل وهوان ﴿مَا لَهُم مِنَ الله﴾ من عقابه ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعقابه ﴿كأنما أُغشيت وجوهُهم قِطعاً من الليل مظلماً﴾ أي جعل عليها غطاء من سواد الليل أي هم سود الوجوه وقطعا جمع قطعة وهو
стр. 1991
مفعول ثان لا غشيت قطعا مكى وعلى من قوله يقطع من الليل وعلى هذه القرءاة مظلماً صفة لقطع وعلى الأول حال من الليل والعامل فيه أغشيت لأن من الليل صفة لقطعا فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة أو معنى الفعل من الليل ﴿أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾
стр. 1992
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي الكفار وغيرهم ﴿جَمِيعاً﴾ حال ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ﴾ أي الزموا مكانكم ولا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم ﴿أَنتُمْ﴾ أكد به الضمير في مكانكم لسده مسد قوله الزموا ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطف عليه ﴿فَزَيَّلْنَا﴾ ففرَّقنا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ من عبدوه من دون الله من أولي العقل أو الأصنام ينطقها الله ﴿مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا فأطعتموهم وهو قوله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ﴾
إلى قوله ﴿بل كانوا يعبدون الجن﴾
стр. 1993
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)
﴿فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي كفى الله شهيداً وهو تمييز ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين﴾ إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية
стр. 1994
هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)
﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلك المكان أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان ﴿تبلو كُلُّ نَفْسٍ﴾ تختبر وتذوق ﴿مَّا أَسْلَفَتْ﴾ من العمل فتعرف كيف هو أقبيح أم حسن أنافع أم ضار أمقبول أم مردود وقال الزجاج تعلم كل نفس ما قدمت تتلوا حمزة وعلي أي تتبع ما أسلفت لأن عمله هو الذى هديه إلى طريق الجنة أو النار أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر كذا عن الأخفش ﴿وَرُدُّواْ إِلَى الله مولاهم الحق﴾ ربهم الصادق
стр. 1995
فى ربوبيته لأنهم كانوا يتولون ماليس لربوبيته حقيقة أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم العدل الذي لا يظلم أحداً ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ وضاع عنهم ما كانوا يدّعون أنهم شركاء لله أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة
стр. 1996
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء﴾ بالمطر ﴿والأرض﴾ بالنبات ﴿أم من يَمْلِكُ السمع والأبصار﴾ من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذى سويا عليه من القطرة العجيبة أو من يحميها من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء ﴿وَمَن يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ أي الحيوان والفرخ والزرع والمؤمن والعالم من النطفة والبيضة والحب والكافر والجاهل وعكسها ﴿وَمَن يُدَبّرُ الأمر﴾ ومن يلي تدبير أمر العالم كله جاء بالعموم بعد الخصوص ﴿فَسَيَقُولُونَ الله﴾ فسيجيبونك عند سؤالك إن القادر على هذه هو الله ﴿فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ الشرك في العبودية إذا اعترفتم بالربوبية
стр. 1997
فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)
﴿فَذَلِكُمُ الله﴾ أي من هذه قدرته هو الله ﴿رَبُّكُمُ الحق﴾ الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه لمن حقق النظر ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال﴾ أي لا واسطة بين الحق والضلال فمن تخطى الحق وقع في الضلال ﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾ عن الحق إلى الضلال وعن التوحيد إلى الشرك
стр. 1998
كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
﴿كذلك﴾ مثل ذلك الحق ﴿حقت كلمة رَبّكَ﴾ كلمات شامي ومدني أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق فكذلك حقت كلمة ربك ﴿عَلَى الذين فَسَقُواْ﴾ تمردوا في كفرهم وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه ﴿أَنَّهُمْ لا يؤمنون﴾
يونس (٣٤ _ ٣٦)
بدل من الكلمة أي حق عليهم انتفاء الإيمان أو حق عليهم كلمة الله أن ايمانهم غير
стр. 1999
كائن أو أراد الكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل أي لأنهم لا يؤمنون
стр. 2000
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)
﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إنما ذكر ثم يعيده وهم غير مقرين بالإعادة لأنه لظهور برهانها جعل أمراً مسلماً على أن فيهم من يقر بالإعادة أو يحتمل إعادة غير البشر كإعادة الليل والنهار وإعادة الإنزال والنبات ﴿قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أمر نبيه بأن ينوب عنهم في الجواب يعني أنهم لا تدعهم مكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فكلم عنهم ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون عن قصد السبيل
следующие страницы →